المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مطلب إظهار قواعد البيت، وعمارته، والحج إليه، وفوائد الحج، والدبائح وما يتعلق فيها المادية والمعنوية: - بيان المعاني - جـ ٦

[ملا حويش]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء السادس]

- ‌تفسير سورة الزلزلة عدد 7- 93- 98

- ‌تفسير سورة الحديد عدد 8- 94- 57

- ‌تفسير سورة محمد عليه السلام عدد 9- 95 و 47 وتسمى سورة القتال

- ‌مطلب الآية المكية وصفة الجنّة وعلامات السّاعة وحال أهل الجنّة وأهل النّار:

- ‌مطلب عصمة النّساء وصلة الرّحم وتدبر القرآن ومثالب المنافقين والكافرين والبخل وما نفرع عنه:

- ‌تفسير سورة الرّعد عدد 10- 96 و 13

- ‌مطلب في قوله تعالى بغير عمد. وفي قارات الأرض الخمس ومعجزات القرآن والمعقبات:

- ‌مطلب ينتفع الميت بعمل غيره وبصلة الوفاء والصّدقات ويجوز قضاء حجه وصومه من قبل أوليائه وفي ذكر الله تعالى وصلة الرّحم:

- ‌مطلب في أحوال أهل الكتاب، والمحو والإثبات ونقص الأرض وحكم الله تعالى:

- ‌تفسير سورة الرّحمن عدد 11- 97 و 55

- ‌مطلب أن الآيات نقم على أناس، نعم على آخرين ومزية الخوف من الله تعالى:

- ‌تفسير سورة الإنسان عدد 12- 98 و 76

- ‌مطلب في الحين والنّذر والكرم وأنواعه وثوابه وأول من سنه:

- ‌تفسير سورة الطّلاق عدد 13- 99- 65

- ‌مطلب الحكم الشّرعي في الإشهاد على أن الطّلاق والرّجعة بعد بيان أحوال المطلقات والآية الوحيدة الدّالة على أن الأرضين سبع كالسماوات:

- ‌تفسير سورة البينة عدد 14- 100 و 98

- ‌مطلب المراد بالإخلاص وأهل الكتابين والمشركين وغزوة بن النّضير وسبب إسكان اليهود في الحجاز:

- ‌تفسير سورة الحشر عدد 15- 101- 59

- ‌مطلب أمر الرّسول أمر الله وبيان قسمة الفيء والغنيمة وذم البخل والشّح وعمل أبي طلحة رضي الله عنه وحب الأصحاب حب الرّسول:

- ‌مطلب قصة برصيصا الرّاهب وكفره وجريج الرّاهب وبراءته، وتسبب العلماء لإهانة أنفسهم:

- ‌تفسير سورة النّور عدد 16 و 102 و 24

- ‌مطلب في كفر من يقذف السّيدة عائشة بعد بيان هذه الأحكام العشرة المبينة بالآيات في أول السّورة إلى هنا وقصة الإفك:

- ‌مطلب آداب الدّخول على الدّور وطوق الباب والدّخول بلا أذى والوقوف أمام باب الدّار وحومة النّظر إلى من فيها:

- ‌مطلب فيمن يجوز نظره ومن لا وستر الوجه وغيره وما هي الزينة التي لا يجوز النّظر إليها والنّكاح:

- ‌مطلب ارجاء زواج الفقير لفناه. وجواز الكاتبة ندبا. وفي معنى (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) . ومعنى قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) :

- ‌مطلب في الزيتون ونوره تقالى ومعنى ضرب المثل وما ينقل عن كعب الأحبار:

- ‌مطلب تأليف المطو والبرد وكيفية حصول البرق والرّعد وكون مخلوقات الله كلها من مادة الماء:

- ‌مطلب في معجزات الرّسول، الإخبار بما يأتي، وعوائد الجاهلية الباقي أثرها وجواز الأكل عند الأقارب والأصدقاء، ووجوب ملازمة الرّسول صلى الله عليه وسلم:

- ‌تفسير سورة الحج عدد 17- 103- 52

- ‌مطلب إظهار قواعد البيت، وعمارته، والحج إليه، وفوائد الحج، والدّبائح وما يتعلق فيها المادية والمعنوية:

- ‌مطلب في قصة قوم صالح عليه السلام وأسباب إهلاك بعض الأمم وتسمية بعض البلاد بما وقع فيها والآيات المكيات:

- ‌مطلب تعجيب الله رسوله وخلقه في بعض أفعاله وضرب الأمثال وكون شريعة محمد ناسخة لكل الشّرائع وعجز الأوثان وسجود التلاوة

- ‌تفسير سورة المجادلة عدد 19 و 105- 58

- ‌مطلب آداب المجالسة وفضل العلم والعلماء وما يتعلق بذلك:

- ‌تفسير سورة الحجرات عدد 20- 106 و 29

- ‌مطلب في الصّلح ومراعاة العدل بين الطّرفين من قبل المصلحين والسّخرية والظّن والتجسس والغيبة والشّعوب وتفرعاتها:

- ‌تفسير سورة التحريم عدد 21- 107 و 66

- ‌مطلب استئناس عمر رضي الله عنه مع حضرة الرّسول وما قاله ابو رواحة إلى زوجته حتى تخلص مما اتهمته به:

- ‌مطلب في المثل الذي ضربه الله تعالى لنساء الأنبياء وقصة آسية زوجة فرعون ومريم ابنة عمران:

- ‌تفسير سورة التغابن عدد 22- 108- 64

- ‌تفسير سورة الجمعة عدد 42 و 110 و 62

- ‌مطلب أول جمعة أقيمت في الإسلام وفضلها والعمل بها وسبب تسميتها:

- ‌تفسير سورة الفتح عدد 25- 111 و 63

- ‌مطلب قصة الفتح وأعني بالفتح فتح مكة لا غير وبيان الّذين هدر دمهم رسول الله وما وقع فيه وسببه:

- ‌مطلب فيما امتاز به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ووصف أصحابه والتوقي من ذكرهم بسوء:

- ‌تفسير سورة المائدة عدد 26 و 112 و 5

- ‌مطلب في النّسخ والحرمات وأسباب تحريمها والأنصاب والأزلام وغيرها والآية المستثناة:

- ‌مطلب في أحكام الصّيد وما يؤكل منه وما لا، وما هو المعلم من غيره والصّيد بالبندقية والعصا وغيرهما

- ‌مطلب في أحكام التيمم وكيفيته وجواز الوضوء الواحد لخمس صلوات وإن كلمة إنا لا تفيد العموم وفروض الوضوء وكيفيته:

- ‌مطلب تذكير رسول الله ببعض النّعم التي أنعم الله بها عليه بخلاصه من الحوادث والتآمر، وقصة موسى عليه السلام مع الجبارين:

- ‌مطلب في مدة الفترة وما بين عيسى ومحمد من الزمن وعوج بن عنق وتيه بني إسرائيل والحكمة منه:

- ‌مطلب موت هارون وموسى عليهما السلام وقصة ولدي آدم عليه السلام:

- ‌مطلب في حد المفسدين في الأرض ومن تقبل توبتهم ومن لا تقبل وحكاية داود باشا حاكم العراق:

- ‌مطلب في الرّابطة عند السّادة النّقشبندية وفي حد السّارق ومعجزات الرّسول والقصص وما يتعلق به:

- ‌مطلب في الّذين ارتدوا عن الإسلام في زمن الرّسول وبعد واخبار الرّسول بذلك عن طريق الاعجاز ومن دخل في الإسلام:

- ‌مطلب في مثالب اليهود والتفرقة في الدّين وما ينشا عنها وأن تبليغ الرّسول مقصور على القرآن وأمره بترك حراسته:

- ‌مطلب أشد النّاس عداوة وأقربهم مودة للمسلمين وان التشديد في الدّين غير مشروع ولا ممدوح وكفارة اليمين:

- ‌مطلب تحريم الخمر بتاتا وأسباب هذا التحريم وذم الخمر والميسر وشبههما والحكم الشّرعي فيه وضرره في الوجود:

- ‌مطلب في الخبيث والطّيب والنّهي عن سؤال الله بما لم يكلف به عباده وما حرمته الجاهلية قبل الإسلام:

- ‌مطلب لا يستفاد من هذه الآية ترك الأمر بالمعروف وكيفية استماع الشّهود على وصية الميت وسبب نزول هذه الآية:

- ‌مطلب في نزول المائدة وما قاله عيسى عليه السلام لطالبيها وما أجاب به ربه عند سؤاله عما عزى إليه قومه:

- ‌تفسير سورة التوبة- براءة عدد 27- 113 و 8

- ‌مطلب إنذار الله إلى النّاس بانتهاء معاهدات الحرب وعدم صحة عزل أبي بكر من إمارة الحج وتهديد الكفار إذا لم يؤمنوا بعد هذا الانذار:

- ‌مطلب تفضيل الإيمان على كلّ عمل مبرور كعمارة المساجد والإطعام وفك الأسرى وغيرها:

- ‌مطلب في الرّخص والعزائم وواقعة حنين

- ‌مطلب أسباب ضرب الجزية على أهل الكتاب وما هي، ومعاملتهم بالحسنى وبيان مثالبهم التي يفعلونها ويأمرون بها:

- ‌مطلب في ذم مانعي الزكاة وعقابهم، ومعنى الكنز، وسبب نفي أبي ذر، والأشهر الحرم، واختلاف السّنين، وعدد أيامها:

- ‌مطلب فى المجاهدين وما ذكره الله من هجرة رسوله والحث على الجهاد وغزوة تبوك وما وقع فيها:

- ‌مطلب مثالب المنافقين ومصارف الصّدقات وسبب وجوبها وتحريم السّؤال:

- ‌مطلب في الأصناف الثمانية ومن يجوز إعطاؤه من الزكاة ومن لا يحوز وبعض مثالب المنافقين أيضا:

- ‌مطلب ظهور المنافقين وفضحهم وعدم قبول أعذارهم

- ‌مطلب في فضايح المنافقين وإسلام بعضهم وما قيل في الأيام وتقلباتها والصّحبة وفقدها

- ‌مطلب قصة ثعلبة وما نتج عنها وحكم وأمثال في البخل والطّمع والجبن وغيرها:

- ‌مطلب موت ابن أبي سلول وكون العلة لا تدور مع المعلول، وأسباب التكرار في الآيات وعدم زيادة (ما) ولا غيرها في القرآن:

- ‌مطلب في المستثنين من الجهاد، والفرق بين العرب والأعراب وأول من آمن وخبرهم، وتقسيم المنافقين، وعذاب القبر:

- ‌مطلب سبب اتخاذ مسجد الضّرار ومسجد قباء وفضله، والترغيب في الجهاد وتعهد الله للمجاهدين بالجنة، وعدم جواز الاستغفار للكافرين:

- ‌مطلب في إيمان أبي طالب وسبب استغفار ابراهيم لأبيه وكذب ما نقل عن ابن المقفع وقصة المخلفين الثلاثة وتوبتهم:

- ‌مطلب في مدح الصّدق وفوائده وذم الكذب ونتائجه وما يتعلق بذلك والرّابطة عند السّادة الصّوفية:

- ‌مطلب في فضل الجهاد والنّفقة فيه وفضل طلب العلم واستثناء أهله من الجهاد، والحكمة في قتال الأقرب بالأقرب وكون الايمان يزيد وينقص وبحث في ما:

- ‌(تفسير سورة النّصر عدد 28- 114 و 110)

- ‌(الخاتمة نسأل الله حسنها لديه)

الفصل: ‌مطلب إظهار قواعد البيت، وعمارته، والحج إليه، وفوائد الحج، والدبائح وما يتعلق فيها المادية والمعنوية:

نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ» (25) في الآخرة فضلا عما يصيبه من الهوان في الدّنيا أخرج الترمذي وأبو داود والنّسائي عن جبير بن مطعم أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلّى أي ساعة شاء من ليل أو نهار. هذا ومن قال إن المراد بالمسجد جميع الحرم يترتب عليه عدم جواز بيع بيوت مكة وإن النّاس فيها سواء، وهذا ينافيه قوله تعالى (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ) الآية 41 الآتية إذ أضاف الدّيار إلى مالكيها. وقوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن. إذ نسب الدّيار إليهم نسبة ملك، فلو كانت من الحرم لما نسبت إليهم، وشراء السّيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه دار السّجن بأربعة آلاف درهم يدل على جواز بيعها، فلو كانت من

الحرم لما جاز له ذلك ولم يقروه عليه، أما ما قاله عبد الرّحمن بن سابط من أن الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهلها بأحق في منزلة منهم، وما روي عن عمر بن الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة في المعنى الذي ذكره عبد الرّحمن، لا يدل على أنها من جملة الحرم الذي يشترك فيه النّاس أجمع وإنما يدل على كرم أخلاق أهل مكة وحسن قراهم للضيف، ومساواتهم له بأنفسهم وجعلهم الضّيف كأحد في منازلهم، وهو على حد قوله:

يا ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا

نحن الضّيوف وأنت رب المنزل

‌مطلب إظهار قواعد البيت، وعمارته، والحج إليه، وفوائد الحج، والدّبائح وما يتعلق فيها المادية والمعنوية:

قال تعالى «وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ» أي واذكر يا سيد لرسل لقومك زمن إظهار البيت لجدك ابراهيم وجعلنا إياه له متوأ ومسكنا يسكن يه ومأوى يرجع إليه، وذلك حين أمره الله ببنائه بعد الطّوفان، وكان لم يدر مكانه الذي كان فيه قبل الطّوفان لا ندثاره، قالوا بعث الله ريحا خجوجا هي لشديدة الحر أو المتلوية في هبوبها. ومعنى الحج الدفع والشّق والالتواء والجماع، وله معان أخر غير هذه، فكنست ما حوله حتى ظهر وبرز أساسه، فعمره على النّحو الذي ذكر في سورة البقرة في الآية 136 المارة، وقلنا له «أَنْ لا تُشْرِكْ

ص: 167

بِي شَيْئاً»

من الأشياء سماويا أو أرضيا «وَطَهِّرْ بَيْتِيَ» من أقذار الأوثان وأوساخ الكفر ليكون نظيفا طاهرا من الأرجاس والأنجاس كما كان من قبل حين بنته الملائكة وآدم من بعدهم، وأبحه «لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ» فيه «وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» (26) لجلالي وعظمتي «وَأَذِّنْ» أعلم وناد «فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ» قالوا فقال يا رب وما يبلغ صوتي في وسيع ملكك، فقال تعالى عليك الأذان وعلينا الإسماع والإبلاغ، فقام عليه السلام على المقام المعروف اليوم وأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، وقال بأعلى صوته أيها النّاس ألا إن ربكم قد بنى بيتا وكتب عليكم الحج إليه، فأجيبوا ربكم، فأجابه كلّ من يحج إلى يوم القيامة من الموجودين على ظهر الأرض إذ ذاك، ومن أصلاب الآباء وأرحام الأمهات ممن كتب الله له الحج، قائلا لبيك اللهم لبيك. ولا يقال في هذا لأن المستمع هو الذي خاطب خلقه في عالم الذرّ بقوله (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) كما تقدم في الآيتين 172 و 173 من سورة الأعراف المارة في ج 1. وإياك أن تستعبد هذا الإسماع أيها الإنسان أو تشك فيه فإذا كان الرّاد المحدث الآن يسمع أهل المشرق والمغرب بآن واحد بثانية واحد، وإن اهتف يخاطب به كذلك وهو من صنع خلقه، فكيف بخالق هذا الخلق أيعجزه ذلك، كلا ثم كلا، وهو القادر على كلّ شيء. وإذا ناديتهم يا خليلي ستراهم «يَأْتُوكَ رِجالًا» مشاة «وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ» ركبانا والضّامر البعير المهزول من نصب السّير وتعب الثقل وقلة الأكل والشّرب. ومما يدل على بعد الشّقة قوله «يَأْتِينَ» تلك الإبل الضّوار بركابها «مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» (27) طريق بعيد والفج الطّريق في الجل وغلب على غيره وعمقه بنسبة علو الجبل المنشق منه عن يمينه وشماله، وهؤلاء المدعون يأتون لهذا البيت «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ» دينية ودنيوية مختصة في هذا البيت لا يشهدونها في غيره ولا توجد إلّا به، راجع الآيتين 158 و 96 من سورة البقرة والآية 97 من آل عمران المارات «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ» على ما سينحرونه من الهدى «فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ» ويكبرون عليها إذا أريد ذبحها يوم النّحر وأيّام التشريق بدليل قوله تعالى «عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ

ص: 168

الْأَنْعامِ»

أضحية وهديا، وإذا فعلتم هذا أيها النّاس امتثالا لأمري «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ» (28) الذي لا شيء عنده. كانت العرب في الجاهلية لا تأكل لحوم ضحاياها وهداياهم، فأمر الله تعالى بمخالفتهم وأباح لعباده الأكل منها، أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله في قصة حجة الوداع قال وقدم علي كرم الله وجهه ببدن من اليمن وساق رسول الله مئه بدنة فنحر منها ثلاثا وستين بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم، ونحر عليّ ما نحر أي ما بقي، وأشركه في بدنه، وفي عدد ما نحره صلى الله عليه وسلم إشارة إلى مدة حياته إذ توفي في الثالثة والسّتين من عمره، وفي هذا يعلم أن حضرة الرّسول قد أعطى من القوة ما لم يعطها غيره قط، لأن أحدا لا يقدر على نحر عشر من الإبل دفعة واحدة، فهو أكمل الخلق مادة ومعنى وخلقا وخلقا وقلبا وقالبا وروحا وجسما. ثم أمر من كلّ بدنة ببضعة أي قطعة فجعلت في قدر وطبخت، فأكل منها وشرب من مرقها، مما يدل على جواز الأكل من لحوم الأضحية دون قيد أو شرط. وقد اختلفت الأئمة في ذلك فمنهم من جوز الأكل من الهدايا الواجبة كدم التمتع والقرآن وما جبر بإفساد شيء من واجبات الحج وجزاء العيد، واتفقوا على جواز الأكل من جميع هدايا التطوع والأضحية إذا لم تكن منذورة

، وإذا أريد بالأيام عشر ذي الحجة يراد بالذكر مطلقه وما يتلى غالبا في أيّام الحج. قال تعالى «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» أي لينتهوا من إزالة أدرانهم وأوساخهم ويقصوا شعورهم وأظفارهم ويستحدوا (يحلقوا عانتهم) وينتفوا آباطهم ويغيروا ما أحرموا به بالثياب النّقية، لأن الحاج مادام محرما أشعث أغبر «وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ» التي التزموها وأوجبوها على أنفسهم. وهذه الآية عامة في الحاج وغيره وإن ورودها في معرض الحج لا يقيدها بالحاج، وهذا الأمر للوجوب وقدمنا ما يتعلق بهذا في الآية 7 من سورة الإنسان والآية 170 من البقرة المارتين «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (29) يكثروا الطّواف فيه بدليل تضعيف الفعل وسمي عتيقا لأنه أول بيت وضع للناس كما مر في الآية 97 من آل عمران المارة والمراد بهذا الطّواف طواف الإفاضة وأول وقته يوم النّحر بعد الرّمي والحلق، ويسمى طواف الزيارة وهو أحد فرائض الحج الثلاثة وأولها الإحرام وثانيها

ص: 169

الوقوف بعرفة، أما طواف القدوم وهو أول وصوله إلى مكة فهو سنة، وطواف الوداع وهو عند قرب خروجه منها واجب «ذلِكَ» شهود المنافع وذكر الإله والأكل من لحوم الهدي وإطعام الفقراء منهما وقضاء التفث وإيفاء النّذور والطّواف بالبيت كلها من تعظيم حرمات الله «وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ» بالاجتناب لكل ما لا يحل هتكه وإثبات جميع ما كلف الله به الحاج من مناسك وغيرها «فَهُوَ» أي ذلك التعظيم «خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ» عظيم نفعه لا يقدر قدر خيره إلّا هو. ومما يدل على عظمة تفكيره «وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ» الإبل والبقر والغنم وغيرها- أكلا وذبحا واقتناء- فمن الأنعام ما يركب ويؤكل وهي الإبل، ومنها يؤكل ولا يركب كالأغنام وشبهها. واعلم أن الخيل والبغال لا تدخل في معنى الأنعام ولا يشملها لفظها. ثم لستثنى جل جلاله من عموم ذلك فقال «إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ» تحريمه مما يأتي ذكره وتفصيله في الآية 4 فما بعدها من سورة المائدة بصورة أوضح مما تقدم في الآية 149 فما بعدها من الأنعام إن شاء الله، فهذا المستثنى حرام نجس «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ» كما تجتنبون ما حرّم عليكم أكلهم لاشتراكها في الرّجسية، بل عبادة الأوثان أعظم وزرا وتلويثا للانسان من تلويث النّجاسة، لأن فيها الإشراك بالله وهو كفر محض وليس في أكل المحرم إلّا الحرمة التي يفسق فاعلها إذا لم يستحله، وأعظم أنواع الكفر الشّرك. جاء في الإصحاح 15 من إنجيل متى ليس ما يدخل في الفم ينجّس الإنسان بل ما يخرج من الفم. وقال في الإصحاح 13 من فضلة القلب يتكلم الفم «وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» (30) الافتراء والكذب والبهتان وشهادة الزور ومأخوذة من الزور وهو الانحراف وكفى به إثما إنها عدلت الإشراك بالله راجع الآية 72 من سورة الفرقان ج 1

فاتركوا هذا أيها المؤمنون وكونوا مخلصين «حُنَفاءَ لِلَّهِ» عادلين عن غيره مائلين له «غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ» أحدا ولا شيئا «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ» غيره من صنم أو وثن «فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ» فسقط على الأرض «فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ» بسرعة وتذهب به «أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ» فتميل به وتطرحه في «مَكانٍ سَحِيقٍ» (31) بعيد فيصير

ص: 170

مسحوقا مكسرا ولم تكرر هذه الكلمة في القرآن، والمعنى أن المشرك بالله يهلك نفسه إهلاكا ما بعده إهلاك ويدمّر نفسه تدميرا فظيعا شنيعا «ذلِكَ» الذي يجتنب الرّجس ويخلص لله فقد عظم شعائر الله «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها» خصلة التعظيم ما تكون في الإنسان إلا «مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» (32) التي هي مراكز التقوى وملاك القوى. والشّعائر جمع شعيرة وهي العلامة من الأشعار الذي هو الأعلام وكلّ ما هو من معالم الحج يسمى شعيرة، ومنها الهدايا والضّحايا وتعظيمها استحسانها واستسمانها «لَكُمْ فِيها» أي الهدايا المشعرة وذلك أنهم كانوا يطعنونها في سنامها من أيمنه أو أيسره حتى يسيل منها الدّم فيعلم من يراها أنها هدي فلا يتعرض لها «مَنافِعُ» في نسلها ودرعا وصوفها ووبرها وركوبها وبيع أولادها ما زالت عندكم تنتفعون بها «إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» هو وقت نحرها إذا سماها هديا أو أوجبها ضحية وبعد التسمية لا حق له بشيء منها ولا بمنافعها، إلا أنه يجوز ركوبها فقط لما روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال اركبها، فقال يا رسول الله إنها بدنة، فقال اركبها ويلك- أخرجاه في الصّحيحين- فيظهر من هذا أن جعلها هديا لا يمنع من ركوبها «ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ» (33) وأن منفعتها العظمى بعد تلك المنافع تكون عند منحرها بالحرم المنتهية إليه إذ تذبح هناك وينال صاحبها منفعتها الكبرى الدائمة عند الله تعالى في يوم يكون صاحبها أحوج منه إلى غيره. أما منفعتها الدنيوية ففانية، والمراد بالبيت هنا ما يشمل الحرم كله على حد قوله تعالى (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) الآية 98 من سورة المائدة الآتية وهي كلها منحر. قال تعالى «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ» من الأمم «جَعَلْنا مَنْسَكاً» بفتح السّين لإراقة الدّم وذبح القرابين خصصنا موضعا «لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ» عليها عند ذبحها شكرا لجلاله «عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ» التي يتقرب بها إليه دون غيرها ولذلك أضاف لها الأنعام لأن البهيمة مبهمة في كلّ ذات أربع في البر والبحر مما يؤكل ومالا «فَإِلهُكُمْ» أيها الحاضرون وإله الّذين من قبلكم ومن بعدكم إلى يوم القيامة وبعدها «إِلهٌ واحِدٌ» عالم قدير خالق رازق محيي مميت منعم معذب

ص: 171

«فَلَهُ أَسْلِمُوا» وانقادوا أيها النّاس لعظمته وأخلصوا لكبريائه والهجوا بذكره وحده على الذبح وغيره، ولا تذكروا شيئا سواه أبدا «وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ» (34) له الخاشعين لهيبته الخاضعين لعبادته «الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ» أمامهم وبمسمعهم «وَجِلَتْ» خافت أشد الخوف «قُلُوبُهُمْ» ورجفت لعظمته فيها وهيبته عليها فبشر هؤلاء يا سيد الرسل «وَالصَّابِرِينَ» بشرهم «عَلى ما أَصابَهُمْ» من البلاء والمحن الواقعة عليهم من الله ومن خلقه، لانهم يعلمون أنها بقضائه وقدره «وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ» بأوقاتها الموفين بأركانها وواجباتها وسنتها بشرهم أيضا «وَ» بشر الّذين «مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» (35) على المستحقين وخاصة الّذين يؤثرون الفقراء على أنفسهم بشرهم برضوان الله ورحمته. قال تعالى «وَالْبُدْنَ» جمع بدنة تطلق على الإبل والبقر فقط لبدانتهما «جَعَلْناها لَكُمْ» أيها النّاس ملكا، وجعلنا ذبحها في الحرم للحاج وغيرهم أضحية تذبحونها فيه ليتناولها أهله المحتاجون «مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» واعلام دينه «لَكُمْ فِيها خَيْرٌ» في الدّنيا بالذكر الحسن وفي الآخرة بالثواب العظيم إذا هديتموها وذبحتموها وتصدقتم بها على أهل الله وعياله، وإذا أردتم ذبحها «فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ» بالفتح دون تنوين، وقرئت منوّنة على لغة من يصرف مالا ينصرف، قال الرّاجز

والصّرف والجمع أتى كثيرا

حتى ادعى قوم به التخييرا

وهذه الكلمة لم تكرر في القرآن أيضا. أي اذبحوها قائمة على ثلاث ويدها اليسرى معقولة. روى البخاري ومسلم عن زياد بن جبير قال رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة لينحرها، قال ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه السّنة قل من يفعلها الآن لأنهم لا يذبحون البدن إلّا مناخة معقولة من الأربع «فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها» بأن سقطت على الأرض بعد الذبح بدليل قوله جل وعلا «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ» المتعفف

«وَالْمُعْتَرَّ» الملحف بالسؤال «كَذلِكَ» مثل ما سخّرناها لكم بأن تذبح وهي قائمة «سَخَّرْناها لَكُمْ» للركوب والحمل وذللناها لكم حتى صارت تنقاد للطفل لكمل استفادتكم منها، ولولا هذا التسخير لما استفدتم منها شيئا من ركوب وحمل وحليب رجزّ وبر وغيرها لأنها أقوى منكم،

ص: 172

وقد فعلنا هذا لكم «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (36) نعمة ربكم على ذلك وغيره.

واعلموا أيها النّاس أن هداياكم وضحاياكم ونذوركم هذه وجميع صدقاتكم «لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها» بما تفعلونه، وذلك أنهم كانوا إذا نحروا الهدايا والضّحايا لطخوا الكعبة بدمائها ويزعمون أنه قربة وليس بقربة، ولم تزل هذه العادة الجاهلية جارية عند الجهلاء في المدن والقرى حتى اليوم، وذلك أنهم عند ما يذبحون نذرا أو خيرا أو عند إرادتهم البناء تبركا أو عند إكماله شكرا بزعمهم يلطخون باب الدّار والجدران بدم ما يذبحونه تقليدا على فعل الجاهلية بالكعبة المعظمة، فرد الله عليهم بأن هذا العمل ليس من القربة المراد بها وجه الله والتي يثاب العبد على فعلها، لأن اللّحوم والدّماء لن ترفع إلى الله تعالى بل يرفع ثوابها إذا كانت على وجه شرعي «وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ» أي يرفع إليه العمل الصّالح والإخلاص فيه المعبر عنه بالتقوى التي يجب ان تنحلوا بها فهي التي يراد بها وجه الله ويثاب عليها. قال تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) الآية 40 من سورة فاطر ج 1 «كَذلِكَ» مثل هذا التسخير البديع «سَخَّرَها» أي البدن «لَكُمْ» أيها النّاس للاستعمال والذبح «لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ» عند ذبحها على ما هداكم لمعالم دينه وأرشدكم إليها «وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» (37) بالثواب العظيم عند الله تعالى إذا فعلوا ما أمروا به واجتنبوا ما نهوا عنه في هذه المناسك التي سماها الله تعالى منافع. هذا وليعلم أن الحج من العوامل القوية على تآلف المسلمين واتحادهم على توثيق عرى المحبّة والعون على إجراء الحق بينهم وتوحيد كلمتهم. قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الآية العاشرة من سورة الحجرات الآتية ويدعو إلى تعاضدهم وتآزرهم بما يتعلق بجميع شؤنهم وإصلاح كيانهم وإعلاء شأنهم حتى تكون العزّة لهم. قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) الآية 138 من سورة النّساء المارة وهو العامل الأقوى على لمّ شعثهم وتقويم اعوجاجهم حتى يكونوا الأمة الكريمة التي عناها الله بقوله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) الآية 130 من آل عمران المارة. وإنما فرضه الله تعالى على المستطيع من عباده ليرى حكمته البالغة، ويقدر فوائده العظمى التي تعود على المسلمين بالخير الوافر والنّعم

ص: 173

الجزيلة، إذا قدره حق قدره، وعرف المغزى من فرضه، واستغل ما وضع له وحاول جني ثماره، لأن هذا الرّكن العظيم من أركان الإسلام يرمي إلى الاتحاد والتوثيق حتى يشعر بأن النّاس كلهم روح واحدة على ما هم عليه من بعد الشّقة، ونفس واحدة على ما هم عليه من الاختلاف باللغة واللّون والسّعادة والسّكن. قال تعالى (ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ)

الآية 28 من سورة لقمان في ج 2 وإن الفطن ليلمس هذا القصد فى دعوة النّاس إلى الاجتماع في صعيد واحد متجهين لقبلة واحدة بزيّ واحد وغرض واحد، فإذا فقه المسلمون وتيقظوا لهذا وانتهزوا الفرصة بزيارة هذا البيت، وعرفوا ضالتهم المنشودة ومطلبهم السّامي منه، فتعاونوا بعضهم مع بعض وتعرّف بعضهم إلى حوائج البعض، وعرفوا كيفية الوصول إلى سبيل التعاون إذا ألم بهم حادث أو طرات عليهم مصيبة كيف ينقذون أنفسهم منها، فيذرقون حلاوة هذا الاجتماع ولا يكونون كمن ذمهم الله في قوله (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى» الآية 19 من سورة الحشر الآتية أجارنا الله من ذلك. ثم أنهم إذا رأوا الأسود والأبيض والأحمر والأسمر متساوين في الخشوع لرب ذلك البيت، لا فضل لعجمي على عربي، ولا لغني على؟؟ لا لشريف على حقير، وشاهدوا الملك والمملوك والجهلة والعلماء، والرّعية والأمراء سواسية، وقفوا هناك على كلمة قوله تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) الآية 13 من سورة الحجرات الآتية لأنهم كلهم متساوون في تركهم بلادهم، وفراق أهلهم وأولادهم، وإجابة دعوة ربهم إلى بيته المطهر، قال تعالى (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) الآية 136 من البقرة المارة ونظيرتها الآية 27 المارة إذ لم يفرق الله تعالى بدعوته بين واحد دون آخر، ولم يكلف الفقير رحمة بحاله ليس إلا، فإذا تجشم ذلك فله ما للغني من الثواب، وقد يزيده ربه إذا حسنت نيته، وإذا كان كذلك علم كلّ منهم أن هذا المؤتمر الإسلامي الجامع إنما عقد للخضوع إلى الله تعالى وللتّعاون في مصالح الدّين والدّنيا، وتيقن إن هذا الدّين لا يدعو إلّا الى خير واحسان. قال تعالى (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) الآية

30 من سورة الروم في ج 2. فمن أجاب دعوة الله كان هو المتمسك بعروته

ص: 174

الوثقى ومن حزب الله (أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الآية 22 من سورة المجادلة الآتية، ولا شك أنهم هم الفائزون بقوله تعالى (فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) الآية 159 من المائدة الآتية. أما المتقاعسون عنه مع القدرة، فهم الّذين (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ) الآية 19 من المجادلة الآتية. هذا من جملة منافع الحج المعنوية أما منافعه المادية المحسوسة فمنها مشاهدة تلك البقاع المباركة التي ظهر فيها حضرة الرسول الكريم ومواقف الأنبياء قبله، ذلك المرسل الى النّاس كافة (شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً) الآيتين 44 و 45 من سورة الأحزاب المارة بدليل قوله جل قوله (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) الآية 158 من الأعراف ج 1، وفيها ما يرشدك الى ما يتعلق فيها التي لبث فيها ثلاثة عشر عاما يدعو النّاس الى توحيد الله وتنزيهه عن الشّرك، وكان يعاملهم بالرفق واللّين والرّحمة مع ما هم عليه من الجفاء والغلظة والشّدة تبعا لقوله تعالى (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآية 125 من سورة النّحل ج 2، ويشاهد مواقع مكة المكرمة فيعتبر بما وقع فيها لسيدنا ابراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام والأنبياء من قبلهما وبعدهما وما تركوه من آثار للاتعاظ والاعتبار، فيعمل ويخشع. قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية 16 من سورة الحديد المارة، فرؤية هذه المواقع المقدسة تعين القلب وتذكر الرّوح بما كان فيها من إعطاء العهد لربها في الآيتين 171 و 172 من الأعراف في ج 1 فتجهد نفسها للوفاء به وتستمد من غيرها المعاونة على العمل الصّالح للدنيا والآخرة وتعتبر بمصير من نكث عهده مع الله ونقض ميثاقه كيف حل بهم عذابه في الدّنيا وما أوعدهم به من العذاب الأخروي ومن منافع الحج المغفرة الواسعة الشّاملة لأشياء لا يمحوها إلا الحج، قال صلى الله عليه وسلم الحج مبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة وجاء أن من الذنوب ما يكفرها إلّا الحج، وقال عليه الصلاة والسلام من حجّ ولم يرفث ولم يفسق

ص: 175

رجع كيوم ولدته أمه. وقد ضمن له الرّسول عن ربه عز وجل أن يرجعه سالما أو يدخله الجنّة. قال تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) الآية 100 من سورة النّساء المارة وذلك لأنه لم يخرج إلّا لله، والأعمال بالنيات. ومن منافعه أنه وسيلة للتوبة لأن من لم يتب في مثل ذلك المكان ولم يخلص فيه الملك الدّيان يخسر الدّنيا والآخرة. ووسيلة إلى الانتهاء عن المعاصي جميعها، قال تعالى (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) الآية 297 من البقرة المارة، لأنه إذا كان ينهى عن ملامسة الزوجات الحلال فلأن ينهى عن غيرهن من باب أولى، وذلك أو الحاج زمن الإحرام منهي حتى عن ملاذ اللّباس وزخارف الحياة، وما ذاك لتجنب الفتنة بجميع أنواعها، وهناك لا يشغل الغني جاهه ووجاهته، ولا تفتن الفقير حاجته وفاقته، فلا هو يحسد الأغنياء، ولا هم يمتهنون الفقراء، والكل أمام ان سواء حاسبين حساب المال، تائبين بطبيعة الحال، لا يعتبرون أنفسهم إلّا عبيد آبقين، قد آبوا إلى مولاهم مخلصين، راجين القبول والعفو عما مضى وإنه تعالى لا يخيب عبيده، ومن كمال رأفته بهم لا يسعه ردهم، وقد يتجلى عليهم بصفت الرحمانية وفضله الوافر، وهو المنان عليهم، فيبدل شرهم خيرا، وعسرهم يسرا قال تعالى (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) الآية 70 من سورة الفرقان ج 1. اللهم مهد لعبيدك أسباب الوصول إلى رحمتك وافتح لهم أبواب القبول، ويسر لهم القيام بخدمتك (رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ) الآية 38 من سورة إبراهيم عليه السلام.

مطلب المدافعة عن المؤمنين من قبل الله وأول آية نزلت في الجهاد:

قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا» فلا يمكّن أعداءهم منهم إذا كانوا مؤمنين حقا، لأنه جل شأنه وعد بذلك فقالَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)

الآية 48 من سورة الرّوم وقال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا) الآية 51 من سورة المؤمن وقال تعالى (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) الآية 172 من سورة الصّافات ج 2 راجع هذه الآيات تعلم كما أنت

ص: 176

عالم من قبل أن وعده منجز إن الله لا يخلف الميعاد الآية 9 من آل عمران المارة وقال عز قوله (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) وقال جل قوله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً)(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)

الآيات الآية 112 من سورة التوبة الآتية والآيتين 112 و 152 من سورة النّساء المارة، كلا لا أحد أوفى وأصدق البتة، وحاشاه من الخلف، وإنما يقع منا نحن المسلمين المؤمنين اسما لا فعلا، فلو كنا مؤمنين حقيقة إيمانا صحيحا كما أراده الله منا لكانت كلمتنا هي العليا دائما ولكنا أعزاء بعزة الله تعالى ورسوله المنوه بهما بالآيتين آنفا، ولكنا تركنا فتركنا ونسينا فأهملنا، قال تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) الآية 68 من سورة التوبة الآتية وقال تعالى محذرا ومنذرا (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) الآية 19 من سورة الحشر المارة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) راجع هذه الآية 54 من سورة الأنفال المارة ونظيرتها الآية 11 من سورة الرّعد المارة أيضا وإنا والله قد غيرنا وبدلنا وخنا أنفسنا وإخواننا لأنا لم نساعدهم عند ما يتجاوز عليهم إذا كنا بأمن مما يصيبهم، وهذه هي الخيانة العظمى، لذلك تبع الله هذه الجملة بقوله «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ» (38) لحقوقه ومن حقوقه نصرة المؤمنين ومعونتهم بعضهم لبعض، لأن المؤمن أخو المؤمن لا يخذله ولا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره ولا يتخلى عنه إذا وقع في شدة أو أحاطت به الأعداء، بل يجب عليه نصرته مالا وبدنا، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، فإذا لم يساعد بعضهم بعضا تفرقوا وانهاروا كما يتهار البناء غير المتقن أساسه، هذه فلسطين ينتابها العدو فيخذل أهلها، ويسلب مالهم وملكهم، ويقتل رجالهم، ونحن نسمع ونرى ونقعد عنهم ونعد أنفسنا مؤمنين، بل نحن القاعدون كالّذين أشار الله إليهم في الآية 82 من سورة التوبة الآتية المتخلفون عن مساعدة إخواننا ولا نتأذى لأذيتهم، والمؤمنون الصّادقون كالجسم الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالسهر والحمى، فإذا تناصر المؤمنون فتعاونوا وتشاركوا بالضر والنّفع وأخلصوا لربهم دافع عنهم ونصرهم ورفع كلمتهم وأعلى شأنهم، كيف والله يقول (كَتَبَ

ص: 177

اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)

الآية من آخر سورة المجادلة، وإنه تعالى يوفي لهم وعده المشار إليه في الآيات المارة، ومتى ما تخاذلوا وتقاطعوا ولم يبال بعضهم ببعض أهينو كلهم، واسترقوا وهلكوا أو ندموا من حيث لا ينفعهم النّدم، راجع الآية 102 من آل عمران فما بعدها، قال تعالى «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ» من قبل أعدائهم بأن يقاتلوهم بالمقابلة، وإنما أذن الله لهذا الصّنف بقتال أعدائهم «بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا» من قبلهم وتوالت عليهم تعدياتهم القولية والفعلية وكانوا يشكون أمرهم لحضرة الرّسول فيأمرهم بالصبر إذ لم يؤذن لهم بالقتال حتى خرج قوم من هذا الصنف مهاجرين بدينهم من مكة إلى المدينة قاصدين الالتحاق بحضرة الرّسول صلى الله عليه وسلم فاعترضهم قوم من مشركي مكة فاعتدوا عليهم فأنزل الله هذه الآية وهي أول آية نزلت بالقتال بعد أن نهى عنه رسوله في نيف وسبعين آية أخرج ابن جرير عن أبي العالية أن أول آية نزلت (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) الآية 197 هذه من سورة البقرة المارة، وإنما رجح في الآية بأنها أول آية نزلت في القتال لأن نزولها قبل هذه الآية التي نحن بصددها، ولأنها مقيدة بقتال من قاتل، والآية التي نحن بصددها أكثر إطلاقا منها، فمن هذه الحيثية يقال إنها أول آية نزلت في القتال على الإطلاق، راجع الآية 54 من سورة النّساء المارة، لأن الّذين نزلت هذه الآية بحقهم هم من ذلك القبيل: أما ما جاء في الإكليل للحاكم من أن أول آية نزلت في القتال (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) فلا يصح، لأن هذه الآية 113 من سورة

التوبة التي لم تنزل بعد لأنها متأخرة في في النّزول عن ذلك كله، وهي نزلت جملة واحدة تأمل «وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» (39) تشير هذه الجملة إلى الوعد لهم بالنصر دون معونتكم لهم ولكن الله تعالى يريد أن تتناصروا على العدو ليزداد التآلف بينكم ولتكونوا يدا واحدة على الأعداء لتهابكم وتعظموا بأعينهم فلا يجرأوا على إيقاع شيء فيكم. ثم وصفهم الله بقوله «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» وما كان سبب إخراجهم «إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ» لا غير، وهذا يوجب إبقاءهم فيها وإكرامهم وصيانتهم واحترامهم، لا إخراجهم وإهانتهم «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ

ص: 178

النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ»

وتسليط أولياءه على أعدائه لاستولى المشركون على الموحدين الأقدمين من أمم الأنبياء الأوّل فضلا عنكم أيها المؤمنون المخاطبون ومن بعدكم، ومنعوهم عن عبادة الله المفهومة من قوله عز قوله «لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ» هي معابد الرهبان في الوادي، وتطلق على معابد الصّابئين أيضا «وَبِيَعٌ» هي معابد النّصارى التي يطلقون عليها الآن لفظ كنائس «وَصَلَواتٌ» اسم العبراني معناه كنائس وهي معابد اليهود، ويسمونها الآن بيعا، وهو عربي «وَمَساجِدُ» هي معابد المسلمين وتطلق على الجوامع التي لا تقام بها الجمع وتختص الجوامع بما تقام فيها، وإنما خص الله تعالى هذه المواطن المقدسة لأنها «يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً» أي لولا ذلك لهدم في زمن كلّ نبي مكان عبادته، ولكن الله تعالى أبى ذلك إذ سلط الرّسل وأتباعه على المشركين فمنعوهم منه إدامة لذكر الله الذي أوجب بقاءه في أزله إلى خراب هذا العالم «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ» من الرّسل وأتباعهم ليعظم لهم الأجر، وإلّا فهو غني عن نصرة أحد منهم «إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» 40 منيع لا يغلبه غالب ولا يدركه طالب ولا يفلت من قبضته هارب.

ثم وصف الله تعالى ناصريه بقوله «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» وثبتناهم فيها وجعلنا لهم فيها السلطان على أهلها «أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ» (41) ومرجعها إليه، وفي هذه الآية توكيد لما وعد به أولياءه من الظهور على أعدائهم. قال تعالى «وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ» يا حبيبي بعد ما تبين لهم من الحق الذي أنت عليه، فما هو بمستبعد منهم «فَقَدْ كَذَّبَتْ» الرسل «قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ، وَكُذِّبَ مُوسى» أيضا مع وضوح ما جاء به من الدّلائل الحسية، وإذا كان كذلك فلا يحزنك تكذيبهم، وإني ممهلهم حتى إذا علم النّاس أن الامهال لم ينجح بهم وأصروا على استكبارهم أهلكتهم شأن الّذين قبلهم «فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ» السالفين مثل ما أمليت لهؤلاء «ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ» على الصّورة المارة كما يؤاخذ هؤلاء إن لم يرجعوا إلي ويفردوني بالعبادة، فآخذهم بأنواع

ص: 179