الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مطلب في فضل الجهاد والنّفقة فيه وفضل طلب العلم واستثناء أهله من الجهاد، والحكمة في قتال الأقرب بالأقرب وكون الايمان يزيد وينقص وبحث في ما:
روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد السّاعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رباط يوم في سبيل الله خير من الدّنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنّة خير من الدّنيا وما عليها، والرّوحة يروحها الرّجل في سبيل الله أو الغدوة خير من الدّنيا وما عليها، وفي رواية وما فيها. ورويا عن أبي سعيد الخدري قال:
إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أي النّاس أفضل؟ قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. قال ثم من؟ قال ثم رجل في شعب من الشّعاب يعبد الله وفي رواية يتقي الله ويدع النّاس من شره. وروى البخاري عن ابن عباس قال ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النّار. وقال ثابت بن سعيد ثلاث أعين لا تمسها النّار: عين حرست في سبيل الله، وعين سهرت في كتاب الله، وعين بكت في سواد اللّيل من خشية الله. وروى مسلم عن ابن مسعود الأنصاري البدري قال: جاء رجل بناقة مخطومة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه في سبيل الله، فقال صلى الله عليه وسلم لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة. وأخرج الترمذي والنّسائي عن جريم بن مالك قال قال صلى الله عليه وسلم من أنفق نفقة في سبيل الله له سبعمائة ضعف. وقد ألمعنا لما يتعلق في هذا في الآيتين 174 و 176 من سورة البقرة فراجعها. واعلم أن مناسبة هاتين الآيتين بما قبلها هو أنه لما أمر الله عباده بالكون مع الصّادقين ومتابعة الرّسول في غزواته ومشاهده كلها أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف عنه، فقال (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ) إلخ الآية أي ما صح وما استقام لهم فعل ذلك. والأعراب الّذين كانوا حول المدينة المرادون في هذه الآية هم مزينة وجهينة والنّجع وأسلم وغفار، ولكن يستفاد من مغزى هذه الآية تناول جميع الأعراب الّذين كانوا حول المدينة خلافا لما قاله ابن عباس بتخصيص الفرق الخمس المذكورين، لأن اللّفظ عام والتخصيص دون نصّ تحاكم.
وعلى كلا القولين فليس لأهل المدينة ولا من حولها من الأعراب كافة أن يتخلفوا عن حضرة الرّسول إلّا المرضى والضّعفاء والعاجزون، فلهم التخلف بنص الآية 92 المارة، وبقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) الآية الأخيرة من البقرة المارة، لأنهم غير مكلفين بالجهاد. أما إذا خرجوا من تلقاء أنفسهم لتكثير سواد المسلمين وخدمتهم حسب المستطاع فلا بأس وهم مثابون كما أشرنا في الآية 92 المذكورة. وليعلم العاقل أن الذهاب للجهاد لا يعد سببا للموت إذا كان في الأجل فسحة، وإذا حل مات على فراشه وهو في مأمن منه حسب ظنه قال:
وقد يهلك الإنسان من باب أمنه
…
وينجو بحول الله من حيث يحذر
يرى الشّيء مما يتقي فيخافه
…
وما لا يرى مما يقي الله أكثر
كما أن المرض قد لا يكون منضيا للموت، وقد يحدث صحيحا على حين غفلة. روى أن الخليفة المقتفي مرض مرضا شديدا فنوى إن هو برىء أن يفعل خيرا، فلما برىء شغل عما كان نواه، ثم مرض مرضه الذي مات فيه فتذكر ما نذره في مرضه الأوّل وما فرط منه في ذلك بكى وأنشد:
إذا مرضنا توبنا كلّ صالحة
…
وإن شفينا فمنا الزيغ والزلل
نرضي الإله إذا خفنا ونسخطه
…
إذا أمّنا فما يزكو لنا عمل
قال تعالى «وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً» إلى طلب العلم والجهاد «فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ» راجع الآية 66 المارة في معنى الطّائفة من حيث إطلاقها على الواحد والجماعة والعشرة «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» ولا يخرجون جميعهم فيتركون بلادهم وذراريهم وأموالهم ونساءهم تحت الخطر، فلا يصح لهم ذلك ولا يستقيم، ولا ينبغي فعله، بل يخرج أناس للجهاد وطلب العلم ويبقى الآخرون للعمل والحراسة «وَلِيُنْذِرُوا» هؤلاء الخارجون لطلب العلم وتعلم أمر الدّين «قَوْمَهُمْ» وتعلقاتهم وغيرهم الّذين بقوا للعمل والحراسة ويرشدوهم لما تعلموه «إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ» بعد إكمال تحصيلهم، وليكن قصدهم هذا لا الترؤس عليهم، ولا أخذ أموالهم أجرا عما يعلمونهم، ولا التباهي والتفاخر عليهم بما تعلّموه «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (122) مناهي الله فلا
يقربونها، ويعرفون أوامره فيفعلونها، وكلمة لولا تفيد الحث على ذلك بشدة لما فيها من معنى الأمر. واعلم أن صدر هذه الآية له وجهان الأوّل ما ذكرناه في تفسيرها باختصاصها في طلب العلم فتفيد الوجوب على كلّ مستعد له من جماعة سلوك العلم لا على الجمع، لأن العلم باعتباره علما يشمل الأصول والفروع، يكون طلبه على طريق الكفاية. أما علم الحال المتلبس به الشّخص فعلى طريق العين، فمن أراد النّفقه في الدّين فلينفر في سبيله ويسلك طريق التزكية والتصفية حتى يظهر العلم على لسانه متفجرا من قلبه، فالعلم يكون بالتعلم فلا ينزل على الشّخص من السماء إلّا على خرق العادة، وكذلك لا يخرج من تخوم الأرض. والمراد من النفقة رسوخ العلم في القلب ليتغلغل في عروق النّفس فيظهر أثره على الجوارح فيمنع صاحبه ارتكاب ما حرّم الله بكليته، وإلّا فإذا بقيت جوارحه تخالف ما علمه لا يكون عالما، ألم تر كيف سلب الله العلم من الرّاهب الذي أشار الله إليه في الآية (175) من الأعراف في ج 1 حتى سماء الله غاويا. قال تعالى «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» الآية 28 من سورة فاطر في ج 1، لأن رهبة الله التي تحصل للعالم تمنعه من مخالفته سرا وجهرا، فإذا تفقه العالم وظهر علمه على جوارحه أثر في غيره فيسمع قوله، ويؤتمر بأمره، وينتهى بنهيه، لأن النّاس يرتدون بما يترشح عليهم منه كما كان حال حضرة الرّسول مع الأصحاب، إذ صاروا بعد الجهل المركب علماء كاملين عارفين، وقد أنزل الله تعالى على بني إسرائيل:
يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السّماء من ينزل به، ولا في تخوم الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به، العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي الله بآداب الرّوحانيين، وتخلقوا بأخلاق الصّديقين، أظهروا العلم في قلوبكم حتى يغمركم ويغطيكم، وهذا على القول بأن الطّائفة المتأخرة هي المراد بما تعلم العلم، فيكون المراد منها أنه يجب على كلّ فرقة من فرق البلاد أن يشدّوا الرحال في زمن الرّسول إليه لطلب العلم، والآخرون لجهاد العدو، وبعد زمن الرسول إلى المحل الذي فيه العلماء، فيتعلمون منهم أصول الدّين ويعودون فيعلمون قومهم، لأن هذه الآية تحتوي على أمرين: الأمر بالهجرة، والأمر بالجهاد. وأمر
الجهاد ينقسم إلى قسمين: قسم لقتال العدو، وقسم لتعلم العلم، لأنه من الجهاد أيضا. واعلم أن وجوب السّفر لطلب العلم يتعين إذا لم يكن في البلد عالم يمكنه التعلم منه، وإلّا فلا يكون واجبا بل مباحا، وإنما كان واجبا زمن الرّسول صلى الله عليه وسلم لأن الشّريعة لم تستقر بعد لنزولها تدريجا، أما الآن وقد استقرت الشّريعة وكان يوجد في بلده من يكفي لتلقين العلم فلا وجوب بالسفر لمكان آخر، هذا على صرف الآية في سبيل العلم، والثاني يكون في سبيل صرفها للجهاد فقط، وذلك إذا أمر الرّسول به وأرسل السّرايا مع من يؤمره عليها فليس لهم أن ينفروا جميعا ويتركوا رسول الله وحده، بل تذهب طائفة منهم التي يأمر بها حضرة الرّسول إلى الجهاد، وتبقى طائفة للحراسة، وحفظ ما ينزل على حضرة الرسول من القرآن وما يأمر به من الأحكام والآداب الكائنة بغياب الطّائفة الغازية لتعلمه لها عند إيابها. وإنما صح تأويل هذه الآية على الوجهين المذكورين لإمكان جعل صدر هذه الآية من بقية أحكام الجهاد وارتباطها بما قبلها، وإمكان جعلها مبتدأة وتخصيصها بطلب العلم وهو الأوجة الذي جرينا عليه، والقولان لابن عباس رضي الله عنهما، ولهذا اختلف في سبب نزولها، فقال عكرمة لما أنزل الله تعالى بالمتخلفين ما أنزل، قال المنافقون هلك المتخلفون أجمع فنزلت هذه الآية تطمينا لهم. وقال مجاهد غيره، والأنسب ما روي عن ابن عباس من أن الله تعالى لما بالغ في فضح عيوب المنافقين قال المؤمنون والله لا نتخلف في غزوة ولا سرية، وتهبأوا كلهم للنفور، وتركوا الرّسول وحده، فنزلت ويكون المعنى عدم جواز نفور المؤمنين كلهم للجهاد، بل تبقى طائفة لخدمة الرّسول وحفظ الوحي والأحكام والآداب التي يأمر بها لنعلمها للغازين عند حضورهم، لأن القصد من النّفقة دعوة الخلق إلى الحق وإرشادهم إلى الدّين القويم والصّراط المستقيم وإنقاذهم من هوة الجهل والضّلال، فمن تفقه لهذا الغرض كان ناجيا عند الله سائرا على المنهج النّبوي، ومن عدل عنه فطلب به الدّنيا كان داخلا في قوله تعالى (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) الآية 106 من سورة الكهف ج 2. روى البخاري ومسلم عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
من يرد الله به خيرا يفقهه في الدّين وإنما أنا قاسم والله معطي، ولم يزل أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم السّاعة وحتى يأتي أمر الله. ورويا عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم: تجدون النّاس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. وأخرج الترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فقيه واحد أشد على الشّيطان من ألف عابد. راجع الآية 11 المارة من سورة المجادلة تجد ما يتعلق بفضل العلم والعلماء، وكذلك في الآية المارة آنفا من سورة فاطر «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) إلخ. والفقه في اللّغة الفهم، وهو الأصل بعلم شاهد إلى علم غائب فهو أخص من العلم. واصطلاحا العلم بالأحكام الشّرعية ومتعلقات الدّين التي لا بد له منها في معرفة الله تعالى وما يجب في حقه، وما يستحيل، وما يجوز، وما يجب في حق الأنبياء، وما يستحيل، وما يجوز، ومن العبادات والمعاملات بقدر الكفاية من علم الحال. والطّائفة ما فوق الثلاثة غالبا فإذا خرج واحد منها لهذه الغاية سقط الإثم عن الآخرين. والحكم الشّرعي هو طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة وهو قسمان فرض عين وهو ما تقدم
من معرفة علم الحال كالصوم والصّلاة والحج والزكاة للمتولين. ومعنى كلمة الشّهادة للكل، وفرض كفاية كتعلم ما به يبلغ درجة العلماء ورتبة الاجتهاد وفإذا وجد في البلد واحد من هذا القبيل قادر على الفتيا والتعليم كفى وسقط الإثم عن الباقين، وإلّا فكلهم آثمون. ومثل هذا يصدق عليه الحديث المار ذكره في قوله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. وقدمنا ما يتعلق في فضل العلم في الآيتين المذكورتين آنفا في سورة المجادلة وفاطر فراجعهما، ومنها ما جاء في فضل تعلمه ما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنّة. وما أخرجه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه صلى الله عليه وسلم قال العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل (آية محكمة) أي لا اشتباه فيها من تأويل أو تفسير أو اختلاف في حكمها (أو سنة قائمة) أي مستمرة دائمة متّصل العمل بها (أو فريضة عادلة) أي لا جور فيها
ولا حيف. وقد ذكرنا أن علم الحال واجب على كلّ فرد من أفراد الأمة.
ومنه معرفة العقود وما يفسدها أو يبطلها إذا كان يتعاطى البيع والشّراء وغيرهما.
وبصيرة عامة كلّ ما هو لازم له من العبارة والمقالة. وهناك أحاديث تتعلق في هذا البحث كثيرة لا يسعها هذا السّفر فنسأل الله أن يجعلنا من العالمين العاملين به، النافعين لعباد الله، الخالين من شوائب السّمعة والرّياء وحب الجاه ونشر الصّيت ورفع القدر، إنه على كلّ شيء قدير وبالإجابة جدير. قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ» لما كان القتال واجبا على المسلمين لجميع الكفرة أمر الله تعالى بأن نقاتل أولا الأقرب منهم فالأقرب لدار الإسلام، إذ ليس من العدل أن يقاتل البعيد ويترك القريب إذ لا يؤمن منه أن ينتهز فرصة غياب القوة الحامية للبلاد الاسلامية وقراها فيهجم على بلادهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم فيستولي عليها ويتحصّن بها، فيقتل ويسلب كيف شاء ويعود أو يبقى بها، وهذا من قبيل التعليم والإرشاد من الله تعالى إلى عباده فيما هو من صالحهم، وباب عظيم من أبواب الحرب يعلمه الله تعالى لعباده ليقوا أنفسهم من عدوهم إذا غفلوا عن الأخذ به. هذا ولا وجه لقول من قال إن هذه الآية منسوخة بآية القتال المارة، لأنها نزلت بعد الأمر بقتال المشركين كافة، والآيات قبلها والمقدم لا ينسخ المؤخر قولا واحدا، وهي آخر آية نزلت في القتال، لأن الله تعالى لما أمرهم بقتال جميع المشركين الواردة في الآية 28 المارة أرشدهم إلى الطّريق الأصوب بذلك بأن يبدأوا أولا بقتال الأقرب في ديارهم، فمن يليهم في البعدية تدريجا ليأمنوا على من وراءهم، لأن قتال الأبعد والأقرب دفعة واحدة فيه خطر الالتفاف والتطويق. وفي قتال الأبعد قبل الأقرب أشد خطرا في التطويق والالتفاف ومظنة قطع المواصلات والتحاق الأطراف بهم، مما يزيد في شكيتهم ويكثر سوادهم ويزيد الخطر على المؤمنين، ولهذا أول ما بدأ صلى الله عليه وسلم بقتال قومه المختلطين مع أصحابه المتداخلين معهم ليأمن غائلتهم، ثم انتقل إلى العرب الآخرين القاطنين في الأطراف، ثم إلى أهل الكتاب المحيطين في المدينة، ثم إلى الرّوم العيدين عنه، وهكذا أصحابه ومن بعده رضوان الله عليهم أجمعين، إذ بدأوا بقتال أعدائهم
الأقرب فالأقرب في بلاد المسلمين حتى استولوا على غالب الأمصار بصورة تدريجية بتوفيق الله تعالى. ويدل قوله تعالى «وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً» شدة وعنفا في القول والمشي قبل القتال ليستدلوا على قوتكم وشجاعتكم ومناعتكم ويحظر على المؤمنين أن يلينوا جانبهم لأعدائهم، بل يظهروا لهم الجلد وكلّ خشونة وعنفوان، وأنهم يتفقؤون عظامهم لما في هذا من إيقاع الرّعب في قلوبهم وإذلالهم، وعليهم أن لا يتقوهم بشيء ويتقوا الله في جميع أحوالهم «أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» (123) بالمعونة والنّصر والغلبة وقهر الأعداء. واعلم أن الغلظة تقرأ بفتح الغين وكسرها وضمها وخير الأمور أوساطها، ومعناها النّهاية في الشّدة قال تعالى (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) الآية (75) المارة (ومنهم من أول الغلظة بالشجاعة والغيظ هي ضد الرّقّة) وأقوى تأثيرا في الزجر والمنع عن القبيح. واعلم أن الأمر قد لا يكون مطردا في هذا الباب بل قد يحتاج تارة إلى الرّفق واللّطف، وأخرى إلى الضّيق والعنف، وهذا هو معنى (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) أي أنه لا يجوز الاقتصار على اللّين ولا على الغلظة، لأن اللّين يطمع العدو، والغلظة تنفره، وهذا في كلّ دعوة تتصل بالدين فتكون أولا بإقامة الحجة مع اللّين والرّأفة، وعند الإياس بالقتال والشّدة، ويشير قوله تعالى (أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) إلى أن الإيمان والقتال على الوجه المار ذكره من باب التقوى، والمراد بالمعيّة الولاية الدّائمة راجع قوله تعالى (اللَّهَ مَعَنا) في الآية (41) من هذه السّورة، وقوله تعالى (وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ) في الآية 13 من سورة المائدة وقوله تعالى (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) في الآية 45 من سورة محمد المارات وما ضاهاها. قال تعالى «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» من القرآن العظيم وهذه عطف على قوله تعالى «وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» في الآية 85 المارة إلّا أن هذه وصلت بها ما للتأكيد والتحسين.
مطلب في ما بعد إذا ومثالب المنافقين ومنة الله على عباده بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم:
واعلم أن ما توصل بإذا في كلّ ما لا يتطرقه النّفي في الكلام بعدها، أما فيما يتطرقه النّفي كالآية المعطوفة هذه عليها فلا تتصل بها ما، ومثل (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ
وَالْفَتْحُ)
و (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) و (إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ) و (انْفَطَرَتْ) وشبهها، لأنك إذا زدت ما في هذه الجمل وأمثالها تطرقها النّفي وهي لا تحتمله فيختل معناها فلا يمكنك أن تقول مثلا إذا ما السّماء انفطرت إلخ إذ يكون على تقدير ما بعد إذا لم تعلم نفس ما قدمت وأخرت، لأن علم ذلك عند وجود هذه الحوادث، وهذا قال تعالى (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) وكذلك في بقية الجمل المذكورة، فإن وجود ما بعد إذا فيها تقييد المعنى بتطرق النّفي، أما إذا أمن تطرق لنفي كالآية المفسرة هذه فلا بأس بوجود ما فيها، ويصح تغير القرآن حذفها، مثل قولك إذا قدم الطّعام أكلنا، فإذا زدت ما فقلت إذا ما قدم الطعام أكلنا بقي المعنى على حاله، ومن هنا تعلم غلط بعض الكتّاب الّذين يصلون ما بإذا مطلقا دون أن ينظروا إلى المعنى بعدها، هل يتطرق النّفي أم لا؟
وهل يبقى المعنى على حاله أم لا؟ تدبر «فَمِنْهُمْ» المنافقون «مَنْ يَقُولُ» لصاحيه على طريق الاستهزاء والسّخرية «أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ» السورة المنزلة على محمد «إِيماناً» كما يقوله المؤمنون من أصحابه، فيا سيد الرّسل قل هؤلاء الفاجرين «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا» بالله ورسوله وكتابه واليوم الآخر إيمانا خالصا حقيقيا «فَزادَتْهُمْ إِيماناً» على إيمانهم لأنهم بعد أن تأمّلوا معناها وتدبّروا مرماها وتعقلوا مغزاها زادت معرفتهم بالله وما يتحتم عن الإيمان به وبرسوله، وكفى بعوام النّاس اعترافهم بها أنها من عند الله بيقين جازم وإقرارهم بها عن ثفة وتصديق، فكل هذا مما يزيد في قوة الإيمان فمثل زيادة الإيمان القوة تكون في الرّجل، ومثل نقصه الضّعف فيه مع تساويهما في الإنسانية، فلا يقال حينئذ كيف يزيد وكيف ينقص راجع الآية (5) من سورة البقرة والآية الثانية من سورة الأنفال المارتين تجد ما يتعلق في هذا البحث وفيما ترشدك إليه من المواضع «وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» (124) بنزولها لما يرون من انشراح صدورهم لها ورغبتهم في سماعها وتشوقهم لحفظها والعمل بها طلبا للثواب في الآخرة عند منزلها «وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» شك وريبة وشبهة في صحتها كالمنافقين والكافرين «فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ» الغاش الغامر على قلوبهم المتغلغل فيها بسبب انغراز الكفر
فيها الذي أحدث الصّدأ بها علاوة على رجسها المتخزن بدخائل طباتها فصيّرها لا تعي الحق ولا تميزه على الباطل، لأنهم كلما أحدثوا سخرية بآيات الله أحدث الله زيغا في قلوبهم فيتكاثف عليها فتعمى، ولهذا كان هذا السّؤال من بعضهم. وقد سمى الكفر رجسا لأنه أقبح الأشياء وهو كلّ شيء مستقذر «وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ» (125) بآيات الله بسبب إصرارهم على الاستهزاء بها. واعلم أنه كما أن الإيمان يزيد وينقص، فكذلك الكفر، لأن من كفر بموسى ثم كفر بعيسى يكون أشد كفرا من كفر بموسى ومات على كفره، وكذلك من كفر بعيسى وكفر بمحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى إخوانهم الأنبياء أجمعين، وهكذا كلما جحد الإنسان شيئا من شرائع الدين وأنكر ما جاءت به الرّسل عن الله وارتكب جرما حرمه الله عليه ازدادت جرائمه وقبائحه واستخفافه بآيات الله فيزداد الكافر كفرا والفاجر فجورا. وان التمادي في التعنّت والبغي والطّغيان يسبب تكاثف الصّدإ على القلب، وكذلك عدم المبالاة بالله ورسله وكتبه تزيد رين القلب فيصير مطبوعا عليه والعياذ بالله، فيستوي عنده الخير والشّر، ويميل طبعه الخبيث إلى السّخرية والاستهزاء، قال عليه الصلاة والسلام إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب وكلما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وأول النّفاق يبدو لمعة سوداء في القلب وكلما ازداد النّفاق ازداد ذلك السّواد حتى يسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود. فتفيد هذه الآية والحديث على أن الرّوح لها مرض وهو الكفر والنفاق والأخلاق المذمومة والآداب السّافلة، ولها صحة وصحتها الإيمان والإخلاص فيه والأخلاق الممدوحة والآداب الفاضلة، وإن زيادة الإيمان بزيادة هذه الأعمال الكريمة ونقصه بنقصها، وزيادة الكفر بزيادة تلك الأفعال الذميمة ونقصه بنقصها. قال تعالى «أَوَلا يَرَوْنَ» هؤلاء المنافقون «أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ» بأنواع البلاء، ويختبرون بأصناف الشّقاء ويمتحنون بأضراب الشّدة والرّخاء «فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ» هذا لمجرد التكثير لا لبيان العدد، أي أنهم يبتلون ببلاء كثير مما يذكرهم عاقبة عتوّهم ومغبة طغيانهم عند وقوفهم بين يدي رب العزّة والعظمة،
فلو علموا هذا يقينا لأدى إلى لزوم رجوعهم إليه وتوبتهم مما هم عليه، إلا أنهم يعلمون بسبب الغشاوة الغاشية قلوبهم المانعة من تأثرها بالآيات «ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ» (126) ليتعظوا بها أو يتأثروا منها، لأنها كما أخبر الله لا تؤثر فيهم فيزداد بغيهم واشتهارهم فيها فيزدادون مقتا عند الله، راجع الآية (44) من سورة فصلت في ج 2. قال تعالى «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ» ببيان عيوبهم وما يتناجون به في شأن حضرة الرّسول وأصحابه ويلصقون بهم من المثالب وما يضمرونه لهم من السّوء «نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ» يتغامزون بعيونهم وحواجبهم تعجبا وسخرية بما ينزل ويشير بعضهم إلى بعضهم بالهرب عن أعين النّاس خوف التصريح بالفضيحة، قائلين لبعضهم «هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ» من المؤمنين إذا انصرفتم هلم انصرفوا
قبل أن يطلعوا عليكم فينهوكم ويقرّعوكم ويوبخوكم «ثُمَّ» أي بعد أن تواطلوا على الهزيمة «انْصَرَفُوا» من المجلس الذي أنزل فيه القرآن خشية أن يصارحوهم بما وقع منهم «صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ» عن الإيمان بها وأهمها وأعمها عن التعقّل فيها مجاراة لتهاونهم فيها وجهلهم بعاقبة أمرهم «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (127) معنى الآيات ولا يفهمون مغزاها، ولا يتفكرون فيما ترمي إليه، ولا يعقلون معناها، لأنهم حرموا لذة الإيمان بها لعدم تخلّقهم على فطرة التوحيد والعرفان وعدم اتعاظهم بما انطوت عليه آيات هذا القرآن، وصرفوا أوقاتهم في اللّغو وهفوات اللّسان وكلّ ما لا خير فيه من الكلام، وليس في قرنائهم من يرشدهم لأنهم مثلهم، قال الإمام الشّافعي رحمه الله:
لا خير في حشو الكلا
…
م إذا اهتديت إلى عيونه
والصّمت أجمل بالفتى
…
من منطق في غير حينه
وعلى الفنى بطباعه
…
سمة تلوح على جبينه
من ذا الذي يخفى عليك إذا نظرت إلى [قرينه] قال محمد بن إسحاق لإخوانه إذا قضيتم الصّلاة فلا تقولوا انصرفنا من الصّلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قد قضينا الصّلاة. والقصد من قوله هذا رحمه الله التفاؤل بترك هذه اللّفظة الواردة فيما لا ينبغي. والترغيب في تلك
اللفظة الواردة في الخير فإنه تعالى قال (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) الآية في آخر سورة الجمعة المارة. قال تعالى مخاطبا مؤمني العرب ضاربا الصّفح عن المنافقين والكافرين، إذ ختم ما أنزل بحقهم كما هو في علمه «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ» من قبل الله تعالى وقد جعله «مِنْ أَنْفُسِكُمْ» ومن جنسكم تعرفون نسبه وحسبه ومكانته في قومه ليكون بينكم وبينه جنسية نفسانية بها تقع الألفة بينكم وبينه، فتخالطونه وتختلطون معه بتلك الأسباب فتتأثر من نورانيتها المستفادة من نور قلبه أنفسكم فتتنور بها وتنسلخ عنها ظلمة الجبلة والعادة التي كنتم عليها قبل إسلامكم، وإذا كان كذلك فأنتم أولى بنصرته وموالاته من غيركم، لأنه أكمل شرفكم ورفع شأنكم وأعلى فخركم، فأبدل ذلكم عزّا، وانحطاطكم رفعة، وفقركم غنى، وقرأ ابن عباس بفتح السّين أي من أنفسكم وأفضلكم وأحسنكم، وهذه القراءة جائزة إذ لا تبديل فيها ولا زيادة ولا نقص.
راجع الآية 11 من سورة الحج المارة. أخرج الترمذي عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله إن قريشا جلسوا يتذاكرون حسبهم بينهم، فقالوا مثلك كمثل نخلة في كدّية (بضم الكاف وتخفيف الدّال الأرض الغليظة والصّفات الشّديدة العظيمة والشّيء الصّلب بين الحجارة والطّين) من الأرض، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم، وخير الفريقين، ثم تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا. وروى مسلم عن وائلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم. واصطفاني من بني هاشم. وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا. حتى كنت من القرن الذي كنت فيه. وهذا الرّسول أيها المؤمنون «عَزِيزٌ» شاق صعب عظيم شديد «عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ» أي ما تعملونه من المكروه والإثم لزيادة رأفته بكم، وكثرة غيرته عليكم لأنه يراكم بمثابه أعضائه وجوارحه، فكما يشق عليكم تألم شيء منها يشق عليه ما يصيبكم من كلّ سوء،
فيخاف عليكم كخيفته على نفسه حقا ولذلك فإنه «حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ» من أن ينالكم مكروه لشدة اهتمامه بكم كما يهمه جسده، فلا يرضى بنقص أقل جزء منه ولا بشقائه فكذلك أنتم عنده، ولذلك لا يريد لكم إلّا الخير، وهو يبذل غاية جهده وقصارى وسعه ونهاية قدرته لهدايتكم لأنه «بِالْمُؤْمِنِينَ» المخلصين لله الطائعين أوامره «رَؤُفٌ» وبالمذنبين والعاصين والغافلين «رَحِيمٌ» (128) بهم يريد أن يعفو الله عنهم ويرجو منه أن يشفّعه بهم، ولهذا فإنه ليفيض عليهم العلوم والمعارف والكمالات، ويجب أن يتصفوا بها كلها لينجيهم ربهم من عذاب الآخرة ويغفر لهم ما وقع منهم في الدّنيا، ولذلك يسعى لإرشادهم ويطلب من ربه قبولهم وتوفيقهم للخير والذكر الحسن في الدّنيا لينالوا ثوابه في الأخرى. اعلم أن الله تعالى لما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ما جاء في هذه السّورة من التكاليف عباده، وكانت شاقة يعسر تحملها إلّا لمن خصه الله تعالى بالتوفيق والكرامة، ختم هذه السورة بما يوجب سهولة تحمل هذه التكاليف، وهو أنه قد جعل هذا الرّسول الذي بلغهم منهم فكل ما يحصل من العز والشّرف في الدّنيا فهو عائد إليكم، وفضلا عن هذا فإنه عليه الصلاة والسلام بحال يشقّ عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدّنيا والآخرة إليكم، فهو كالطبيب الشّفيق ولأب الرّحيم في حقكم، والطّبيب الشّفيق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها، والأب الرّحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة، إلا أنه لما عرف أن الطّبيب حاذق والأب رؤوف صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة، وتلك التأديبات الشّاقة جارية مجرى الإحسان، فكذا هنا، لما عرفتم أنه رسول الله حقا فاقبلوا منه هذه التكاليف مهما كانت لتفوزوا بخير الدّارين. قال تعالى «فَإِنْ تَوَلَّوْا» عنك يا سيد الرّسل بعد ما أسديت لهم هذا النّصح وأعرضوا عن قبول إرشادك، ومالوا عن موالاتك وعدلوا عن مجالستك، فاتركهم ولا تلتفت إليهم، لأنك لست عليهم بجبار ولا مسطير، لأنهم يظهرون ذلك الإيمان، فلو كانوا يجاهرون بالكفر لكان لك أن تقاتلهم حتى يعطوا الجزية، فلم يبق إلّا طريق النّصح، فإذا رأيتهم تولوا عنك ولم يجنحوا لإرشادك «فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ» وحده هو كافيني عن جميع خلقه لا حاجة لي
بكم ولا باستعانتكم، كما لا حاجة للانسان إلى العضو المتعفن الفاسد، بل يجب قطعه لئلا يسري لغيره «لا إِلهَ» في الوجود ولا مؤثر في الكون ولا هادي للمضل «إِلَّا هُوَ» وحده ناصرك ومعينك وكافيك عن كلّ خلقه وهو المعول عليه بالاستقلال والإحاطة والاستيلاء التام «عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ» لا على غيره، إذ لا رب سواه فهو الباقي وما سواه هالك فلا حول ولا قوة إلّا بالله الذي من يتوكل عليه يكفيه، ومن يرجع إليه يغنيه عن كلّ أحد، إذ لا فعل ولا منع ولا عطاء إلّا منه، إليه أنبت وأسلمت وآمنت «وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (129) تقرأ على الكسر على انه صفة العرش، لأنه أعظم مخلوقاته، لما ورد أن أرضكم هذه بالنسبة لعرش الرّحمن كحلقة
ملقاة في فلاة، وبالرفع على أنه صفة لله تعالى والله سبحانه هو الكبير العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، المستحق للتعظيم بأفضاله وآلائه. والمراد من عظم العرش كبر جرمه واتساع جوانبه على ما هو مذكور في الأخبار، ومنها ما ذكر آنفا، والمراد من وصف الإله بالعظم وجوب الوجود والتقديس والتنزيه عن الجسمية والأجزاء والأبعاض ووصفه بكمال القدرة وكونه مبرأ من أن يتمثل في الأوهام أو تصل إليه الأفهام. قال أبو بكر وهذه القراءة (أي قراءة العظيم بالرفع) أعجب لأن جعل العظيم صفة للرب العظيم أولى من جعله صفة العرش (أي وإن خصّصها الغير) ويوجد في القرآن أربع سور مختومة بلفظ العظيم: هذه والحديد والواقعة والحاقة. هذا وقد ذكرنا أوّل هذه السّورة أنها نزلت كلها جملة واحدة، كما أشرنا إليه في الآية (27) المارة، وقال الحسن إن هاتين الآيتين الأخيرتين من آخر ما نزل من القرآن وما نزل بعدها قرآن.
والمراد بقوله هذا أنهما نزلتا بآخر هذه السّورة لا وحدهما أما قوله ما نزل بعدهما قرآن، فلا يتجه إذ نزل بعدهما من السّور سورة النّصر، ومن الآيات آية المائدة الخامسة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) وآية البقرة 282 وهي (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) على أصح الأقوال، ومن قال ان الآيتين الأخيرتين من هذه السّورة نزلتا بمكة قيل لا مبرر له ولا عبرة به ولا قيمة له، وكان هذا القائل نظر لما فيهما من التفريض فقال ما قال، لأن هذه السّورة جاءت بالجزم والعزم ومقام
الشدة والغلظة فلا يناسبها ختمها بما يدل على التفريض على أن هذا لا يكون مدارا لإثبات قوله بأنهما مكيتان، لأن الأجدر هنا أن يكون المقام مقام تفويض تحدثا بما أكرم الله به نبيه فيهما من النّصر والعلبة وفضيحة أعدائه والتوبة على أوليائه. ومما يدل على كونهما مدنيتين وختم هذه السّورة بهما ما ورد عن أبي بن كعب أنه قال هاتان الآيتان (لَقَدْ جاءَكُمْ) إلخ آخر القرآن نزولا. وفي رواية أحدث القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان أي من حيث لم ينزل بعدهما إلّا ما ذكرناه آنفا، ومن علم أن كلام الله لا يشبه كلام خلقه علم أن كلامه لا يتقيد بمناسبة.
راجع الآية (82) من سورة النّساء المارة. واعلم أن ما نقل عن حذيفة من قوله أنتم تسمون هذه السّورة بالتوبة وهي سورة العذاب ما تركت أحدا إلّا قالت منه (والله ما تقرءون ربعها) فهو نقل كاذب ورواية مفتراة وخبر بهت وقول زور، لأن تصديق الجملة الأخيرة من هذه الرّواية الواهية عبارة عن وجود النّقص في القرآن العظيم الذي لا يحتمل النّقص ولا الزيادة ولا يتطرقان إليه البتة. كيف وقد حفظه الله من كلّ باطل وتعهد بحفظه كما أشار إلى ذلك في الآية (30) سورة الحجر والآية 92 من سورة فصلت المارتين في ج 2، وهذا القول المختلق يخرج القرآن العظيم عن كونه حجة ولا خفاء، فإن القول بوجود نقص في القرآن باطل لا يقوله إلّا مبتدع زنديق فاسق فاجر، وهو كالقول بأن سورة الأحزاب كانت أكثر مما هي عليه الآن إذ أكلتها الأرضة وهي في بيت عائشة، فإذا أكلتها من بيت عائشة فهل أكلتها من النّسخ التي عند كتبة الوحي، وهل أكلتها من صدور الحافظين الأمينين. ولما نسخ أبو بكر القرآن من اللّخاف وغيرها هلا اطلع على هذا النّقص وهو خليفة رسول الله الأوّل، وهلا سأل من هذا عمر حين ولي الخلافة ونقل الصّحف إلى بيت حفصة، ولما نقل المصاحف زمن عثمان من قبل كتبة الوحي، هلّا اطلعوا على هذا النّقص الواقع في الأحزاب والتوبة، وهم أعلم النّاس بالقرآن بعد المنزل عليه، قاتل الله المفسدين، قاتل الله المرجفين، قاتل الله الزائفين، ألا يعلمون أن القول بهذا كفر صريح لإنكارء ما تعهد الله بحفظه وحمايته، ومن أوفى بعهده من الله، هذا، وقد أسهبنا بالبحث في هذا في المقدمة في بحث النّزول