الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
314 - صفر (1280 - 1335 هـ)(1864 - 1917 م)
البشير بن مصطفى صفر، الجغرافي، المؤرخ المشارك في علوم من أول الصحفيين بتونس، الملقب بأبي النهضة التونسية.
أصله من أسرة شهيرة بالمهدية من سلائل الجنود الأتراك، ووالده تدرج في سلك الجند النظامي من عهد المشير الأول أحمد باشا حتى كان من كبار الضباط في عهد الصادق باي.
ولد بتونس، ودخل الكتاب القرآني حتى فتحت المدرسة الصادقية سنة 1293/ 1878، فكان من أوائل الملتحقين بها وأظهر فيها من النجابة والذكاء ما أصبح به مضرب الأمثال بين الأساتذة ولفتت خلاله الفضلى نظر الوزير خير الدين فشجعه ودعاه إلى مائدته مرات عديدة.
وبعد إحرازه على ديبلوم الصادقية سافر إلى فرنسا لمواصلة التعليم العالي بصحبة بعثة من رفاقه تلامذة الصادقية، وكان هو رئيس هذه البعثة وناظرا على رفاقه وقيما على شئونهم لما عرف عنه من خصال حميدة، واستقامة سلوك أحلته محل الزعامة وتابع دروسه في باريس بمدرسة سان لوي. ورجعت البعثة إلى تونس في العطلة الصيفية سنة 1299/ 1881 فصادف رجوعها انتصاب الحماية الفرنسية وظهور الحاجة الأكيدة إلى طبقة من متعلمي اللغة الفرنسية تتولى التوسط بين الأقلام العربية في الإدارة التونسية والقلم الفرنسي في ادارة الحماية، وتتصل من قريب بما يجري في المراجع العالية بما يتعلق بحقوق التونسيين، وكان الخريجون الأولون من المدرسة الصادقية هم معقد الآمال ومناط الرجاء للقيام بهذه المهام، ولما
عرضت الفكرة على المترجم أنكرها إنكارا شديدا وأبى أن يدخل الوظيفة ويترك الدراسة، واتصل بكتاب من الوزير محمد العزيز بوعتور يشرح له الأسباب الداعية لطلب انخراطهم في الوظائف، ويبين له ما للوطن من المصلحة الأكيدة في انتدابهم لذلك والتضحية بآمالهم العلمية في هذا السبيل الذي يحمده المؤسس لو كان حاضرا ويرى أنه من أكبر ثمرات مؤسسته إسداءها هذه الخدمة للوطن في هذا الوقت الحرج.
وكان لهذا الكتاب تأثيره عليه فاقتنع بصواب ولوج باب الوظيفة خدمة للمصلحة العامة، فسمي مترجما بالكتابة العامة سنة 1300/ 1882، وأظهر من سامي الخلال ورفيع الخصال ما لقت إليه أنظار المسئولين، وأسند إليه مع الترجمة محاسبات الإدارة العامة حتى استقل بها فكان أول رئيس لقسم الحسابات سنة /1307/ 1882.
لما أنشئ فرع ابتدائي للمدرسة الصادقية ببطحاء رمضان باي سمي مديرا له ومعلما به سنة 1305/ 1888.
وعند ما أنشأ على بوشوشة جريدة «الحاضرة» في 24 ذي القعدة 1305/ 2 أوت 1888 كان محررا فكتب فيها المقالات العلمية والاجتماعية والسياسية، فظهرت مقدرته في الكتابة الصحفية بحيث كان حاملا راية التحرير الصحفي بتونس في عصره.
وسعى لتأسيس الجمعية الخلدونية سنة 1314/ 1896 لإلقاء دروس حرة ومحاضرات في المواد العلمية التي لا تدرس بجامع الزيتونة كالعلوم الرياضية والطبيعية والتاريخ والجغرافيا، فكان القصد من تأسيسها هو النهوض بالطلبة الزيتونيين وتلقيح معارفهم بالثقافة الحديثة. وكانت هذه العلوم تدرس في المدارس باللغة الفرنسية لا العربية، ومن هنا يظهر فضله وفضل رفاقه من خريجي الصادقية الأوائل على إحياء اللغة العربية وربطها بالعلوم الحديثة وعلى التلامذة الزيتونيين، وهذه الخطوة الجريئة لم يكن الطريق أمامها سهلا مفروشا بالورد فالاستعمار لا يشجع هذه المبادرة إن لم
يضع في طريقها الصعاب، والمتزمتون الجامدون على كل قديم ولو اتضح عواره ونقصه وقد نقل عنهم أنهم سموا الخلدونية (خل ودونية) وأطلقوا على البشير صفر (البشير كفر) فيا لله من هذي العقول.
وكان المترجم يقوم بدروس الجغرافيا والتاريخ، وفي هذه المادة الثانية أبدى ضلاعة ومقدرة على ربط الحوادث وتعليلها بالرجوع إلى أبعد التفاصيل التاريخية إلى أحدث المشاكل السياسية التي كانت تشغل الأفكار حينئذ. وحازت دروسه التاريخية شهرة واسعة وأقبل عليها الراغبون بشغف وشوق، ويحكى أن الشيخ محمد المهدي الوزاني مفتي فاس حضر مرة في إحدى زياراته إلى تونس محاضرة في التاريخ بقاعة الخلدونية، وفرنسا إذ ذاك تمهد لاحتلال المغرب الأقصى، وأحواله السياسية لا تبعث على الاطمئنان فتجاذب أطراف الحديث مع الزائر عن أحوال المغرب الأقصى وما هي وسائل اصلاح أوضاعه للوقوف في وجه الأطماع الاستعمارية، وأصبحت له بين الزيتونيين زعامة لا تقل على زعامته بين الصادقيين، يكنون له جميعا الإجلال والمحبة حتى لقب بحق أبا النهضة التونسية. تولى رئاسة جمعية الأوقاف من سنة 1317 إلى سنة 1327/ 1899 - 1909، وأبدى من الكفاءة والمقدرة والغيرة على مصالح الأوقاف ما وطد حبه في القلوب واجلاله في النفوس، وقد أجرى من الأوقاف إعانات كثيرة لمؤسسات خيرية وعلمية، وأسس تكية العجز بشارع باب البنات من أموال الأوقاف.
وهذه المنزلة الشخصية التي سادها بجده وإخلاصه وكريم خلاله جعلته محل تقدير واغتباط من زعماء النهضة الشرقية أمثال الشيخ محمد عبده الذي عرفه في زيارته لتونس سنة 1322/ 1902، وزعيم النهضة الوطنية المصرية مصطفى كامل باشا الذي عرفه في فرنسا، وزعيم الوطنية المصرية والوحدة الإسلامية محمد فريد بك الذي لقيه عند زيارته لتونس ثم اجتمع به في مصر عند رحلة المترجم إليها في ضيافة الأميرة نازلي.
وكل هذا لم يكن يمر برضا من الاستعمار ففكرت حكومة الحماية في