الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
232 - سحنون (160 - 240 هـ)(777 - 854 م)
سحنون بن سعيد بن حبيب بن ربيعة التنوخي - أبو سعيد، واسمه عبد السلام، وغلب عليه لقب سحنون، وهو طائر حديد النظر، وذلك لجودة نظره في المسائل.
قدم أبوه في جند حمص، وولد ابنه بالقيروان، وبها تربى، وقرأ على مشايخها كالبهلول بن راشد، وابن أشرس، وابن غانم، ومعاوية الصمادحي، وأبي زياد الرّعيني، ورحل إلى علي بن زياد بمدينة تونس، وروى عنه الموطأ.
رحل إلى مصر في طلب العلم سنة 178/ 795 في حياة الامام مالك على ما قاله ابنه. قال سحنون كنت عند أبي القاسم وجوابات مالك ترد عليه. فقيل له: ما منعك من السماع منه؟ قال: قلة الدرهم. وقال مرة أخرى: لحى الله الفقر فلولاه لأدركت مالكا.
وقيل إنه رحل في أول سنة 188/ 804.قال القاضي عياض: فإنه سمع ممن مات قبل ثمان وثمانين من المدنيين بها كابن نافع توفي سنة ست وثمانين.
سمع في رحلته إلى مصر والحجاز من أبي القاسم، وأشهب، وابن وهب، وطليب بن كامل، وعبد الله بن عبد الحكم، وشعيب بن الليث، ويوسف بن محمد. وسمع الحديث من سفيان بن عيينة، وأنس بن عياض، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجرّاح، ويزيد بن هارون، والوليد بن مسلم، وحفص بن غياث، وأبي داود الطيالسي، وغيرهم.
وسمع من أصحاب مالك كمعن بن عيسى، وابن الماجشون، ومطرّف.
قال سحنون: لما حججت كنت ازامل ابن وهب، وكان أشهب يزامله يتيمه، وابن القاسم يزامله ابنه موسى، وكنت إذا نزلت سألت ابن القاسم، وكنا نمشي بالنهار ونلقي المسائل، فإذا كان الليل قام كل واحد إلى حزبه من الصلاة، فقال ابن وهب يوما لأصحابه: ألا ترون هذا المغربي يلقي بالنهار ولا يدرس بالليل؟ فقال ابن القاسم: هو نور يجعله الله في القلوب.
رجع إلى القيروان سنة 191/ 807 وفيها مات ابن القاسم. قال:
وخرجت إلى ابن القاسم ابن خمس وعشرين، وقدمت افريقية ابن ثلاثين سنة. ولما رجع أظهر مذهب مالك، وتصدى للتدريس فأخذ عنه مئات من أبناء البلاد، ومن القادمين من أقطار المغرب والأندلس، وممن أخذ عنه ابنه محمد، ومحمد بن عبدوس، وأحمد بن الصواف، وحمديس القطان، وسعيد بن الحداد، وأبو محمد يونس الورداني ولازمه كثيرا، وفرات بن محمد العبدي، ويحيى بن عمر الكناني الاندلسي دفين سوسة، وغيرهم، والرواة عنه يبلغ عددهم السبعمائة.
قال الخشني: كانت أفريقية قبل رحلة سحنون قد غمرها مذهب مالك بن أنس لأنه رحل إليها أكثر من ثلاثين رجلا كلهم لقي مالك بن أنس وسمع منه إن كان الفقه والفتيا، إنما كان في قليل منهم كما في ذلك في علماء البلاد، ثم قدم سحنون بذلك المذهب، واجتمع له مع ذلك فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض فبارك الله فيه للمسلمين، فمالت إليه الوجوه وأحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ قد امّحى ما قبله فكان أصحابه من أهل القيروان وكان حافظا حتى قيل: إن العلم في صدره كسورة في القرآن من حفظه وقال: إني حفظت هذه الكتب حتى صارت في صدري كأم القرآن.
قال أبو العرب التميمي: «كان جامعا للعلم، فقيه الدين، اجتمعت فيه خلال ما اجتمعت في غيره: الفقه البارع، والورع الصادق، والصواب
في الحق، والزهادة في الدنيا، والتخشن في الملبس والمطعم، والسماحة والترك، لا يقبل من السلطان شيئا. وكان أول من شرد أهل الأهواء من المسجد الجامع وكانوا فيه حلقا من الصقرية والاباضية وكان حافظا للعلم، ولم يكن يهاب سلطانا في حق يقيمه».
وقال عيسى بن مسكين: سحنون راهب هذه الامة، ولم يكن بين مالك وسحنون أفقه من سحنون.
وقال أبو إسحاق الشيرازي: إليه انتهت الرئاسة في العلم بالمغرب، وعلى قوله المعوّل بالمعرب، وصنف المدونة وعليها يعتمد أهل القيروان، وحصل له من الأصحاب ما لم يحصل لأحد من أصحاب مالك في المغرب.
وعيشه من غروس زيتون بالساحل، وكان أحيانا يباشر شئونها بنفسه من حرث وغيره. قال عبد الجبار بن خالد: كنا نسمع من سحنون جالسا بمنزله بالساحل، فخرج علينا يوما وعلى كتفه المحراث وبين يديه الزوج (أي الثوران) فقال لنا: إن الغلام حمّ البارحة، فإذا فرغت اسمعتكم فقلت: أنا أذهب وأحرث، وأنت تسمع أصحابنا، فإذا جئت قرأت عليك ما فاتني، ففعل فلما جئته قرّب إليّ غداءه خبز شعير وزيتا قديما.
ومن كرمه وسماحته ما قاله أبو داود القطان: باع سحنون زيتونا له بنحو ثلاثمائة دينار ودفع ذلك إليّ، فكان يبعث إليّ البطائق يتصدق من ذلك المال إلى أن نفد، فاتيته بتلك البطائق ليحاسبني عليها، فقال لي: بقي من المال شيء؟ فقلت: لا، فرمى بالبطائق ولم يحاسبني وقال: إذا فرغ المال فلم أحاسبك؟
وقال محمد بن عبد الله الرعينيّ: لما سرت إلى الغزو إلى صفاقس مع سحنون فتح لنا مطمورة شعير لعلف دوابنا، فما كنا نأخذ منها بكيل سماحة منه في ذات الله.
قال غيره: وفدى سحنون يومئذ أسارى المسلمين وظن أن الأمير
يعطيه ما فداهم به، وأخذ الأموال التي فداهم بها سلفا، فلما قدم على الأمير أبى أن يعطيه الفداء، فالزم سحنون الاسرى بما أمروا به وقال لهم:
قد كنتم عبيدا للعدو، ولا تملكون من أموالكم وتأمنون الفتنة على دينكم فمن أعطى تركته، ومن أبى حبسته، ويفهم من الكلام أن الحادثة كانت في زمن ولايته القضاء. ولي القضاء سنة 234/ 849 فلم يزل قاضيا إلى أن مات.
قال ابنه محمد: ولي سحنون القضاء بعد أن أدبر عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الاغلب بأشد الايمان، فولي يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين فأقام أياما ينظر في القضايا يلتمس أعوانا ثم قعد للناس يوم الأحد بعده.
قال سليمان بن سالم: لما تمت ولاية سحنون تلقاه الناس فرأيته راكبا على دابة ما عليه كسوة ولا قلنسوة والكآبة في وجهه ما يتجرّأ أحد يهنيه، فسار حتى دخل على ابنته خديجة - وكانت من خيار النساء - فقال لها:
اليوم ذبح أبوك بغير سكين (1).
ولما ولي جاءه عون بن يوسف الخزاعي فقال له: نهنئك أم نعزيك؟ ! فسكت ثم قال له: بلغني أن من اتاها من غير مسألة أعين عليها ومن أتاها عن مسألة لم يعن عليها فقال له سحنون: من ولته الشفاعة عزلته، ومن ولته الشفاعة حكم بالشفاعة.
قال ابنه: يضرب الخصوم إذا آذى بعضهم بعضا أو تعرضوا للشهود، ويقول: إذا تعرض للشهود كيف يشهدون؟ ويؤدب الخصم إن طعن على الشاهد بعيب أو تجريح حتى يسأله هو عن تجريحه ويقول للخصم: أنا أعنى بذلك منك.
(1) يشير إلى الحديث الشريف: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة، ورمز لحسنه السيوطي في الجامع الصغير، قال شارحه المناوي: هو أعلى من ذلك فقد قال الحافظ العراقي: سنده صحيح. فيض القدير 6/ 238.
وهو أول من نظر في الأسواق، وإنما كان ينظر فيها الولاة، فنظر فيها يصلح من المعاش، وما يغش من السلع، وجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفي من الأسواق من يستحق ذلك، ثم جعل على الأسواق قاضيا خاصا يعرف بصاحب السوق وصاحب المظالم، وأذن له أن يقضي في عشرين دينارا وأول من تولى هذه الخطة حبيب بن نصر بن سهل التميمي، وهو أول من جعل في الجامع إماما يصلي بالناس وكان ذلك للأمراء، وأول من جعل الودائع عند الامناء، وكانت قبل في بيوت القضاة، وأول من قدم الأمناء في البوادي، وكان من قبله يكتب إلى جماعة من الصالحين منهم، وكان يعطي الطابع لأهل العدوى فإذا جاء المستعدي بصاحبه أخذ منه الطابع لئلا يبعث به للناس، وكتب مرارا يأمر بقتل الكلاب ويسيّب الأعوان وراءها بالحراب.
قال عيسى بن مسكين: فحصل للناس بولايته على شريعة من الحق ولم يصل قضاء افريقية مثله.
وقال سعيد بن إسحاق: كل من ولي قضاء أفريقية اكتسب إلا سحنون.
وكان لا يأخذ لنفسه مرتبا ولا صلة من الأمير في قضائه كله ويأخذ لأعوانه وكتابه وقضاته من جزية أهل الكتاب.
لمّا أكثر من رد الظلامات في رجال الأمير ابن الأغلب، وأبى أن يقبل منهم الوكلاء في الخصومة وأن يحضروا بأنفسهم، وجه إليه الأمير - وقد شكوه إليه - بأنه يغلظ عليهم، فأرسل إليه ابن الأغلب وقال: إن فيهم غلظة وقد شكوك، ورأيت مما فاتك من شرهم فلا تنظر في أمرهم، فقال سحنون للرسول: ليس هذا الذي بيني وبينه قل له خذلتني خذلك الله، فلما أنهى الرسالة للأمير قال له: ما نعمل به إنما أراد الله.
ولما ثار القوبع على الأمير محمد بن الأغلب قال بعض القواد: اليوم نستمكن من سحنون إما بخسر دينه أو دنياه: فقالوا للأمير: سحنون داعية