الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
340 - ابن عاشور (1327 - 1390 هـ)(1909 - 1970 م)
محمد الفاضل ابن الاستاذ الامام الشيخ محمد الطاهر بن محمد بن عاشور، أحد الائمة الاعلام في تاريخ تونس المعاصر ومن اعلام الفكر الاسلامي الحديث، الموسوعي الثقافة، والخطيب اللامع، والسياسي المحنك ولد بالمرسى من ضواحي تونس الشمالية أو بتونس في 2 شوال سنة 1327/ 16 اكتوبر 1909 وسماه جده محمد الفاضل.
واعتنى والده بتربيته وتوجيهه، عناية بالغة فيها حزم ولين، وتعلم في المنزل بداية من السنة السادسة من عمره الهجاء في كتب مدرسية مصرية، ثم شرع في حفظ القرآن العظيم ولما بلغ التاسعة من عمره شرع في حفظ المتون العلمية كالآجرومية والمرشد المعين لابن عاشر، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني، والفية ابن مالك وتحفة الحكام لابن عاصم. ولما بلغ العاشرة من عمره أعاد حفظ القرآن مرة ثانية، وبدأ في تعلم الفرنسية على معلمين خصوصيين في ساعات معينة بالمنزل. وفي سنة 1340/ 1922 شرع في قراءة دروس في القراءة، والتوحيد، والفقه، والنحو بمسجد سيدي أبي حديد المجاور للمنزل بتونس بنهج الباشا، في آخر السنة اجتاز بنجاح امتحان الدخول للتعليم الزيتوني فقبل في السنة الثانية، واستمر على تلقي الدروس الخاصة باللغة الفرنسية، وأختزل سنة أخرى عن برنامج التعليم بجامع الزيتونة فاجتاز بنجاح شهادة ختم الدروس الثانوية المسماة في ذلك العصر شهادة التطويع سنة 1347/ 1928، وفي السنة الدراسية الموالية أقبل على مزاولة التعليم العالي بجامع الزيتونة، وانخرط في سلك المدرسة العليا للغة والآداب العربية بسوق العطارين وانتسب إلى كلية الآداب بجامعة
الجزائر سنة 1931.اجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية سنة 1932، وبعد مدة اجتاز كذلك بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الأولى.
وفي مدة دراسته بجامع الزيتونة كان يعيش تحت مراقبة حازمة من قبل والده فتنقله بين الجامع والمنزل ونظام أوقاته مضيق عليهما جدا لئلا ينغمس في حركات أدبية واجتماعية أو يختلط بجماعات تجعله غير ناجح في دراسته أو مقبلا عليها بكلل أو مشمئزا منها ومفكرا في الانقطاع عنها كما كان شأن غيره من سلك هذا السبيل فكان من الحكمة الكبرى مراقبته والتضييق عليه ليقبل بجد على الدراسة لا غير.
ولما احرز على شهادة التطويع زالت عنه قيود المراقبة والتضييق فقام بنشاط اجتماعي متعدد الجوانب والاتجاهات فعمل بالجمعية الخيرية وبجمعية قدماء الصادقية ولجان الحفلات بالمرسى والمنظمات التي أنشأها مع جماعة من زملائه الطلبة، ودخل المجلس الاداري للخلدونية سنة 1931 بعد أن ربطه بالخلدونية رئيسها الاستاذ عبد الرحمن الكعاك، وألقى محاضرات على منبر الخلدونية، وكان موضوع أول محاضرة له عن:«القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني» .
وقد قام بعدة رحلات فرحل أول مرة إلى فرنسا سنة 1926، وزار مصر مرات، والحرمين الشريفين أكثر من مرة والقطر الجزائري، وزار المغرب الاقصى كما زار ليبيا مرة واحدة، ورحل إلى سوريا ولبنان وبغداد وإيطاليا وسويسرا وتركيا والمانيا والنمسا واليونان وبلغاريا ويوغوسلافيا، وربط صلات مع كثير من رجال العلم والادب ورحل للاشتراك في مؤتمرات المستشرقين عدة مرات وفي مؤتمرهم المنعقد باستانبول حضره بصحبة والده ودعيا للحضور بصفة شخصية لا يمثلان دولة ولا منظمة، وألقى فيها محاضرة باللغة الفرنسية عن كتاب لابن حزم في الاحتجاج لمذهبه ضد القياس، وقد ترجمها إلى العربية ونشرت في عددين من المجلة الزيتونية سنة 1952.وفي سنة 1948 حضر بباريس مؤتمر المستشرقين استجابة لدعوة الكوليج دي فرانس قصد المشاركة في حوار علمي،
والكوليج دي فرانس لا يفتح إلا في وجه صفوة الصفوة من العلماء، قال تلميذه الاستاذ الطيب السحباني:«واجتمعت بعد أيام بأحدهم فقال لي جاءنا أخيرا من بلدكم الشيخ ابن عاشور، وقد أحدث في المستمعين أثرا بليغا قلت كيف وفي أي لغة؟ قال ألقى علينا دراسة عظيمة ثم رد على مناقشتنا إياه في اللغة الفرنسية، واستطرد الاجنبي قائلا: إن لكم في تونس عالما جليلا فليتني أوتيت من فقه اللغة العربية ما أوتيه من معرفة مشاغلنا ولغتنا» .
كنت قبل أن أرحل من صفاقس لطلب العلم بجامع الزيتونة في تطلع لمعرفة شخصه وسماع دروسه ومحاضراته لما له من صيت علمي ذائع، وما كنت أطالع له بشغف وإعجاب مقالاته المنشورة في مجلة الثريا والمجلة الزيتونية، ولما دخلت جامع الزيتونة وجدته يدرس في التعليم العالي على طلبة العالمية في الآداب والتفسير ومقدمة ابن خلدون، وأنا آنذاك ما زلت في التعليم الثانوي فاهتبلت أول فرصة تخلف فيها أحد شيوخي عن درسه واستمعت لدرسه في التفسير فطرق أذني ما لم أسمعه وما لم أقرأه في كتب التفسير، سمعت أسلوبا جديدا لا يعتمد على المناقشات النحوية واللفظية، ويعتمد كثيرا على علم النفس لاستجلاء سياق الآيات والكشف عن معانيها في يسر. ومرة أخرى سمعته يدرس مقدمة ابن خلدون فكانت اسماء الفلاسفة كاوقست كونت وكارل ماركس تدور على لسانه مقارنا بين آرائهما وآراء ابن خلدون حتى أني اتذكر أنا كنا في حلقة الشيخ مصطفى المؤدب فانقطع يسيرا عن الإلقاء واصغى إليه قليلا.
وفي هذه الفترة سنة 1945 - 46 كان مديرا للخلدونية ولمعهد البحوث الاسلامية التابع لها، وغالب محاضرات هذا المعهد يقوم هو بإلقائها، وهذه المحاضرات تناولت أقطار العالم العربي والعالم الاسلامي، وقسم العالم الاسلامي إلى وحدات كالوحدة الطورانية، ويحاضر عن أقطار كل وحدة، ويبتدئ بالحديث عن جغرافيتها ثم عن تاريخها إلى العصر الحاضر، ويختم محاضرته عن حالتها السياسية والاجتماعية. وهذه المحاضرات بعيدة عن
جفاف العلم بل يحليها برونق البيان وجمال التصوير ودقته مما يقربها إلى النفوس لتمكنه من عبقرية اللغة وبراعة الأداء، وبما له من موهبة أدبية عالية تجيد تصوير الاغراض والمعاني، وتعرف بدقة ما يؤثر على النفس ويجلب انتباهها ويشوقها للمتابعة. وكان يلقي هذه المحاضرات ارتجالا مكتفيا بوضع مذكرة صغيرة أمامه، فكان محل تعجب وتقدير من مستمعيه لما رأوا فيه من قوة تركيز ذاكرته، والتنظيم الجيد لعناصر المحاضرة، والبعد عن الحشو والاستطراد وغزارة الاطلاع التي لا مثيل لها بين معاصريه.
وقد فتح بهذه المحاضرات المجال واسعا لفهم السياسة الدولية وسير منعرجاتها والقاء الاضواء الكاشفة على دروبها المظلمة، وهذه المحاضرات تدل على اطلاعه الواسع وفكره النير وفهمه الدقيق وذوقه الرشيق، وكان يحضرها تلاميذ الزيتونة وبعض تلاميذ المدرسة الصادقية وأهل العلم والأدب وبعض الذوات المرموقة كوزير متقاعد والمستشرق الايطالي قويدو مدينة وغيرهم.
وكان فذا بين مدرسي الزيتونة لا يشاركه أحد في سعة معارفه وثقافته الحديثة وغزارة اطلاعه وسمو اخلاقه قرأت عليه في التعليم العالي شرح السعد التفتازاني على العقائد النسفية وتاريخ الفرق الاسلامية وفيهما سمعنا الاسلوب الجديد والمعلومات الغزيرة، ففي درس العقائد كان كثيرا ما يقارن بين آراء المتكلمين والفلاسفة كابن سينا والفارابي وابن طفيل وابن رشد، وفي درس تاريخ الفرق سمعت منه من غزارة التحليل ودقة التعليل وسعة الاطلاع ما وددت أن تكون حصة الدرس ثلاث مرات في الأسبوع لا مرة واحدة مع أني لست خالي الذهن عن تاريخ الفرق فقد كنت طالعت التبصير في الدين للاسفراييني وما كتبه المستشرق كارا دي فو في كتابه «مفكر والاسلام» .
كان عضوا بمجمع اللغة العربية في القاهرة.