الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
251 - السنوسي (1267 - 1318 هـ)(1850 - 51 - 1900 م)
محمد بن عثمان بن محمد بن عثمان بن محمد بن أحمد بن مهنية السنوسي، الفقيه الاديب الشاعر المؤرخ، الصحفي، الرحالة، صاحب المواهب الخصبة، والقلم السيال.
من بيت علمي نبيه في دولة البايات، أصل سلفه من قلعة سنان بولاية الكاف من أحفاد سيدي عساكر من السلالة الادريسية الحسنية، وجده محمد - السابقة ترجمته - هو الذي استقر بتونس، والسنوسي أطلقه الجد على ابنه تيمنا وتقديرا للعالم التلمساني (من رجال القرن التاسع الهجري) وهو ليس اسم عائلة وأن أصبح فيما بعد علما على هذه العائلة.
وكان والده الشيخ عثمان قاضيا بجبل المنار (سيدي بو سعيد)
قرأ بجامع الزيتونة على أعلام منهم المشايخ: سالم بو حاجب وهو عمدته، وصالح بن فرحات، وصالح النيفر، وأحمد الشريف، والطاهر النيفر، وعلي العفيف، ومحمد الشاهد، ومحمود قابادو، وغيرهم. وبعد إحرازه على شهادة التطويع أقرأ مدة بجامع الزيتونة متطوعا على العادة المتبعة في ذلك العصر وما والاه من أن المحرز على شهادة التطويع يقرئ صغار الطلبة، وفي نفس الوقت يتابع دروس التعليم العالي، ثم باشر خطة الاشهاد بين المتعاقدين لأن شهادة التطويع كانت تخول لحاملها أن يصبح عدلا موثقا، ثم تولى التدريس بزاوية سيدي الهيّاص خارج باب القرجاني في الضاحية الجنوبية من مدينة تونس ثم في جامع حمودة باشا المرادي.
واختاره مستشار التعليم الجنرال حسين ليكون معلما للشاب الأمير
محمد الناصر بن محمد باي، فاختار أسلوبا حاول أن يوفق به بين القديم والحديث، فأمره بحفظ المتون المتعارفة، وأقرأه المؤلفات التاريخية والأدبية، ودربه على التحرير في المواضيع العامة أو السياسية.
وكون علاقات مع البيارمة الاسرة القوية الأرستقراطية العلمية التي لها صلة قرابة مع والدة تلميذه الناصر باي، وارتبط بالخصوص بصداقة دائمة مع الشيخ محمد بيرم الخامس، واشترك معه في بعض المسئوليات الهامة التي قام بها في حكومة خير الدين، وبفضل حماية هذا الصديق، وبتقدير من الجنرال حسين جمع المترجم منذ سنة 1870 الكتابة بجمعية الاوقاف، والتحرير بجريدة الرائد التونسي والعمل بالمطبعة الرسمية وكان أهم معين لمديرها محمد بيرم الخامس، وحرر غالب افتتاحيات الرائد وعددا من فصوله، وهو أول تونسي جذبته الصحافة كصناعة، وعمل عدة سنوات إلى جانب منصور كيرلتيّ الذي كان منشئا ومترجما في الصحيفة التونسية، وكان المترجم من جملة ما يكتب بها الفصل الادبي، يرأس اختيار ما في الصحف، وبفضل تكوينه الادبي المتين وذوقه الصحفي جعل من جريدة الرائد دورية ثرية متنوعة في مستوى المنشورات الشرقية، على أن فصوله ذات طابع تعليمي وكان له من الصحافة الاسلوب الواضح المركز ومعنى الرد السريع والجواب الحاضر والانتباه لمسائل العصر.
وأساس أفكاره هي أفكار الحزب الاصلاحي، والصفة الرسمية «للرائد» حملته على أن يكون حذرا جدا وكان مثل اصلاحيين آخرين خاب ظنه في حكومة خير الدين ذات الطابع الاستبدادي المطلق التي تخلت عن كل اصلاح دستوري.
ولم يتخل عن وظائفه لاستقالة خير الدين واستمر على مباشرتها في وزارة محمد خزنة دار وخلفه مصطفى بن اسماعيل. حرر بعض الفصول الشديدة المدح لهذا الأخير على أنه كان بعيدا عن تأييد السياسة الملتوية.
وفي بداية الحماية جرد المترجم من إدارة الرائد التي اسندت للحاج
حسن لازغلي الجزائري الأصل مجازاة له من السلطة الفرنسية للخدمات التي أداها للفرنسيين، وقرار التجريد أبلغه إلى صاحب الترجمة مترجم الاقامة العامة الفرنسية الذي أكد له انهم لا يؤاخذونه بشيء وأنهم عازمون على تسميته في وظائف أخرى، واستمر على مباشرة وظيفة كاتب بجمعية الأوقاف.
وانتابه قلق وضيق من الوضعية السياسية الجديدة ففكر في مبارحة تونس، وطلب الاذن في السماح له بالسفر لضرورة الراحة، ورفض هذا الطلب، وبقي مباشرا لوظيفته، وفي سنة 1882 أعاد تقديم الطلب لغرض أداء فريضة الحج، وأذن له في السفر، فركب البحر في 8 رجب 1299/ 25 ماي 1882 على باخرة البريد الايطالي برانس دي نابولي التي حملته من حلق الوادي إلى نابولي، وفي إيطاليا لقي الجنرال حسين الذي زار معه عدة مدن إيطالية، واقترح عليه كتابة رسالة قدح في مصطفى بن إسماعيل وسياسته نسبت إلى علالة بالزاي.
والتقى بشخصيات أخرى في إيطاليا منهم الصحفي المصري ابراهيم المويلحي.
وبارح إيطاليا في 2 رمضان 1299/ 18 جويلية 1882 على متن باخرة وكالة الاسفار البحرية، ونزل باستانبول في 6 رمضان 22/ جويلية، وأقام فيها عند محمد بيرم الخامس ولقي خير الدين، واتصل بالجالية التونسية التي لم يكن بعض أفرادها اللاجئين حديثا راضين بشروط الاقامة التي منحت لهم، وهذا مما حدا بالمترجم أن يقلع عن فكرة الهجرة، وبدأ في تهيئة الرجوع إلى الوطن فوجه مكتوبا إلى تلميذه القديم الناصر باي، وفي استانبول تعرف بالعلماء وبعض الشخصيات الهامة، منهم شيخ الطريقة المدنية الشاذلية ذو الأصل الليبي محمد ظافر مستودع أسرار السلطان عبد الحميد ونظم فيه قصيدة مدح ترجمت إلى التركية، ورفض عرض إنشاء جريدة عربية باستانبول ذات ميل للجامعة الإسلامية والرابطة العثمانية بمساندة من السلطان.
وركب البحر من استانبول في ذي القعدة 1299/ 24 سبتمبر 1882 إلى جدة، ومنها أدى مناسك الحج، ولقي بمكة رجال علم ودين من الهنود كرحمة الله، وحبيب الرحمن الموسوي، والشيخين عبد الجليل برّادة، ومحمود التركزي الشنقيطي، وكان دخوله عن طريق البر إلى سوريا مع قافلة الحجاج المصريين والسوريين، وحجز بالمحجر الصحي في وادي الزرقاء.
وفي ليلة الخميس 9 صفر والجمعة 10 منه سنة 1300/ 21 - 22 ديسمبر 1882 علم بعدد من جريدة ثمرات الفنون التي وصلت إلى حاج مصري وفاة الصادق باي في ليلة 27 - 28 نوفمبر 1882، وارتقاء أخيه علي باي العرش، فقرر المبادرة بالرجوع إلى تونس بعد إقامة بدمشق سمحت له بعقد اتصالات مختلفة، واقتبله الأمير عبد القادر الجزائري، ثم سافر إلى بيروت حيث تردد على رجال الادب والصحفيين من أشهرهم بطرس البستاني، وعدل عن فكرة زيارة القدس بسبب قلة الأمن لوجود قطاع الطريق، وركب البحر 14 ربيع الأول 1300/ 20 جانفي 1883، وبعد وقفات قصيرة في بورسعيد ومالطة وصل إلى تونس يوم الاثنين 26 ربيع الأول 1300/ 5 فيفرى 1883.
وبرجوعه إلى العاصمة التونسية باشر وظيفته القديمة كاتبا بجمعية الأوقاف، وامتزج من جديد بالأوساط الفكرية والبورجوازية التي ما زالت مضطربة من الأحداث التي كانت بلادهم مسرحا لها وانتصاب الحماية الفرنسية. واهتمامات هاته الاوساط جعلتها حساسة للفصول ذات الاتجاه نحو الجامعة الاسلامية والمترجم يقرأ باهتمام كبير ما تنشره مجلة «العروة الوثقى» التي يصدرها بباريس جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، وبعد صدور الأعداد الأولى من هذه المجلة وجه رسالة تقدير وإعجاب إلى الشيخ محمد عبدة.
وكان معجبا بأفكار جمال الدين الافغاني ومحمد عبده، ويبدو أنه كان من المؤسسين بتونس للجمعية السرية الحاملة لاسم العروة الوثقى، وفي
بداية سنة /1302 اواخر 1884 انكف الشيخ عبده عن النشاط بسبب وباء الكوليرا الذي اجتاح باريس، والذي اجبره على إيقاف صدور العروة الوثقى، فتوجه عن طريق البحر إلى تونس التي وصلها في 19 صفر 1302/ 6 ديسمبر 1884، واقتبله الباي وولي عهده، والأميران حسين والناصر، ومدرسو جامع الزيتونة وأكثر الأعيان، ويبدو أن المترجم ساهم في حرارة هذا الاقتبال وهو نفسه استدعى عبده إلى منزله في ليلة 25 إلى 26 صفر (12 إلى 13 ديسمبر) وحضر بعض الاجتماعات الاخرى المنعقدة حول الزائر الشهير، وبعد أن حضر الاحتفال بعيد المولد النبوي بارح الشيخ عبده تونس يوم الأحد 17 ربيع الأول 1302/ 4 جانفي 1885.والمناقشات الجدية المحدودة في دوائر محصورة التي تسببت فيها زيارة عبده لم تبطئ بظهور أثرها في بادرة عمل كان أول مظهر لمقاومة الاحتلال من سكان العاصمة، فمنذ 16 جمادي الأولى 1302/ 3 مارس 1885 انطلقت حركة احتجاج ضد الاجراءات التي اتخذتها السلطة الفرنسية، وهذه الاجراءات البلدية كالقوانين الجديدة تمس حياة السكان التونسيين بالعاصمة، وانعقدت اجتماعات بجامع الزيتونة وغيره، وتكونت مواكب في المرسى أمام قصر الباي واقتبل الوفود الموكلة من السكان، ودارت محادثات مع الوزير الأول، كل هذا جرى خلال شهر أفريل وقسم من شهر ماي، وهذا الهيجان أجاب عنه المقيم العام بول كامبون بإصدار بعض الأوامر وبضغط قوي على الباي وبمسارعة إنذار الادارة المباشرة وردع لحق عددا من الأعيان، وألقي القبض على المترجم بقرار في شعبان /1302 ماي 1885 وعزل من كتابة جمعية الأوقاف، ونفي إلى قابس لأنه كان من زعماء الحركة ولسانها المدافع، ووقع تفتيش منزله وحجز أوراقه، ويبدو أنه لم يتحمل الصدمة فطلب العفو فعفي عنه بعد ثلاثة أشهر من نفيه في النصف الأول من ذي القعدة /1302 أوت 1885، وقادة الحركة الآخرون قاموا بمساع وحرروا رسائل الاعتذار التي طلبت منهم، وطرحت العقوبات المتخذة ضدهم، كل هذا هيأ المترجم للتعاون مع سلطة الحماية، وسبق ذلك إعداده نفسانيا في قابس من قبل يوسف اليقرو والضباط الفرنسيين بهذه المدينة، وبعد زمن قليل من
رجوعه سمي كاتبا بالمجلس المختلط العقاري الذي أنشئ حديثا، وبعد قليل سمي منشئا بالوزارة الكبرى في أوت 1887، وفي 13 صفر 1307/ 14 أكتوبر 1889 سمي حاكما نائبا بالمجلس المختلط العقاري.
وعن اتفاق النخبة مع سلط الحماية أنشئت في سنة 1305/ 1888 - 89 جريدة «الحاضرة» وهي مستقلة ظاهريا لكنها في الواقع راضية بالتراتيب السياسية في البلاد، وكان المترجم من أهم معاونيها وحرر افتتاحياتها غالبا.
ولما كان متعطشا للمعرفة محبا للرحلة سافر إلى باريس لزيارة معرضها العالمي، وكان سفره يوم الجمعة في 8 ذي القعدة 1306/ 4 جويلية 1889 ورجع إلى تونس في غرة أوت الموالي. وعن هذه الرحلة وانطباعاته دوّن كتابه «الاستطلاعات الباريزية» الذي ربما ألّف في نفس السنة، وأبان عن إعجابه بالحضارة الحديثة التي كان له وقت فراغ للتأمل في مظاهرها المختلفة، كما أبان عن رضا بالسياسة الفرنسية، ومما لا مجال لنكرانه أنه كان متوظفا نشيطا في حكومة الحماية شارحا في بعض الأحيان ومبررا للاجراءات التي تتخذها، ففي هذه السنة آخر 1305/ 1889 أيد في افتتاحية «الحاضرة» المنع من الحج بسبب وباء جارف في الشرق الأدنى (وأشار إلى المسألة في الاستطلاعات الباريزية ص 5).
وبعد زمن قليل شرح القانون العقاري الجديد في «مطلع الدراري في توجيه النظر الشرعي على القانون العقاري» والنظرة التي بسطها في هذا الكتاب هي توافق هذا التشريع مع الفقه الاسلامي مما أثار انتقادات عديدة في الأوساط الدينية التونسية.
وفي السنوات الأخيرة من حياته أصابه مرض عضال لم يترك له فترات استراحة قصيرة إلى أن أودى بحياته في 24 رجب 1318/ 17 نوفمبر 1900.