المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (60) * * * * قالَ اللَّه عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ - تفسير العثيمين: العنكبوت

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآيات (1 - 3)

- ‌الآية (3)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (5)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (6)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (9)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (11)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (12، 13)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (17)

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (21)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (22)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (23)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (26)

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (30)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (31)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (32)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌(الآية: 34)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (36 - 37)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (38)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (39)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (41)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (42)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (43)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (45)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (46)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (47)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (48)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (49)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (50)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (52)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيات (53 - 55)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (56)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (57)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (61)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (62)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (63)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (64)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (66)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (67)

- ‌الآية (68)

- ‌الآية (69)

الفصل: ‌ ‌الآية (60) * * * * قالَ اللَّه عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ

‌الآية (60)

* * *

* قالَ اللَّه عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: 60].

* * *

قَال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَكَأَيِّنْ} كَمْ]: على هذا تكونُ خَبَرِيَّةً، يعني: وكَمْ من دَابَّةٍ، أي: كثيرٌ مِنَ الدَّوابِ.

والدابَّةُ في اللغة العربية: كل ما يَدُبُّ على الأرضِ، سواء مَشَى على بَطْنِهِ أو على رِجْلَينِ أو على أربعٍ، أما في العُرْفِ فهي لذَواتِ الأربعِ فقط، فلا تَشْمَلُ ما يَمْشِي على بَطْنِهِ ولا ما يمْشِي على رِجْلين، ولا على ما يمْشِي على سبعٍ وسبعين، وهي دابة عِنْدَنا تُسَمَّى أم سبعٍ وسبعين، وهي مثلُ الدُّودَةِ تَمْشِي ولها أرجلٌ كثيرةٌ -سبحان اللَّه! - وقد أخْبَرَنِي بعضُ الطُّلابِ أنهم عَدُّوا هذه الأرجلَ فوجَدُوها فوق الخَمسين ودونَ السِّتِّين، ولعله نوعٌ آخَرُ أو لعل هذه التسمية على سبيلِ المبالَغَةِ الظاهِرَةِ.

لو قال قائل: هل السيارةُ تُسَمَّى دابَّةٌ؟

فالجواب: لا تُسَمَّى دابة؛ لأن الدابَّة هي التي تَدُبُّ بنَفْسِهَا، أما السيارةُ فلا تَدُبُّ بنَفْسِهَا بل بسائِقِهَا، وقد تَدْخُلُ السيارة في الفَلكِ لأنها مِثْلُ السَّفِينَةِ لصاحبِهَا.

ص: 359

وقوله: {وَكَأَيِّنْ} : مبتدأٌ.

وقوله: {مِنْ دَابَّةٍ} : تَمييزٌ لها.

وجملة: {لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} قيل: إنها هي الخبرُ، وقيل: جملةٌ {اللَّهُ يَرْزُقُهَا} هي الخبرُ، وجملة:{لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} صِفَةٌ لدَابَّةٍ، وهذا أقربُ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ إلا بقولِهِ:{اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} .

وقوله سبحانه وتعالى: {لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} لا تستَطيعُ أن تَكْتَسِبَ وتحْمِلَ الرِّزْقَ حتى تقومَ بكفايَةِ نفْسِهَا، وهذا شيء كثيرٌ ويَرِدُ علَيْنَا نحنُ في حال الصِّغَرِ والطُّفولَةِ فلا نَسْتَطِيعُ أن نحملَ رِزْقنَا، ولولا أن اللَّه قيَّضَ لنا الأمَّ وقيَّضَ لنا الرضاعة من الأمِّ ما حَمَلْنَا الأرزَاقَ، كذلك يُوجَدُ دوابٌّ تأْتِيهَا أمراضٌ وعاهات فلا تستطيعُ أن تَطْلُبَ الرِّزْقَ فيُهَيِّئُ اللَّه لها رِزْقًا بحيثُ يأْتِيهَا وهي في مكانِهَا.

وكم قُصَّ عَلَيْنَا مِنْ قصصٍ كَثِيرةٍ في هذا البابِ؛ كدابَّةٍ جاءَهَا أمراضٌ وكُسِرَتْ رِجْلُها أو عَمِيت، أو طائر كُسِرَ جنَاحُهُ وما أشْبَه ذلك، فيَجِدُونَ الأشياء تأتي إليها باذنِ اللَّه جَلَّ وَعَلَا، وتأكلُ وهي في مكَانِهَا، وتوجَدُ دوابُّ صغيرةٌ لا تستطيع أن تَذْهَبَ بَعِيدًا ثم يُقَيِّضُ اللَّه لها طعامًا يَسْقُطُ حولها وتأتِي إليه، وهذه الدَّوَابُ منها ما يستَطِيعُ أن يدَّخِرَ الرزقَ بنَفْسِه، ومنها ما لا يَدَّخِر الرزقُ، ومنها من له أعوانٌ، ومنها من ليس له أعوانٌ، والذي يتَفَكَّرُ في مخلوقاتِ اللَّه عز وجل في هذا الأمرِ يجِدُ العَجَبَ العُجابَ!

وقد ذكَر ابنُ القَيِّم رحمه الله قِصَّةً، أن رَجُلًا وضَعَ طَعَامًا لنَمْلةٍ فلما أحسَّتْ به عَجَزتَ عن أن تَحمِلَهُ فذهبت إلى صاحباتها مِنَ النملِ ودَعَتْهُم فجاءوا، فلما جاءوا وصارُوا حول المكان رُفِعَ الطعام فلم يجدوه، فجَرَوا وبقَيِتْ هي تُفَتِّشُ حول المكان

ص: 360

فوضَعَه لها ثانية، فلما تَيقَّنَتْهُ ذهبت ودَعَتْهُم، فلما أقْبَلُوا رَفَعَه، ثم بدأتْ تطلُبُه ورَجَعوا، ثم وضَعه في المرة الثالثة وذهبت ودَعَتْهُم فلمَّا رفَعَه ولم يجِدُوه قتَلُوها.

يقول ابن القيم رحمه الله: فذكرتها لشيخنا شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: إن الكَذِبَ لا يُحِبُّه أحدٌ، حتى النَّمْلَةُ لما كَذَبْتَ عليهم وأتَتْ بهم مِن بيوتِهِمْ واستَفْزَعَتْهُم قتلُوهَا

(1)

.

فهذه الدوابُّ الضَّعِيفَةُ التي لا تستطيع أن تحمِلَ رِزْقَها يقومُ اللَّه سبحانه وتعالى برِزْقِها؛ لأن اللَّه تعالى قال في كتابه عن نَفسِهِ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].

وقوله: {دَابَّةٍ} دابَّةٌ: نكِرَةٌ في سياقِ النَّفْي المُؤكَّدِ عُمومِه بـ (مِنْ) الزائدة، فأي دابَّةٍ في الأرض على اللَّهِ رِزْقُهَا ويعْلَمُ مستَقَرَّهَا ومستَوْدَعَهَا كذلك، وليست الدوابُ كلها تَرْتِزَقُ من شيء واحد، بل بعْضُهَا يناسِبُه هذا وبعضها لا يناسبه، وأيًا كان فإن اللَّه سبحانه وتعالى يُقَدِّرُ لها الرزقَ المناسب لها، ومع ذلك يعلم جَلَّ وَعَلَا مسْتَقَرَّهَا ومستَوْدَعَها، يعني: محل استقرَارِها ومحلَّ استِيدَاعِهَا.

فالمستَقَرُّ: ما تَؤُولُ إليه في يومِ القِيامَةِ، والمستودعُ: الدُّنيَا والبَرْزَخُ الذي بين الدنيا والآخرة؛ لأنَّ الإنسانَ يكون فيه بمَنْزِلَةِ الوَدِيعَةِ يبْقَى زَمَانًا ثم ينتقِلُ.

لو قال قائلٌ: إن قولَهُ: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} يحتَمِلُ الأمْرَيْنِ: أي لا تَحْمِلُ رِزْقَها لضَعْفِها، وكذلك: لأنها لا تَسْتَطِيعُ التَكَسُّبَ؟

فالجواب: لا تحتملُ الآيةُ الأمْرَيْنِ، فليس بصوابٍ أن نَقولَ: لا تَحْمِلُ رِزقَهَا

(1)

شفاء العليل (ص: 69، 70).

ص: 361

لضَعْفِها؛ لأن هذا التَّعْليلَ معناه أنها لا تَحمِلُ رِزقها لأنها ضَعِيفَةٌ، إما ضَعِيفَةٌ في الإرَادَةِ أو ضَعِيفَةٌ في البَدَنِ، فليس هذا مَعْنَى الآية، بل معناها: لا تَسْتَطِيعُ أن تَكْتَسِبَ.

وكتابة الرِّزْقِ والأجلِ ليست خاصَّةً بالآدَمِيِّ بل الدَّوابُّ وغيرها داخلةٌ في هذا التَّقديرِ، لكن النُّصوصَ تَكاثَرَتْ في الآدَمِيِّ؛ لأنه هو محِلُّ الخطابِ والتَّكلِيفِ حتى يَسْتَعِدَّ، وإلا فاللَّه سبحانه وتعالى يقولُ في القُرآنِ:{وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8]، فقوله:[كُلُّ شَيءٍ] عامٌّ، فكلُّ شيءٍ مكتوبٌ أجَلُهُ وجميعُ حالاتِهِ مُقَدَّرَةٌ، قال اللَّه تعالى:{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، فما دَامَ اللَّهُ خَلَقَهُ فهو عالمٌ بِهِ جَلَّ وَعَلَا في كُلِّ أحْوالِهِ، وكلُّ أحْوالِهِ مُقَدَّرَةٌ، فما من شيء إلا عَلِمَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا وقَدَّرَهُ حتى القَطرةُ من المطرِ مكتوبةٌ ومُقَدَّرَةٌ، مع أنها ليست ذاتَ إرادَةٍ.

ثم إن اللَّه سبحانه وتعالى يقولُ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38]، فقال:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ، وهذا يَدُلُّ على أن اللَّه عالمٌ بِهِ ومُقَدِّرُهُ، ثم قال:{ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} يعني: كلَّ شيءٍ له حَياةٌ سيُبْعَثُ يومَ القِيامَةِ، وقُدْرَةُ اللَّه عظيمةٌ لا يَتَصَوَّرَهَا الإنسانُ، ولهذا قال تعالى:{وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110].

وكيف يقال: إن اللَّه هو الذي خَلَقَ هذا الشيءَ وقدَّرَه فناءً ووجُودًا، ثم نقول: ما عِلَمَه، قال تعالى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70]؟ فلا تسْتَعْظِمْ هذا ولا يُبْهِرُكَ؛ لأن الأمر على اللَّه جَلَّ وَعَلَا يَسِيرٌ، وقدرةُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا ليس لها منْتَهَى وليس لها حَدٌّ.

فالمهِمُّ: كلُّ شيءٍ مكتوبٌ ومقَدَّرٌ، واللَّه سبحانه وتعالى يَعْلَمُه، حتى إن أحدَ

ص: 362

أصحابِ الإمامِ أحمدَ رحمه الله دخل عليه وهو مريضٌ، ويَئِنُّ من المرضِ، فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ كيفَ تَئِنُّ وقد رَوى طَاووسُ أن الملائكةَ تَكْتُبُ حتى أَنِينَ المرِيضِ

(1)

، فلما قال ذلك كفَّ رضي الله عنه وصارَ يتَحَمَّلُ ولا يَئِنُّ مِن مرضِهِ، مع أن الأنينَ أحيانًا يكون شَيْئًا طَبِيعِيًّا.

والشاهد: أنه يجبُ علينا أن نعتَقِدَ أن اللَّه سبحانه وتعالى عالمٌ بكُلِّ شيءٍ، وأنه مقدِّرٌ لكلِّ شيء، وأن آجالَ كلِّ شيءٍ مكتوبةٌ، وكُلُّ حركاتِهَا وسكنَاتِهَا مكتوبة، وأنه لا يحدُثُ شيء في الأرضِ ولا في السماء إلا بعِلْمِ اللَّهِ وإرَادتِهِ وخلْقِهِ سبحانه وتعالى.

مسألة: هل مَلَكُ الموتِ يَقْبِضُ أرواحَ الحشراتِ؟

هذا محَلُّ نِزاع بينَ السَّلَفِ، والأدِلَّةُ فيها تكادُ تكونُ متكَافِئَةً، لكن الذي يظهرُ أن قبضَ ملكِ الموتِ للأرْواحِ عامٌّ؛ لأن (مَلك) مضافٌ إلى (الموت) فيُفِيدُ العمومَ، فيَشْمَلُ موتَ كُلِّ حَيوانٍ.

لو قال قائل: قوله سبحانه وتعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا} ، هل هذا العُمومُ يَشْمَلُ بَنِي آدَمَ؟

فالجواب: لغةً يَشْمَلُ بني آدمَ، لكن لما قال تعالى:{اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} عُلِمَ أن المرادَ ما سِوَى بَنِي آدَمَ، أما قوله سبحانه وتعالى:{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6]، فهو عامٌّ لبَنِي آدَمَ وغَيرِهِ.

قوله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} أتى بالجُمْلَةِ الاسمية؛ لأن الجملَةَ الاسْمِيَّةَ تُفِيدُ بأصلِ وَضْعِهَا ثبوتَ الحُكمِ، والرزقُ: بمعنى العطاءِ بلا عِوَضٍ،

(1)

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/ 325).

ص: 363

والضمير في {يَرْزُقُهَا} أي: هَذِهِ الدَّابَّةُ، {وَإِيَّاكُمْ}: معطوفة على (الهاء)، والضميرُ هنا واجِبُ الانفصالِ إذ إن الضَّمِيرَ المتَّصِلَ لا يُمْكِنُ أن يتَأَتَّى هنا، فلا يَصِحُّ أن تقولَ:(اللَّه يَرْزُقَها وكُم)، فالضمير إذا أتى بعدَ العَطْفِ أو بعد (إلا) فلا بُدَّ أن يكونَ مُنْفَصِلًا.

وقوله: [{وَإِيَّاكُمْ} أيُّهَا المهَاجِرُونَ وإن لَمْ يكُنْ مَعَكُمْ زادٌ ولا نَفَقَةٌ]: لأن الكلامَ -كما قال المُفَسِّر رحمه الله سابقًا- مَسُوقٌ في الِهجْرَةِ ومغادَرةِ البلَدِ، فاللَّهُ تعالى كما رَزَقَ هذه الدَّوابَّ الكثيرةَ التي لا تُحْصَى جِنْسًا، فضلًا عن النوع، فَضْلًا عن الأفرادِ، فأنتُمْ كذلك إذا هَاجَرْتُمْ لا يَضِيعُ رِزْقكُمْ، بل رِزْقكُم على اللَّه عز وجل، قال اللَّه عز وجل:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 70]، وقد حَصَلَ، فأَسْرَى بَدْرٍ الذين أسْلَمُوا حَصَل لهم مِنَ الفَيْءِ والغنَائِمِ أكثرَ مِمَّا أُخِذَ منهم.

قولى: [{وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقْوَالِكُمْ، {الْعَلِيمُ} بضَمائِرِكُمْ]: فاللَّهُ سبحانه وتعالى سميعٌ لكُلِّ شيءٍ، يسمَعُ كلَّ صوتٍ وإن خَفِي، كما قال تعالى:{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7]، فهو يعلمُ كلَّ ما يكون من صوتٍ خَفِيٍّ، سواء كان قولًا أمْ غيرَ قولٍ، لكنَّ المُفَسِّر رحمه الله خصَّ القولَ لأنه مَحَطُّ التَّكلِيفِ، ومَحَطُّ الإثمِ أو الأَجْرِ.

و{السَّمِيعُ} : من أسماء اللَّهِ سبحانه وتعالى، وله مَعْنَيانِ:

أحدُها: إدْرَاكُ المسْمُوعِ.

والثاني: إجابَةُ الدُّعاءِ.

أما إدراكُ المسْمُوعِ فَلَهُ أمثْلِةٌ كثيرةٌ كما في قوله سبحانه وتعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ

ص: 364

الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} [المجادلة: 1].

وأما إجابَةُ الدُّعاءِ فكما في قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39]، بمعنى: يَسْمَعُ صوتَ الدَّاعِي أو يُجيبُ دُعاءَهُ.

قوله: [{الْعَلِيمُ} بضَمائِرِكُمْ]: فعلى رأي المُفَسِّر تكونُ هذه الآية دَالَّةٌ على الأقوالِ وما في الضَّمائرِ فَقَطْ، مع أن هنَاكَ أفْعالًا وهي أفعالُ الجوارحِ.

فالآية بهذا التفسير ليس فيها دليلٌ على عِلْمِهِ سبحانه وتعالى بأفعالِ النَّاسِ، ولهذا كان الصوابُ أن يقالَ: العَليمُ بجميعِ أحوالِكُمْ، فاللَّه عليمٌ بما في الضمائرِ وعَلِيمٌ بما يَفْعَلُ وبما يسْمَعُ؛ لأن العلمَ مِنْ أشملِ ما يكونُ مِنَ الصفاتِ، كما قال عز وجل:{لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12]، فهو من أعَمِّ الصفاتِ شُمُولًا.

وقوله: {الْعَلِيمُ} يقولُ العلماءُ: إن العلمَ هو إدراكُ المعْلُومِ على ما هو عليه إدْرَاكًا جَازِمًا مطابقًا، وقولنا:(على مَا هُو عَلَيْهِ) يُغْنِي عن قولنا: (مُطَابِقًا)، لكن إذا قلنا: العِلْمُ إدراكُ الشيءِ إدْرَاكًا جازِمًا مُطَابقًا فهذا صحيحٌ.

المهم: لا بُدَّ أن يكونَ الإدراكُ (جَازِمًا) فنُخْرِجُ به الشَّكَّ والظَّنَّ والوَهْم.

و(مطابِقًا) نُخْرِجُ به الجهْلَ المرَكَّبَ.

و(إدْرَاكًا) نُخْرِجُ به الجهلَ البَسِيطَ، فيكونُ الإدراكُ للأمورِ على سِتَّةِ أنواع: عِلْمٍ، وجهْلٍ بسيطٍ، وجَهْلٍ مُرَكَّبٍ، وشَّكٍ، وظَنٍّ، ووَهْمٍ.

ننظر إلى تفصيل ذلك:

العلم: أن تُدْرِكَ الشيءَ على ما هو عَلَيه إدْراكًا جَازِمًا، فنَفْرِضَ أنَّ أمامك

ص: 365

جهازُ تَسجِيلٍ، فالعِلْمُ أن تُدركَ أن الذي أمامَك جهازُ تَسجيلٍ.

الجهْلُ البسيط: يقال لك: ما هذا الَّذِي أمَامَكَ؟ تقولُ: لا أَدْرِي.

الجهْلُ المرَكَّبُ: يقال لك: ما هذا الَّذِي أمَامَكَ؟ تقول: هذه أُلْعُوبَةُ أطفالٍ، هذا جهْلٌ مُرَكَّبٌ من جهلِكَ بحقيقةِ الحالِ ومن جَهْلِكَ بحالِكَ؛ حيث ظَننتَ أنك عَالمٌ وأنت جاهلٌ.

الشكُّ: يقال لك: ما هذا الذي أمَامَكَ؟ تقول: إما جهازُ تَسجيلٍ أو رادَيو؛ لأن أحدَ الاحتمالين صحيحٌ، فمَعَ التَّسَاوي يكونُ شَكًّا.

وإذا رجَّحتَ أنه جهازُ تَسجيلٍ فهو ظَنٌّ، والمرجوح يكونُ وَهْمًا.

وكل هذه الأشياء منَتْفَيِةٌ عن اللَّه عز وجل، ما عدا العِلْم فإنَّه ثابِتٌ للَّه سبحانه وتعالى على كلَ وَجْهٍ.

لكن لو قال قائلٌ: هذا الجزم بأن هذه الأمور منتفِيَةٌ عنِ اللَّه سبحانه وتعالى ما عدَا العِلْم، يَرُدُّه قولُه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:"وَمَا ترَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ترَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ"

(1)

، فأثبتَ أن اللَّه عز وجل يتَرَدَّدُ في بعضِ أفعَالِهِ؟

والجوابُ: أن التَّرَدُّدَ قِسْمانِ:

الأولُ: ترَدُّدٌ لتَوَقُّفِ المتَرَدِّدِ في الأمرِ هلْ يكونُ خَيْرًا أو لَا، وهذا بالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ عز وجل ممْتَنِعٌ؛ لأن اللَّه تعالى يَعْلَمُ.

الثَّانِي: ترَدُّدٌ باعتبارِ النَّظَرِ، يعْنِي: ترَدَّدَ لأمرٍ يتَعَلَّقُ بغَير مثلُ هذه الحالِ،

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب التواضع، رقم (6137) عن أبي هريرة.

ص: 366