الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (62)
* * *
* قالَ اللَّه عز وجل: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [العنكبوت: 62].
* * *
قَال المُفَسِّر رحمه الله: [{اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} يُوَسِّعَهُ {لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} امتِحَانًا، {وَيَقْدِرُ} يُضَيِّقُ {لَهُ} بعدَ البَسْطِ، أي: لمَنْ يَشاءُ ابتِلاءً] اهـ.
وقوله: {يَبْسُطُ} يعني: يُوَسِّعُ الرِّزقَ، والرزقُ بمعنى العَطاءِ.
قوله عز وجل: {مِنْ عِبَادِهِ} المراد بالعبادِ هُنا المُتَعَبَّدُون له، بالمعْنَى العامِّ الشاملِ للمؤمن والكافرِ والبَرِّ والفَاجرِ، فاللَّه تعالى يوسِّعُ الرزقَ لمن يشاءُ.
قوله عز وجل: {لِمَنْ يَشَاءُ} (مَنْ): اسم موصولٌ بمعنى الذي، وهو مِنَ الأسماءِ الموصولة العامَّةِ، ويشاء بَسْطَ الرزق لِهُ، ومفعولٌ {يَشَاءُ} محذوفٌ دَلَّ عليه السياقُ، وعندنا قاعِدَةٌ مهمَّة جدًّا وهي: أن كلَّ شيءٍ عَلَّقَهُ اللَّه تعالى بالمشيئةِ، فالمرادُ المشِيئَةُ المبْنِيَّةُ على الحكمةِ؛ لأن جميعَ أفعالِ اللَّهِ عز وجل وأحكامُهُ مَبْنِيَّةٌ على الحِكْمةِ عَلِمْنَاهَا أم جَعَلْنَاها.
قوله: [{مِنْ عِبَادِهِ} امْتِحَانًا]: والامتحانُ هُو الابتلاءُ، قال اللَّه سبحانه وتعالى عن سُلَيمانَ:{هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} [النمل: 40].
قوله عز وجل: {وَيَقْدِرُ لَهُ} بمَعْنَى يَضِيقُ، وفَسَّرْنَا {وَيَقْدِرُ} بمَعْنَى يَضَيِّقُ،
ولم نجعلِ القُدْرَةَ هنا بمعنى استطاعَةِ العملِ لمقابَلَتِهِ بالبَسْطِ ومنه قوله عز وجل: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ} [الطلاق: 7]، فمَعْنَى {قُدِرَ عَلَيْهِ} أي: ضَيَّقَ عَلَيه.
وقوله: {وَيَقْدِرُ لَهُ} الضَّميرُ يعودُ على {لِمَنْ يَشَاءُ} ، يعني: ويَقْدِرُ لمنْ يشاءُ.
وهل المبسوطُ له والمقَدَّرُ له واحد؟
ظاهرُ كلامِ المُفَسِّر أنه واحدٌ، ولهذا قال:{وَيَقْدِرُ لَهُ} بعد البَسْطِ، والسببُ أن الضميرَ في قوله:{لَهُ} يعودُ بلا شك على قولِهِ: {لِمَنْ يَشَاءُ} فكأن المُفَسِّر رحمه الله أرادَ أن يعودَ عليه باعتِبارِ عَيْنِهِ، لكننا نقولُ: لا مانع من أن يعودَ إليه باعتبارِ جِنْسِهِ لا باعتبارِ عَيْنِهِ، كما قال تعالى:{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} [فاطر: 11]، فلا يَصْلُحُ أن يعودَ الضميرُ في قوله:{مِنْ عُمُرِهِ} على المُعَمَّر؛ لأنه إذا نَقَصَ مِنْ عُمُرِه لم يكنْ مُعَمَّرًا، فالمرادُ من عمَّرَه باعتبارِ الجنْسِ، فيكون:[عُمُر مُعَمَّرٍ آخر].
ومثله أن تقول: (أعْطَيْتُ هذا الرجلَ دِرْهمًا ونِصْفَه) أي: نصفَ دِرْهَمٍ آخر؛ لأن قولك: (ونصفه) ليس المرادُ نصف هذا الدرهم، ولو كَسَرْتَ هذا الدِّرْهَم وأعطيَتَهُ إياه كامِلًا أعطيتَهُ نِصْفين ولم تُعْطِه دِرْهمًا ونِصْفًا.
فالذي يَظْهَرُ أن الضميرَ في قوله: {لَهُ} يعودُ عَلَى {لِمَنْ يَشَاءُ} باعتبار الجِنْسِ لا الفعلين، فاللَّه عز وجل يبْسُطُ الرِّزْق لهذا ويُضَيِّقُه على هذا، كما أنه سبحانه وتعالى يبسُطُه لهذا أحيانًا ويُضَيِّقُه عليه أحيانًا، ونحن نرى مِنَ الأغنياءِ من رَجَع فقيرًا ومن الفُقراء من رجعَ غَنِيًّا، فاللَّه سبحانه وتعالى يبْسُطُ الرزقَ باعتبارِ العَيْنِ وباعتبارِ الجِنْسِ.
وهذا البسطُ تابع لعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، ولهذا قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ومنه البَسْطُ والتَّضْيِيقُ، فاللَّه سبحانه وتعالى لا يبسطُ أو يُضَيِّقُ إلا عن عَلْمٍ، ثم هذا العلم تَتْبَعُه الحكمة، فهو سبحانه وتعالى يُغْنِي مَنْ يُصْلِحُهُ الغِنْى ويُفْقِرُ مَنْ يُصْلِحُهُ الفَقْرُ.
ولهذا جاء في الحديثِ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنيتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ"
(1)
، وإذا مَنَّ اللَّه على العَبْدِ وتَفَضَّلَ عليه وجَعَلَ رِزْقَهُ تابِعًا لمصلحَتِهِ حصَلَ بذلك خيرٌ كَثِيرٌ.
قوله: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} : مما يَفْعَلُهُ اللَّه جَلَّ وَعَلَا ومما يَفْعَلُهُ عبادُهُ، فإنه سبحانه وتعالى لا يَخْفَى عَلَيْه شيءٌ مِنْ ذلكَ.
قال بعضُ أهلِ العلمِ من أهلِ الأُصولِ: ما مَنْ عامٍّ إلا خُصَّ، إلا قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ، فاللَّه سبحانه وتعالى بكُلِّ شيءٍ عليمٍ لا يُسْتَثْنَى من ذلك شيءٌ، لا الواجبُ ولا الجائزُ ولا المستحيل، حتى المستحِيلُ يعْلَمُهُ سبحانه وتعالى.
قال هؤلاء: أما غَيْرُهُ مِنَ العُموماتِ فإنه مُخَصَّصٌ؛ بمَعْنَى أنه يُسْتَثْنَى منه شيء، إما بدَلالَةِ العَقْلِ أو بِدَلالةِ الشّرْعِ، لكن هذا القولَ غيرُ صحيحٍ، والصوابُ أن الأصلَ في العُموماتِ بقاؤهَا على العُمومِ، نعم إن أرَادُوا التَصَوُّرَ والتَّقْدِيرُ فهذا ممكن، أما إن أرَادُوا الواقعَ فَلا.
(1)
أخرجه أبو نعيم في الحيلة (8/ 319) عن أنس بلفظ: "وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، وإن بسطت له أفسده ذلك".