الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (52)
* * *
* قالَ اللَّه عز وجل: {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [العنكبوت: 52].
* * *
قوله: {كَفَى بِاللَّهِ} يقولُ المعْرِبُونَ: إن (الباء) زائِدَةٌ، وإن {شَهِيدًا} هنا ليست مَصْدَرًا ولا اسمًا جامِدًا، بل هي مشْتَقَّةٌ فتَصْلُحُ أن تكونَ حَالًا من الاسمِ الكَريمِ، وتصْلُحُ أن تكونَ تَمْييزًا كقولهم:(للَّه دَرُّهُ فَارِسًا)، أي: كفى شهادة اللَّه بَيْنِي وبَيْنكم.
قوله: {كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا} ضَمن الشهادة هنا معنى الحُكْمِ، فالشهادَةُ تُطْلَقُ بمعنى الحُكم، كما في قوله سبحانه وتعالى:{قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 26 - 27]، فإن قوله:{وَشَهِدَ شَاهِدٌ} بمَعْنَى: حَكَم حاكِمٌ، والحاكمُ في الحقيقة شاهدٌ، وذلك من وجهين:
أوَّلًا: لأنه شاهِدٌ بحُكْمِ اللَّه لأنه حَاكِمٌ به، فهو إذا حَكَمُ يقول بلِسَانِ الحال: أشهدُ بأن حُكْمَ اللَّه كذا وكذا، وهو شاهِدٌ على المحق بالحقِّ وعلى المبْطِلِ بالباطِلِ،
ولذلك يقولون: الحاكِمُ شاهدٌ ومُفْتٍ ومَلْزِم كالأمير، فهنا ضمَّن الشهادةَ معْنَى الحُكمِ، وإلا فإن الشاهِدَ لا يكون شاهِدًا بينَ فُلانٍ وفلان ولكن يكون شاهِدًا لفُلانٍ على فلان، لكنه ضَمَّنَ الشهادَةَ معنى الحُكْمِ، وهو كذلك فإن شهادةَ اللَّهِ لنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم بالحق حُكْمٌ له بالحق، ووَجْهُ كون ذلك شهادَةً وحُكْمًا: لأنَّ كونَ اللَّهِ عز وجل يُمَكِّنُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم من قتالِ هؤلاءِ الكُفَّارِ، واستباحَةِ دمائهِمْ وأموالهم، وكونه يمَكِّنُ له في الأرض فيَفْتَحُ بلادَهُم، بل يفتحُ له الأرض أرْضًا أرْضًا؛ يدُلُّ على أن اللَّه حكمَ لنَبِيِّهِ على الكُفَّارِ، وهو أكبرُ دَليلٍ على شهادة اللَّه له بالصِّدْقِ، ولهذا قال في سورةِ الأنعام:{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19]، فهذا أكبرُ ما يكونُ من الشَّهادَةِ، وقد شَهِدَ اللَّه لنَبِيِّه بالفعل والتَّمْكِينِ بأنه على الحقِّ والإيمان وهم على الكُفْرِ والباطِلِ.
قوله: [{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومنْهُ حَالي وحَالُكُم]: الجملة حَالٌ مِنْ لفْظِ الجلالةِ، يعني: حالَ كونه يَعْلم، ويجوز أن تكونَ استِئْنَافِيَّةً لبيانِ صحَّةِ شهادَةِ اللَّه سبحانه وتعالى وحُكْمِهِ، فإنه يشْهَدُ على حقٍّ، فيعلم المُحِقَّ فيحُكْمُ له والمبْطَلَ فيحكُم عليه.
(مَا) اسم موصولٌ يُفيدُ العُمومَ، وهي تُسْتَعْمَلُ لغيرِ العاقِلِ، أما (مَنْ) فتُستَعْمَلُ للعقلاءِ، وهنا قالَ:{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ولم يَقُلْ: (مَنْ في السمواتِ والأرضِ) إمَّا تَغْلِيبًا للأكثر، وإما لملاحظَةِ الصِّفَاتِ مع الذَّواتِ، وهذا أَوْلَى؛ لأننا قد نُمَانِعُ بأن الأكثرَ غيرُ عاقِلٍ باعتبارِ السَّمواتِ والأرض، فإن السمواتِ ما فيها موضِعُ قَدَمٍ إلا ومَلَكٌ قائمٌ أو رَاكِع أو ساجِدٌ، والسمواتُ عَظِيمَةٌ وواسِعَةٌ، قالَ تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31].
فـ (مَا) يُعْبَّرُ بها عن الصِّفَةِ دونَ الموصوفِ، قال اللَّه عز وجل:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، ولم يقل: مَنْ طابَ لكُمْ؛ لأن المرأةَ إنما تُنْكَحُ لصِفَاتِهَا؛ لأن المقصودَ وَصْفُ المرأةِ لا عَيْنُها كما قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لمَالهَا، وحَسَبِهَا، وجَمَالهَا، ودِينِهَا"
(1)
.
{مَا} موصولةٌ، وصِلَةُ الموصولِ شِبْهُ الجُمْلَةِ، قال ابنُ مالكٍ رحمه الله في ألْفِيَّته
(2)
:
وَجُمْلَةٌ أَوْ شِبْهُهَا الَّذِي وُصِلْ
…
بِهِ كَمَنْ عِنْدِي الَّذِي ابْنُهُ كُفِلْ
فصِلَةُ الموصُولِ إما أن تكونَ جُملَةً اسمية أو فِعلية أو شِبْهَ جملة، وهو الظرفُ أو الجارُّ والمجْرُورُ.
والظرفُ أو الجارُّ والمجرورُ هل هو نَفسه صِلَةٌ كما هو ظاهِرُ كلامِ ابنِ مالكٍ، أو متَعَلِّقُه هو الصلَةُ كما هو قولُ الجمهور؟
الجواب: متَعَلِّقُه هو الصِّلَةُ.
وهل يقَدَّرُ صلةُ الموصول فعلًا أو اسمًا؟
الصحيح أنه يُقَدَّرُ فِعْلًا لأن هذا هو الأصلُ، وعمل الاسمِ عندَ الحذف قليلٌ وضعيفٌ.
وخبرُ المبتدأ يقَدَّرُ باسْمٍ ويجوزُ تَقْديرُه بفعلٍ، لكن تَقْدِيرُه باسمٍ هو الأصل،
(1)
أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم (4802)؛ ومسلم: كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، رقم (1466) عن أبي هريرة.
(2)
البيت رقم (97).
تقول: الرَّجلُ عِنْدَك؛ التقدير: الرَّجُلُ كائنٌ أو مستَقِرٌّ عنْدك، فالخبرُ جملة اسمية، ويجوز: الرجلُ استَقَرَّ عندك، على أن يكون الخبرُ جملةً فِعْلِيَّةً، لكن هذا خلافُ الأصل؛ لأن الأصلَ في الخبر أنه مُفرد، أما صِلَةُ الموصول فنقدرها جملَةً فِعْلِيِّةً، فلو قلت: جاء الذي عندك، التَّقْدِيرُ: مستقرٌّ عِنْدَكَ؛ لَزِمَ أن تقدر مبتدأ مرة ثانية، ويكون التقدير: جاء الَّذِي هو مُسْتَقِرٌّ عندَكَ.
وقوله: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} إذا كان للعمومِ فهو يَشْمَلُ أفعالَ الإنسانِ وأقوالَهُ وسِرَّهُ وعَلانِيَتَهُ، وفيه ردٌّ ظاهِر على غُلاةِ القَدَرِّيةِ الذين كانوا قديمًا يَنْفُونَ العِلم والعياذ باللَّه، ويقولون: إن الأمْرَ أُنفُ، يعني مستأنفٌ، وهم كفَّارٌ لأنهم مَكَذِّبُونَ للقُرآنِ.
ودائمًا يجمَعُ اللَّهُ سبحانه وتعالى {السَّمَاوَاتِ} ويُفْرِدُ {وَالْأَرْضِ} ، وكلها في العَدَدِ سواءُ كما ثَبتَ في السُّنَّة، وكما هو ظاهِرُ القرآنِ في قوله تعالى:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق: 12]، فتكون الأرضُ مفردَةً لكن معنَاهُ الجمعُ، فـ (ال) هنا لاستِغْرَاقِ الجِنْسِ، يعْنِي: كل ما يُسَمَّى أرْضًا، فيَشْمَلُ السبعَ الأرَضِين.
وقوله: [{يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومنْهُ حَالي وحالُكُم]: ونص المُفَسِّر على ذلك لأن المقامَ يَقْتَضِيهِ، حيثُ قالَ:{كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا} .
ثم قال سبحانه وتعالى مستأنفًا الكِلامَ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} .
وقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} ، (الذين): مبتدأٌ خَبَرُه جملَةُ {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ، وهذا من الحُكْمِ بينَه وبينهم.
وقوله سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} الظاهِرُ أنها من كلامِ اللَّه، وأنها جملةٌ مستَأْنَفَةٌ وليست من كَلامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قوله: [{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ} وهُو مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ]: آمنوا به يعني: اعترَفُوا به وأقَرُّوا به ورَأَوا أنه حَقٌّ، هؤلاء هم الخاسرون.
والباطِلُ: كلُّ ما عُبِدَ من دُونِ اللَّهِ في هذا المقام، وإلا فَفِي غَير يقال: كلُّ ما خالَفَ الحَقَّ فهو باطِلٌ، حتى الشيء الذي لا خيرَ فيه يُسَمَّى بَاطِلًا وإن لم يَضُرَّ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:"كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا كَذَا وَكَذَا"
(1)
، فالباطل يُفسَّرُ في كل مكان بَحَسَبِهِ.
وهذه القاعدةُ شامِلَةٌ لجميعِ الكلماتِ، تجِدُ الكلمة الواحدةَ في سِياقٍ لها معنى وفي سياقٍ آخرَ لها معنى آخر بحَسَبِ السِّياقِ، وهذا هو الذي يُطَمْئِنُ الإنسانَ إلى صحَّةِ القولِ بأنه لا مجازَ في اللُّغةِ العربيةِ، حيث إننا قلنا: إن الذي يُحَدِّدُ مَعْنى الكلمة هو سِياقُهَا ومكانها في هذا السِّياقِ، باعتبار حالِ المتكَلِّمِ بها وحالِ الموضوعِ الذي هو مَسُوقَةٌ له، فالباطِلُ هنا هو الأصنام، قال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62].
قوله سبحانه وتعالى: [{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ} مِنْكُمْ]، وقوله:{وَكَفَرُوا بِاللَّهِ} أَيْ: أنْكَرُوا ما يجِبُ له مِنْ حَقٍّ، وذلك لأن الكُفر في اللُّغَةِ العربِيَّةِ
(1)
أخرجه الترمذي: كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل اللَّه، رقم (1637) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين؛ وابن ماجه: كتاب الجهاد، باب الرمي في سبيل اللَّه، رقم (2811) عن عقبة بن عامر الجهني، ولفظ الترمذي:"كل ما يلهو به الرجل المسلم باطل إلا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق".
بمعنى السَّتْرِ، ومنه سُمِّيَ الكُفُرَّى وهو طَلْعُ النَّخْلِ لأنه يَسْتُرُ التَّمْرَ، وعندنا يُسمونَهُ الكافور.
وقَال المُفَسِّر رحمه الله: [منكم] هذا من أغربِ ما يكونُ، إلا إذا كان يَرَى أن قولَهُ:{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ} من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، فيكونُ قوله:[مِنْكُمْ] له وَجْهٌ، ويكونُ الرسولُ عليه الصلاة والسلام يخاطِبُ المشْرِكِينَ، ويكونُ المعنى {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ} منكم أيها المشْرِكُونَ، أما إن كانت مِنْ كلامِ اللَّه فهي عَامَّةٌ.
قوله: [{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} فِي صَفْقَتِهِمْ حيثُ اشْتَرَوا الكُفْرَ بالإيمانِ]: وصياغَةُ الجملَةِ على هذا الوجه له مَعْنَى عَظِيمٍ، حيث جاءتِ الجملَةُ الاسميةُ المفِيدَةُ للحَصْرِ، لو قال: والذين آمنوا بالباطل وكفروا باللَّه الخاسرونَ، لعُلِمَ المعنى، لكن قولَه:{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أبْلَغُ؛ لأن الإشارةَ للتَّعْيِينِ.
وضميرُ الفَصْلِ يُفِيدُ الحَصْرَ، فيكون حَصْرُ الخسرانِ فيهم من جِهَتَيْنِ: من جهةِ التَّعْيِينِ بالإشارة في قوله: {أُولَئِكَ} ، ومِنْ جِهَةِ الفَصْلِ بالضَّمِيرِ {هُمُ} ، فهؤلاءِ خَسِرُوا صَفْقَتَهُمْ، فما رَبِحُوا بل تَضَرَّرُوا بهذه الصفْقَةِ.
واعلم أن ضَميرَ الفَصْلِ يُفِيدُ التوكيدَ والحَصْرَ، وكذلك التَّمْيِيزُ أو الفَصلُ بين الصِّفَةِ والخبرِ، ولهذا سُمِّيَ (ضمير فصل)، فإذا قُلْتَ:"زيد الفاضلُ"، يُحتملُ أن الفاضِلَ صِفَةٌ والخبرُ منتَظَرٌ يعني: زيدُ الفاضِلُ قائمٌ، فإذا قلت: زيدٌ هو الفَاضِلُ، تعَيَّنَ أن يكونَ خبرًا.
وضَمِيرُ الفَصلِ الأصَحُّ أنه حَرفٌ لكنه بصِيغَةِ الضَّمِيرِ.
وبعضهم يقول: إنه ضَمِيرٌ، لكن ليس لَهُ مَحِلٌّ من الإعرابِ.
وبعضهم يقولُ: هو ضميرٌ ومَحِلُّهُ مِنَ الإعراب ما قَبْلَهُ.
لكنَّ الأخيرَ خلافُ قواعدِ اللُّغَةِ العربية؛ لأن الضَّمائرَ لا يُنْعَتُ بها ولا تُنْعَتُ، صَحيحٌ أنها تُؤَكِّدُ كما تقولُ: قام هو، والأرْجَحُ الذي عليه الأكثرُ أنه حَرْفٌ جِيءَ به للفَوائدِ الثلاثةِ السابقة.
وقوله: {الْخَاسِرُونَ} اعلم أن الخُسْرانَ، يكونُ بفواتِ المحْبُوبِ ويكونُ بحصولِ المكْرُوهِ، والذي حصَلَ لهؤلاءِ المؤْمِنينَ بالباطِلِ الكافرين باللَّه كِلا الأَمْرَيْنِ، فهم فاتَهُمُ المطلوبُ ووقَعُوا في المكروه: فاتهم الثَّوابُ العظيمُ الذي أعدَّهُ اللَّه عز وجل للمؤمنين به مِنَ الجنَّاتِ، ووقَعُوا في المكروهِ وهي النَّارُ -والعياذ باللَّه- فخَسِرُوا الأمْرَيْنِ جَميعًا.
فـ {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} في صَفْقَتِهِمْ، حيث اشتروا الكفرَ بالإيمانِ، فخَسِرُوا أنفُسَهُم وأهَلْيهم وأمْوالهِمْ ودُنْياهُم وآخِرَتَهم، نعوذُ باللَّهِ من ذلك، خَسِرُوا أنفسهم لأن أنْفُسَهُم التي كانوا بِصَدَدِ أن يحْمُوها عَنِ المحارِمِ وعن الباطل ضَيَّعُوها فخَسِرُوها، ضاعَتْ مع نُفوسِ الهالِكِينَ، وخَسِرُوا أهْلِيهِم لأن المؤمنين قد رَبِحُوا أهْلِيهِمْ في الدنيا والآخرة، قال سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21].
أما هؤلاء فخَسِرُوا ذُرِّيِّتَهم في الدُّنْيَا والآخِرَةِ ولم يَنْتَفِعُوا بها؛ لأن أهلَ النَّار لا يجْتَمِعُون ولا يتَآلَفُونَ ولا يتَحَابُّون، بل العَكْسُ:{كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف: 38]، وكلُّ إنسانٍ -والعياذ باللَّه- في تابُوتٍ مُعَذَّبٌ وحْدَهُ، وخَسِرُوا أموالهُم