المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (45) * * * * قالَ اللَّه عز وجل: {اتْلُ مَا - تفسير العثيمين: العنكبوت

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌الآيات (1 - 3)

- ‌الآية (3)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (5)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (6)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (9)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (11)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (12، 13)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (17)

- ‌الآية (18)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (21)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (22)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (23)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (26)

- ‌الآية (27)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (30)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (31)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (32)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌(الآية: 34)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (36 - 37)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (38)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (39)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (41)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (42)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (43)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (45)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (46)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (47)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (48)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (49)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (50)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (52)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيات (53 - 55)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (56)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (57)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (58)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (59)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (60)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (61)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (62)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (63)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (64)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (66)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (67)

- ‌الآية (68)

- ‌الآية (69)

الفصل: ‌ ‌الآية (45) * * * * قالَ اللَّه عز وجل: {اتْلُ مَا

‌الآية (45)

* * *

* قالَ اللَّه عز وجل: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45].

* * *

قوله عز وجل: {اتْلُ} فِعْلُ أمرٍ مَبْنِيٌّ على حَذفِ حرفِ العلَّةِ، أصله: تَلا يَتْلُو. والقاعدةُ: أن فِعلَ الأمرِ هو فعلٌ مضارعٌ مجْزُومٌ حُذِفَ منه حرفُ المضارَعَةِ، فإذا أردت أن تَصوغَ الأمرُ من (خاف) تقول:(خِفْ)، ومثله (نامَ) الأمر منه:(نَمْ) لأن مضارِعَه المجزوم (لم يَنَمْ)، وهكذا.

وقوله عز وجل: {اتْلُ} يتَضَمَّنُ التلاوةَ اللَّفْظِيَّةَ، والتلاوة الحُكمِيَّةَ، أما التلاوة اللَّفظية فهي أن تَقْرَأَ القرآنَ، والتلاوةُ الحُكمِيَّةُ أن تأخُذَ بأحكامِهِ وهي تلاوة الاتِّباعِ، مأخوذةٌ من قولهم: تَلا فلانٌ فلانًا، أي: تَبِعَه، قال تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121].

وقوله عز وجل: {اتْلُ} الخطابُ للرَّسولِ صلى الله عليه وسلم، وليس مُوَجَّهًا لكل من يَصِحُّ خِطَابُه؛ لأنه قال:{مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} فهو خاصٌّ بالرسولِ صلى الله عليه وسلم؛ لأن غيرَهُ لم يُوحَ إليه، ومع ذلك فالخِطابُ للرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام خطابٌ له وللأُمَّةِ، بدليلِ قوله عز وجل:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21]،

ص: 233

إلا ما دَلَّ الدَّلِيلُ على اخْتصِاصَه به، كقوله تعالى:{وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} ، لو انْتَهَتْ الآية هنا لجازَ للأُمَّةِ هذا الفعلَ، لكن قال اللَّه سبحانه وتعالى:{خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، فدَلَّ ذلك على أن الخطابَ الموَجَّه للرسولِ صلى الله عليه وسلم خِطابٌ لأُمَّتِهِ ما لم يَدُلَّ دليلٌ على اخْتصاصِهِ به.

واعلم أن الخطابَ الموَجَّهَ للرَّسول عليه الصلاة والسلام ثلاثةُ أقسامٍ:

القسمُ الأَوَّلُ: يدُلُّ الدَّلِيلُ بمُقْتضَى اللفْظِ الخاص أنه له ولغَيرِهِ، مثل قوله سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ} [الطلاق: 1]، فقال:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ} ثمَّ قالَ: {إِذَا طَلَّقْتُمُ} ، ومثل قولِهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، ثم قالَ:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، ومِثلُ قولِهِ عز وجل:{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} ، ثم قالَ: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ [الأحزاب: 37].

القسمُ الثَّانِي: يخْتَصُّ بِهِ ولا يتَعَدَّاهُ إلى غيرِهِ عَمَلًا بمُقْتَضَى اللَّفْظِ، مثل قوله تعالى:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 1 - 4]؛ كلُّ هذا خاصٌّ بالرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام.

القِسْمُ الثالِثُ: يكونُ خَاصًّا به بمُقْتَضَى الخِطابِ، لكن يَتَناولُ غيرَه بمُقْتَضى التأَثُّرِ بدَلِيلٍ منْفصلٍ؛ مثل هذه الآية، فالرَّسُول أُمرَ بالتلاوة وإقامَةِ الصلاةِ، والأُمَّةُ يجب عليها أن تَتْلُو ما أوْحَاهُ اللَّه إلى نَبِيِّهِ.

وقوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} (مَا) اسمٌ موصُولٌ يُفِيدُ العُمومَ.

وقوله: {مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} الوَحْي في اللُّغَةِ: الإعلامُ بسرعة وخَفاءٍ؛ مثاله: رجلٌ بين قومٍ وتريدُ أن تُخْبِرَه وتُعْلِمَه بشيء، تريدُ أن تقول له: قُمْ نذهبُ إلى فلانٍ،

ص: 234

فأشرتَ إليه بيَدِك فَفِهم وقام معك، ولم يَفْهَمِ القومُ الذين معه، هذا هو الوحْي في اللغة.

وأما الوحْيُ في الشَّرعِ: فهو إعلامُ اللَّه عز وجل بالشَّرْعِ لأحدِ أنْبيائِهِ أو رُسُلهِ، والمراد هنا الوَحْيُ شَرْعًا، وله مراتب ذَكرها اللَّه تعالى في سورة الشُّورَى.

قوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ} (مِنْ) هنا بيَانِيَّةٌ، بيان لـ (مَا) في قولِهِ:{مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ} .

وقوله: {الْكِتَابِ} المرادُ به القرآنُ، وسُمِّي كِتَابًا لأنه يُكْتَبُ في المصاحِفِ؛ ولأنه مكتوبٌ في اللَّوحِ المحْفُوظِ، ولأنه مكتوبٌ في أيْدِي الملائكة، قال سبحانه وتعالى:{كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11 - 16].

و(كِتابا) فعال بمعنى مفعول، وهو كثير في اللغة العربية، كفِراش بمعنى مفروش، وغِراس بمعنى مغروس، وبِناء بمعنى مبني.

قوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} أي: ائتِ بها على وَجهِ الكمالِ؛ لأن إقامَةَ الشيءِ جعله قَويمًا ليس فيه اعْوجاجٌ ولا نَقْصٌ.

والخطاب في قوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} للرسولِ صلى الله عليه وسلم، ومعلومٌ أنه يُقيمُ الصلاةَ وأنه أقْوَمُ المصلِّينَ صلاةً، فكيف وجَّه إليه الخطابُ بإقامَةِ الصَّلاةِ؟

الجواب: تَوجِيهُ الخِطابِ لمن يتَّصِفُ به، المرادُ به الاستمرارُ عليه لا تجْدِيدُه لأنه موجودٌ، مثل قولِه سبحانه وتعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136]، فالخطابُ ليس عَبَثًا حتى نقولَ: إن هذا أمْرٌ بالإيمان؛ لأن الأمرَ بالإيمانِ

ص: 235

تحصيلُ الحاصِلِ؛ لأنهم مؤمنون، فالخِطابُ المرادُ منه الاستمرارُ على الإيمانِ.

وقوله عز وجل: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} تقَدَّمَ أن تِلاوةَ القُرآنِ تشْمَلُ الاتِّباعَ والعملَ بأحكامِهِ؛ لأن إقامَةَ الصَّلاةِ من اتِّبَاعه والعَملِ بأحكامِهِ، إذن عَطَفهَا على قوله:{اتْلُ} من باب عَطْفُ الخاصِ على العام، وعَطفُ الخاص على العام هو إيذانٌ برِفْعةِ شأنِهِ، ولا شكَّ أن الصلاةَ من أفضلِ أعمالِ البدنِ؛ ولهذا خُصَّتْ بالذِّكْرِ.

وهل عطفُ الخاص على العام معناه ذِكْرُه مَرَّتَينِ أو مَعناهُ أنه أُفْرِدَ بالذِّكرِ من بينِ العُمومِ؟ في هذا رأيان لأهل العلم:

فمنهم من قال: إن ذِكْرَ الخاص بعد العام معناه أنه سُلِبَتْ دَلالَةُ العُموم بالنسبة إليه، ثم أُفْردَ بالذِّكْرِ.

ومنهم من قال: إنه داخلٌ في العُمومِ الأوَّلِ ثم أُفردَ بالذِّكْرِ فيكون ذُكِرَ مرَّتينِ، وكلا القولين يدلُّ على شرفِ هذا المذْكُورِ، لكن أقواهما الأخير، وهو أن يُذْكَرَ مرتين: مرة بذِكْرِ العُموم ومرة بالخُصوصِ، وتظهر الفَائِدةُ فيما لو قلت: أُكْرِمُ الطلبةَ ومحمدًا، فعلى القول بأنه داخلٌ في العمومِ ثم خُصَّ بالذِّكْرِ، نعرفُ أن مُحَمَّدًا من الطلبة، أما إذا قلنا: نُزِعَ من العمومِ ثم خُصَّ بالذِّكْرِ، نبحث عن محمد هل هو طالب أو ليس بطالب، ونحتاج إلى قَرينَةٍ تَدُلُّ على أنه مِنَ الطَّلَبَةِ، والصحيحُ ما تقَدَّمَ.

قال عز وجل مُعَلِّلًا الأمرَ بإقامَةِ الصَّلاةِ: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ، وهذا التعليلُ هل هو تَعْلِيلٌ بالنسبة للمخاطَبِ أو بالنِّسْبَةِ للمخاطَب بِهِ؟

إذا قلنا: إن التَّعْلِيلَ بالنسبَةِ للمُخاطَبِ وهو الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام صارَ المعنى إن الصلاة تَنْهَاكَ عَنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، وهذا يقْتَضِي جوازَ وُقوعِ الفَحشاءِ

ص: 236

والمنكرِ مِنَ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم.

وإذا قلنا: إن التعليلَ بالنِّسْبَةِ للمُخاطَبِ به وهو الصلاة؛ قلنا: إن الصلاةَ من حيثُ هي صلاةٌ تنْهَى عن الفحشاءِ والمنْكَرِ، ويكونُ هذا وصفًا صادِقًا لغَيرِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم، وهذا هو المتَعَيِّنُ، لعِلْمِنَا أن الرسولَ صلى الله عليه وسلم معصومٌ من الفَحْشاءِ والمنْكَرِ.

وقوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاة} وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} المرادُ بالصلاةِ في الموضِعَيْنِ صلاةُ الفَريضةِ والنافِلَةِ.

وقوله: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} أي: تمْنَعُ، لكنَّ التَّعبير بالنَّهْي أبلغُ من التَّعْبِيرِ بالمنْعِ، فإنَّ المانِعَ قد لا يَكون مُحَذِّرًا، لكنْ في النَّهْي تَحْذِيرٌ، وهو أشَدُّ مِنَ المنْعِ لأنه يوجَدُ في القلبِ كراهَةٌ لهذا الشَّيءِ ونُفورٌ منه، ومجرَّدُ المنْعِ لا يقْتَضِي ذلك، فكأنَّ الصلاةَ فيها سِرٌّ يَقْتَضِي أن يبْعُدَ الإنسانُ عن الفَحشاءِ والمنْكَرِ، كأنها تُؤَنِّبُ ضمِيرَهُ: لماذا تَفْعَلُ هذا؟ فالصلاةُ تُوجِبُ المنع مِنَ المعاصِي.

وقوله: {تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر} الفحشاءُ: كُلُّ ما يُستَفْحَشُ مِنَ المعاصِي كالزِّنَا والسَّرقَةِ وشربِ الخمرِ وقتلِ النفس وما أشبه ذلك، والمنْكَرُ ما دونَ ذلك، وعَطْفُ المنْكَرِ على الفحشاءِ من عَطْفِ العامِ على الخاص؛ لأن كُلَّ فحشاء منْكر، وليس كل مُنْكَرٍ فَحشاء.

قَال المُفَسِّر رحمه الله: [{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} شَرعًا، أي: مِنْ شأنِها ذلِكَ ما دَامَ المرءُ فِيها].

قوله رحمه الله: [مِنْ شَأْنِهَا ذَلكَ] صحيحٌ، لكن قوله:[مَا دَامَ المرءُ فِيهَا] ليس بصحيحٍ، بل هي تَنْهى عن الفحشاءِ والمنْكَرِ ما دَامَ المرءُ فيها وما لم يدُمْ فيها، يعني

ص: 237

ليس نَفْعِها خاصًّا؛ لأن المصَلِّي حالَ كونِهِ يُصَلِّي لن يفعلَ الفَحشاءُ والمنْكَرُ، لكن الفَائِدةَ العَظيمَةَ أنها تؤَثِّرُ في قلْبِكَ تأثِيرًا يقْتَضِي إبعادُكَ عَنِ الفَحشاءِ والمنكرِ، وهذه هي الثَّمَرةُ والنتيجةُ، فتَقْيِيدُ المُفَسِّر ليسَ بصوابٍ، بل هي مُطْلقَة تنْهَى عن الفحشاءِ والمنْكرِ داخلَ الصلاةِ وخارَجَها.

ووجه ذلك: أن الإنسانَ يُنَاجِي ربَّه كما وَرَدَ في الحديثِ، فبَيْنَه وبينَ ربِّه صلِةٌ، هذه الصلِةُ تُكْسِبُ القلبَ إِيمَانًا ونُورًا، ولهذا قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"الصَّلَاةُ نُورٌ"

(1)

، ومعلومٌ أن القَلبَ إذا اكتَسَب نُورًا لا يَمِيلُ إلى الفحشاءِ والمنكرِ؛ لأنه كُلَّمَا هَمَّ أن يفعلَ معصِيَةً تَذَكَّرَ أنه قبلَ ساعات كان واقفًا بين يدَي اللَّهِ عز وجل فيخْجَلُ ويبْتَعِدُ.

وهذا أمرٌ مشَاهَدٌ، فالإنسانُ أحيانًا يَذْكُر وُقوفَهُ في صلاةٍ منذ عِشرين سنة أو أكثر، صلَّى صلاةً في غايَةِ الإحسانِ كما جاء في الحديث:"أَنْ تَعْبُدَ اللَّه كَأَنَّكَ تَرَاهُ"

(2)

، فصلى كأنه يَرَى ربَّهُ، فإنه يَجِدُ طَعْمَ هذه الصلاةِ ولو بعدَ حينٍ طويل فيَذْكُرُها ولا تَغِيبُ عن قَلْبِهِ، هذه الذِّكْرَى لا بد أن تُؤَثِّرَ في نَهي الإنسانِ عنِ الفحشاءِ والمنْكَرِ، وهذا وجه قوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} .

لكن مُرادَه بقولِه: {إِنَّ الصَّلَاةَ} أي: الصلاةُ المقَامَةُ، فليس كلُّ صلاةٍ تَنْهَى عنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، واللَّهِ لو كانتْ صلاتُنَا تَنْهانا عَنِ الفَحشاءِ والمنكرِ لكُنَّا سالمِينَ، لكن نسألُ اللَّه أن يُعامِلَنَا بعَفْوِهِ، يدخُل الإنسانُ في الصلاةِ بقلبٍ ويخرُجُ

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم (223).

(2)

أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان الإسلام والإحسان وعلم الساعة، رقم (50) عن أبي هريرة؛ ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر اللَّه عز وجل، رقم (8) عن ابن عمر.

ص: 238

بنَفْسِ القلْبِ أو أَسْوأ، لكن العبادات إذا لم تُؤَثِّرْ على قلبكَ حُسْنَى فهي ضَرَرٌ، فالذي لا تنْفَعُه الآياتُ تَضَرُّهُ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"القُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ"

(1)

، وكذلك جاءَ عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ لَمْ يَزدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا"

(2)

.

وهذه المسألةُ ما أكثرَ مَنْ يُعانِي منها من المسلمين، يقولُ الواحِدُ منهم: أنا لا أتَأَثَّرُ بالصلاةِ ولا يحْضُر قَلْبِي ولا يخْشَعُ، فما هُو الدَّواءُ؟

ثم إنَّ بعضَ الناس يشُكُّ في خبرِ اللَّه عز وجل، فيقول: أنا أُصَلِّي ولا تَنْهَانِي الصلاة عنِ الفحشاء والمنْكرِ، أصلِّي مع الجماعةِ في الصَّفِّ الأوَّلِ خلفَ الإمامِ، ثم أخْرُجُ إلى مَتْجَرِي وأبيعُ بالرِّبا وأَغُشُّ وأبيعُ بالكَذِبِ، وأجدُ في نَفْسي غلًّا وحِقدًا على المسلمين، وكَراهَةٌ لبَعْضِ شرعِ اللَّه وما أشْبَه ذلك! ويقول: أين الصَّلَاةُ التي تنْهَانَا عَنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ؟

نقول: إن على كُلِّ مؤمنٍ أن يَعْلمَ عِلْمَ التقِينِ أن الصلاةَ تنْهَى عَنِ الفَحشاءِ والمنْكرِ؛ لأن خَبَرَ اللَّه عز وجل صِدْقٌ، واللَّه عز وجل عالم بكُلِّ شيءٍ، وهو -سبحانه- قال ذَلِكَ عن علمٍ، إذْنَ فالبَلاءُ في المصَلِّي لا في الصلاةِ.

قَال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} أكْبَرُ من غَيرهِ من الطَّاعاتِ]: (اللام) في قولِهِ: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ} لامُ الابتداءِ وقوله: (ذِكْرُ) مصدر مُضَافٌ إلى اسم اللَّه جَلَّ وَعَلَا، فهو مُضافٌ إلى مَفعولِهِ، وإعرابُ هذه الجملةِ:

{وَلَذِكْرُ} : (اللام) لامُ الابتداءِ، و (ذِكر): مبتدأ مرفوعٌ وعلامَةُ رَفعِهِ الضَّمَّةُ، وهو مضافٌ، والاسم الكريمُ مضافٌ إِلَيْهِ.

(1)

أخرجه مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، رقم (223).

(2)

أخرجه الطبراني في الكبير (11/ 54)(11025) عن ابن عباس.

ص: 239

{أَكْبَرُ} : خبرُ المبتدأ.

وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} يَشْمَلُ مَعْنَيين:

الأول: ولَذِكْرُكَ ربُّكَ أكْبَرُ.

والثاني: ولَذكرُ اللَّه إياكَ بالصَّلاةِ له أكبرُ من نَهْيهِ عَنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، والشأنُ بذِكْرِ اللَّهِ لكَ لا بِذِكْرِكَ للَّه، كما أن الشأنَ بمَحَبَّةِ اللَّه لك لا بمحبَتِّكَ للَّه.

وانظر إلى قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، فالشأنُ أن تُذكَرَ لا أنْ تَذكُرَ، وكما أن هذا بالنِّسْبَةِ للمَخلوقِ مع الخالقِ هو أيضًا بالنِّسْبَةِ للمخلُوقِينَ مع بعضهمِ، كونَكَ تحِبُّ فُلانًا أو تذكر فُلانًا لا تَسْتَفِيدُ شَيئًا، إذا كان فلان مُعْرضًا عنك لا تَسْتَفِيدُ إلا العناءَ والبلاءَ، ويشْهَدُ لِذَلكَ قضيةُ بريرةَ مع زَوجِهَا مُغيثٌ، هو يَذْكرها لكن هي لا تَذْكُرُه ولا تُريدُهُ، هو يُحِبُّهَا حبًّا شَدِيدًا وهي لا تحِبُّه

(1)

، فالشأنُ أن يذْكُرك اللَّه، ولكن ثِقْ بأنك إذا ذَكرتَ اللَّه مِنْ قَلْبِكَ فإن ذكرَ اللَّه لكَ أعظمُ من ذِكركَ له، وفي الحديث القُدْسِيِّ:"إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِه ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي"، ونفْسُ اللَّه أعظمُ من نَفْسِكَ بلا شكَّ، "وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ"

(2)

، فأنتَ اذكرْ رَبَّك حقيقةً، فاللَّه سبحانه وتعالى يذْكُرُك ذِكْرًا

(1)

أخرجه البخاري: كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم على زوج بريرة، رقم (4979) ابن عباس بلفظ: أن زوج بريرة عبد أسود يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس:"يَا عَبَّاسُ! أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ رَاجَعْتِهِ". قالت: يا رسول اللَّه! تأمرني؟ قال: "إِنَّما أَنَا أَشْفَعُ". قالت: لا حاجة لي فيه.

(2)

أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول اللَّه تعالى:{وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ، رقم (6970)؛ ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر اللَّه تعالى، رقم (2675) عن أبي هريرة.

ص: 240

أعظمَ مِنْ ذِكْرك إياه.

وقَال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} مَنْ غَيرِهِ مِنْ الطَّاعاتِ]: ظاهِرُ كلامِ المُفَسِّر أن المرادَ بالذِّكْرِ الذكرُ المنْفصِلُ عن الصلاةِ لا الذِّكْرَ الذي في الصلاة، يعني: أن الصلاةَ تَنْهَى عنِ الفَحشاءِ والمنْكَرِ، وذكر اللَّه أعظمُ نهيًا عَنْ الفحشاءِ والمنكرِ وأكبر، ويحْتَمُلُ أن يكونَ المرادَ: ولذِكْرِ اللَّهِ الموجودِ في الصَّلاةِ والموجودِ بها، الموجودُ فيها كالتَّسْبيحِ والتَّكبيرِ والقِراءةِ، وذِكْرُ اللَّهِ الموجودُ بها يعْني ما يحصلُ من ذكرِ اللَّه بِسبَبِهَا.

قوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} هذه الجملةُ خَبَرِيَّةٌ، لكن ليس المقْصودُ منها إخبارَنَا أن اللَّه يعْلمُ ما نصْنَعُ، بل لها معنى عظيم وهو: التَّحْذِيرُ من أن نَصْنَعَ ما يخالِفُ شَريعَتَهُ وُقوعًا في النَّهْي أو تَرْكًا للأمْرِ، فالآية للتَّرغيبِ في فِعْلِ الأوامِرِ وللتَّرهيبِ من مخالَفَتِهِ وعِصْيانِهِ فَهي شامِلَةٌ للأمْرَيْنِ، وإن كان الأقربُ أنها للتَّرغِيبِ لأن قَبْلَهَا أمْرٌ، بخِلافِ ما لو كان قبلها نَهْي لكانت للتَّرهيبِ.

وقوله: {يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} (مَا) اسمٌ موصولٌ دالٌّ على العمومِ يشْمَلُ كلَّ ما نصنَعُ من قولٍ أو فعْل، سواء فيما يتعلَّق بحقِّهِ سبحانه وتعالى وفِيمَا يتعلَّق بحقِّ عبادِهِ.

وقوله: [{يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} ليُجَازِيكُم بِهِ]: هذ النتيجةُ، وهي نتِيجَةٌ واضحِةٌ، والمجازَاةُ تكونُ في الدُّنْيا ويومَ القِيامة، والمجازَاةُ على ما نَصْنَعُ قد تكونُ شَرْعِيَّةٌ بفعلِ العبدِ مثلُ الحُدودِ، فإن الحدودَ عقوبةٌ شَرْعِيَّةٌ بفِعْلِ العبدِ، فالعبدُ هو المأمورُ بفِعْلِهَا، وقد تكونُ المجازاة كونية قَدَرِيَّةٌ بفِعْلِ اللَّه، كما لو أصيبَ الإنسانُ بأمراضٍ وتَلَفِ أموالٍ وما أشْبَه ذَلِكَ.

لو قالَ قائلٌ: هل الأمراضُ والمصَائبُ التي تُصِيبُ العبدَ عُقوبة أو ابتلاء؟

ص: 241