الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (46)
* * *
* قالَ اللَّه عز وجل: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت: 46].
* * *
قوله: {وَلَا تُجَادِلُوا} الخطابُ للأمَّةِ جَميعًا، وهو نَهْي، وقوله:{تُجَادِلُوا} المجادَلَةُ: هي مُنَازَعَةُ الخَصمِ لأمرين: للظُّهورِ عليه، وإبطالِ حُجَّتِهِ، مأخوذةٌ من فَتْلِ الرأسِ، وفَتْلِ الحبْلِ؛ لأن الجدَلَ هو فَتْلُ الحبْلِ، والمقصودُ به إحكَامُهُ وتَقْوِيَتُهُ، كأن المنَازَع يريدُ أن يُقَوِّيَ حُجَّتَهُ على خَصْمِهِ، وفي اللغة العامِّيَّةِ نَسَمِّي قرون المرأة (جدايل) لأنها تَفْتِلُها وتُقَوِّيها.
قوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ} يعني: الذين أُوتُوهُ، وأهلُ الشيءِ هم من أُوتُوا الشيءَ وإن لم يَعْمَلُوا به، ويُرادُ به من أُوتِيَ الشيءَ وعَمِل به، ومحلُّ الثَّناءِ الثاني، فأهلُ القرآنِ حقًّا هم الذين حَفِظُوه تِلاوَةً وعَمِلُوا به، وكذلك الذين حَفِظُوه ولم يَعْمَلُوا به هم أهلُ القرآنِ لكن ليسُوا أهلَه حقًّا، ومَحِلُّ الثناءِ والمدْحِ مَنْ كان مِنْ أهله تِلاوَةً وعَمَلًا.
وقوله: {أَهْلَ الْكِتَابِ} المرادُ بالكتابِ هُنا للجِنْسِ، وإلا فهما كتابان: التوراةُ لليهودِ والإنْجِيلُ للنَّصارَى.
قوله: {إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} هذا الاستثناء مفرغٌ مِنْ عُمومِ الأحوالِ، يعني: في أيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ لا تُجادِلُوهُم إلا بالَّتِي هِي أحْسَنُ.
وعبَّرَ {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} ولم يقل: (بالذي) مع أن (التي) للمؤنث؛ لأن المراد هنا: أي بالطَّريقَةِ التي هي أحسنُ؛ لأن المجادَلَةَ ليست كلمةً تُلْقى، بل هي طُرُقٌ، ولذلك في أَدَبِ المناظَرةِ تُوجدُ طُرُقٌ يتمَكَّن بها الإنسان من الوصولِ إلى إقناعِ الخَصم وإقامَةِ الحُجَّة عليه.
وقوله: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: بالطريقَةِ المثْلَى التي يتَوَصَّلُ بها إلى إفْحَامِ الخَصمِ وهِي الأَدَاءُ، وكذلك الطَّريقةُ الأَقْوَى في إقنَاعِهِ وإقامَةِ الحُجَّةِ عليه وهي الصيغةُ، أي: صِفَةُ هذه المجادَلَةِ أو المنَازَعَةِ.
وقوله: {أَحْسَنُ} اسمُ تَفْضِيلٍ مُطْلَقٌ ليِعُمَّ الحُسنَ في سيَاقِ الأَدِلَّةِ، ويَعُمَّ الحسنَ في كيفِيَّةِ المجادَلَةِ، فلا بد مِنَ الأمرين، لا بُّدَ من حُسنِ الطَّريق، بمعنى: أن تأتي بأقربَ الطُّرُقِ لإقناعِ الخصْمِ، ولا بد أيضًا من كيفيَّةِ عرضِ هذه الطريقة، ونضربُ مثلًا للأمْرَيْنِ:
إنسانٌ عندَهُ قوة في المناظَرَةِ وإيرادِ الحُجَجِ، لكنه إذا جاءَ يجادِلُ أخَذَ في السَّبِّ والشَّتْمِ، يقول: أنت بَليدٌ وأنت كذا وكذا، هذا ليس بحَسَنٍ، وإن كان عَرْضُ الطريقِ وسياقُ الأدلَّة جيِّدًا؛ لكن كيفيةُ المجادَلَةِ ليس داخِلًا في قوله:{بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ} .
وإنسانٌ آخَرُ لَيِّنُ الكَلامِ مُهَذَّبٌ لكن لا يُحْسِنُ المناظَرَة؛ هذا أيضًا ليس دَاخِلًا في قولِهِ: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} .
انظُر إلى إبراهيمَ عليه السلام لمَّا حاجَّه الملِكُ في ربِّه: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي
يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} لم يَذْهبْ إبراهيمُ ليُنازِعَهُ ويقول: أنت لا تُحْيِي ولا تُميتُ، أنت أنما تفْعَلُ السبب، بل قال له:{فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} آتَاهُ بدَليلٍ ولازِمٍ لا ينْفَكُّ منه، ولهذا قال عز وجل:{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]، أي: ما استطَاعَ أن يتَخَلَّصَ من هذا الإيرادِ.
وأيضًا من الأحْسَنِ في المناظرةِ إذا رَأيتَ بسُلوككَ أحدَ الطُّرقِ أنه قد ينْفتِحُ عليك بابُ المعارضة، فاسلُكِ الطريقَ الآخَرَ، ولا تقل: أنا أحِبُّ أن أُبْقِى على الحُجَّةِ التي أَدْلَيْتُ بها ولا أُورِدُ أُخْرَى لأني أخْشَى أن يكونَ ذلك التزامًا!
نقول: ما دامَ عندَكَ حُجَّةٌ تَعْرفُ أنه لن يستَطِيعَ أن يُنَازَعَ فيها، فاتْرُكِ التي أَدَلْيتَ بها أوَّلًا حتَّى لا ينْفَتِحَ عليكَ أبوابُ النَّقْدِ؛ ولأن هذه الحُجَّةَ تؤَدِّي إلى إفحامِ الخصْمِ، ولئلَّا تكون المنازَعَةُ بالحجَّةِ الأُولَى سَببًا لظُهورِهِ عليك؛ بينما أنت عِندكَ ما هو أقْوى مِنْ حُجَجِه إذا سلَكْتَ الطريقَ الآخَرَ، وإن كان بمَجموعِ الطُّرقِ ينْتَفِي الاعتراضُ؛ فأَوْرِدْ جَميعَها.
فالحاصلُ: أن المجادلَةَ بالتي هي أحسنُ تشْمَلُ الطريقةَ التي تنْدَفِعُ بها حجَّةُ الخَصْمِ وتقومُ عليها الحُجَّةُ، وتَشْمَلُ كيْفِيَّةَ إلقاءِ هذه الحُجَّةِ.
وقوله: {بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: بالبَراهينِ الصَّادِقَةِ والأدِلَّةِ القاطِعةِ، وليست كلُّ حُجَّةٍ مَقْبُولةً إلا حُجَّةً من اللَّهِ ورسولِهِ.
لو قالَ قائلٌ: ما هي حُجَّةُ مُنْكِري صفاتِ اللَّه عز وجل، وكيف تُدْحَضُ هذه الحُجَجُ؟
الجواب: في الواقع أن مُنكِرِي الصفاتِ عندَهُمْ شُبَهٌ وليس عندهم حُجَجٌ،
قال عز وجل: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ} [الشورى: 16]، فاحتَجَّ من يُنْكِرُونَ صِفاتِ اللَّه سبحانه وتعالى على اختلافِ مَشارِبهِمْ؛ سواءٌ من يُنْكِرُ منهم الصفاتِ الخبَرَيّةَ أو الفعلية أو كلَّ الصفاتِ؛ احتَجُّوا بشبهةٍ وهي: أن إثباتَ هذه الصفاتِ يستلزمُ التَّشبيهَ، قالوا: لأنا لا نعْقِلُ في الخارجِ من يُوصَفُ بهذه الصفة إلا المخلوق، فيَقْتَضِي أن يكونَ اللَّه تعالى مُشَابِهًا للخلْقِ، وعلى هذا فيَجِبُ إنكار الصفات، هذه غالبُ حُجَّةِ أهلِ التَّعْطِيلِ.
وهذه الشُّبْهَةُ سهلٌ إبْطالها، فنقول لهم: أنتم تُشَاهِدُونَ المخلوقاتِ بعضَها تَتَّفِقُ مع بعضٍ في الأسماء، فالجَمَل له يَدٌ ورِجْلٌ، والحِصانُ له يَدٌ ورِجْلٌ، والنَّمْلَةُ لها يدٌ ورِجْلٌ، والإنسانُ له يَدٌ ورِجْلٌ، وهي مختلفة غير متَشَابِهَةٍ، فإذا انتَفَى التَّشَابه في المخلوقاتِ مع أنها كُلَّها حادِثةٌ، فانتفاءُ التَّشَابُهِ بين الخالقِ والمخلُوقِ من بابِ أَوْلى وأقْطَعِ وأظهْرِ وأبيْنِ.
وقولهم: (في الخارِجِ) أي: في الواقعِ، احتِرازًا من الفَرضِ الذِّهْنِيِّ، فقد يَفْرضُ الذِّهْنُ أشياءَ لا وُجودَ لها، فيُصَوِّر شخْصًا له آذانٌ طويلَةٌ، الأُذُنُ طول المنَارَةِ، والإصْبَعُ عشرةُ مليمترات، لكن هذا الذي صَوَّرَهُ ذِهنكَ غيرُ موجودٍ في الخارج، فيمكن للذِّهْنِ أن يُصوِّر كلِّيَّةً عامة يدخلُ فيها الإنسانُ والبَعيرُ والحِصانُ لكن لا وجود لها في الواقع.
فالحاصلُ: أنهم نَفَوا الصِّفاتِ عن اللَّهِ لأنه لا يُوجَدُ شيءٌ متَّصِفًا بهذه الصفاتِ إلا المخْلُوق، فقالوا: يجِبُ أن نَنْفِيَ عنه هذه الصفاتِ، وكذلك غُلاةُ الجَهْمِيَّةِ قالوا: لا نُثْبِتُ الأسماءَ، فلا نُسَمِّيَ اللَّهَ بالسَّميعِ ولا بالعَليمِ ولا بالغَفورِ ولا بالرَّحيمِ؛ لأن هذه أسماءُ المخلوقِ فلا نُسَمِّي بها اللَّه، وقالوا: لا نُثْبِتُ إلا فاعلًا وقادِرًا،
وأثْبَتُوا هذين الاسمَيْنِ فقط لأنهم جَبرَّيةٌ يَرَوْنَ أن الإنسانَ لا يفْعَلُ بنَفسِهِ ولا يَقْدِرُ على الفِعلِ، فلما انتَفَتْ صِفَةُ الفعلِ والقُدْرَةِ في الإنسان أثبَتُوا أن اللَّهَ فاعِلٌ وقادِرٌ مع أنهم يجِبُ أن يُثْبِتُوا الإرادَة للَّهِ عز وجل؛ لأنَّ الإنسان ليس له إرَادَةٌ عِنْدَهُمْ.
وقوله: [{إِلَّا بِالَّتِي} أَيْ: المجَادَلَةُ الَّتِي {هِيَ أَحْسَنُ} كالدُّعاءِ إلى اللَّهِ بآياتِهِ والتَّنْبِيهِ على حُجَجِهِ]: الدُّعاءُ إلى اللَّه بآياتِهِ الشَّرعِيَّةِ والكوْنِيَّةِ لأن اللَّه يَقُيمُ الحجَّةَ بهما جَميعًا، قال سبحانه وتعالى:{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ} أي: بالقُرآنِ {جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان: 52]، فالآياتُ الشَّرعِيَّةُ المجادَلَةُ بها حَقٌّ، وكيفيَّةُ المجادَلَةِ بها هي أن تُبَيِّنَ ما في شَريعةِ اللَّهِ من الحِكَمِ والأسَرْارِ، فإن هذه الشريعةَ إذا بانَتْ حِكَمُها وأسرْارَهُا لكُلِّ ذِي عَقْلِ تَبَيَّنَ أنها هي الحقُّ، وكذلك أيضًا تَبَيَّنَ ما في آياتِ اللَّهِ الشرعيَّةِ من الالْتِئَامِ والانتظامِ وعَدَمِ الاختلافِ قال سبحانه وتعالى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
وأما المجادَلَةُ بالآياتِ الكونِيَّةِ أن نُرِيَهُم آياتِ اللَّهِ الكونِيَّةِ قال سبحانه وتعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]، وهذه الآية وما بَعْدَهَا من سورةِ الطُّورِ مناظَرَةٌ بالآياتِ الشَّرْعِيَّةِ ومناظَرَةٌ بالآياتِ الكونِيَّةِ، قال عز وجل:{أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [الطور: 36 - 38]، {أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} [الطور: 33 - 34]، فالآيةُ الأَخِيرَةُ مناظَرَةٌ بالآياتِ الشَّرْعِيَّةِ والآيات التي قَبلَهَا مناظَرَةٌ بالآياتِ الكَوْنِيَّةِ.
ومن ذلك مناظَرَةُ إبراهيمَ عليه السلام في الذي حَاجَّه في رَبِّهِ، ناظَرَه بالآياتِ الكوْنِيَّةِ.
قوله رحمه الله: [والتَّنْبِيهُ عَلَى حُجَجِهِ]: الحُجَجُ جمع حُجَّة، وهي الدَّلِيلُ المقْنِعُ.
قوله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} هذا مستَثْنَى مِنْ قولِهِ: {أَهْلَ الْكِتَابِ} ، وهذا الاستثناءُ يجوزُ فيه النَّصْبُ ويجوز فيه البَدَلِيَّةُ، والأرجحُ البَدَلِيَّةُ؛ لأنه بمعنى النفي لأنه مسبوقٌ بنَهْي، قال ابن مالك رحمه الله
(1)
:
مَا اسْتَثْنَتِ إلّا مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ
…
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
قَال المُفَسِّر رحمه الله: [{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} بأَنْ حارَبُوا وأَبَوْا أنْ يُقِرُّوا بالجْزِيَةِ فجَادِلُوهُم بالسَّيْفِ حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجِزيَةَ]: هؤلاء هُمُ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} ولعَلَّ الآية أعَمُّ مما قال المُفَسِّر، ويكونُ المرادُ بـ {الَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: كابَرُوا وعانَدُوا ولم يَرْضَخُوا للحَقِّ الذي تبَيَّنَ، فهؤلاء لا يجادَلُون بالتي هي أحسَنُ؛ لأنه تَبَيَّنَ عنادُهم.
وهل الآيةُ تَدُلُّ على أنهم يُتْركون، أم أن الآية تَدُلُّ على أنهم يجَادَلُونَ بالَّتِي هي أسْوأُ؟
اختلف كلامُ المفَسِّرِينَ في هذه المسألة: فمنهم من قال: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} فاتْرُكوهُم ولا تُجادِلُوهم؛ لأنه لا فائِدَةَ من جِدَالهِم ما دامَ قد ظَهَرَ عِنَادُهُم وظُلمُهُمْ. ومنهم من قال كما قال المُفَسِّر رحمه الله: {إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} يعني: فجَالِدُوهم ولا تُجادِلُوهُم أي: فجالِدُوهم بالسَّيْفِ حتى يُسْلموا أو يَعْطُوا الجزية.
وعِنْدي أن الآية تحتَمِلُ المعْنَيينِ جَميعًا، وأنه ينْبَغِي أن تنْزِلَ على الحالَينِ وتستعمل كلَّ حالٍ بما يَليقُ ويُناسِبُ، فإذا كان المقامُ يقْتَضِي أن نجَالِدَهُم بالسيفِ،
(1)
البيت رقم (316) من ألفيته.
وذلك بأن يكونَ لَدَينا مِنَ القُوَّةِ والقُدرَةِ ما نتمكن به مِنْ ذلِكَ، وإذا لم يكن لنا قُدْرةٌ وكانت المصْلَحَةُ تقْتَضِي تَركْهم فإنَّنَا نتْرُكهم، وهذا -واللَّهُ أعلم- هو السير في أن اللَّه عز وجل لم يَذْكُر حُكم هذا المستثنى صَريحًا، فلم يَقُلْ:{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} فجادِلُوهم بالتي هي أسْوأ، ولم يقل:{إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} فلا تجادِلُوهم. بل جعله صالحًا للأمرين!
لو قال قائلٌ: تَفْسِيرُ المُفَسِّر رحمه الله الآية بقوله: [فجَادِلُوهُم بالسَّيفِ حتَّى يُسْلِموا أو يُعْطُوا الجِزيةَ]، كيف يَسْتَقِمُ هذا التَّفْسِيرُ مع أن الآية مكِّيَّةَ؟
الجواب: يَستَقِيمُ هذا التَّفْسِيرُ؛ لأنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى ذَكَرَ حالَ أهلِ الكِتابِ في مَكَّةَ ليَسْتَعِدَّ الناسُ لها.
قوله: [{وَقُولُوا} لمَنْ قَبِل الإقْرارَ بالجِزْيَةِ إذَا أَخْبَروكُم بشَيْءٍ مما فِي كُتُبِهِمْ]: أي: فقولوا: عنْدَ المنَازَعَة والمحَاجَّة؛ لأن بعضَ الناسِ إذا نازَعَ أو خاصَمَ صار يَسُبُّ مَحِلَّ الحجَّةِ من خَصْمِهِ، فإذا قال له المنازعُ: إن هذا القول قاله فلانٌ في مؤلَّف له، صارَ يَصُبُّ جامَّ السَّبِّ والغَضب على هذا الكتاب، ويقول هذا خَطأ، ولا ينبغي هذا العمل لأن هَذه قَضِيَّةُ عاجِزٍ.
فهنا نقول لهؤلاء المجادِلِين مِنْ أهلِ الكتاب: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا} وهو القرآن {وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} وهو التَّورَاةُ إذا كانُوا مِنَ اليهودِ، والإنْجِيلِ إذا كانوا مِنَ النَّصارى، فنحن لا نُنْكِرُ ما أُنزل إليكم، بل نقول: إنه حقٌّ، لكن نؤمن بما أُنْزِلَ إلينا ونقول: إنه حق، وإذا آمَنَّا بهذا فبَأَيِّهِمَا يكونُ الحُكمُ؟
الجواب: بما نَزَل أَخِيرًا وهو القُرآنُ؛ لأنه ناسِخٌ، وحينئذٍ يكون في قولنا هَذَا:
أولًا: تَهْدِئةً لنُفُوسِهم.
ثانيًا: إلزَامًا لهم بالإيمانِ بما أُنزلَ إلينا؛ لأن الإنسانَ بُشِّرَ فإذا قيل له: أنا آمنت بما أُنِزَلُ إليك فآمِنْ بما أُنْزل إليَّ، سيَأخُذُه الخَجَلُ والفَضْلُ وربما يوافِقُ؛ لأنه سيقول في نفسه: كيف يُؤمِنُ هذا الرجل بما أُنِزَل إليَّ وما أُنْزِل إليه وأنا أُكَذِّبُ ما أُنْزِلَ إليه، وهذا في الحقيقةِ مِنَ المجادلَةِ بالتي هي أحْسَنُ.
وقوله: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} ، كلما جاءَ الأمرُ بالقولِ فالمرادُ به القولُ باللِّسانِ بعد الإقرارِ بالجنانِ؛ لأن مجرَّدَ القولِ باللِّسانِ لا يكون إيمانًا كما قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]، فالإيمانُ الذي لا يتَطَابَقُ فيه القلبُ واللِّسانُ، هذا ليس بإيمان، بل هو نِفاقٌ والعياذ باللَّه.
وقوله عز وجل: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} هذا من بلاغَةِ القُرآنِ، لم يقُلْ: وما قُلتم أو ما جِئتم به، بل قال:{بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ؛ لأن لدَيْهِم من التَّحريفِ والتَّبدِيلِ ما لا يمكن معه أن نَقْبَلَ كلَّ ما جاءوا به، لكن نؤمِنُ بالمنَزَّلِ إليهم، ولهذا جاء في الحديث الصحيحِ:"لَا تُصَدِّقُوهُمْ ولَا تُكَذِّبُوهُمْ وقُولُوا: {آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} "
(1)
، فنحن مؤمِنُون بالمنَزَّلِ لا المبَدَّلِ، وصِفةُ الإيمان بما أُنزل إلينا ليس كصِفَةِ الإيمانِ بما أُنزِلَ إليهم؛ لأن إيمانَنَا بما أُنزل إلينا مَلْزِمٌ بالاتِّباعِ وإيمانُنا بما أُنزل إليهم ليس مُلْزمًا، فإذا وُجِدَ في شرْعِنَا ما يخالِفُ شرعَهم فالمتَّبِعُ شرعْنَا،
(1)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف بهذا اللفظ عن عطاء بن يسار (6/ 111)(10161)، وأصله عند: أبي داود: كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب، رقم (3644)، وأحمد (4/ 136)(17264) عن أبي نملة الأنصاري.
لكننا نؤمن بأن ما نُزِّلَ إليهم من عندَ اللَّه وأنه حَقٌّ، وأنه يجِبُ عليهم اتِّباعُه في حالِ قيامِهِ وعدمِ نَسْخِهِ.
وقوله: بما {أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ} مِنَ اللَّه سبحانه وتعالى؛ لأن جميعَ الكُتبِ المنزَّلةِ على الأنبياء من اللَّه عز وجل.
قوله عز وجل: {وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} ، أي: معبودُنَا؛ لأن (إله) بمَعنى مألُوهٍ، وصيغة فِعَالٍ بمعنى مَفعُولٍ كثيرة في اللغة العربية، فالمأْلُوه بمعنى المعبُودُ، والإله يُطْلَقُ على المعبودِ بحَقٍّ وعلى المعبودِ بغيرِ حَقٍّ؛ لكَن اللَّهَ وحْدَهُ هو المعبودُ بحَقٍّ، وما عَدَاه فمعبودٌ بالباطِلِ، قال اللَّه سبحانه وتعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ} [الحج: 62]، فهذه الأصنَامُ تُسَمَّى آلهة لكن أُلُوهِيّتَها باطلةٌ شَرْعًا، ولهذا صحَّ النَّفْي في قوله:(لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه)، فهذا النَّفْي لا يعْني أنه لا يوجَدُ آلهة في الكونِ إلا اللَّهُ، بل يوجَدُ آلهة لكن ألوهِيَّتَها باطلةٌ، فما عدا اللَّه عز وجل فألوهيَّتُهُ باطِلَةٌ، ولذا فهي لا تُسَمَّى آلهة حقًّا، بل آلهة باطلة، وقد سمَّاها اللَّه عز وجل آلهة وسمَّاها الرسلُ كذلك؛ لكنها آلهة باطلة.
لو قال قائل: قولنا: (لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه)، لماذا لا نَقُدِّر الخبر بـ (موجود) ونجعل تلكَ الآلهة مجرَّد أسماء؟
الجواب: لا يصِحُّ هذا التقدير، وقد قدَّرَهُ بعْضُهم فقال: إن التقديرَ: لا إله مَوجُودٌ، لكن لو قَدَّرْنَا هذا التقديرَ لاحتَّجَّ المشركونَ علينا، وقالوا: إِذَا كُنْتُم تقولون: هذه ليست آلهة فلَسْنَا بمُشْرِكينَ؛ لأننا ما عَبَدْنَا إلهًا.
فالصواب: أن نقَدِّرَ: لا إله حق إلا اللَّه، وهذا صَريحُ القُرآنِ، فاللَّه سبحانه وتعالى سمَّاها آلهة فقال تعالى:{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [القصص: 88]، سمَّاها إلهًا،
وهذا ليس فيه مُحَاجَّة للمشركينَ حتى نقول: إنه من باب التَّنَزُّلِ مع الخَصْمِ.
وقال إبراهيمُ عليه السلام لقومِهِ: {أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ} [الصافات: 86]، وقال الرجلُ الصالِحُ النَّاصحُ لقومِهِ:{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} [يس: 23]، فاتَّفَقَ على ذلك الوَحْيُ المُنَزَّل وكلامُ الرُّسُلِ وكلامُ الصَّالحينَ.
وقوله: {وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} هذا في مخاطبَةِ اليهودِ ظَاهِرٌ وبيِّن، لكن في مخاطَبَةِ النَّصَارَى كيف يَصِحُّ أن نقول:{وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} وهم يَعبدُونَ المسيحَ ويَرَوْنَهُ إلهًا، ويقولون:{إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]، والإله عندهُم مكوَّنٌ من أقانيمَ ثلاثة هي: الأبُ، والابنُ، والرُّوح القدس.
وهذا لا شكَّ أنه مكابَرَةٌ؛ كيف يكون الإلِهُ في ثلاثةٍ، وكلُّ واحدٍ قائم بنَفْسِه منْفردٌ عن الآخَرِ، والذي جاء به الإنجيلُ والتوراةُ أن الإله واحدٌ.
إذن: فالرَدُّ على زَعمَهِمْ أن نقول: إننا نُنْكِرُ أن يكون اللَّه سبحانه وتعالى مَتَعددًا، ونُلْزِمُهم بذلك؛ لأن النَّصارَى يقولُون: اللَّه عز وجل مخبِرًا عن زَعْمَهِمْ الباطلِ بسؤالِهِ لعِيسَى عليه السلام يوم القيامة: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، واللَّه يعلم أنه لم يَقُلْ شيئًا، لكن من أجلِ إبطالِ دَعْوى قومِه وإلْزَامِهِمْ بالحُجَّة {قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} [المائدة: 116 - 117].
وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِد} ، هذا فيه أيضًا إلزامٌ لهم بالقَبُولِ؛
لأنه إذا كانَ الإلهُ واحِدًا ونزَّلَ الكتابَ السابق، ثم نَزَّلَ الكتابَ المهَيْمِنَ اللاحقَ، فالواجبُ علينا وعليكم اتِّباعُ هذا الذي نَزَل من عند اللَّه المتَّفَقِ عليه بَيْنَنَا وبينكم.
ونضْرِبُ لذلك مثلًا على سبيلِ التَّقْدِيرِ وللَّه المثل الأعلى: مَلِكٌ له رَعِيَّة، فأمر جماعةً بأمرٍ وأمرَ آخرين بأمرٍ آخر، فالواجب علينا جميعًا الطاعةُ ما دُمْنا نعترفُ بأنه هو الملِكُ، كلٌّ يُطِيعُه بما أمَرَ به؛ فأنتُمْ أُمِرْتُمْ بشيءٍ ثم نُسِخَ هذا الأمر إلى أمر ثانٍ من إلهٍ واحد، فالواجبُ عَلينا جميعًا أن نَنْصاعَ تحت أمرِ هذا الإله الواحدِ.
قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون} أي: نحن وأنتم لا نَحْنُ وَحْدنا، {وَنَحْنُ لَهُ} أي: لهذا الإله الواحدِ مسلمون، وتَقْدِيمُ المعْمُول يُفيدُ الحَصْرَ، يعني: له لَا لغَيْرهِ.
ومعناه أيضًا: أنكم لم تُسْلِمُوا للَّه بل أسْلَمْتُمْ لأهوائِكُمْ.
والمرادُ بالإسلامِ هنا الاستسلامُ ظاهِرًا وباطِنًا، ولهذا فسَّرَهُ العلماءُ بأنه الاستِسْلامُ للَّه ظاهرًا وباطنًا، الاستسلامُ ظاهرًا: أن يقومَ الإنسانُ بالأعمال الظاهرةِ كالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والحجِّ، والاستسلامُ باطنًا هو: إخلاصُ النِّيَّةِ للَّه عز وجل، قال اللَّه تعالى:{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة: 112]، إسلامُ الوجْهِ للَّه أي: إسلامُ القَصْدِ، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} بالعَملِ الصَّالِحِ، أي: عَملِ الجوارحِ.
والإسلامُ عندَ ذِكْرِه وَحْدَهُ يشْمَلُ الإيمانَ، والإيمانُ إذا ذُكِرَ وَحْدَهُ يَشْمَلُ الإسلامَ وإذا اجتَمَعا صارَ الإيمانُ للباطِنِ والإسلامُ للظاهِرِ قال عز وجل:{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14].
قَال المُفَسِّر رحمه الله: [{وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} مُطِيعُون]: فَفسَّر الإسلامَ بالطاعَةِ، والطاعَةُ هي موافَقَةُ الآمِرِ أو النَّاهِي، يعني أنها فِعْلُ المأمورِ وتركُ المحظُورِ على الوجهِ