الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الجنايات
(1)
جمع جناية (2) وهي لغة: التعدي على بدن أو مال أو عرض (3) واصطلاحا التعدي على البدن بما يوجب قصاصا أو مالا (4) ومن قتل مسلما عمدًا عدوانا فسق (5) وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (6) .
(1) أجمع المسلمون على تحريم القتل بغير حق، والأصل فيه الكتاب والسنة، قال تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ} وقال صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم» الحديث والإجماع حكاه غير واحد، ولولا عقوبة الجناة والمفسدين، لأهلك الناس بعضهم بعضا، ولفسد نظام العالم ولا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا وعظة، لمن يريد أن يفعل مثل فعله.
(2)
فمن ارتكب ذنبا فهو جان.
(3)
وفي العرف مخصوصة بما يحصل فيه التعدي على الأبدان.
(4)
أو كفارة أي سماها الفقهاء بذلك، وسموا الجناية على الأموال غصبا ونهبا، وسرقة، وخيانة، وإتلافا.
(5)
لاقترافه كبيرة من كبائر الذنوب بالإجماع، خلافا للخوارج الذين كفروه بذلك.
(6)
لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} فهو داخل تحت المشيئة بل كل ذنب دون الشرك تحت المشيئة إذا لم يتب منه.
وأما إذا تاب، فقد قال تعالى: في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة {أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ} وليس القتل بأعظم من الكفر، وإذا صحت من الكفر فمن القتل أولى وآية النساء تدل على شدة الوعيد.
وتوبته مقبولة (1) و (هي) أي الجناية ثلاثة أضرب (2)(عمد يختص القود به)(3)
(1) عند جمهور العلماء، لعموم الأدلة، خلافا للمعتزلة الذين يقولون: من ارتكب هذا الذنب لم تقبل توبته، لكن لا يسقط حق المقتول في الآخرة، بمجرد التوبة، كسائر حقوقه، بل يأخذ المقتول من حسنات القاتل، بقدر مظلمته، أو يعطيه الله من عنده، وكذا القصاص أو العفو، لا يكفر ذنب القاتل بالكلية وإن كفر ما بينه وبين الله، بل يبقى حق المقتول.
وقال ابن القيم: التحقيق أن القتل، تتعلق به ثلاثة حقوق، حق لله، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا أسلم القاتل نفسه طوعا إلى الولي، وندما وخوفا من الله، وتاب توبة نصوحا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح، أو العفو، وبقي حق المقتول، يعوضه الله يوم القيامة، عن عبده التائب، ويصلح بينه وبينه.
(2)
أكثر أهل العلم يرون القتل ينقسم إلى ثلاثة عمد وخطأ، وهذان مجمع عليهما، والثالث وهو: شبه العمد، قال به جمهور العلماء، ويأتي تفصيل ذلك.
(3)
فلا يثبت في غيره، قال ابن رشد: اتفقوا على أن الذي يجب به القصاص هو العمد، وقال الوزير: اتفقوا على أن من قتل نفسا مؤمنة، مكافئة له في الحرية، ولم يكن المقتول ابنا للقاتل، وكان قتله متعمدا، متعديا بغير تأويل، واختار الولي القتل، فإنه يجب لقوله {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وقوله:{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} .
والقود: قتل القاتل بمن قتله (1)(بشرط القصد) أي أن يقصد الجاني الجناية (2)(و) الضرب الثاني (شبه عمد (3) و) الثالث (خطأ)(4) روي ذلك عن عمر وعلي، رضي الله عنهما (5)(فـ) القتل (العمد أن يقصد من يعلمه آدميا معصوما (6) فيقتله بما يغلب على الظن موته به) (7) .
(1) مأخوذ من قود الدابة، لأنه يقاد بحبل ونحوه إلى القتل بمن قتله، فيمكن أولياء المقتول من القاتل، فإن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، وإن أحبوا أخذوا الدية.
(2)
فإن لم يقصد القتل فلا قصاص، لقوله صلى الله عليه وسلم «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
(3)
ويسمى بخطأ العمد، وعمد الخطأ ويأتي.
(4)
أي في الفعل، أو بدار حرب من يظنه حربيا، ونحو ذلك، وهذا تقسيم أكثر أهل العلم.
(5)
أي أن الجناية ثلاثة أضرب، فالعمد والخطأ اثنان، مجمع عليهما كما تقدم، والثالث شبه العمد، قال ابن رشد: اختلفوا هل بينهما وسط، وهو الذي يسمونه شبه العمد، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار، وبإثباته قال عمر، وعلي، وعثمان، وغيرهم، ولا مخالف لهم من الصحابة.
(6)
أي والقتل، وهو فعل ما يكون سببا لزهوق النفس العمد، فهو الذي يختص به القود بلا نزاع، وأخرج الخطأ في الحكم، ويشترط في القتل العمد، القصد في الفعل، وعصمة الآدمي المقتول.
(7)
قال في الإنصاف: بلا نزاع سواء كان المقتول به محددا، أو غير محدد، وقال الخرقي أن يقصد ضربه بمحدد، أو شيء الغالب أن يتلف.
فلا قصاص إن لم يقصد قتله، ولا إن قصده بما لا يقتل غالبا (1) وللعمد تسع صور (2) إحداها: ما ذكره بقوله (مثل أن يجرحه بما له مور) أي نفوذ (في البدن) كسكين وشوكة (3) ولو بغرزه بإبرة ونحوها (4)
(1) لأن عدم القصد لا يوجب القود، وحصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به، يكون اتفاق لسبب أوجب الموت غيره.
(2)
معلومة بالاستقراء وتأتي مفصلة.
(3)
أي: مثل أن يجرحه، بما له دخول وتردد في البدن، من حديد وغيره، كسكين وحربة وسيف، ونحو ذلك أو يغرزه بمسلة ونحوها، من الحديد والنحاس، والرصاص، والزجاج، والذهب والفضة، والخشب، والعظام مما يحدد ويجرح، إذا جرح به جرحا كبيرا فمات، فهو قتل عمد، قال الموفق: لا اختلاف فيه بين العلماء فيما علمناه، والنفوذ وهو المروق ليس بمراد، إذ لو دخلت الحديدة ونحوها في البدن، فقد حصل المور ولو لم تنفذ.
(4)
كشوكة من كل محدد صغير، أو جرحه جرحا صغيرا في غير مقتل، فمات في الحال فقتل عمد فيه القصاص، لأن المحدد، لا يعتبر فيه غلبة الظن، في حصول القتل به، وهو مذهب أبي حنيفة، والوجه الثاني: لا قصاص قاله ابن حامد، لأن الظاهر أنه لم يمت منه، ولأنه لا يقتل غالبا أشبه العصا، والسوط.
وقال الأصحاب: إن بقي متألما بغرز الجاني، بنحو إبرة، من كل محدد صغير، في مقتل كالفؤاد، والخاصرة، والخصيتين، حتى مات، ففيه القود، لأن الظاهر أنه مات بفعل الجاني، وقيل: لا يجب به القصاص، لأنه لما احتمل حصول الموت بغيره ظاهرا، كان شبهة في درء القصاص، فالله أعلم.
ولو لم يداو مجروح قادر جرحه (1) الثانية: أن يقتله بمثقل (2) كما أشار إليه بقوله (أو يضربه بحجر كبير ونحوه) كلت وسندان (3) ولو في غير مقتل (4) فإن كان الحجر صغيرا فليس بعمد (5) إلا إن كان في مقتل (6) .
(1) أي ولو لم يداو المجروح جرحه، في حال قدرته على مداواته، حتى يموت أو يموت في الحال، لأن الظاهر موته بفعل الجاني، وكذا لو فصده، فترك شد فصاده، ذكره الموفق محل وفاق، ومن قطع أو بط سلعة خطرة من مكلف، بلا إذنه فمات، فعليه القود.
(2)
أي كبيرة فوق عمود الفسطاط، أو بما يغلب على الظن موته به لثقله.
(3)
وعقب فاس أو كوذين، واللت بضم اللام نوع من أكبر السلاح، أو هو الذي يقال له الدبوس، و «السندان» الآلة المعروفة من الحديد الثقيلة، التي يعمل عليها الحداد صناعته، فيموت به، فعمد.
(4)
أي ولو كان ضربه بحجر كبير ونحو، في غير مقتل، فمات فعمد، لأن ذلك مما يقتل غالبا.
(5)
وكذا لو كانت الخشبة صغيرة، أو لكزه باليد في غير مقتل، ولا في حال ضعف، ففيه الدية، لكونه لا يقتل غالبا، وإن صغر جدا، كالضربة بالقلم، أو الإصبع في غير مقتل ونحوه، أو مسه بالكبير ولم يضربه به، فلا قود ولا دية.
(6)
أي إلا إن كان ضربه بالحجر الصغير، ونحو، في مقتل، أو لكزه في مقتل، فعمد فيه القود، لأن ذلك الفعل يقتل غالبًا.
أو حال ضعف قوة من مرض، أو صغر، أو كبر، أو حر أو برد ونحوه (1) أو يعيده به (2)(أو يلقي عليه حائطا) أو سقفا ونحوهما (3)(أو يلقيه من شاهق) فيموت (4) الثالثة أن يلقيه بجحر أسد، أو نحوه (5) أو مكتوفا بحضرته (6) أو مضيق بحضرة حية (7) .
(1) أي إلا إن كان ضربه بالحجر الصغير، ونحوه، في حال ضعف قوة المجني عليه، ومن مرض أو صغر، أو كبر، أو حر مفرط، أو برد شديد ونحوه كإعياء فمات، ففيه القود، لأن ذلك الفعل يقتل غالبا.
(2)
أي أو يعيد الضرب بما لا يقتل غالبا، كالعصا، والحجر الصغير، حتى يموت، فعمد فيه القود.
(3)
كصخرة أو خشبة عظيمة فيموت، فعمد فيه القود، وإن لم يلقه عليه أحد فهدر.
(4)
ففيه القود لأنه يقتل غالبا، وإن قال: لم أقصد قتله، لم يصدق، لأنه خلاف الظاهر.
(5)
كنمر، وعبر بعضهم بزبية أسد، وهي حفرة يصاد فيها الأسد وغيره، فيفعل به الأسد ونحوه ما يقتل مثله، فعليه القود، لأنه إذا تعمد الإلقاء فقد تعمد قتله بما يقتل غالبا، وإن فعل به فعلا لو فعله الآدمي لم يكن عمدا فلا قود لأن السبع صار آلة للآدمي فكان فعله كفعله.
(6)
أي أو يلقيه مكتوفا بحضرة أسد ونحوه فيقتله، لأن الأسد يأخذ الآدمي المطلق فكيف بالمكتوف.
(7)
أي أو يلقيه في مضيق بحضرة حية، فنهشته فمات، لأنها تمنع عن نفسها بالنهش عادة.
أو ينهشه كلبا أو حية (1) أو يلسعه عقربا من القواتل غالبا (2) الرابعة ما أشار إليها بقوله (أو) يلقيه (في نار أو ماء يغرقه، ولا يمكنه التخلص منهما) لعجزه أو كثرتهما (3) فإن أمكنه فهدر (4) الخامسة: ذكرها بقوله (أو يخنقه) بحبل أو غيره (5) .
(1) ينهشه بالمعجمة والمهملة كلبا أو سبعا، وهو الحيوان المفترس، أو ينهشه حية من القواتل فمات.
(2)
أي أو يلسعه بضم أوله، عقربا من العقارب القواتل غالبا فيموت، فعليه القود، لأن ما ذكر مما يقتل غالبا، فكان عمدا محضا، وإن كان ما ذكر من إنهاش الكلب، أو الحية ونحو ذلك، لا يقتل غالبا كثعبان الحجاز، أو سبع صغير، أو كلب صغير، أو كتفه وألقاه في أرض غير مسبعة، فأكله سبع، أو نهشته حية فمات، فشبه عمد، يضمنه بالدية على عاقلته.
(3)
أي يلقيه في ماء يغرقه، أو نار تحرقه، ولا يمكنه التخلص من الماء والنار، لعجزه عن التخلص منهما، لمرض أو ضعف أو صغر، أو لكثرتهما أو لكونه مربوطا، أو منعه الخروج كونه في حفرة لا يقدر على الصعود منها ونحو ذلك فمات فعمد وكذا لو حبسه في بيت وأوقد فيه نارا، وسد المنافذ حتى ضاق به النفس، أو دفنه حيا ونحو ذلك فعمد.
(4)
أي فإن أمكنه التخلص من الماء، ولبث فيه اختيارا حتى مات فهدر، أو أمكنه التخلص من النار، ولبث فيها حتى مات فلا قود.
(5)
في عنقه ثم يعلقه فيموت في الحال، أو بعد زمن، كما يفعل بنحو اللصوص أو وهو على الأرض أو يخنقه بيديه أو غير ذلك، مما يمنع خروج نفسه، أو شيء يضعه على فيه وأنفه فيموت.
أو يسد فمه وأنفه (1) أو يعصر خصيتيه زمنا يموت في مثله (2) السادسة: أشار إليها بقوله (أو يحبسه ويمنع عنه الطعام أو الشراب، فيموت من ذلك في مدة يموت فيها غالبا) بشرط تعذر الطلب عليه (3) وإلا فهدر (4) السابعة ما أشار إليها بقوله (أو يقتله بسحر) يقتل غالبا (5) .
(1) زمنا يموت في مثله عادة فيموت، أو يغمه بوسادة.
(2)
أي يعصر خصيتيه عصرا يقتله غالبا، فمات في مدة يموت في مثلها غالبا فعمد، لأنه يقتل غالبا، فيقتل به في نحو تلك الصور، وإن كان في مدة لا يموت مثله فيها غالبا فشبه عمد، إلا أن يكون يسيرا إلى غاية، بحيث لا يتوهم الموت فيه فمات فهدر.
(3)
فعليه القود، وكذا لو منعه الدفاء، في الشتاء ولياليه الباردة حتى مات، لأن هذا يقتل غالبا، وهذا يختلف باختلاف الناس، والزمان، والأحوال فإذا عطشه في شدة الحر مات في الزمن القليل، وإن كان ريان والزمن بارد أو معتدل، لم يمت إلا في زمن طويل، فيعتبر هذا فيه.
(4)
أي وإن لم يتعذر عليه الطلب، وتركه حتى مات فهدر، لأنه المهلك لنفسه، وإن كان منعه الطعام أو الشراب، أو التدفئة في مدة لا يموت فيها غالبا فعمد الخطأ وكذا إن شككنا لم يجب القود، ومن أخذ طعام إنسان أو شرابه في برية، وكان لا يقدر فيه على طعام وشراب، أو أخذ دابته فهلك بذلك، أو هلكت دابته فعليه ضمان ما تلف.
(5)
فهو عمد إذا كان الساحر يعلم ذلك أشبه ما لو قتله بمحدد، وإن
قال: لم أعلمه قاتلا، لم يقبل قوله، فهو كسم حكما، وإذا وجب قتله بالمسحر وقتل، كان قتله به حدا، قاله ابن البناء، وصححه في الإنصاف، وقدم الموفق وغيره، يقتل قصاصا، لتقديم حق الآدمي، وتجب دية المقتول في تركة الساحر.
وأما المعيان الذي يقتل بعينه، فقال ابن نصر الله: ينبغي أن يلحق بالساحر، الذي يقتل بسحره غالبا، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها، ويفعله باختياره وجب به القصاص لأنه فعل به ما يقتل غالبا، وإن فعله بغير قصد الجناية، فيتوجه أنه خطأ، وقال ابن القيم: إن كان ذلك بغير اختياره، بل غلب على نفسه، لم يقتص منه، وعليه الدية، وإن عمد ذلك، وقدر على رده، وعلم أنه يقتل به، ساغ للوالي أن يقتله، بمثل ما قتل به، فيعينه إن شاء، كما أعان هو المقتول، وأما قتله بالسيف فلا، لأنه غير مماثل للجناية.
قال: وسألت شيخنا عن القتل بالحال، هل يوجب القصاص؟ فقال: للولي أن يقتله بالحال، كما قتل به، وقال: في الولي والصوفي إذا قتلا معصوما، بحالهما المحرمة المكروهة لا المباحة ونحوها، المبيحين لذلك، كحال غيبوبة عن إدراك أحوال الدنيا، فعليهما القود، بمثل حالهما، القاتل له منها كهما من مثلهما، كقتل العائن بعين مثله، بخلاف الساحر، فبالسيف لكفره به في مفصل عنقه، فإن لم يوجد عائن، ولا صوفي كذلك، فهل يحبسان حتى يموتا، كالممسك أو يوجد مثلهما احتمالات، ذكر نحوه في الإنصاف.
الثامنة: المذكورة في قوله (أو) يقتله بـ (سم)(1) بأن سقاه سما لا يعلم به (2) .
(1) أي قاتل، والسم بفتح السين، عند الأكثر، وبضمها وكسرها قيل عامية.
(2)
فمات فعليه القود، إن كان ذلك السم، مثله يقتل غالبا.
أو يخلطه بطعام ويطعمه له (1) أو بطعام أكله فيأكله جهلا (2) ومتى ادعى قاتل بسم، أو بسحر عدم علمه أنه قاتل لم يقبل (3) .
التاسعة: المشار إليها بقوله: (أو شهدت عليه بينة بما يوجب قتله) من زنا أو ردة لا تقبل معها التوبة (4) أو قتل عمد (ثم رجعوا) أي الشهود بعد قتله.
(وقالوا: عمدنا قتله) فيقاد بهذا كله (5) .
(1) فمات، فعليه القود، إن كان مثله يقتل غالبا.
(2)
أي أو يخلط السم بطعام أكله، فيأكله جهلا فمات، فقود، لأن اليهودية التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، وبشر بن البراء فمات، فاعترفت بخلطها بالسم، فقتلها رواه أبو داود وغيره، وإن علم آكل السم، أو شاربه ونحوه، وهو بالغ عاقل، فلا ضمان، وإن خلطه بطعام نفسه، فأكله إنسان بغير إذنه فلا ضمان.
(3)
لأن السم يقتل غالبا، كما لو جرحه، وقال: لم أعلم أنه يموت، وإن كان ما سقاه له، أو أطعمه ونحوه، لا يقتل غالبا، فشبه عمد.
(4)
كأن شهد اثنان فأكثر على ردة شخص، حيث امتنعت التوبة، هذا المذهب ونظره في الاختيارات بأن المرتد إنما يقتل، إذا لم يتب، فيمكن المشهود عليه التوبة، كما يمكنه التخلص إذا ألقي في النار، ولعل المراد، بأن ارتد بسب الله ورسوله، ونحو ذلك، بخلاف ما تقبل فيه التوبة، إذ يمكنه دفعها بالتوبة، وكأن يشهد عليه أربعة فأكثر بزنا محصن، ونحو ذلك مما يوجب القتل، فيقتل بشهادتين.
(5)
أي برجوع شهود ما يوجب قتله، من زنا أو ردة، أو قتل عمد أو
يقول الحاكم: علمت كذبهما، وعمدت قتله، أو يقول ذلك الولي، فكل ذلك عمد محض، موجب للقصاص، إذا كملت شروطه، وهو مذهب الشافعي، لقول علي لرجلين شهدا على رجل أنه سرق، فقطعه، ثم رجعا، فقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما وغرمهما دية يده، وعمدنا بفتح الميم كقصدنا.
(ونحو ذلك)(1) لأنهم توصلوا إلى قتله بما يقتل غالبا (2) ويختص بالقصاص مباشر للقتل، عالم بأنه ظلم (3) ثم ولي عالم بذلك (4) فبينه وحاكم علموا ذلك (5) .
(1) أي مما يوجب القتل، فقتل بذلك، ثم ندم ورجع، واعترف بتعمد ما يوجب القتل، فعليه القصاص.
(2)
أي لأن من تقدم ذكرهم، توصلوا إلى قتل ذلك الشخص، بما يقتل غالبا فوجب القصاص، عند جمهور العلماء.
(3)
وتعمد القتل ظلما، فاختص لمباشرته القتل عمدا ظلما بلا إكراه، واختار الشيخ: أن الدال على المقتول ليقتل ظلما، يلزمه القود إن تعمد وعلم الحال، ولعل المراد إذا تعذر تضمين المباشر، وإلا فهو الأصل، وإن لم يتعمد الدال فعليه الدية، واختار أن الآمر بالقتل بغير حق، لا يرث من المقتول شيئا، لأن له تسببا في القتل.
(4)
أي ثم يختص بالقصاص، ولي عالم بأن قتله ظلم، لأنه باشر القتل عمدا عدوانا، وإن وكل فباشر وكيله عالما، فعليه القصاص، وإلا فعلى الوالي.
(5)
أي فتختص بينة شهدت بقتله، واعترفت بأنه ظلم، وحاكم علم كذبهما وحكم بقتله، لتسبب الجميع في القتل ظلما، حيث علموا ذلك، ونص ابن عقيل في مناظرته، أن الحاكم لا قصاص عليه.
(وشبه العمد أن يقصد جناية لا تقتل غالبا، ولم يجرحه بها (1) كمن ضربه في غير مقتل، بسوط أو عصى صغيرة) ونحوها (2)(أو لكزه ونحوه) بيده (3) أو ألقاه في ماء قليل (4) أو صاح بعاقل اغتفله (5) أو بصغير على سطح فمات (6) .
(1) أي والضرب الثاني: شبه العمد، ويسمى خطأ العمد، وعمد الخطأ وذلك أن يقصد جناية إما لقصد العدوان عليه، أو قصد التأديب له، فيسرف فيه بما لا يقتل غالبا، ولم يجرحه بها فيقتله، قصد قتله أو لم يقصده، سمي بذلك لأنه قصد الفعل، وأخطأ في القتل، قال ابن رشد: من قصد ضرب رجل بعينه بآلة لا تقتل غالبا، كان حكمه مترددا بين العمد والخطأ فشبهه للعمد من جهة قصد ضربه، وشبهه للخطأ من جهة ضربه بما لا يقصد به القتل.
(2)
كحجر صغير، إلا أن يصغر جدا، كقلم وإصبع، في غير مقتل، أو يمسه بالكبير بلا ضرب، فلا قصاص ولا دية.
(3)
أي أو لكز شخصا بيده، في غير مقتل، أو لكمه في غير مقتل فمات.
(4)
فمات أو سحره بما لا يقتل غالبا فمات، وكذا سائر ما لا يقتل غالبا.
(5)
فمات، وإن لم يغتفله فلا شيء عليه.
(6)
أو ذهب عقله، أو صاح بمعتوه فمات، فشبه عمد، تجب في كل من تلك الأمثلة ونحوها الكفارة، في مال الجاني، للآية والدية على عاقلته للآية أيضا، وخبر الهذليتين المتفق عليه، وهو مذهب جماهير أهل العلم، ولأبي داود وغيره: عقل شبه العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه.
(و) قتل (الخطأ: أن يفعل ما له فعله (1) مثل أن يرمي ما يظنه صيدا أو) يري (غرضا (2) أو) يرمي (شخصا) مباح الدم، كحربي، وزان محصن (فيصيب آدميا) معصوما (لم يقصده) بالقتل فيقتله (3) وكذا لو أراد قطع لحم أو غيره مما له فعله، فسقطت منه السكين على إنسان فقتله (4) .
(و) كذا (عمد الصبي والمجنون) لأنه لا قصد لهما، فهما كالمكلف المخطئ (5) .
(1) أي والضرب الثالث: قتل الخطأ؛ وهو نوعان، أحدهما: أن يفعل ماله فعله، فيؤول إلى إتلاف إنسان معصوم.
(2)
فيقتل إنسان معصوم الدم، فعليه الكفارة، والدفع على العاقلة، قال الموفق: بغير خلاف نعلمه، وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، أن القتل الخطأ أن يرمي الرامي شيئا فيصيب غيره، لا أعلمهم يختلفون فيه؛ وقال صلى الله عليه وسلم «عفي عن أمتي الخطأ والنسيان» .
(3)
وفي الإقناع: أو شخصا، ولو معصوما أو بهيمة، ولو محترمة، فيصيب آدميا معصوما، لم يقصده بالفعل، فهو خطأ وقدمه الموفق وغيره، وهو مفهوم المنتهى، كما هو مفهوم قوله: أن يفعل ماله فعله، وقوله: أن يرمى شخصا مباح الدم، فإنه إذا فعل ما ليس له فعله، أو غير معصوم الدم كأن رمي شخصا معصوما أو بهيمة محترمة، فعمد نص عليه، وما مشي عليه الموفق والمجد أظهر، لأنه لم يقصده بالفعل، والله أعلم.
(4)
فعليه الكفارة، وعلى عاقتله الدية، لما تقدم.
(5)
في الحكم بخلاف السكران، اختيارا على القول به وتقدم واتفقوا
على أن القاتل الذي يقاد منه يشترط فيه باتفاق أن يكون عاقلا بالغا، مختارا للقتل فخرج ما تقدم، وفي الإنصاف: أما الصبي والمجنون، فلا قصاص عليهما، بلا نزاع، وأما إن قتله وهو عاقل ثم جن، لم يسقط عنه، سواء ثبت ذلك ببينة أو إقرار، ويقتص منه في حال جنونه.
فالكفارة في ذلك في مال القاتل، والدية على عاقلته، كما يأتي (1) ويصدق إن قال: كنت يوم قتلته صغيرا أو مجنونا وأمكن (2) ومن قتل بصف كفار من ظنه حربيا فبان مسلما (3) أو رمى كفارا تترسوا بمسلم، وخيف علينا إن لم نرمهم ولم يقصده فقتله، فعليه الكفارة فقط لقوله تعالى:{فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ولم يذكر الدية (4) .
(1) في باب الديات قريبا، موضحا، إن شاء الله تعالى، والفرق بين هذين: أن الدية مغلظة في شبه العمد، مخففة في الخطأ والفاعل آثم في شبه العمد، غير آثم في الخطأ، فافترقا لذلك، وإن كانا اشتركا في وجوب الكفارة، في مال الجاني، ووجوب الدية على العاقلة.
(2)
وذلك بأن احتمل أن يكون القتل حال صغره، أو عهد له حال جنون.
(3)
وجبت الكفارة فقط، للآية.
(4)
وترك ذكرها في هذا القسم، مع ذكرها في الذي قبله، والذي بعده، ظاهر في أنها غير واجبة، وهذا ظاهر المذهب، وعنه: تجب، وهو قول مالك
والشافعي لقوله: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا} ولأنه قتل مسلما خطأ فوجبت ديته.
قال الشيخ: هذا في المسلم الذي هو بين الكفار معذور، كالأسير والمسلم، الذي لا تمكنه الهجرة، والخروج من صفهم، فأما الذي يقف في صف قتالهم باختياره، فلا يضمن بحال، لأنه الذي عرض نفسه للتلف بلا عذر.
............................................................
فصل (1)
(تقتل الجماعة) أي الاثنان فأكثر (بـ) الشخص (الواحد) إن صلح فعل كل واحد لقتله (2) .
(1) أي في حكم القصاص من المشتركين في القتل، ومن المنفرد به، أو المتسبب أو الممسك لغيره، وغير ذلك، وحكمة القصاص زجر النفوس عن العدوان، وشفاء غيظ المجني عليه، وحفظ النفوس والأطراف وطهرة للمقتول، وعدل بين القاتل والمقتول، وحياة للنوع الإنساني.
قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} أي ولكم في هذا الجنس من الحكم، الذي هو القصاص، حياة عظيمة. لمنعه عما كانوا عليه، من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا، أو نوع من الحياة، وهو الحاصل للمقتول والقاتل بالارتداع عن القتل، للعلم بالاقتصاص، فإن الإنسان إذا هم بالقتل، تذكر الاقتصاص فارتدع، فسلم صاحبه من القتل وهو من القود، فيسبب لحياة نفسين، ومن المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين، لا تتم إلا بمؤلم يردعهم، ويجعل الجاني نكالا، وعظة لمن يريد أن يفعل مثل فعله، فلولا القصاص لفسد العالم، وأهلك الناس بعضهم بعضا، ابتداء واستيفاء.
وقالت العرب: في جاهليتها القتل أنفى للقتل، وبسفك الدماء تحقن الدماء، والمقصود الزجر والنكال، والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحا، وأن يذكر ذلك بعقوبة الآخر إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.
(2)
وعبارة الموفق: إذا كان فعل كل واحد منهم، لو انفرد أوجب القصاص
عليه واشتراط الفقهاء المباشرة للقتل من الجميع، وأن يكون فعل كل واحد يصلح للقتل، حملا منهم قول عمر الآتي على التعاون فقط، لا على التشاور، وقال غير واحد وإن تفاضلت الجراحات، حيث كان لها دخل في الزهوق، وفي الفروع: ظاهر كلامهم أن المريض الذي لا يرجى برؤه، كصحيح في الجناية منه وعليه، واعتبار كلامه، إلا أن يختل عقله، فلا اعتبار لكلامه كصحيح.
لإجماع الصحابة (1) وروى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة من أهل صنعاء قتلوا رجلا وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلهم به جميعًا (2) .
(1) حكاه الموفق وغيره، وذلك أنه ثبت عن جماعة منهم، ولم يعلم لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعا، وقال ابن القيم: اتفق الصحابة وعامة الفقهاء، على قتل الجميع بالواحد، وإن كان أصل القصاص يمنع ذلك، لئلا يكون عدم القصاص، ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء.
(2)
وروي عن علي أنه قتل ثلاثة قتلوا رجلا، وعن المغيرة أنه قتل سبعة بواحد، وعن ابن عباس أنه قتل جماعة بواحد، ولم يعلم لهم مخالف، وهو مذهب مالك والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي وأحمد: تقطع الأيدي باليد، ولأنها عقوبة تجب للواحد على الواحد، فوجبت للواحد على الجماعة، ولأن القصاص لو سقط بالاشتراك أدى إلى التسارع إلى القتل به، فيؤدي إلى إسقاط حكم الردع والزجر.
قال ابن رشد: فإن مفهومه أن القتل إنما شرع لنفي القتل، كما نبه عليه القرآن فلو لم تقتل الجماعة بالواحد، لتذرع الناس إلى القتل، بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة، ولأن التشفي والزجر لا يحصل إلا بقتل الكل.
وإن لم يصلح فعل كل واحد للقتل فلا قصاص (1) ما لم يتواطؤوا عليه (2) .
(وإن سقط القود) بالعفو عن القاتلين (أدوا دية واحدة)(3) لأن القتل واحد فلا يلزم به أكثر من دية كما لو قتلوه خطأ (4) وإن جرح واحد جرحا وآخر مائة فهما سواء (5) .
(1) أي وإن لم يصلح فعل كل واحد من الجماعة للقتل، كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير، فمات بمجموع الضربات فلا قصاص عليهم، لأنه لم يحصل من أحدهم ما يوجب القود.
(2)
أي على ذلك الفعل ليقتلوه به، كأن قالوا: نقتله بما لا يقتل غالبا، فإن قصدوا إسقاط القصاص، فضرب كل واحد منهم بما لا يقتل غالبا، فمات بمجموع تلك الضربات، فعليهم القصاص، لما تقدم من قول عمر وغيره، وجزم به البغوي وغيره، لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص، وتفويت حكمة الردع والزجر عن القتل، وإن لم يصلح فعل أحدهم، كأن يضربه بعضهم بعصا ونحوها، مما لا يقتل غالبا، وبعضهم بما يقتل، فالقصاص على الثاني دون الأول.
(3)
وإن بذلوا أكثر.
(4)
فإنه لا يجب إلا دية واحدة، بلا نزاع.
(5)
في القصاص أو الدية، وفي الإنصاف: بلا نزاع لصلاحية كل واحد منهما للقتل لو انفرد، وزهوق نفسه حصل بفعل كل منهما، والزهوق، لا يتبعض ليقسم على الفعل، وكذا لو أوضحه أحدهما، وشجه الآخر أو أمه، أو جرحه أحدهما وأجافه الآخر، فمات فهما سواء في القصاص أو الدية.
وإن قطع واحد حشوته، أو ودجيه ثم ذبحه آخر فالقاتل الأول ويعزر الثاني (1)(ومن أكره مكلفا على قتل) معين (مكافئه (2) فقتله فالقتل) أي القود إن لم يعف وليه (3)(أو الدية) إن عفا (عليهما) أي على القاتل ومن أكره (4) لأن القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكره تسبب إلى القتل بما يفضي إليه غالبا (5) .
(1) لأنه حينئذ في حكم المقتول بقطع حشوته، أي أمعائه وإبانتها بما لا يعيش معه، كما اعتبره الخرقي، أو ودجيه، أي العرقين في العنق، ويعزر الثاني، يعني الذابح له، لأنه كجان على ميت، ولا يضمنه ولو كان عبدا، فالتصرف فيه كميت، وإن شق الأول بطنه، أو قطع يده، ثم ضرب الثاني عنقه، فالثاني هو القاتل، لأنه المفوت النفس، فعليه القصاص في النفس، أو الدية إن عفي عنه، لأنه لم يخرج بجرح الأول من حكم الحياة، وعلى الأول ضمان ما أتلف بالقصاص، أو الدية، وفي الإنصاف، لو خرق حشوته ولم يبنها، ثم ضرب آخر عنقه فصوب أنهما قاتلان.
(2)
في الدين، والحرية والرق.
(3)
على المكره والمكره، هذا المذهب، جزم به وقدمه غير واحد، لأن المكره تسبب إلى قتله، والمكره قتله ظلما.
(4)
كالشريكين، ولا يقال المكره ملجأ، لأنه يتمكن من الامتناع ولهذا يأثم قال الشيخ: عليهما جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك، والشافعي في أحد قوله.
(5)
فوجب عليه القصاص، كما لو أنهشه حية، وأما المأمور فقاتل، كما لو لم يؤمر، وإن كان غير معين، كأحد هذين فليس إكراها، فإن قتل أحدهما قتل به.
وقول قادر: اقتل نفسك وإلا قتلتك إكراه (1)(وإن أمر) مكلف (بالقتل غير مكلف) كصغير أو مجنون، فالقصاص على الآمر (2) لأن المأمور آلة له لا يمكن إيجاب القصاص عليه، فوجب على المتسبب به (3)(أو) أمر مكلف بالقتل (مكلفا يجهل تحريمه) أي تحريم القتل، كمن نشأ بغير بلاد الإسلام (4) ولو عبدا للآمر فالقصاص على الآمر لما تقدم (5)(أو أمر به) أي بالقتل (السلطان ظلما، من لا يعرف ظلمه فيه) أي في القتل، بأن لم يعرف المأمور أن المقتول لم يستحق القتل (فقتل) المأمور (فالقود) إن لم يعف مسحقه (6) .
(1) أي على القتل فيقتل به، أو قتل نفسه، كما لو أكره عليه غيره فيقتل به.
(2)
هذا المذهب وعليه الأصحاب.
(3)
ولأن حكمة القصاص الزجر والردع، ولا يحصل ذلك لهما، لعدم التصور.
(4)
فقتل، لزم الآمر القصاص، لاعتقاد المأمور إباحة القتل، وذلك شبهة تمنع القصاص، كما لو اعتقده صيدا، فرماه فقتل إنسانا، ولأن القاتل هنا كالآلة، كما تقدم.
(5)
أي لو كان المأمور عبدا للآمر يجهل التحريم، فالقصاص على الآمر، لما تقدم من قوله لأن المأمور آلة لا يمكن إيجاب القصاص عليه، فوجب على المتسبب.
(6)
على الآمر بالقتل دون المباشر، لعذر المأمور، لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية.
(أو الدية) إن عفا عنه (على الآمر) بالقتل دون المباشر (1) لأنه معذور، لوجوب طاعة الإمام في غير المعصية (2) والظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بالحق (3) .
(وإن قتل المأمور) من السلطان أو غيره (المكلف) حال كونه (عالما تحريم القتل فالضمان عليه) بالقود أو الدية (4) .
(1) ظاهره: سواء علم المأمور تحريم القتل من حيث هو أم لا، حيث لم يعلم أن القتل بغير حق، كما في الإقناع.
(2)
لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «وقوله إلا أن يأمر بمعصية» .
(3)
وظاهر المنتهى: أن المأمور إذا علم التحريم فعليه القصاص، سواء كان الآمر سلطانا أو غيره، وقال بعضهم: معنى علم التحريم مختلف، ففي مسألة غير السلطان، علمه بالتحريم أن يعلم أن القتل من حيث هو محرم، وفي مسألة السلطان أن يعلم أن قتل ذلك الشخص، الذي أمر بقتله، محرم، بغير حق، ويدل عليه ما عبروا به.
وقال الشيخ: هذا بناء على جوب طاعة السلطان، وفيه نظر، بل لا يطاع حتى يعلم جواز قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفا بالظلم، فهنا الجهل بالحرمة، كالعلم بالحرمة، وقياس المذهب، أنه إن كان المأمور ممن يطيعه غالبا في ذلك، أنه يجب القتل عليهما، وهو أولى من الحاكم والشهود فإنه سبب يقتضى غالبا، بل هو أقوى من المكره.
(4)
وكذا قال مالك والشافعي وجماعة: القتل على المباشر دون الآمر، ويعاقب الآمر، وذلك ما لم يكن هناك إكراه، ولا سلطان للآمر مع المأمور
ففيه خلاف، فقال الموفق وغيره: إن أمر كبيرا عاقلا عالما بتحريم القتل، فقتل فالقصاص على القاتل، لا نعلم فيه خلافا، وإن أمر السلطان عالما بتحريم القتل، فالضمان عليه بالقود، أو الدية عند الجمهور.
لمباشرته القتل مع عدم العذر، لقوله عليه الصلاة والسلام «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (1) .
(دون الآمر) بالقتل فلا ضمان عليه (2) لكن يؤدب بما يراه الإمام من ضرب أو حبس (3) ومن دفع إلى غير مكلف آلة قتل ولم يأمره به فقتل، لم يلزم الدافع شيء (4) .
(1) فإذا قتل من أمره السلطان بقتله، مع علمه بتحريم قتله، فقد أطاع السلطان، وعصى الله عز وجل، بقتل مسلم، وعد الله على قتله بالنار، وغضبه ولعنته، نعوذ بالله من موجبات غضبه.
(2)
لعدم مباشرته القتل، ولأن غير السلطان لو أمره بذلك، كان القصاص على المباشر، علم أو لم يعلم، فالسلطان أولى بعدم الضمان، وتقدم كلام الشيخ رحمه الله.
(3)
لارتكابه معصية، ولينكف عن العود.
(4)
لأنه ليس بآمر، ولا مباشر، وإن دل فقال الشيخ: يلزم الدال القود، إن تعمد، وإلا الدية، وأن الآمر لا يرث، ويقال: الفرق بين دفع آلة القتل، وآلة الصيد، أن آلة الصيد لا ينتفع بها في غيره غالبا، فالدفع كالتصريح بالأمر بالصيد بخلاف آلة القتل، فإنه قد ينتفع بها في غيره عادة، لقطع شجر، أو ذبح شاة، فلم يكن الدفع كالتصريح بالأمر، فافترقا، من أجل ذلك، ومن أمسك إنسانا لآخر حتى قتله، قتل قاتل وحبس ممسك، حتى يموت، وشرط الموفق أن يعلم أنه يقتله، لأنه فعل به فعلا أوجب الموت، كما لو حبسه عن الطعام والشراب حتى مات.
(وإن اشترك فيه) أي في القتل (اثنان لا يجب القود على أحدهما) لو كان (منفردا لأبوة) للمقتول (أو غيرها)(1) من إسلام أو حرية (2) كما لو اشترك أب وأجنبي في قتل ولده، أو حر ورقيق في قتل رقيق، أو مسلم، وكافر في قتل كافر (فالقود على الشريك) للأب في قتل ولده (3) وعلى شريك الحر والمسلم، لأنه شارك في القتل العمد العدوان، وإنما امتنع القصاص عن الأب والحر والمسلم لمعنى يختص بهم، لا لقصور في السبب (4) .
(1) مما فصله وغيره، وبيان ما أجمله الماتن.
(2)
أو خاطئ وعامد، أو مكلف وغير مكلف، أو ولي قصاص، وأجنبي، أو مكلف وسبع، أو مكلف ومقتول اشتركا في قتل نفسه، وغير ذلك مما لا يجب القود على أحدهما.
(3)
لمشاركته في القتل العمد العدوان، فيمن يقتل به لو انفرد، فوجب عليه القصاص، وهو مذهب مالك والشافعي.
(4)
الموجب فلم يمنع عمله في المحل الذي لا مانع فيه، فأما امتناعه عن الأب، فلما خصه الله به، وعن المسلم لإسلامه، وعن الحر لحريته وانتفاء مكافأة المقتول له، وهذا المعنى لا يتعدى إلى فعل شريكه، فلم يسقط القصاص عنه.
بخلاف ما لو اشترك خاطئ وعامد (1) أو مكلف وغيره (2) أو ولي قصاص وأجنبي (3) أو مكلف وسبع (4) أو مقتول في قتل نفسه فلا قصاص (5) .
(فإن عدل) ولي القصاص (إلى طلب المال) من شريك الأب ونحوه (لزمه نصف الدية) كالشريك في إتلاف مال (6) وعلى شريك قن نصف قيمة المقتول (7) .
(1) أي اشتركا في قتل أو قطع فلا قصاص، قال الموفق: في قول أكثر أهل العلم، لأنه لم يتمحض عمدا، فلم يجب به القصاص.
(2)
أي غير مكلف في قتل أو قطع، فلا قصاص، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
(3)
لا حق في القصاص، شارك في قتل من وجب عليه القود، فلا قصاص.
(4)
كأن يجرحه أسد أو نمر فلا قصاص، لأنه شارك من لا قصاص عليه، فلم يلزمه القصاص، كشريك الخاطئ.
(5)
كأن جرحه إنسان، ثم جرح هو نفسه عمدا، فلا قصاص فيما تقدم، من قوله:«بخلاف ما لو اشترك خاطئ» إلى آخره، قال أبو حنيفة: لأنها شبهة، والقتل لا يتبعض، وقال مالك والشافعي، على العامد القصاص، وعلى المخطئ والصبي ونحوهما نصف الدية، لكن قال ابن رشد: فيه ضعف في القياس.
(6)
أي كما يلزم الشريك في إتلاف المال قسط ما أتلفه، وعلى شريك الذمي، وشريك الخاطئ، وشريك السبع نصف الدية.
(7)
إذا كان قنا، لأنه شارك في إتلافه، فكان عليه قسطه، فعلى كل من الحر والقن نصف دية القن.