المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب حد قطاع الطريق - حاشية الروض المربع لابن قاسم - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الظهار

- ‌التوأمان المنفيان أخوان لأم

-

- ‌كتاب العدد

- ‌من انقضت عدتها قبل موته

- ‌باب الاستبراء

- ‌كتاب الرضاع

-

- ‌كتاب النفقات

- ‌باب نفقة الأقاربوالمماليك من الآدميين والبهائم

-

- ‌كتاب الجنايات

- ‌بابشروط وجوب القصاص

- ‌باب استيفاء القصاص

- ‌باب العفو عن القصاص

- ‌باب ما يوجب القصاص فيما دون النفسمن الأطراف والجراح

- ‌ القصاص فيما دون النفس (نوعان

-

- ‌كتاب الديات

- ‌باب ديات الأعضاء ومنافعها

- ‌فصل في دية المنافع

- ‌باب الشجاج وكسر العظام

- ‌باب العاقلة وما تحمله

- ‌فصل في كفارة القتل

- ‌باب القسامة

-

- ‌كتاب الحدود

- ‌باب حد الزنا

- ‌باب حد القذف

- ‌باب حد المسكر

- ‌باب التعزير

- ‌باب القطع في السرقة

- ‌باب حد قطاع الطريق

- ‌باب قتال أهل البغي

- ‌باب حكم المرتد

-

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌باب الصيد

-

- ‌فصل في كفارة اليمين

- ‌باب جامع الأيمان المحلوف بها

- ‌باب النذر

-

- ‌باب آداب القاضي

- ‌باب طريق الحكم وصفته

- ‌لا يحكم) القاضي (بعلمه)

- ‌باب القسمة

- ‌باب الدعاوي والبينات

-

- ‌كتاب الشهادات

- ‌باب موانع الشهادة وعدد الشهودوغير ذلك

- ‌فصل في عدد الشهود

- ‌كتاب الإقرار

- ‌فصل في الإقرار بالمجمل

- ‌نبذة مختصرة عن مؤلفي هذا الكتاب، وتاريخ وموضوع كل مجلد، والإشراف على الطبع

الفصل: ‌باب حد قطاع الطريق

‌باب حد قطاع الطريق

(1)

(وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح) ولو عصا أو حجرا (2)(في الصحراء أو البنيان) أو البحر (3) .

(1) وعبر بعضهم بالمحاربين، والأصل في حكمهم: الكتاب والسنة، والإجماع في الجملة.

(2)

أي وقطاع الطريق المكلفون، الملتزمون من المسلمين، وأهل الذمة، الذين يعرضون للناس مجاهرة بالسلاح، الذي يأتي على النفس والطرف، ولو كان السلاح عصا أو حجرا، قال الشيخ: أو المقذوفة بالأيدي، والمقاليع ونحوها فالصواب ما عليه جماهير المسلمين، على أن من قاتل على أخذ الأموال، بأي نوع من أنواع القتال، فهو حربي، وأما إذا كان يقتل سرا، لأخذ المال، أو يدعو إلى منزله، لخياطه أو طب ونحوه، فيقتله ويأخذ ماله، فذكر قولين للفقهاء أحدهما أنهم كالمحاربين، وأنه أشبه بأصول الشريعة.

(3)

لعموم آية المحاربين واختاره الشيخ، وهو قول مالك في المشهور عنه، والشافعي وأكثر الأصحاب، وقال القاضي: المذهب على ما قال أبو بكر، في عدم التفرقة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، أما في الصحراء فقال الوزير وغيره: اتفقوا على أن من أبرزوا شهر السلاح، مخيفا للسبيل خارج المصر بحيث لا يدركه الغوث، فإنه محارب قاطع طريق، جارية عليه أحكام المحاربين

قال شيخ الإسلام: ولو شهروا السلاح في البنيان، أو الصحراء فواحد، وهو قول مالك والمشهور عند الشافعية، وأكثر أصحاب أبي حنيفة، بل هم في البنيان أحق بالعقوبة منهم في الصحراء، لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة لا محل تقاتل الناس وتعاديهم، وإقدامهم عليه، يقتضي شدة المحاربة والمغالبة لأنهم يسلبون الرجل في داره جميع ماله، وذكر أن هذا القول هو الصواب.

ص: 377

(فيغصبونهم المال) المحترم (مجاهرة لا سرقة)(1) ويعتبر ثبوته ببينة، أو إقرار مرتين (2) والحرز ونصاب السرقة (3) (فمن) أي: فأي مكلف ملتزم، ولو أنثى أو رقيقا (منهم) أي من قطاع الطريق (قتل مكافئا) له (4)(أو غيره) أي غير مكافئ (كالولد) يقتله أبوه (5) .

(1) فخرج بذلك من يعرض لنحو صيد، أو يعرض للناس بلا سلاح، لأنهم لا يمنعون من قصدهم، وخرج من يغصب نحو كلب، أو سرجين نجس، أو مال حربي ونحوه، ومن يأخذ خفية، لأنه سارق، وأما المحارب، فيعتصم بالقتال دون الخفية.

(2)

كالسرقة، فيشترط لوجوب حد المحاربة، ثلاثة شروط، هذا أحدها.

(3)

أي: والشرط الثاني: الحرز بأن يأخذ من يد مستحقه، وهو بالقافلة، والثالث: النصاب الذي يقطع به السارق، فلو وجد المال مطروحا، أو أخذه من سارقه أو غاصبه، أو منفردا عن قافلة لم يكن محاربا أو أخذ دون النصاب الذي يقطع به السارق لم يقطع.

(4)

فخرج بـ (مكلف) صبي ومجنون وبـ «ملتزم» حربي، والأنثى تقطع في السرقة فلزمها حكم المحاربة، كالرجل، وهو قول مالك والشافعي، أنه إذا كان مع الرجال، في قطع الطريق، امرأة فقتلت هي وأخذت المال، تقتل حدا، وكذا الرقيق، فأي شخص من هؤلاء قتل مكافئا له، قتل إجماعا، لوجوبه لحق الله تعالى، كالقطع في السرقة، وحكم الردء حكم المباشر، وهو قول مالك وأبي حنيفة، لأنه حكم يتعلق بالمحاربة فاستوى فيه الردء وكذا الطليع والمباشر، كاستحقاق في الغنيمة.

(5)

قتل ولم يصلب، عند الأكثر.

ص: 378

(و) كـ (العبد) يقتله الحر (و) كـ (الذمي) يقتله المسلم (1)(وأخذ المال) الذي قتله لقصده (2)(قتل) وجوبا لحق الله تعالى (3) ثم غسل وصلي عليه (4)(ثم صلب) قاتل من يقاد به في غير المحاربة (حتى يشتهر) أمره (5) ولا يقطع مع ذلك (6) .

(1) قتل وجوبا، ولم يصلب، هذا المذهب وعليه الأكثر.

(2)

أي لقصد أخذ المال، لا لعداوة بينهما، أو خصومة، ونحو ذلك من أسباب المخاصمة كما يأتي.

(3)

قال الشيخ: لا يجوز العفو عنه، بإجماع العلماء، حكاه ابن المنذر.

(4)

لأنه مسلم، ولا نزاع في تغسيله والصلاة عليه ودفنه مع المسلمين.

(5)

أي بعد تغسيله، والصلاة عليه، وقال الموفق وغيره: يقتل ثم يصلب، حتى يشتهر أمره، ثم يدفع إلى أهله، فيغسل ويصلي عليه، ثم يدفن، ومشى عليه في الإقناع، وهو ظاهر المنتهى.

(6)

أي مع القتل والصلب، لأنه لم يذكر معهما في أثر ابن عباس، والجمهور كما قال الشيخ وغيرهن أن من شرب الخمر، وزنا وسرق ووجب قتله في المحاربة أو غيرها أنه يقتل، ولا يقطع ولا يجلد، لأنها حقوق لله عز وجل، وأتى عليها القتل فغمرها، ولو قذف وقطع يدا وقتل وقطع وجلد، وقتل لأن هذه حقوق الآدميين وهي مبنية على التضييق، لعلم الله سبحانه، بما أحضرت الأنفس من الشح، ولا تتداخل، قال: من شرب الخمر وقذف لا يتداخلان.

ص: 379

(وإن قتل) المحارب (ولم يأخذ المال، قتل حتما ولم يصلب) لأنه لم يذكر في خبر ابن عباس الآتي (1) . (وإن جنوا بما يوجب قودا في الطرف) كقطع يد أو رجل ونحوهما (2)(تحتم استيفاؤه) كالنفس (3) صححه في تصحيح المحرر، وجزم به في الوجيز، وقدمه في الرعايتين وغيرهما (4) وعنه: لا يتحتم استيفاؤه (5) قال في الإنصاف: وهو المذهب: وقطع به في المنتهى، وغيره (6) .

(1) وقال الموفق وغيره: وهي الأصح، لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: ومن قتل ولم يأخذ المال قتل، ولم يذكر صلبا، ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل، تزيد على الجناية بالقتل وحده، فتكون عقوبتهم أغلظ.

(2)

مما يجري في مثله القصاص.

(3)

ولو عفا المجني عليه، لم يسقط القطع، لأن الجراح تابعه للقتل، فيثبت فيها مثل حكمه.

(4)

قال في الإنصاف: ولا يسقط تحتم القود في الطرف، إذا كان قد قتل على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب.

(5)

حزم به في الإقناع، قال الموفق: لأن الشرع لم يرد بالحد في حقه بالجراح، والقتل إنما يتحتم لأنه حد المحارب إذا كان قاتلا، فأما الطرف فإنما يستوفي هنا قصاصا لا حدا، فعليه لو عفا مقطوع طرفه ونحوه سقط القطع.

(6)

قال في التنقيح: ولا يتحتم استيفاء جناية، توجب القصاص فيما دون النفس اهـ وحكمها على ما قدمه فيما دون النفس، حكم الجناية في غير المحاربة

فإن جرح إنسانا وقتل آخر اقتص منه، للجراح ثم قتل للمحاربة حتما فيهما وعلى القول الثاني، يتحتم القصاص في النفس، وولي الجراح بالخيار، والله أعلم.

ص: 380

(وإن أخذ كل واحد) من المحاربين (من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق) من مال لا شبهة له فيه (1)(ولم يقتلوا، قطع من كل واحد، يده اليمنى، ورجله اليسرى، في مقام واحد) وجوبا (2)(وحسمتا) بالزيت المغلي (3) .

(1) بخلاف نحو: أب وسيد، ومن حرز، وهو نحو القافلة في الصحراء وما في البنيان، فتقدم ذكر الحرز فيه، في باب السرقة وعبارته، موهمة أنه لا بد أن يأخذ كل واحد من المال، قدر ما يقطع به السارق، كما هو قياس قول الشافعي، وأصحاب الرأي، ولعل كل سبق قلم فالمذهب، ولو اشتركوا في أخذ نصاب، أو ما تبلغ قيمته نصابا، ولو لم تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا، ويأتي قوله: ولا مالا يبلغ نصاب السرقة، فإنه إذا أخذ بعضهم نصاب السرقة، تحتم قطع جميعهم، ولو لم يأخذ إلا واحد منهم، وأولى من ثبوت القتل، في حق جميعهم إذا قتل بعضهم، فتحتم قطعهم، بأخذ أحدهم النصاب، أولى من تحتم قتلهم، إذا قتل بعضهم.

(2)

يبدأ بيده اليمنى، ثم برجله اليسرى، ولا ينتظر اندمال اليد في قطع الرجل، بل يقطعان معا.

(3)

يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم، ثم برجله، وتحسم كلاهما بالزيت المغلي، لينقطع الدم ويؤمن التلف، وبدئ باليد، لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي، قال الموفق: ولا خلاف في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل، إذا كانت يداه رجلاه صحيحتين.

ص: 381

(ثم خلي) سبيله (1)(فإن لم يصيبوا نفسا ولا مالا، يبلغ نصاب السرقة، نفوا بأن يشردوا) متفرقين فلا يتركون يأوون إلى بلد) حتى تظهر توبتهم (2) لقوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ} (3) .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قتلوا وأخذوا المال، قتلوا وصلبوا (4) وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال، قتلوا ولم يصلبوا (5) .

(1) لاستيفاء ما لزمه فلا يحبس، ولا ينفى قال الشيخ: وهذا الفعل أحجز من القتل، فإن الأعراب وفسقه الجند وغيرهم، إذا رأوا دائما بينهم من هو مقطوع اليد والرجل، تذكروا بذلك جزمه فارتدعوا بخلاف القتل، فإنه قد ينسى، قد تؤثر بعض النفوس الأبيه قتله، عن قطع يده ورجله من خلاف، فيكون هذا أشد تنكيلا لأمثاله.

(2)

عن قطع الطريق، تحسن سيرتهم، وإليه ذهب بعض أهل العلم، ولم تقدر مدته ويحتمل عاما كزان.

(3)

هذه الآية نزلت في قطاع الطريق، عند أكثر السلف، وهي الأصل في حكمهم.

(4)

قال الموفق وغيره: أجمع على هذا كل أهل العلم.

(5)

قال: وهي الأصح، لأن الخبر المروي فيهم، قال: ومن قتل ولم يأخذ المال، قتل لم يذكر صلبا.

ص: 382

وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف (1) وإذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالا، نفوا من الأرض، رواه الشافعي (2) ولو قتل بعضهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم (3) وإن قتل بعض، وأخذ المال بعض تحتم قتل الجميع وصلبهم (4) .

(ومن تاب منهم) أي من المحاربين (قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان) واجبا (لله) تعالى (من نفي وقطع) يد ورجل (وصلب وتحتم قتل)(5) .

(1) تقطع يمنى يديه، ثم يسرى رجليه في مقام واحد، وحسمتا بنحو زيت مغلي، لينقطع الدم، ولا خلاف أنه لا يقطع منه إلا يد ورجل، إذا كانتا صحيحتين.

(2)

وروي عن ابن عباس: قال: وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة الأسلمي، فجاء ناس يريدون الإسلام، فقطع عليهم أصحابه، فنزل جبرئيل بالحد فيهم: أن من قتل وأخذ المال، ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وقيل: إنه رواه أبو داود، وهو كالمسند، وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا من حرز يبلغ نصاب السرقة شردوا متفرقين فلا يتركون يأوون إلى بلد حتى تظهر توبتهم، وهذا مذهب جمهور العلماء.

(3)

كما لو فعل ذلك كل منهم، وكالردء والطليع، عند جمهور العلماء.

(4)

كما لو فعل ذلك الكل، والقتل متحتم لا يدخله عفو إجماعا، الصلب هو ظاهر المذهب وتقدم.

(5)

أي ومن تاب من قطاع الطريق، قبل أن يقدر عليه لا بعده، سقط عنه من الحدود، ما كان واجبا لله تعالى، من نفي عن البلد، وقطع يد ورجل

من خلاف وصلب، ومن تحتم قتل، قال الموفق وغيره: بغير خلاف نعلمه، وعليه عمل الصحابة، اختاره الشيخ وغيره، للأخبار.

ص: 383

لقوله تعالى: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1)(وأخذ بما للآدميين، من نفس وطرف ومال (2) إلا أن يعفى له عنها) من مستحقها (3) ومن قبل وجب عليه حد سرقة، أو زنا أو شرب، فتاب منه قبل ثبوته عند حاكم، سقط (4) .

(1) أما من الشرط فظاهر، وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابا من قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب، وقطع الرجل، والجمهور واليد، وأما من تاب بعد القدرة عليه، فلا يسقط عنه شيء.

قال الشيخ: اتفقوا على أن قاطع الطريق، واللص ونحوهما، إذا رفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته، وإن تابوا وإن كانوا صادقين في التوبة، فاستثناء التوبة قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه، باق فيمن وجب عليه الحد، للعموم والمفهوم والتفصيل ولئلا يتخذ ذريعة إلى تعطيل حدود الله، إذ لا يعجز من وجب عليه الحد، أن يظهر التوبة، ليتخلص من العقوبة.

(2)

قال الموفق: بغير خلاف نعلمه، ولأنها حقوق عليهم ومبناها على المشاحة، فلم تسقط.

(3)

وقال الوزير: اتفقوا على أن حقوق الآدميين من الأموال، والأنفس والجراح، يؤخذ بها المحاربون، إلا أن يعفى لهم عنها اهـ ولما تقدم من الآية، فإن الله تعالى أوجب عليهم الحد، ثم استثنى التائبين قبل القدرة عليهم.

(4)

كحد المحاربة، ونصه على اعتبار توبة المحارب، قبل القدرة عليه

من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره، بطريق الأولى، فإذا دفعت توبته مع شدة ضرره وتعديه فلأن تدفع توبة بطريق الأولى، وفي الصحيحين في قصة الذي قال: أصبت حدا، فأقمه عليه، قال:«أليس قد صليت معنا؟ قال نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك» قد رفع الله العقوبة، عن التائب شرعا قدرا، فليس في شرع الله، ولا في قدره عقوبة تائب ألبتة، وذكر قصة توبة ماعز، وتقدم.

ص: 384

ولو قبل إصلاح عمل (1)(ومن صال على نفسه أو حرمته) كأمه وبنته وأخته وزوجته (أو ماله آدمي أو بهيمة فله) أي للمصول عليه (الدفع عن ذلك، بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به)(2) فإذا اندفع بالأسهل، حرم الأصعب، لعدم الحاجة إليه (3) .

(1) يعني ولو قبل مضي مدة، يعلم بها صدق توبته، وإصلاح نيته، للآيات ولقوله صلى الله عليه وسلم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» وتصح التوبة، من ذنب، مع الإصرار على غيره، إذا كان المقتضى للتوبة منه، أقوى من المقتضى للتوبة من الآخر، إذا كان المانع من أحدهما أشد، قال الشيخ: هذا هو المعروف عن السلف والخلف.

(2)

لأنه لو منع من ذلك لأدى إلى تلفه، وأذاه في نفسه، وحرمته وماله، ولأنه لو لم يجز ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض.

(3)

إذ المقصود دفعه، فإذا اندفع بقليل، فلا حاجة إلى أكثر منه، فإن علم أنه يخرج بالعصا، لم يكن له ضربه بالحديد، فإن خاف أن يبتدره فله الدفع بالأصعب، وصوبه في الإنصاف.

ص: 385

(فإن لم يندفع) الصائل (إلا بالقتل فله) أي للمصول عليه (ذلك) أي قتل الصائل (لا ضمان عليه) لأنه قتله لدفع شره (1)(وإن قتل) المصول عليه (فهو شهيد) لقوله عليه الصلاة والسلام «من أريد ماله بغير حق، فقاتل فقتل، فهو شهيد» رواه الحلال (2)(ويلزمه الدفع عن نفسه) في غير فتنة (3) لقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (4) .

(1) ودمه هدر، كالباغي، ولأنه اضطره إلى قتله، فصار كالقاتل لنفسه، لكن لا بد من إقامة بينة على أنه لا يندفع إلا بالقتل، وإن لم يقم بينة ضمنه.

(2)

ولمسلم وغيره عن أبي هريرة جاء رجل فقال يا رسول الله: أرأيت عن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال أرأيته إن قتلته؟ قال: هو في النار.

(3)

أي: ويلزم من صال عليه آدمي الدفع عن نفسه لما تقدم، وكما أنه يحرم عليه قتل نفسه، يحرم عليه إباحة قتلها، وقال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك، قالتهم تمنع نفسك ومالك، وقال ابن سيرين: ما أعلم أحدا ترك قتال الحرورية، واللصوص تأثما، إلا أن يجبن وغير ذلك، وهذا في غير الفتنة بل له التولي عنهم لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة:«اجلس في بيتك فإن خفتك أن يبهرك شعاع السيف، فغظ وجهك» ، وفي لفظ فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل، وفي لفظ «كن كخير ابني آدم» ولأن عثمان لم يدفع عن نفسه واختاره الموفق وغيره.

(4)

استدلوا: بعموم الآية، على الدفع عن المال والنفس.

ص: 386

وكذا يلزمه الدفع في غير فتنة، عن نفس غيره (1)(و) عن (حرمته) وحرمة غيره (2) لئلا تذهب الأنفس (3)(دون ماله) فلا يلزمه الدفع عنه (4) ولا حفظه عن الضياع والهلاك (5) .

(1) أي: وكما يلزمه الدفع عن نفسه، يلزمه الدفع عن نفس غيره، لأنه لا يتحقق منه إيثار الشهادة، كإحيائه ببذل طعامه، وذلك في غير فتنة، فإن كان ثم فتنة، لم يجب الدفع عن نفس غيره، كما لا يجب عن نفسه وأولى، لما تقدم.

(2)

أي: ويلزمه الدفع عن حرمته، فلو وجد مع أمه أو امرأته ونحوها، أو مع ابنه ونحوه، رجلا يزني بها، أو يلوط به، وجب عليه قتله، إن لم يندفع إلا به لقصة عمران وكذا يلزمه الدفع عن حرمة غيره.

(3)

ولقوله صلى الله عليه وسلم «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ، وللقدرة على إحيائها فوجب فعل ما يتقي به، وأما إن كان الدفع عن النساء، فلما فيه من حقه، وحق الله تعالى، وهو المنع من الفاحشة.

(4)

قالوا: لأنه يجوز له بذله، وذكروا: أن ترك قتاله عليه أفشل، كمال غيره، وعنه: يلزمه الدفع عن ماله، قال في التبصرة على الأصح، وأطلق الشيخ وغيره: لزومه عن مال الغير، وجزم في المنتهى بلزوم الدفع، مع ظن السلامة، وقدمه في الإنصاف، وفي الاختيارات يلزم الدفع عن مال الغير.

وقال الشيخ: في جند قاتلوا عربا، نهبوا أموال تجار، ليردوها إليهم، فهم مجاهدون في سبيل الله، ولا ضمان عليهم بقود ولا دية ولا كفارة.

(5)

أي: ولا يلزمه حفظ ماله عن الضياع، ولا يلزمه حفظه عن الهلاك، وفي التبصرة، يلزمه حفظه عن الضياع، فكذا الهلاك، وفي الحديث نهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، وفي المنتهى: ويجب عن حرمة غيره وكذا عن ماله مع ظن سلامتها، وإلا حرم، ويسقط بإياسه، لا بظنه أنه لا يفيد.

ص: 387

فإن فعل فلا ضمان عليه (1)(ومن دخل منزل رجل متلصصا، فحكمه كذلك)(2) أي يدفعه بالأسهل فالأسهل (3) فإن أمره بالخروج فخرج لم يضربه (4) وإلا فله ضربه بأسهل ما يندفع به (5) فإن خرج بالعصا، لم يضربه بالحديد (6) ومن نظر في بيت غيره، من خصاص باب مغلق ونحوه (7) .

(1) أي فإن دفع عن نفسه، أو حرمته أو نفس غيره أو حرمته أو ماله، أو مال غيره، فلا ضمان عليه لأنه إنما فعل لدفع شر الصائل، حيث لم يندفع إلا بما فعل.

(2)

أي كحكم من صال على نفسه، أو ماله، وتلصص الشخص: طلب السرقة.

(3)

مما يغلب على ظنه دفعه به، وهذا ما لم يخف أن يبدره بالقتل، لأنه لو منع من ذلك، لأدى إلى تلفه.

(4)

لاندفاع شره، بدون ضربه بشيء.

(5)

أي بأسهل ما يظن أن يندفع به، كدفع بيده.

(6)

لأن الحديد آلة القتل، وإن ولي هاربا، لم يكن له قتله، ولا اتباعه، وإن ضربه وعطله، لم يكن له أن يثني عليه.

(7)

أي: وأي شخص رجل أو امرأة، ولو مراهقا، لكونه لدفع المفسدة نظر في بيت غيره، ولو كان مستأجرا مستعيرا من خصاص باب مغلق، وهي الفروج والخلل التي تكون فيه، سواء كانت واسعة أو ضيقة، ونحو الباب المغلق الكوة والنقب ونحوها، مما يتوصل به إلى النظر، وقف الناظر في شارع أو سكة، أو ملك نفسه، ولو على سطح بيته، أو منارة وظاهر كلامه: جواز رميه ابتداء

من غير نظر إلى ما دونه، من دفعه بالتدريج، من القول إلى الفعل، للأخبار، وهو قول الجمهور، وبيت الخص والشعر والأدم، والخيمة ونحوها سواء.

ص: 388

فخذف عينه أو نحوها، فتلفت، فهدر (1) بخلاف مستمع قبل إنذاره (2) .

(1) فخذف بالخاء والذال المعجمتينن رماها بحصاة ونحوها، وتقدم، وكذا لو طعنه بعود، لخبر من اطلع في بيت ففقئت عينه، فلا دية ولا قصاص، ولأنه في معنى الصائل، بخلاف ما لو رماه بحجر كبير، أو رشقه بسهم أو طعنه بحديد، ما لم ينزجر إلا بذلك فله، وإلا فهدر، ولو قصد غير العين فأصابها ضمن، بخلاف ما لو قصدها فأخطأها، وأصاب غيرها، فلا ضمان، ونحو العين: الحاجب.

(2)

لأن النظر أبلغ من السمع، واقتصارا على مورد النص، فإن أنذره فأبى، فله طعنه، كدفع الصائل، وبخلاف ناظر من باب منفتح، لترك ربه له مفتوحا، وإن عض يده إنسان عضا محرما، فانتزع المعضوض يده من فيه، فسقطت ثناياه، فهدر لقوله صلى الله عليه وسلم «يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ اذهب لا دية لك» وإن كان العض مباحا كأن يمسكه في موضع يتضرر بإمساكه، كخصيته، أو يعصر يده ونحو ذلك، مما لا يقدر على التخلص منه، إلا بعضه، فما سقط من أسنانه ضمنه المعضوض.

ص: 389