المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌ ‌ ‌كتاب الأطعمة (1)   جع طعام (2) وهو ما يؤكل ويشرب (3) - حاشية الروض المربع لابن قاسم - جـ ٧

[عبد الرحمن بن قاسم]

فهرس الكتاب

- ‌كتاب الظهار

- ‌التوأمان المنفيان أخوان لأم

-

- ‌كتاب العدد

- ‌من انقضت عدتها قبل موته

- ‌باب الاستبراء

- ‌كتاب الرضاع

-

- ‌كتاب النفقات

- ‌باب نفقة الأقاربوالمماليك من الآدميين والبهائم

-

- ‌كتاب الجنايات

- ‌بابشروط وجوب القصاص

- ‌باب استيفاء القصاص

- ‌باب العفو عن القصاص

- ‌باب ما يوجب القصاص فيما دون النفسمن الأطراف والجراح

- ‌ القصاص فيما دون النفس (نوعان

-

- ‌كتاب الديات

- ‌باب ديات الأعضاء ومنافعها

- ‌فصل في دية المنافع

- ‌باب الشجاج وكسر العظام

- ‌باب العاقلة وما تحمله

- ‌فصل في كفارة القتل

- ‌باب القسامة

-

- ‌كتاب الحدود

- ‌باب حد الزنا

- ‌باب حد القذف

- ‌باب حد المسكر

- ‌باب التعزير

- ‌باب القطع في السرقة

- ‌باب حد قطاع الطريق

- ‌باب قتال أهل البغي

- ‌باب حكم المرتد

-

- ‌كتاب الأطعمة

- ‌باب الصيد

-

- ‌فصل في كفارة اليمين

- ‌باب جامع الأيمان المحلوف بها

- ‌باب النذر

-

- ‌باب آداب القاضي

- ‌باب طريق الحكم وصفته

- ‌لا يحكم) القاضي (بعلمه)

- ‌باب القسمة

- ‌باب الدعاوي والبينات

-

- ‌كتاب الشهادات

- ‌باب موانع الشهادة وعدد الشهودوغير ذلك

- ‌فصل في عدد الشهود

- ‌كتاب الإقرار

- ‌فصل في الإقرار بالمجمل

- ‌نبذة مختصرة عن مؤلفي هذا الكتاب، وتاريخ وموضوع كل مجلد، والإشراف على الطبع

الفصل: ‌ ‌ ‌ ‌كتاب الأطعمة (1)   جع طعام (2) وهو ما يؤكل ويشرب (3)

‌كتاب الأطعمة

(1)

جع طعام (2) وهو ما يؤكل ويشرب (3) و (الأصل فيها الحل)(4) لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} (5) .

(1) أي هذا كتاب يذكر فيه أجناس، ما يجوز أكله وشربه من الأطعمة وما لا يجوز.

(2)

وما ضيه طعم.

(3)

وقال الجوهري: هو ما يؤكل، وربما خص به البر، وقال تعالى {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي} .

(4)

أي والأصل في الأطعمة الحل، لنصوص الكتاب والسنة، إلا ما استثنى بهما، وقال الشيخ: الأصل فيها الحل لمسلم عمل صالحا، لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعتهن لا على معصيته لقوله:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} ولهذا لا يجوز أن يستعان بالمباح على المعصية، كمن يعطي اللحم والخبز من يشرب عليه الخمر، ويستعين به على الفواحش ومن أكل الطيبات ولم يشكر فمذموم قال تعالى:{ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} أي عن الشكر عليه.

(5)

لكي تنتفعوا بما خلقه لكم فيها وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا} وقوله: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} وقال: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} وقال صلى الله عليه وسلم «ما سكت عنه فهو عفو» ، فكل ما لم يبين الله ولا رسوله تحريمه، من المطاعم والمشارب والملابس، فلا يجوز تحريمها فإن الله قد فصل علينا ما حرم، فإن كان شيء منها حراما، فلا بد أن يكون تحريمه مفصلا، كما أنه لا يجوز إباحة ما حرم الله، فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا الله عنه ولم يحرمه.

ص: 415

(فيباح كل) طعام (طاهر) بخلاف متنجنس ونجس (1)(لا مضرة فيه) احتراز عن السم ونحوه (2) حتى المسك ونحوه كالعنبر (3)(من حب وثمر وغيرهما) من الطاهرات (4)(ولا يحل نجس كالميتة والدم)(5) .

(1) أي فيباح كل طعام، من الحبوب والثمار والنبات، طاهر لا نجس ولا متنجس قال تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} أي من المطاعم، والمشارب، والملابس والفروج، {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} كالدم والميتة، ولحم الخنزير والزنا، وغير ذلك من المحرمات، وقال الوزير: اتفقوا على أن ما لا يحتاج من الأطعمة إلى ذكاة كالنبات وغيره، من الجامدات والمائعات، فإنه يحل أكله، ما لم يكن نجسا بنفسه، أو مخالطا لنجس أو ضار.

(2)

وكذا ما فيه مضرة مما يقتل غالبا، وفي الإنصاف، الصحيح من المذهب، أن السموم نجسة محرمة، والسم المحرم أكله، هو هذا السم القاتل، المعروف.

(3)

وقشر بيض وقرن حيوان مذكي، إذا دق ونحوه ونحو فاكهة مسوسة بدودها لا استقلالا والمسك طيب معروف، يستخرج من دم دابة تسمى غزال المسك، وتقدم؛ والعنبر من الطيب، روث دابة بحرية أو نبع مائة.

(4)

لما تقدم من الآيات، وغيرها.

(5)

والرجيع والبول، قيل: ولو طاهرين، لا ستقذارهما بلا ضرورة، وتقدم جواز التداوي ببول الإبل، ولا يحل أكل الحشيشة المسكرة لخبر كل مسكر خمر، وكل خمر حرام.

ص: 416

لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} الآية (1)(ولا) يحل (ما فيه مضرة كالسم ونحوه)(2) لقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (3) .

(1) ويأتي فحرم تعالى الميتة، وهي: ما فارقه الروح حتف أنفه، من غير سبب خارج عنه، لما فيها من خبث التغذية، والغاذي شبيه بالمغتذي، ومن محاسن الشريعة تحريمه، فإن اضطر إليه أبيح له، وانتفى وجه الخبث منه، حال الاضطرار لأنه غير مستقل بنفسه في المحل المتغذي به، بل هو متولد من القابل والفاعل، فإن ضرورته تمنع قبول الخبث، الذي في المتغذي به، فلم تحصل تلك المفسدة، لأنها مشروطة بالاختيار، الذي به يقبل المحل، خبث التغذي، فإذا زال الاختيار، زال شرط القبول، فلم تحصل المفسدة أصلا.

وأما الدم فالمراد المسفوح منه، وكان أهل الجاهلية يجعلونه في المباعر، ويشوونه ويأكلونه فأما ما يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وما يبقى في العروق فمباح، حتى لو مسه بيده فظهر عليها، أو مسه بقطنة لم ينجس، ونص عليه أحمد، وقال الشيخ: الصحيح أنما حرم الله الدم المسفوح، المصبوب المهراق، فأما مايبقى في عروق اللحم، فلم يحرمه أحد من العلماء.

(2)

كالعقاقير القتالة، فما لم يكن فيه دواء منها، كالحيات ونحوها، تحرم مطلقا، وما كان فيه دواء، كالبلاذر والسقمونيا، والأينون ونحوها، فيحرم تناولها واستعمالها، على وجه يضر، ويجوز على وجه لا يضر، لقلته وإضافة ما يصلحه، مما يضاد طبعه، ومفهوم كلامه، أن السم ليس بنجس، وفي الواضح المشهور أنه نجس.

(3)

فدلت بعمومها، على تحريم أكل ما فيه مضرة، كالسم ونحوه، من العقاقير القتالة.

ص: 417

(وحيوانات البر مباحة (1) إلا الحمر الأهلية) (2) لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل» متفق عليه (3)(و) إلا (ما له ناب يفترس به) أي ينهش بنابه (4) لقول أبي ثعلبة الخشني نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، متفق عليه (5) .

(1) كالظباء، والحمر الوحشية، لعموم النصوص، الدالة على الإباحة.

(2)

فأكثر أهل العلم يرون تحريمها، وقال ابن المنذر: لا خلاف بين أهل العلم اليوم في تحريمها.

(3)

وللترمذي وصححه، أطعمنا لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر فدل الحديث على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وتقدم أنه إجماع، ودل على حل لحوم الخيل، وهو مذهب الجمهور، وفي الصحيحين نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه.

(4)

الناب السن خلف الرباعية، والنهش العض والأخذ بالأسنان.

(5)

وهو مفسر ومبين لما حرم من السباع، ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا «كل ذي ناب من السباع حرام» وله من حديث أبي هريرة نحوه، قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح، ثابت مجمع على صحته، وهو نص صريح يخص عموم الآيات، والسباع، جمع سبع، وهو المفترس من الحيوان.

قال ابن الأثير: نهى عن كل ذي ناب من السباع، وهو ما يفترس من الحيوان ويأكل قهرا وفسرا كالأسد والذئب، والنمر ونحوه، وهذا مذهب جماهير العلماء، أبي حنيفة والشافعي، وغيرهما.

ص: 418

(غير الضبع)(1) لحديث جابر أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل الضبع احتج به أحمد (2) والذي له ناب (3) كالأسد والنمر (4) والذئب الفيل (5) .

(1) وهو حيوان معروف، مؤنثة وتطلق على الذكر والأنثى، وقد يقال للأنثى ضبعة وهو مباح، هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، ومذهب الشافعي.

(2)

وصححه البخاري وغيره، وفيه: قلت: صيد هو؟ قال: نعم، وفي لفظ: هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم، ورواه أبو داود، وفي السنن، قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما تقدم: من قوله صلى الله عليه وسلم في الضبع كبش، ولعموم الرخصة فيه عن ابن عمر وأبي هريرة، وقال عروة ابن الزبير، ما زالت العرب تأكل الضبع، لا ترى بأكله بأسا.

وقال ابن القيم: إنما حرم ما له ناب، ومن السباع العادية بطبعها، كالأسد، وأما الضبع، فإنما فيها أحد الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية، والسبع: إنما حرم، لما فيه من القوة السبعية، التي تورث للمغتذي بها شبها، ولا تعد الضبع من السباع العادية، لا لغة ولا عرفا، وقال الشيخ: مباحة عند الجماهير.

(3)

أي يفترس به من الحيوان قهرا.

(4)

الأسد: نوع من السباع، يقع على الذكر والأنثى، جمعه أسد وأسود والأنثى لبوة والنمر: ضرب من السباع أيضا، جمعه نمر ونمور، وهو أصغر من الأسد منقط الجلد.

(5)

الذئب حيوان يشبه الكلب، معروف والفيل حيوان من أضخم

الحيوان له خرطوم طويل، يدفع به العلم والماء إلى فمه، ويضرب به جمعه أفيال، وهو محرم على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب وجمهور العلماء قال أحمد: هو سبع، ويعمل بأنيابه، كالسبع، وقال: ليس هو من أطعمة المسلمين، ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وهو من أعظمها نابا.

ص: 419

والفهد والكلب (1) والخنزير (2) وابن آوي وابن عرس (3) والسنور مطلقا (4)(والنمس والقرد (5) .

(1) الفهد: نوع من السباع، بين الكلب والنمر، وقوائمه أطول من قوائم النمر، منقط بنقط سود، جمعه أفهد، وفهود، والكلب، كل سبع يعض، وغلب على الحيوان النابح المعروف.

(2)

فيحرم بالنص والإجماع، وهو حيوان معروف، وجمعه خنازير، قال تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} وله ناب يفرس به.

(3)

نوع من الكلاب البرية، يشبه الكلب، ورائحته كريهة تسميه العامة الواوين وابن عرس بالكسر دويبة تشبه الفأرة بعض الشبه، أصلع الأذنين مستطيل الجسم، أهليا كان أو بريا، ومن أنواعه التفه، فيحرمان، وهو مذهب أبي حنيفة، لأنهما من السباع، فيدخلان في عموم النهي، ولأنهما مستخبثان.

(4)

أي ويحرم السنور وفاقا، وهو القط، سواء كان أهليا أو بريا، على الصحيح من المذهب، وصححه واختاره غير واحد، لما روى الترمذي وأبو داود وغيرهما أنه «نهى عن أكل الهر» ، ولمسلم «نهى عن أكل ثمن السنور» ، وقال الشيخ: ليس في كلام أحمد إلا الكراهة، وجعله أحمد قياسا، وأنه قد يقال يعمها اللفظ، ولأنه من ذوات الأنياب.

(5)

النمس: حيوان في حجم القط، قصير اليدين والرجلين يصيد الفأر

والحيات، وقيل: دويبة بمصر تقتل الثعبان، والقرد بالضم حيوان معروف، ويحرم سواء كان كبيرا له ناب، أو صغيرا قبل نبات نابه، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا بين علماء المسلمين، في أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه.

ص: 420

والدب) والفنك (1) والثعلب والسنجاب (2) والسمور (3)(و) إلا (ماله مخلب من الطير يصيد به (4)) .

(1) الدب: هو نوع من السباع، يشبه الضأن، قصير الأذنين، مدور الرأس، كثيف الشعر، والفنك: جنس من الثعالب الردية، ذات ناب، فروتها أطيب أنواع الفراء، وأشرفها وأعدلها، وهو محرم على الصحيح من المذهب مطلقا، وقال أحمد: إن لم يكن له ناب فلا بأس، وهو بفتح الفاء وقيل نوع من ولد الثعلب التركي وله ناب أصغر من الثعلب المعروف.

(2)

الثعلب: حيوان معروف بالتحايل، والروغان، يقال: أروغ من ثعلب ويحرم على الصحيح من المذهب وفاقا لمالك وأبي حنيفة، وقال أحمد: لا أعلم أحدا أرخص فيه، إلا عطاء، وصححه في التصحيح، والسنجاب أكبر من الجرذ، قال القاضي: لأنه ينهش بنابه، ومال الموفق وغيره إلى إباحته، لأنه يشبه اليربوع، قال: ومتى تردد بين الإباحة والتحريم غلبت الإباحة، لأنها الأصل، وعموم النصوص يقتضيها.

(3)

حيوان بري، يشبه ابن عرس، يتخذ من جلده فراء ثمينة، ليس في الحيوان أجرى منه على الإنسان، ببلاد الأرمن، وراء بلاد الترك، ومنه أسود لامع، وأحمر مائع إلى السواد وأشقر.

(4)

فيحرم، قال الموفق وغيره: هذا قول أكثر أهل العلم، والمخلب الظفر، خصوصا من سباع الطير، الذي يصيد به الحيوانات.

ص: 421

كالعقاب والبازي والصقر (1) والشاهين والباشق (2) والحدأة بكسر الحاء وفتح الدال والهمزة (3)(والبومة)(4) لقول ابن عباس «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطيور» رواه أبو داود (5) .

(1) البازي: طير من الجوارح، يصاد به، وهو أنواع، والصقر: كل طائر يصاد به، ماخلا النسر والعقاب.

(2)

الشاهين: طائر من جنس الصقر، طويل الجناحين، وجمعه شواهين، والباشق، طائر من أصغر الجوارح، جمعه بواشق.

(3)

طائر من الجوارح، والعامة تسميه، الحدية وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، لكونها لها مخلب قوي، تعدو به وتصيد به.

(4)

طائر يسكن الخراب معروف، وحرمت لكونها تأكل الجيف، لا لكونها تفرس، وهدهد وصرد وخطاف، وأخيل، وذكر الموفق وغيره: في الصقر والشاهين، والحدأة والبومة، وأشباهها تحريمها، قول أكثر أهل العلم، منهم أحمد والشافعي، وأصحاب الرأي.

(5)

ورواه مسلم وغيره: من غير وجه، والمخلب بكسر الميم لما يصيد من الطير وتحريمه، مذهب الجمهور قال ابن القيم: قد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وصحت صحة لا مطعن فيها، من حديث علي وابن عباس، وأبي هريرة.

ص: 422

(و) إلا (ما يأكل الجيف) من الطير (1)(كالنسر والرخم (2) واللقلق والعقعق) وهو القاق (3)(والغراب الأبقع (4) والغداف وهو) طائر (أسود صغير أغير (5) والغراب الأسود الكبير) (6)

(1) أي فيحرم، وهو الصحيح من المذهب، نص عليه لقوله «خمس فواسق

» الحديث وذكر منها الغراب وغيره كهو لمشاركة بينهما في أكلها الجيف، وجعل الشيخ فيه روايتي الجلالة.

(2)

النسر: طائر حاد البصر، من أشد الطيور، وأرفعها طيرانا وأقواها جناحا، تخافه كل الجوارح، له منقار منعقف في طرفه وظفور، والرخم طائر من الجوارح الكبيرة.

(3)

اللقلق طائر نحو الأوزة، طويل العنق، يأكل الحيات، والعقعق، بوزن جعفر، طائر نحو الحمامة طويل الذنب، فيه بياض وسواد، وهو نوع من الغربان وهو القلق والغاق بالغين الغراب، وسئل أحمد، عن العقعق، فقال: إن لم يكن يأكل الجيف فلا بأس به، وقال الأصحاب: هو يأكل الجيف.

(4)

هو: نوع من الغربان، يوجد به بقعة بيضاء في رأسه، أو في بقية حسمه، وهو يعتدي على بعض الحيوانات، وخاصة في أعينها.

(5)

أي يشبه الغبار، ويقال: إنه غراب القيظ، ويقال: كبير ضخم الجناحين أو طائر كالنسر كثير الريش، فيحرم جزم به في الوجيز، ونسبه الخلال إلى الإمام أحمد، وقال أبو بكر لا يؤكل.

(6)

يأكل الجيف غالبا، ويأكل غيرها، ولحديث «خمس فواسق» ، وذكر منها الغراب، قال عروة وأحمد: ومن يأكل الغراب؟ وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا، والله ما هو من الطيبات؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم أباح قتله في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم.

ص: 423

و) إلا (ما يستخبثه العرب) ذووا اليسار (1) كالقنفذ والنيص (2) والفأرة والحية (3) والحشرات كلها والوطواط (4) .

(1) أي الغنى، من أهل القرى والأمصار، ولا عبرة بأهل البوادي، وهذا على الصحيح من المذهب، قال الشيخ: وعند أحمد وقدماء الأصحاب، لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يحرمه الشرع حل، واختاره، وقال: أول من قال تحرم، الخرقي، وأن مراده ما يأكل الجيف، لأنه تبع الشافعي، وهو حرمة بهذه العلة.

(2)

القنفذ: دويبة ذات ريش حاد، في أعلاه، يقي به نفسه، أي فيحرم، وقاله أبو هريرة: ولأبي داود عنه، قال: ذكر القنفذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «خبيثة من الخبائث» ولأنه يشبه المحرمات، ويأكل الحشرات، فأشبه الجرذ، والنيص: هو القنفذ الضخم، ويسمى الدلدل، على ظهره شوك، أكثره طويل، نحو ذراع.

(3)

الفأرة: دويبة في البيوت، معروفة، والحية: هي الأفعى، والحيات أنواع كثيرة، وكلها سامة، فيحرم أكلهما لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بقتل الفأرة والحية في الحرم، ولا يجوز قتل صيد مأكول في الحرم، وكذا العقارب، وهو مذهب الجمهور، وقال الشيخ: أكل الحيات والعقارب حرام مجمع عليه فمن أكلها مستحلا لها استتيب، ومن اعتقد التحريم وأكلها فهو فاسق، عاص لله ورسوله.

(4)

الحشرات: الهوام، ودواب الأرض الصغار، كجعلان وبنات وردان وديدان لأنها من الخبائث، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي.

وخفاش ويسمى الوطواط خفاشا، وقال أحمد: من يأكل الخفاش؟ وقال الوزير: اتفقوا على أن حشرات الأرض محرمة، إلا مالكا فإنه كرهها في رواية

وقال ابن عبد البر: الوزغ مجمع على تحريمه، وأوزاغ وصراصر ونحل، وزنابر ونمل، وذباب وبراغيث على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، ولأحمد وأبي داود نهى عن قتل النملة والنحلة، والهدهد والصرد.

ص: 424

و) إلا (ما تولد من مأكول وغيره كالبغل) من الخيل والحرم الأهلية (1) والسمع، وهو: ابن الذئب والضبع (2) وما تجهله العرب، ولم يذكر في الشرع: يرد إلى أقرب الأشياء شبهابه (3) ولو أشبه مباحا ومحرما، غلب التحريم (4) .

(1) بلا نزاع، وظاهره ولو تميز، كحيوان من نعجة، نصفه خروف، ونصفه كلب، وقال الشيخ: تغليبا للتحريم، وكذا حمار متولد بين حمار أهلي ووحشي لا بغل تولد بين خيل، وحمر وحشية ونحوه.

(2)

سريع العدو، وكذا العسبار، وهو ولد الذئب من الذيخ، يقال: إنه نوع من الضبع، ويقال له الضبعان، بكسر الضاد، وهو ذكر الضباع تغليبا للتحريم، وفي الإنصاف، بلا نزاع وسئل الشيخ: عن رجل له عنز ولدت عناقا، وماتت العنز، فأرضعت امرأته العناق، فقال يجوز له أكلها، وشرب لبنها.

(3)

فإنه أشبه محرما ألحق به، وإن أشبه حلالا ألحق به، وهو قول جماعة من الأصحاب.

(4)

احتياطا، لقوله صلى الله عليه وسلم «دع ما يريبك إلى مالا يريبك» وقال أحمد: كل شيء اشتبه عليك، فدعه وإن لم يشتبه فمباح، لعموم (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه، إلا أن يكون ميتة) الآية ولخبر

ماسكت عنه فهو عفو، ويحرم ما ليس ملكا لآكله، ولا أذن فيه ربه، ولا الشارع.

ص: 425

ودود جبن وخل، ونحوها، يؤكل تبعا (1) .

(1) فما تولد من مأكول طاهر، كدود جبن، ودود خل، ونحوهما من سائر دود الأطعمة، كذباب باقلاء، ودودنبق يؤكل تبعا، لا منفردا، وقال أحمد: في الباقلاء المدودة تجنبه أحب إلي، وإن لم يتقذره فأرجو، وقال: عن تفتيش التمر المدود، لا بأس به.

ص: 426

فصل (1)

(وما عدا ذلك) الذي ذكرنا أنه حرام (فحلال) على الأصل (2)(كالخيل) لما سبق من حديث جابر (3)(وبهيمة الأنعام) وهي الإبل، والبقر، والغنم (4) لقوله تعالى:{أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} (5)(والدجاج (6) والوحشي من الحمر (7)

(1) أي في حكم ما أحل من مطعوم ومشروب، وما يكره، وحكم من اضطر إلى محرم، ومن تجب ضيافته وغير ذلك.

(2)

لعموم نصوص الإباحة.

(3)

نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل، فتباح كلها، عرابها وبراذينها، وهذا الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، لهذا الحديث المتفق على صحته، ولحديث اسماء نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه.

(4)

أي الإبل بأنواعها، والبقر بأنواعها، والغنم ضأنها ومعزها.

(5)

فدلت الآية على حل بهيمة الأنعام، ولا نزاع في ذلك.

(6)

على اختلاف أنواعه، فحلال بلا نزاع، لفعله صلى الله عليه وسلم المتفق

عليه.

(7)

ولو تأنست وأعلفت، فحلال بالإجماع، كما يحرم الأهلي ولو توحش.

ص: 427

و) من (البقر) كالإبل (1) والتيتل والوعل والمها (2)(و)

كـ (الظباء والنعامة والأرنب (3) وسائر الوحش) كالزرافة (4) والوبر، واليربوع (5) .

(1) أي وكالبقر الوحشية على اختلاف أنواعها قال: كالإبل، حيوان من ذات الظلف، للذكور منه قرون متشعبة، لا تجويف فيها، وأما الإناث فلا

قرون لها.

(2)

فحلال إجماعا، والتيتل: جنس من بقر الوحش، أو ذكر الأروي أو الوعل، والوعل: تيس الجبل، له قرنان منحنيان، والمها، والمهاة، البقرة الوحشية، يشبه بهافي حسن العينين.

(3)

الظباء: هي الغزال، للذكر والأنثى، والظبية، الأنثى ولو تأنست فحلال إجماعا، والنعامة: حيوان فيها من الطير، والبعير، وجمعها نعام، فحلال لقضاء الصحابة فيها بالفدية، ولأنها مستطابة، ليس لها ناب، أشبهت الإبل، والأرنب دويبة معروفة تشبه العناق، رجلاها أطول من يديها، قال النووي: أكلها حلال عند الأئمة الأربعة، والعلماء كافة، والضب حلال، أكل على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم.

(4)

بفتح الزاي وضمها، وتشدد الفاء وتخفف: دابة تشبه البعير، إلا أن عنقها أطول من عنقه، وجسمها ألطف من جسمه، ويديها أطول من رجليها، فحلال نص عليه وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به الموفق وصححه الشارح، لعموم النصوص المبيحة واستطابتها وليس لها ناب، ولا هي من المستخبثات، أشبهت الإبل.

(5)

الوبر: قصير الذنب والأذنين، مباح لأنه يفدى في الإحرام، والحرم ومستطاب وهو كالأرنب، يأكل النبات والبقول، وليس له ناب، ولا هو من المستخبثات واليربوع قصير اليدين طويل الرجلين، نص عليه، لحكم عمر

فيه بجفرة ومستطاب أيضا، وفي الإنصاف: الصحيح من المذهب، أنهما مباحان وصححه في التصحيح.

ص: 428

وكذا الطاووس، والببغاء (1) والزاغ، وغراب الزرع (2) لأن ذلك مستطاب (3) فيدخل في عموم قوله تعالى:{وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} (4) .

(1) الطاووس: حسن الشكل قال في الإنصاف: لا أعلم فيه خلافا يتناول ما يأكل برجليه، كأكل الإنسان بيديه والببغاء بموحدتين مشدد طائر يسمى بالدرة، على قدر الحمامة، يتخذها الناس للانتفاع بصوتها، وأكثر ما تكون عند الملوك والرؤساء ترنم بما تسمع من الأخبار.

(2)

وغراب البين، والزاغ، غراب نحو الحمامة أسود برأسه غبرة وغراب الزرع: أحمر المنقار والرجل، يأكل الزرع ويطير مع الزاغ، لأن مرعاهما الزرع والحبوب، ويقال: غراب الزرع والزاغ، شيء واحد، فهما مباحان، وهو المذهب وعليه الأصحاب.

(3)

أي جميع ما ذكر، مما هو حلال على الأصل، حيث لم يرد تحريمه في الشرع، أو لم تستخبثه العرب، على المذهب وكالحمام بأنواعه من فواخت وقماري، وجوازل ورقطي، ودباس وحجل، وقطا وحباري، وكعصافير وقنابر، وكركي وبط، وأوز، وما أشبه ذلك، مما يلتقط الحب، أو يفدي في الإحرام، للعموم، واستطابة أكله ولأبي داود: أن سفينة أكل مع النبي صلى الله عليه وسلم لحم حبارى، وكذا الغرانيق والطواويس، وطير الماء، كله، وأشباه ذلك، وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافا.

(4)

وعموم {كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّبًا} ولمسلم، يقول الله كل ما منحته عبادي فهو لهم حلال.

ص: 429

(ويباح حيوان البحر كله)(1) لقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} (2)(إلا الضفدع) لأنها مستخبثة (3)(و) إلا (التمساح) لأنه ذو ناب يفترس به (4)(و) إلا (الحية) لأنها من المستخبثات (5) وتحرم الجلالة، التي أكثر علفها النجاسة (6) .

(1) والمراد بالبحر جميع المياه، الحلوة والمالحة، والأنهار.

(2)

وهو ما يصاد منه طريا، مما لا يعيش إلا في الماء، في جميع الأحوال، ولقوله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان، أما الميتتان، فالجراد والحوت، وأما الدمان، فالطحال والكبد، ولقوله: لما سئل عن ماء البحر قال «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .

(3)

ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن قتلها، والتداوي بها، وفي الإنصاف: محرمة بلا خلاف أعلمه، ونص عليه أحمد.

(4)

وهو حيوان، يكون في نيل مصر، وبعض أنهار البلاد الحارة، فليس مباحا، على الصحيح من المذهب، لأنه يأكل الناس.

(5)

جزم به الموفق وغيره، وهو المذهب، وما عدا الضفدع، والتمساح والحية، من حيوان البحر، فمباح على الصحيح من المذهب، وأما الجري، فقال أحمد: أكره الجري، ورخص فيه مالك والشافعي، وأصحاب الرأي، وسائر أهل العلم.

(6)

هذا المذهب وعليه الأصحاب، لما روى أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر «نهى عن أكل الجلالة وألبانها» ، ومن حديث عمرو بن شعيب نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وعن ركوب الجلالة وأكل لحمها، وسواء في ذلك بهيمة الأنعام، أو الدجاج، ونحوه، مما يلتقط الحب.

ص: 430

ولبنها وبيضها نجس (1) حتى تحبس ثلاثا وتطعم الطاهر فقط (2) ويكره أكل التراب، وفحم وطين (3) وغدة، وأذن قلب (4) .

(1) هذا المذهب لما روى الترمذي وغيره، وصححه نهى عن شرب لبن الجلالة.

(2)

نص عليه، لأن ابن عمر إذا أراد أكلها، حبسها ثلاثا، وأطعمها الطاهرات، وقال ابن القيم: أجمع المسلمون على أن الدابة، إذا علفت بالنجاسة ثم حبست، وعلفت بالطاهرات، حل لبنها ولحمها، وكذا الزرع والثمار إذا سقيت بالماء النجس، ثم سقيت بالطاهر حلت، لاستحالة وصف الخبث، وتبدله

بالطيب اهـ.

ولأن النجاسة تستحيل في بطنها، فتطهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحما، ويصير لبنا، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي، يباح أكل لحم الجلالة، وشرب لبنها، وأكل بيضها، وإن لم تحبس مع استحبابهم حبسها، وكراهيتهم لأكلها بدون حبسها، وكذا عند الجميع، أكل الزرع والثمار، والبقول، إذاكان سقيها بالماء النجس.

وقال ابن عقيل: ليس بنجس، ولا محرم، بل يطهر بالاستحالة، كالدم يصير لبنا، وهو اختيار شيخ الإسلام، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعذرة، ويقول مكتل منها بمكتل بر.

(3)

لأنه مضر بالبدن، ويكره أكل طين وهو: التراب المبلول بالماء، ولا يتداوى به لضرره بخلاف الأرمني للدواء، وأكل الطين عيب في المبيع، لأنه لا يطلبه إلا من به مرض.

(4)

أي ويكره أكل غدة، وهي الصعارير في الغنم، التي كالشحم، وقال أبو الفرج: يحرم، وأذن القلب، وهي الزنمة في أعلاه.

ص: 431

وبصل وثوم ونحوهما (1) ما لم ينضج بطبخ (2) لا لحم منتن، أو نيء (3)(ومن اضطر إلى محرم) بأن خاف التلف إن لم يأكله (غير السم حل له)(4) .

(1) ككراث وفجل، قال الخلوتي: كدخان، ما لم يضر، فإن ضر حرم إجماعا، وقال بحرمته جماعة من أتباع الأئمة وأهل الطب.

(2)

لتضعف أو تزول رائحته، وكرهه أحمد، لمكان الصلاة وقت الصلاة، وكذا كل ماله رائحة كريهة، لحديث «من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربن مصلانا» .

(3)

أي لا يكره أكل لحم منتن، لخبث رائحته، وقد يضر، ولا أكل لحم نيء لم يصل ولم يطبخ، وقيل: يكره، وذكره في الانتصار اتفاقا وفي الإنصاف: الكراهة في اللحم المنتن أشد، ونقل عن الأصحاب، يكره مداومة أكل اللحم.

(4)

أي ومن اضطر إلى أكل محرم، كميتة، ولا نزاع في تحريم أكل الميتة والخنزير، بلا ضرورة، بأن خاف التلف إما من جوع، أو خاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فيهلك، أو يعجز عن الركوب، فيهلك إن لم يأكله، ولا يتقيد بزمن مخصوص، حل له الأكل، وقال الشيخ: المضطر يجب عليه أكل الميتة، في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، لا السؤال.

وقوله: غير السم، أي فلا يحل له أكله، وكذا نحو مما فيه مضرة، ويحرم الترياق، وهو دواء يعالج به من السمم، فيه لحوم الحيات، ويعجن بالخمر، والخالي منهما مباح، وكذا التداوي بمحرم، كألبان الأتان، ولحم شيء من المحرمات أو شرب مسكر، وتقدم.

ص: 432

إن لم يكن في سفر محرم (1)(منه ما يسد رمقه) أي يمسك قوته، ويحفظها (2) لقوله تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} (3) وله التزود إن خاف (4) .

(1) كقاطع طريق وآبق، أي: فلا يحل له أكل المحرم، كالميتة.

وقال الشيخ: ليس في الشرع ما يدل على أن العاصي في سفره لا يأكل الميتة، ولا يقصر ولا يفطر، بل نصوص الكتاب والسنة عامة، مطلقة، كما هو مذهب كثير من السلف، وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وهو الصحيح.

(2)

أي حل للمضطر من الميتة ونحوها من المحرم، غير نحو السم، ما يسد رمقه، ويأمن معه الموت، وهو إجماع، وضبطه بعضهم بالشين المعجمة أي يمسك قوته عليه ويحفظها، وفي الصحاح: بقية روحه، وعلم منه أنه ليس له الشبع، وقال الموفق وغيره: إن كانت الضرورة مستمرة، جاز الشبع، قال الشيخ: وليس له أن يعتقد تحريمها حينئذ ولا يكرهها.

(3)

وقوله: {لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فسبب الإباحة حفظ النفس عن الهلاك، والباغي والعادي، قد قيل إنهما صفة للشخص مطلقا، وقد قيل: إنهما صفة لضرورته، فالباغي الذي يبغي المحرم، مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتجاوز قدر الحاجة كما قال تعالى:{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} قال الشيخ: وهذا قول أكثر السلف، وهو الصواب بلا

ريب اهـ.

ودلت الآية على إباحة المحرمات، حال الإضطرار حضرا وسفرا، لأنها مطلقة غير مقيدة، ولأن الاضطرار يقع في الحضر والسفر فقوله:{فَمَنِ اضْطُرَّ} لفظ عام في كل مضطر.

(4)

أي التلف، وفي الترغيب، جوز جماعة التزود منه مطلقا، وصوبه في الإنصاف: وهو قول مالك، لما رواه أبو داود، أنه قال للذي سأله عن ناقة

نفقت وقالت امرأته: أسلخها، حتى نقد شحمها ولحمها، ونأكله هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا، قال: فكلوها، ولأنه لا ضرر في استصحابه، ولا في إعداده لدفع ضرورته.

ص: 433

ويجب تقديم السؤال على أكله (1) ويتحرى في مذكاة اشتبهت بميتة (2) فإن لم يجد إلا طعام غيره، فإن كان ربه مضطرا، أو خائفا أن يضطر، فهو أحق به (3) وليس له إيثاره (4)

(1) أي المحرم كميتة، نص عليه، وقال الشيخ: لا يجب، ولا يأثم، وأنه ظاهر المذهب اهـ وهو ظاهر كلام الموفق وجماعة.

(2)

لأنه غاية مقدوره، حيث لم يجد غيرها، ويقدم ميتة مختلفا فيها، على مجمع عليها، وميتة وهو محرم على صيد حي، لا إن ذبحه محرم، وطعاما يجهل مالكه، على صيد حي، بشرط ضمانه، ويقدم ميتة على طعام لا يعرف مالكه، مع إمكان رده إليه بعينه، لأن أكل الميتة منصوص على إباحته، ومال الآدمي مجتهد فيه، فكان العدول إلى المنصوص أولى، قال الشيخ: أما إذا تعذر رده إلى مالكه، بحيث أنه يجب أن يصرف إلى الفقراء، كالغصوب، والأمانات التي لا يعرف مالكها، فإنه يقدم ذلك على الميتة.

(3)

أي صاحب الطعام أحق بطعامه، بلا نزاع لمساواته الآخر في الاضطرار وانفراده بالملك أشبه غير حالة الاضطرار، وإن اشتدت المخمصة، في سنة المجاعة، وأصابت الضرورة خلقا كثيرا، وكان عند بعض الناس قدر كفايته، لم يلزمه بذل ما معه، للمضطرين لأن بذله يفضي إلى هلاك نفسه وعياله فلم يلزمه، كما لو أمكنه إنجاء الغريق بتغريق نفسه، اختاره الموفق وغيره.

(4)

أي ليس لرب الطعام المضطر إليه، إيثار غيره به، لئلا يلقي بيده إلى التهلكة، وقال ابن القيم: يجوز، وأنه غاية الجود لقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى

أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} ولقول جماعة من الصحابة، ولعله لعلمهم من أنفسهم حسن التوكل والصبر.

ص: 434

وإلا لزمه بذل ما يسد رمقة فقط بقيمته (1) فإن أبى رب الطعام أخذه المضطر منه بالأسهل فالأسهل، ويعطيه عوضه (2)(ومن اضطر إلى نفع مال الغير مع بقاء عينة) كثياب (لدفع برد (3) أو) حبل أو دلو (استقاء ماء ونحوه (4)

(1) أي وإن لم يكن رب الطعام مضطرا، ولا خائفا أن يضطر، لزمه بذل ما يسد رمق المضطر فقط، بقيمة الطعام، نص عليه ولو لم يبذله ربه إلا باكثر من قيمته، لم يلزم المضطر إلا قيمته فقط، وقال الشيخ: وإن كان فقيرا، فلا يلزمه عوض، إذ إطعام الجائع، وكسوة العاري، فرض كفاية، ويصيران فرض عين على المعينن إذا لم يقم به غيره اهـ، وإن بادر رب الطعام فباعه، أو وهبه قبل الطلب صح، ويستحق المضطر أخذه من المشتري أو المتهب، وبعد الطلب لا يصح البيع قال في القواعد في الأظهر.

(2)

أي فإن أبي رب الطعام بذله للمضطر بقيمته، أخذه المضطر من ربه بالأسهل فالأسهل كبشراء أو استرضاء، فإن أبى أخذه المضطر قهرا، ويعطيه عوضه يوم أخذه أو مثله فإن منعه فله قتاله، فإن قتل المضطر ضمنه رب الطعام، بخلاف عكسه وفي الإرشاد عن أحمد: لا يقاتله فإن الله سيرزقه، ومتى وجد مضطر من يطعمه ويسقيه، لم يبح له الامتناع، ولا العدول إلى الميتة، إلا أن يخاف أن يسم فيه، أو كان الطعام مما يضر أكله.

(3)

أو حر، وكذا مقدحة ونحوها.

(4)

كفأس وقدر، ومنخل، وإبرة، والجامع لذلك: المعاونة، بمال أو منفعة.

ص: 435

وجب بذله له) أي لمن اضطر إليه (مجانا) مع عدم حاجته إليه (1) لأن الله تعالى ذم على منعه، بقوله:(ويمنعون الماعون)(2) وإن لم يجد المضطر إلا آدميا معصوما فليس له أكله (3) ولا أكل عضو من أعضاء نفسه (4)(ومن مر بثمر بستان في شجر (5) أو تساقط عنه (6) ولا حائط عليه) أي على البستان (7) .

(1) على الصحيح من المذهب، وقيل يجب العوض كالأعيان.

(2)

قال ابن عباس وابن مسعود وغيرهما، الماعون هو: ما يتعاطاه الناس بينهم، ويتعاونونه من الفأس والقدر، والدلو وأشباه ذلك، وقال بعضهم الماعون المعروف، وفي الحديث:«كل معروف صدقة» وفيه أحاديث مرفوعة.

(3)

مسلما كان أو ذميا أو مستأمنا، لأن المعصوم الحي مثل المضطر، فلا يجوز له إبقاء نفسه، بإتلاف غيره، وإن كان مباح الدم، كالحربي والمرتد، والزاني المحصن، والقاتل في المحاربة، حل للمضطر قتله وأكله لأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، وكذا بعد موت المعصوم، عند أكثر الأصحاب وهو ظاهر إطلاقهم.

(4)

واختار الموفق وغيره: له أكله، وفاقا للشافعي وذكره في الإنصاف: المذهب.

(5)

أي فله الأكل منه، وظاهره: إن كان مجموعا فليس له الأكل منه، إلا أن يكون مضطرا كما صرح به.

(6)

أي فله الأكل منه، نص عليه، واختاره الأكثر، وليس له رمية، كما يأتي.

(7)

فإن كان ثم حائط، فليس له الأكل، ولا الدخول بلا إذن صاحبه.

ص: 436

(ولا ناظر) أي حافظ له (1)(فله الأكل منه مجانا من غير حمل)(2) ولو بلا حاجة (3) روي عن عمر وابن عباس وأنس ابن مالك وغيرهم (4) وليس له صعود شجرة، ولا رمية بشيء (5) ولا الأكل من مجموع، إلا لضرورة (6) .

(1) ويسمى الناطور، ويروى الناطر بالمهملة معرب، لأن إحرازه بذلك يدل على شح صاحبه.

(2)

واستحب جماعة: أن ينادي قبل الأكل ثلاثا، يا صاحب البستان فإن أجابه وإلا أكل للخبر الآتي.

(3)

هذا المذهب المشهور.

(4)

وفعله عبد الرحمن بن سمرة، وأبو برزة، وروى أحمد وغيره إذا أتيت حائط بستان، فناد صاحب البستان، فإن أجابك، وإلا فكل، ومن حديث سمرة نحوه، وعنه: لا يحل له ذلك، إلا لحاجة وقال أكثر الفقهاء: لا يباح الأكل إلا لضرورة لما ثبت «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» ، وترك العمل به مع الحاجة، لما روى عمرو بن شعيب مروفعا، سئل عن الثمر المعلق، فقال:«ما أصاب منه من ذي الحاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن أخرج منه شيئا فعليه غرامة مثليه والعقوبة» حسنه الترمذي: ولأبي داود، من حديث العرباض «لا يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي عليهم» .

(5)

ولا ضربة به، لأنه يفسده.

(6)

أي وليس للمار، الأكل من ثمر مجموع، أي: مجني لإحرازه، إلا لضرورة بأن يكون مضطرا فيأكل للضرورة.

ص: 437

وكذا زرع قائم (1) وشرب لبن ماشية (2)(وتجب) على المسلم (ضيافة المسلم، المجتاز به في القرى) دون الأمصار (3)(يوما وليلة) قدر كفايته مع آدم (4) .

(1) كبر يؤكل فريكا عادة، لأن العادة جارية بأكله رطبا، أشبه الثمر.

(2)

إذا لم يجد صاحبها فهي كالثمرة ولما روى الترمذي وصححه إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه وإن لم يجد أحدا فليحتلب وليشرب ولا يحمل، وحملوا قوله:«لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» ، على ما إذا كان عليها حائطا، أو حافظا، جمعا بين الأخبار، والأولى عدم الأكل، خروجا من خلاف أكثر العلماء، وحيث جوز الأكل ونحوه، فالأولى تركه إلا بإذن.

(3)

أي ويجب على المسلم، فأخرج الذمي، لقوله:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» فتجب عليه ضيافة المسلم وهذا المذهب، وعنه: هو كالمسلم، وقال ابن رجب: هو المنصوص فيجب لخبر ليلة الضيف حق واجب، فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، إن شاء اقتضى وإن شاء ترك رواه أبو داود وصححه الشارح.

المجتاز بالقرى: أخرج الحاضر، وعليه الأكثر والأمصار، على الصحيح من المذهب، عليه الأصحاب، لأنه يكون فيها السوق والمساجد، فلا يحتاج مع ذلك إلى الضيافة، بخلاف القرى، فإنه يبعد فيها البيع والشراء، فوجبت ضيافة المجتاز بها، وإيواؤه لوجوب حفظ النفس.

(4)

على الصحيح من المذهب، وأوجب الشيخ: المعروف عادة وفي الواضح ولفرسه تبن لا شعير.

ص: 438

لقوله عليه الصلاة والسلام «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته» قالوا: وما جائزته يا رسول الله قال: «يومه وليلته» متفق عليه (1) .

ويجب إنزاله ببيته مع عدم مسجد ونحوه (2) فإن أبى من نزل به الضيف فللضيف طلبه به عند حاكم (3) فإن أبى فله الأخذ من ماله بقدره (4) .

(1) أي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، الإيمان الكامل، فليكرم ضيفه، وهو القادم من السفر، النازل عند المقيم ويطلق على الواحد والجمع، والذكر والأنثى، وذكر أن جائزته: يومه وليلته، فدل الحديث على وجوبها، لتأكده بقوله: من كان يؤمن بالله

إلى آخره، ثم علقه بإكرامه فدل مع غيره على لزومها وفيه:«والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة» أي معروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك، فقال: ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه، قال النووي: وهذامحمول على ما إذا أقام بعد الثلاثة من غير استدعائه.

(2)

كخان ورباط، ينزل فيه لحاجته، إلى الإيواء، كالطعام الشراب.

(3)

قال في الإنصاف: بلا نزاع.

(4)

لما في الصحيحين: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا وإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي له، ولأحمد وأبي داود:

من نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه، فله أن يعقبهم بمثل قراه وعبارة المنتهي فإن تعذر، جاز له الأخذ من ماله يعني بقدر ما وجب له،

وقصة ضيف إبراهيم، وتقديمه العجل، يدل على أن من إكرام

الضيف، أن يقدم له أكثر مما يأكله وأن لا يوضع بموضع ثم يدعي إليه.

وتستحب الضيافة ثلاثا، وما زاد فصدقة لما تقدم، وللضيف الشرب من ماء رب البيت، والاتكاء على وسادته، وقضاء الحاجة بمرحاضه.

ومن امتنع من الطيبات فمبتدع لقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .

ص: 439

...........................................................

ص: 440

باب الزكاة (1)

يقال: ذكي الشاة ونحوها تذكية، أي: ذبحها (2) فهي ذبح (3) أو نحر الحيوان المأكول البري، بقطع حلقومه ومريئه (4) أو عقر ممتنع (5) و (لا يباح شيء، من الحيوان المقدور عليه، بغير ذكاة)(6) لأن غير المذكي ميتة (7) .

(1) الذكاة تمام الشيء، ومنه الذكاة في السن، أي تمامه، وسمي الذبح ذكاة، لأنه إتمام الزهوق ومنه قوله:{إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} أي أدركتموه، وفيه حياة فأتممتموه، ثم استعمل في الذبح، سواء كان بعد جرح سابق، او ابتداء، والأصل في الذكاة: الكتاب والسنة والإجماع.

(2)

والاسم الذكاة، فالمذبوح ذكي، فعيل بمعنى مفعول.

(3)

أي فالذكاة شرعا، ذبح حيوان مقدور عليه، بقطع حلقوم ومرئ كما يأتي.

(4)

الحلقوم: هو الحلقن وحلقمه: قطع حلقومه، والمريء مجرى الطعام والشارب، وهو رأس المعدة والكرش، اللاصق بالحقوم.

(5)

بما يجرحه في أي موضع، من بدنه، بسهم أو غيره.

(6)

أي ولا يباح شيء، من الحيوان المباح أكله، المقدور عليه، من بهيمة الأنعام، والصيد والطير، بغير ذكاة قال الوزير: في الحيوان البري، أجمعوا على أن ما أبيح أكله منه لا يستباح إلا بالذكاة.

(7)

وأجمع أهل العلم على أن الميتة حرام، إلا المضطر كما تقدم.

ص: 441

وقال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (1)(إلا الجراد والسمك (2) وكل ما لا يعيش إلا في الماء) فيحل بدون ذكاة لحل ميتته (3) لحديث ابن عمر يرفعه: «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان الحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» رواه أحمد وغيره (4) وما يعيش في البر والبحر، كالسلحفاة وكلب الماء، لا يحل إلا بالذكاة (5) وحرم بلع سمك حيا (6) .

(1) وهي ما مات حتف أنفه من الحيوان، من غير ذكاة ولا اصطياد لما فيها من المضرة اللاحقة للبدن والدين.

(2)

فيحل بدون ذكاة، بالاتفاق، وكذا ما طفى منه على الماء عند الجمهور، صاده مجوسي أو غيره، وكذا دبا وجندب، فيحل بدون ذكاة، وسواء مات الجراد بسبب الجدب، أو كبسه أو تغريقه، وهو قول عامة أهل العلم.

(3)

أي وإلا كل ما لا يعيش إلا في الماء، من حيوانات البحر، سواء صاده إنسان، أو نبذه البحر، أو جزر الماء عنه، أو حبس في الماء بحضيرة حتى يموت أو طفا على الماء.

(4)

ولقوله صلى الله عليه وسلم في البحر «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» فتحل جميع حيتان البحر، بدون ذكاة بالاتفاق، وكذا ما طفى منه عند الجمهور.

(5)

السلحفاة دابة برية وبحرية، لها أربع قوائم، والبحرية منها أعظم، وكلب الماء، ويقال كلب البحر، بينه وبين كلب البر بعض الشبه، وهو طويل الذنب قصير القوائم والأذنين أحمر، وكذا سرطان ونحوها، لا يحل إلا بالذكاة لانه لما كان يعيش في البر، ألحق بحيوان البر، احتياطا.

(6)

وذكره ابن حزم إجماعا.

ص: 442

وكره شبه حيا (1) لا جراد، لأنه لا دم له (2) (ويشترط للذكاة أربعة شروط) (3) :

أحدها (أهلية المذكي، بأن يكون عاقلا)(4) فلا يباح ما ذكاه مجنون، أو سكران أو طفل لم يميز لأنه لا يصح منه قصد التذكية (5)(مسلما) كان (أو كتابيا) أبواه كتابيان (6) .

(1) أي شيء السمك حيا، لأن له دما، ولا حاجة إلى إلقائه في النار، لإمكان تركه حتى يموت، لأنه يموت بسرعة، ولا يكره أكله إذا ألقي في النار وإنما كره تعذيبه بالنار.

(2)

أي لا يكره شيء جراد، وعلل بأنه لا دم له، ولأنه لا يموت في الحال، بل يبقى مدة طويلة، وأما تعذيبهما بالنار فلا يجوز، لخبر، لا يعذب بالنار إلا رب النار.

(3)

سواء كانت نحرا، أو ذبحا أو عقرا.

(4)

قال الوزير: أجمعوا على أن الذبائح المعتد بها، ذبيحة المسلم العاقل، والمسلمة العاقلة، القاصدين للتذكية، الذين يتأتى منهم الذبح، قال: اتفقوا على أن ذكاة المجنون وصيده، لا يستباح أكله.

(5)

فقصد التذكية، وهو الشرط في الحقيقة، وكونه عاقلا شرط في وجوده ولا يعتبر في التذكية، قصد الأكل اكتفاء بنية التذكية، وتقدم قول الشيخ: لو لم يقصد الأكل، وقصد حل يمينه لم يبح، وكذا لو ضرب إنسانا بسيف، فقطع عنق شاة.

(6)

قال الوزير: أجمعوا على أن ذبائح أهل الكتاب العقلاء، مباحة، معتد بها، اهـ وكون أبويه كتابين أو تغلبيين فقال الشيخ: كل من تدين

بدين أهل الكتاب، فهو منهم، سواء كان أبوه أو جده، قد دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله بعد النسخ والتبديل، أو قبل وهو المنصوص الصريح عن أحد، وإن كان بين أصحابه خلاف معروف، وهو الثابت عن الصحابة بلا نزاع بينهم، ذكر الطحاوي أنه إجماع قديم.

ص: 443

لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (1) قال البخاري، قال ابن عباس: طعامهم ذبائحهم (2)(ولو) كان المذكي (مميزا) أو (مراهقا (3) أو امرأة أو أقلف) لم يختن (4) ولو بلا عذر (5)(أو أعمى) أو حائضا أو جنبا (6) .

(1) أي ذبائح أهل الكتاب، من اليهودي والنصارى، حل لكم أيها المسلمون، وهذا بإجماع المسلمين أن ذبائحهم حلال للمسلمين، وذلك: لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، ولا يلزم منه إباحة كل ما لم يذكر اسم الله عليه، ولا ما ذبحوه لعيدهم، أو لشيء يعظمونه.

(2)

وقال ابن مسعود: لا تأكلوا من الذبائح، إلا ما ذبح المسلمون وأهل الكتاب رواه سعيد.

(3)

أي ولو كان المذكي، المسلم أو الكتابي، مميزا ولو دون عشر، لأن له قصدا صحيحا أو كان مراهقا، أي مقاربا الحلم.

(4)

أي: ولو كان المذكي امرأة مسلمة كانت أو كتابية، أو كان أقلف لم يختن، لأنه مسلم أشبه سائر المسلمين، وكذا إن كان كتابيا.

(5)

أي ولو كان المذكي ممن تقدم ذكرهم بلا عذر، كعدم بالغ أو امتناعه.

(6)

عدلا أو فاسقا، لعموم الأدلة وعدم المخصص.

ص: 444

(ولا تباح ذكاة سكران ومجنون) لما تقدم (1)(و) لا ذكاة (وثني ومجوسي ومرتد)(2) لمفهوم قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (3) الشرط (الثاني الآلة (4) فتباح الذكاة بكل محدد) ينهر الدم بحده (5)(ولو) كان (مغصوبا من حديد وحجر وقصب وغيره)(6) كخشب له حد، وذهب وفضة وعظم (7) .

(1) أي: لأنه لا يصح منه قصد التذكية، وهو الشرط في الحقيقة.

(2)

وكذا زنديق ودرزي، وتيامني، وقرمطي، ونصيري، وإسماعيلي، قال الوزير: أجمعوا على أن ذبائح الكفار، من غير أهل الكتاب غير مباحة.

(3)

فمفهومه: تحريم طعام غيرهم من الكفار، ويؤكل طعامهم، غير اللحم والشحم، وسائر أجزاء ذبائحهم، لأنها وسائر أجزائها ميتة.

(4)

وهي ما اعتمل به من أداة.

(5)

يقطع أو يخرق، لا بثقله ولا بعرضه.

(6)

لحديث كعب بن مالك، قال: فكسرت يعني الجارية حجرا فذبحتها به، فأمر صلى الله عليه وسلم بأكلها، رواه البخاري، لأن المقصود إنهار الدم، وقد وجد، وسواء كان المغصوب لربه أو لغيره، سهوا أو عمدا، طوعا أو كرها، وقال العمروي المالكي، بندق، الرصاص أقوى من كل محدد، يحل به الصيد،.

(7)

قال الوزير: أجمعوا على أن الذكاة تصح بكل ما ينهر الدم، ويحصل به القطع جرحا، كالمحدد من السيف، والسكين والرمح، والخشية والزجاج، والحجر، والقصب الذي له حد، كصنع المحدود اهـ وأما العظم فعنه: لا يباح الذبح به، وهو اختيار ابن القيم وغيره.

ص: 445

(إلا السن والظفر)(1) لقوله عليه الصلاة والسلام «ما أنهر الدم فكل (2) ليس السن والظفر» متفق عليه (3) الشرط (الثالث قطع الحلقوم) وهو مجرى النفس (4) .

(و) قطع (المريء) بالمد، وهو: مجرى الطعام والشراب (5) ولا يشترط إبانتهما (6) ولا قطع الودجين (7) .

(1) فلا تباح الذكاة بهما، وهو مذهب جمهور العلماء، وقال الوزير: اتفقوا على أن الذكاة، بالسن والظفر المتصلين، لا يجوز، وقال مالك والشافعي، وأحمد: والمنفصلين لا يجوز أيضا.

(2)

أي أساله وصبه بكثرة فيباح أكله.

(3)

قال ابن القيم: هذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام، إما لنجاسة بعضها، أو لتنجيسها على مؤمني الجن، وتمامه وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، أي ذلك عظم، فلا يحل الذبح به، وأما الظفر فمدى الحبشة، أي فسكين الحبشة، فلا يحل الذبح به.

(4)

قال الشيخ: سواء كان القطع فوق الغلصمة، وهي الموضع الثاني من الحلق أو كان القطع دون الغلصمة، وهي اللحم بين الرأس والعنق، أو العجرة على ملتقى اللهاة والمريء، أو رأس الحلقوم بشواربه وحرقدته.

(5)

عرق أحمر، تحت الحلقوم، ويسمى البلعوم، قال عمر: النحر في اللبة والحلق لمن قدر، واحتج به أحمد، وللدارقطني مرفوعا ألا إن الذكاة في الحلق واللبة.

(6)

أي الحلقوم والمريء وإبانتهما أكمل، خروجا من الخلاف.

(7)

أي: ولا يشترط قطع الودجين وهما الوريدان قال الشيخ:

وتقطع الحلقوم والمريء والودجان، والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربع يبيح سواء كان فيهما الحلقوم، أو لم يكن، فإن قطع الودحين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ من إنهار الدم.

ص: 446

ولا يضر رفع يد الذابح، إن أتم الذكاة على الفور (1) والسنة نحر إبل، بطعن بمحدد، في لبتها (2) وذبح غيرها (3)(فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح (4) وذكاة ما عجز عنه، من الصيد والنعم، المتوحشة (5) و) النعم (الواقعة في بئر ونحوها (6) بجرحه، في أي موضع كان من بدنه) (7) .

(1) يعني: ولو كان رفع يده قبل الإتمام، واعتبر في الترغيب قطعا تاما وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.

(2)

وهي الوهدة التي بين أصل العنق والصدر.

(3)

أي غير الإبل، لقوله تعالى:{إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} وثبت أنه صلى الله عليه وسلمضحى بكبشين ذبحهما بيده، من عكس أجزأ تقدم واختص الذبح بالمحل المذكور، لكونه مجمع العروق، فتخرج بالذبح فيه الدماء السيالة، ويسرع زهوق الروح فيكون أطيب للحم، وأخف على الحيوان وقد قال صلى الله عليه وسلم «إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» الحديث.

(4)

لما يأتي وروي عن علي وعمران بن حصينن ولا مخالف لهما.

(5)

بجرحه في أي موضع من بدنه، هذا مذهب الجمهور.

(6)

كنهر وبركة، سواء كانت النعم من إبل أو بقر، أو غنم أو حمار وحش ونحو ذلك.

(7)

بأن يطعن في سنامه، أو عقره، فتنتقل ذكاته من الذبح والنحر، إلى العقر.

ص: 447

روي عن علي وابن مسعود، وابن عمر وابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم (1)(إلا أن يكون رأسه، في الماء ونحوه) مما يقتله لو انفرد (فلا يباح) أكله لحصول قتله بمبيح وحاظر، فغلب جانب الحظر (2) وما ذبح من قفاه ولو عمدا، إن أتت الآلة على محل ذبحه، وفيه حياة مستقرة، حل (3) وإلا فلا (4) ولو أبان رأسه، حل مطلقا (5) .

(1) وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وجماهير العلماء، وقول مالك، لا يجوز إلا أن يذكي، قال أحمد، لعله لم يسمع حديث رافع، ولفظه «ند بعير، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه، فقال صلى الله عليه وسلم ما ند عليكم فاصنعوا به هكذا» متفق عليه.

(2)

كما لو ذبحه مسلم، ومجوسي أو وثني أو جرحاه.

(3)

أي: ما أتت الآلة على محل ذبحه وفيه حياة مستقرة، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك، وقال أبو حنيفة: متى أدركت ذكاتها قبل أن تموت حلت.

(4)

أي وإلا تأت الآلة على محل الذبح، وفيه حياة مستقرة، فلا يحل، وتعتبر بالحركة القوية، وقال الشيخ: إن خرج منه دم، كعادة المذبوح حل.

(5)

أي سواء كان مبدأ القطع، من جهة وجهه أو قفاه، أو غيرهما، مريدا تذكيته وسواء أبانه بسكين، أو بسيف يريد به الذبيحة أبيحت، وأفتى به علي وعمران بن حصين، ولا مخالف لهما، ولأنه قطع ما لا يعيش معه، في محل الذبح، فحل.

ص: 448

والنطيحة ونحوها (1) إن ذكاها، وحياتها تمكن زيادتها على حركة مذبوح، حلت (2) والاحتياط مع تحرك، ولو بيد أو رجل (3) وما قطع حلقومه، أو أبينت حشوته، فوجد حياته كعدمها (4)

(1) أي من حيوان مأكول، كالمنخنقة والموقوذة، والمتردية، أكيلة سبع، والمريضة، ما صيد بشبكة، أو شرك أو أحبولة، أو فخ، أو أنقذه من مهلكة.

(2)

واختار الموفق بأن تعيش زمنا يكون موتها بالذبح أسرع منه، أو أن تحرك المريضة ويسيل دمها، اهـ ومفهومه، إن لم تمكن زيادتها على حركة مذبوح بطول المدة، فلا وقال الشيخ: لما ذكر شروطهم الأظهر: أنه لا يشترط شيء من هذه الأقوال، بل متى ذبح فخرج الدم الأحمر، الذي يخرج من المذكي في العادة، ليس هو دم الميت، فإنه يحل أكله، وإن لم يتحرك في أظهر قولي العلماء، وفي المنتهى وشرحه: حل أكله ولو مع عدم تحركه بيد، أو رجل أو طرف عين، أو مصع ذهب، ونحو ذلك في الأصح.

(3)

أو طرف عين، أو مصع ذنب، ونحو ذلك.

(4)

أي: وما قطع حلقومه، من حيوان مباح، قبل تذكيته، أو أبينت حشوته، أي أزيلت وليس المراد ظهرت، فوجود حياته كعدمها، فلا يحل بذكاة، وكذا نحو ذلك، مما لا تبقى معه حياة، وما ذبح فغرق، أو تردى من علو، أو وطئ عليه، بثقيل يقتل مثله، فقال الموفق وغيره: يحل، وهو رواية عن أحمد، قال في الفروع: اختارها الأكثر، وصوبه الزركشي، وفي المنتهى وغيره: هو قول الفقهاء.

ص: 449

الشرط الرابع: أن يقول الذابح (عند) حركة يده بـ (الذبح بسم الله)(1) لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} (2) و (لا يجزئه غيرها)(3) كقوله: باسم الخالق، ونحوه (4) لأن إطلاق التسمية، ينصرف إلى بسم الله (5) وتجزئ بغير عربية ولو أحسنها (6) .

(1) وذكر جماعة: وعند الذبح قريبا منه، ولو فصل بكلام كالتسمية على الوضوء وكذا عند النحر، أو العقر.

(2)

أي خبيث حرام، قال ابن القيم: ولا ريب أن ذكر اسم الله على الذبيحة يطيبها، ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح، فإذا أخل به، لا بس الشيطان الذابح والمذبوح، فأثر خبثا في الحيوان، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح سمى فدلت الآية، أن الذبيحة لا تحل، إذا لم يذكر اسم الله عليها، وإن كان الذابح مسلما، وهو رواية عن مالك، وقيل: مستحبة، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وجماعة السلف الخلف، سقوط التسمية سهوا لا عمدا.

(3)

أي ولا يجزئ الذابح، غير قول بسم الله.

(4)

كالرازق وكالتسبيح، ونحوه.

(5)

كقوله {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} وقوله صلى الله عليه وسلم «يا غلام سم الله» وغيرهما يطلق على قول «بسم الله» شرعا وعرفا.

(6)

أي: ولو أحسن التسمية بالعربية، لأن المقصود ذكر الله، قد حصل، بخلاف التكبير والسلام، فإن المقصود لفظه، ويجزئ أن يشير أخرس بالتسمية برأسه، أو طرفه إلى السماء، وقال ابن المنذر، أجمع كل من نحفظ عنه، على إباحة ذبيحة الأخرس.

ص: 450

(فإن تركها) أي التسمية (سهوا أبيحت) الذبيحة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يسم إذا لم يتعمد» رواه سعيد (1)(لا) إن ترك التسمية (عمدا)(2) ولو جهلا فلا تحل الذبيحة، لما تقدم (3) ومن بداله ذبح غير ما سمى عليه، أعاد التسمية (4) ويسن مع التسمية التكبير، لا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم (5) .

(1) فدل الحديث على حل الذبيحة، إذا نسي اسم الله عليها.

(2)

أي فلا تحل الذبيحة لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} ولهذا الخبر.

(3)

أي لمن ترك التسمية جهلا، هذا المذهب، عند بعض الأصحاب، وجاء خبر:«إن قوما يأتوننا باللحمان فلا ندري أذكروا اسم الله عليه أولا، فقال صلى الله عليه وسلم سموا أنتم وكلوا» ، قالت عائشة: وكانوا حديثي عهد بكفر.

وهذا والله أعلم ما لم يعلم عنهم، أنهم لا يذكرون اسم الله عند الذبح.

(4)

بأن سمى على شاة مثلا ثم أراد ذبح غيرها، أعاد التسمية، سواء ذبح الأولى أو أرسلها، لأنه لم يقصد الثانية بتلك التسمية، فإن ذبحها بتلك التسمية عمدا، لم تبح وكذا لو رأى قطيعا فسمى، وأخذ شاة فذبحها، لم تبح، لأنه لا يقصدها بتلك التسمية.

(5)

أي: ويسن مع قول: «بسم الله» قول «والله أكبر» لأنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ذبح، قال: بسم الله والله أكبر، ولا خلاف في أن قول «بسم الله» يجزئه ولا تسن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع التسمية على الذبيحة، لعدم ورودها، ولأنها لا تناسب المقام، كزيادة الرحمن الرحيم.

ص: 451

ومن ذكر مع اسم الله اسم غيره، حرم ولم يحل المذبوح (1) (ويكره أن يذبح بآلة كالة) (2) لحديث:«إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة (3) وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة (4) وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» رواه الشافعي وغيره (5) .

(و) يكره أيضًا (أن يحدها الحيوان يبصره)(6) لقوله ابن عمر «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم» رواه أحمد وغيره (7)(و) يكره أيضا (أن يوجهه) أي الحيوان (إلى غير القبلة)(8) .

(1) ولو كان الذابح كتابيا.

(2)

لئلا يعذب الحيوان.

(3)

بكسر القاف.

(4)

قال الشيخ: وفي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال، حتى في إزهاق النفس، ناطقها وبهيمها، فعلى الإنسان أن يحسن القتلة، للآدميين، والذبحة للبهائم.

(5)

بآلة غير كالة، ويحدها كما يأتي، ويسرع إزهاقها لإراحتها.

(6)

أو يذبح شاة، وأخرى تنظر إليه.

(7)

فرواه ابن ماجه، فدل على مشروعية حد الشفرة، لإراحة البهيمة، وأن توارى حال حدها عن البهائم.

(8)

كالأذان لأنه قد يكون قربة، وكالأضحية.

ص: 452

لأن السنة توجيهه إلى القبلة، على شقه الأيسر (1) والرفق به (2) والحمل على الآلة بقوة (3) .

(و) يكره أيضا (أن يكسر عنقه) أي عنق ما ذبح (4)(أو يسلخه قبل أن يبرد) أي قبل زهوق نفسه (5) لحديث أبي هريرة: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل بن ورقاء الخزاعي، على جمل أورق، يصيح في فجاج منى بكلمات، منها، لا تعجلوا الأنفس قبل أن تزهق» رواه الدارقطني (6) .

وإن ذبح كتابي ما يحرم عليه، حل لنا، إن ذكر اسم الله عليه (7) .

(1) لأنه صلى الله عليه وسلم لما ضحى، وجه أضحيته إلى القبلة، وقال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وكونه على شقه الأيسر، ليتمكن من الذبح بيمناه، ويمسك رأسه بيسراه.

(2)

لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة.

(3)

وإسراع القطع، لإسراع زهوق النفس.

(4)

حتى تزهق نفسه، للخبر الآتي وكسر العنق تعذيب، واستعجال قبل أن يبرد.

(5)

ولا خلاف في ذلك، لما فيه من تعذيب الحيوان، قبل تكامل خروج نفسه.

(6)

أي لا تشرعوا في شيء من الأعمال، المتعلقة بالذبيحة، قبل أن تموت، فإن فعل، بأن كسر عنقه، أو سلخه قبل أن يبرد أساء، وأكلت لأن الذكاة تمت بالذبح، وما بعده غير معتبر.

(7)

أي وإن ذبح يهودي، أو نصراني، حيوانا يحرم عليه أكله كذي

الظفر، ومنفرج الأصابع، والبط والنعام، وما ليس بمشقوق الأصابع، حل لنا معشر المسلمين أكله، إن ذكر اسم الله عليه، ومفهومه: ولو ذبح لعيده، أو ليقربه إلى شيء يعظمه، لم يحرم علينا، إذا ذكر اسم الله عليه فقط، قال في الإنصاف: هذا المذهب.

وعنه: يحرم اختاره الشيخ: وقال ابن عقيل: يكون ميتة، لقوله تعالى:{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ} وقال ابن حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: لا يؤكل ما ذبح لأعيادهم وكنائسهم لأنه أهل به لغير الله، قال الشيخ: هذا أشهر نصوص أحمد، إذا نوى بها التقرب إلى غير الله، وإن سمى الله عليها.

ص: 453

وذكاة جنين مباح بذكاة أمه، إن خرج ميتا (1) أو متحركا كمذبوح (2) .

(1) أي: ذكاة الأم ذكاة للجنين، إن خرج ميتا، فإنه جزء من أجزائها والذكاة قد أتت على جميع أجزائها.

(2)

أي أو خرج الجنين متحركا، كحركة مذبوح، حل؛ وحكى الوزير وغيره: الاتفاق على أن الجنين إن خرج ميتا فذكاته بذكاة أمه، وكذغإن خرج متحركا كحركة مذبوح، إذ له حكم الميت، وقد اتفق النص، وهو: قوله صلى الله عليه وسلم ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه الخمسة والأصل والقياس، والاتفاق؛ إلا ما روي عن أبي حنيفة، واتفقوا على أنه خرج حيا يعيش مثله، لم يبح إلا بالذبح.

ص: 454