الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم السّابع
الاختلاف
فقه الخلاف في حياة الصّحابة رضي الله عنهم
-
أكثر ما يوهِن العزم، ويضْعِف القوم، ويمكِّن مِن الرِّقاب الخصم، الخلافُ غير السائغ، لما يترتَّب عليه مِنْ أمور وشرور. ومع أنَّ الإسلام أدعى الأديان للوحدة، إلَّا أنَّ أهله الأشدُّ اختلافاً وتفرّقاً، كما قال القائِل:
بَحَثْتُ عَن الأَدْيَانِ فِي الأَرْضِ كُلِّهَا وَجُبْتُ بِلادَ الله غَرْباً وَمَشْرِقَا
فَلَمْ أَرَ كَالإِسْلامِ أَدْعَى لأُلْفَةٍ ولا مِثْلَ أَهْلِيهِ أَشَدَّ تَفَرُّقَا
وما أوقع كثيراً مِنَ المسلمين بهذا الواقع الأليم إلّا جهلهم العظيم بفقه الكتاب والسُّنَّة، فقد نظرت في الدَّاء العَيَاء الّذي أوهن الأمَّة لأَصِفَ الدَّواء وأَحْسِمَ البلاء، فوجدت أكثر النَّاس يقدِّمون القول والعمل على العلم، وهذا يجعل بينهم عقبات وأيّ عقبات؛ فحيث كانت الأقوال والأفعال عن غير علم كان البلاء حاضراً.
ولا ريب أنَّ العلم قبل القول والعمل، كما قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19)} [محمّد] فبدأ بالعلم، فاعلم.
وإنَّك ترى انشغال أكثر النّاس بالأعمال المفضولة عن الفاضلة، وبالأقوال المرجوحة عن الرّاجحة، وبالفضائل عن المسائل، وبالجدل عن مغيّبات العِلَل، ومدار ذلك على ملابسة القول والعمل قبل العلم، وهذا من جهل فقه الأولويّات.
ولذلك تجد كثيراً مِنَ النَّاس لا يدري كيف يختار خير الخيرين، ولا كيف
يدفع شرّ الشَّرَّين، ولا يميز بين الفرض والنّدب، والأصل والفرع، ولا يدري الآثار الموقوفة من المرفوعة، ولا يفرّق بين الغثِّ والسَّمين واليسار واليمين.
ولا يمكن للمسلم أن يتخطَّى مجاهل هذه المسائل إلَّا بفقه أحكام الشّريعة العمليَّة من أَدلَّتها التَّفصيليَّة المتلقَّاة عن خير البريَّة صلى الله عليه وسلم، كالواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل أي أن يتفقَّه في الدِّين.
والفقه أنواع: فقه الكتاب، وفقه السُّنَّة، وفقه مراتب الأعمال وتفاضلها، والفقه المذهبي، وفقه اللغة، وفقه السُّنن الكونيّة، وفقه الواقع، وفقه الخلاف.
ورأس هذه الأنواع وذروة سنامها فقه الكتاب والسُّنَّة؛ لأنّ الفقه في كثير من المسائل يكون واجباً عينيّاً، أمّا الأنواع الأخرى فمعرفتها واجب كفائيّ.
وقد بيّن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فَضْلَ التَّفَقُّهِ وأمر بِهِ وحثَّ عَلَيْهِ ورغَّب فِيهِ، فقال صلى الله عليه وسلم:"مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ"
(1)
، وقال صلى الله عليه وسلم:"فَخِيَارُكُمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فَقهُوا"
(2)
.
وإلى ذلك دعا الله تعالى أصحابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال جل جلاله:{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} [التّوبة].
وضَرَرُ الجهل بمسائل الفقه أشدُّ مِن ضَرَرِ الجهل بغيرها، ويزاد فيه إذا لم يرجع إلى أهل العلم، وقصَّة صاحب الشَّجَّة معلومَة، روى أحمد عن ابْن عَبَّاسٍ
(1)
البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 25) كتاب العلم.
(2)
البخاري "صحيح البخاري"(م 2/ج 4/ص 120) كتاب أحاديث الأنبياء.
يُخْبِرُ: أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ أَصَابَهُ احْتِلامٌ، فَأُمِرَ بِالاغْتِسَالِ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"قَتَلُوهُ قَتَلَهُم اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءَ الْعِيِّ السُّؤَالُ"
(1)
. فجعل الجهل مَرَضاً وشفاءَه سؤال أهل الذِّكر.
وأنواع الفقه الأخرى لا تقلُّ أهميَّة عن فقه الكتاب والسُّنَّة، ومن ضروريَّاتها فقه الخلاف؛ نظراً لحاجة الأمّة إليه خاصّة في هذا الزَّمان.
ومَنْ نظر في حياة الصَّحابة أعلام الدِّين وقدوة المتأخِّرين بعد الصَّادق الأمين صلى الله عليه وسلم، وجد أنَّه وَقَعَ بينهم خلاف في مسائِل الاجتهاد، إلّا أنَّ أحداً منهم لم يشنِّع على الآخر، وإنَّما كانوا الأكثر إعذاراً وقبولاً للحقِّ، وآية ذلك استدراك عائشة على الصَّحابة رضي الله عنهم، وإقرارهم لها في مسائل ومخالفتهم لها في مسائل أخرى.
وَثَمَّةَ اختلافات وقعت بين الصّحابة رضي الله عنهم في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلّا أنّها لم تفرِّق بينهم، منها ما حدث يَوْمَ الأحزاب لِمنْ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، وَلِمنْ أَخَّرَهَا إِلَى أَنْ وَصَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ، قال صلى الله عليه وسلم:"لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ. فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي؛ لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ"
(2)
.
فقد أَخَذَ بعضهم بظاهر كلامه صلى الله عليه وسلم وأخَّر الصَّلاة حتَّى يأتي بني قريظة، وبعضهم فَهِمَ أنَّه صلى الله عليه وسلم أراد منهم الجدّ والاجتهاد، فبادر إلى الصَّلاة في وقتها، لقوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103)} [النّساء].
(1)
أحمد "المسند"(ج 3/ص 328/رقم 3057) وإسناده صحيح.
(2)
البخاري "صحيح البخاري"(م 3/ج 5/ص 50) كتاب المغازي.