الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التّعصّب إلى الفرق يزيد من الفرقة
لا ريب أنَّ كثرة الفرق والجماعات والتَّعصُّب لها يزيد مِنْ فرقة المسلمين ويعمل على تمزيق الصَّف، وضعف الأمَّة وهوانها، ويجعل أمْرَها إلى بَوَار. فإذا قيل: لكن الجماعات كانت في عهد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فلها أَصْلٌ في الإسلام، فهناك المهاجرون، والأنصار، والأشعريّون، وأهل الصّفّة، وأهل بدر، وأصحاب الشَّجرة (أهل بيعة الرّضوان)، وأصحاب الحديبية، والطّلقاء، والعتقاء؟!
قلنا: فإذا كانت الجماعات في زماننا على ما كان عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فنعمَّا هي. ونحن لا نجهل أنَّ في تاريخنا التَّعدُّد والتَّنوّع فهناك: الشَّافعيّة، والحنابلة، والمالكيّة، والحنفيّة، ولا نجهل أنَّ الله تعالى سمَّى مِنْ أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار والأعراب لِحكَم، منها: تشريفهم، والثَّناء عليهم، وبيان فضلهم، وغرر خصائصهم، وطيب مغارسهم، ومكارم أخلاقهم، وكَرَم نِجَارهم، والدَّعوة إلى الاقتداء بهم، وغير ذلك، فهي تسميات مشروعة، ولكن إذا تُعُصِّب لها تصبح مردودة.
أخرج الشَّيخان عن جَابِر بْن عَبْد الله رضي الله عنهما، قَالَ: " كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ
(ضربه بيده) رَجُلٌ مِنْ المُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنصَارِيُّ: يَا لَلْأَنصَارِ، وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟! قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلاً مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا؛ فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"
(1)
. ونحن نقول لمن يتعصَّب لجماعته مَا قاله صلى الله عليه وسلم: " دَعُوهَا؛
(1)
البخاري "صحيح البخاري"(م 3/ج 5/ص 65) كتاب التّفسير.
فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ".
والصَّحابة رضي الله عنهم وإن اختلفت تسمياتهم لم يكونوا فرقاً وجماعات، وإنَّما كانوا أمَّةً واحدة، وكانوا خير أمَّة وأكرمها على الله تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (110)} [آل عمران] وعقيدتهم واحدة، وقلوبُهم على قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لا شحناءَ بينهم ولا بغضاء، اجتمعت قلوبهم وإن تفرَّقت ديارهُم، فَهُم مِن أهل الرَّحمة الَّذين استثنى الله تعالى في كتابه:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ (119)} [هود].
وقد سمَّاهم الله تعالى جميعاً المسلمين: {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ (78)} [الحجّ]، وسمَّاهم المؤمنين:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (10)} [الحجرات]، فانظر كيف جمعهم بالإسلام وأخوَّة الإيمان.
وفي التَّنزيل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)} [فصّلت] فلا أحد أحسن قولاً وعملاً ودرجة عند الله ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحاً، وقال إنَّه مُسْلِمٌ مِن المسلمين، لا مِن جماعة كذا وكذا.
والولاء والبراء لا يعني أن نوالي جماعة ونتبرَّأَ مِنَ الجماعات الأخرى، بل الولاء أن نوالي الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والذّين آمنوا، قال تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا (55)} [المائدة]. وعن عَمْرو بن العَاص، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جِهَاراً غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: " أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي، يَعْنِي فُلَانًا، لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا
وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ"
(1)
.
والبراء يكون من الكافرين، قَال تعالى:{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً (28)} [آل عمران]، وقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23)} [التوبة].
وكتاب الله تعالى فِيه النَّهي عن التَّحزُّب في الدِّين إلى فرق مختلفة المشارب والموارد، قال جل جلاله:{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (159)}
[الأنعام].
وقسَّم الله تعالى النَّاس إلى حزبين حصراً: حزب الله، وحزب الشَّيطان. أمَّا حزب الله فهم الَّذين يوالون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والَّذين آمنوا، ولذلك امتدحهم الله تعالى وأكَّد نصرهم في الدُّنيا، فقال عز وجل:{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)} [المائدة]، كما أكَّد فلاحهم في الآخرة، فقال تعالى:{أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)} [المجادلة].
أمَّا حزب الشَّيطان، فهم الَّذين اجتمعوا على معصية الله تعالى مِن أهل الأهواء والآراء وأصحاب الملل والنِّحل، ولذلك ذمَّهم الله تعالى وأكَّد خسارتهم
(1)
متَّفق عليه: البخاري "صحيح البخاري"(م 4/ج 7/ص 73) كتاب الأدب. ومسلم " صحيح مسلم بشرح النّووي "(م 2/ج 3/ص 87) كتاب الإيمان، واللّفظ لمسلم.
في الدُّنيا والآخرة، فقال تعالى:{اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)} [المجادلة].
فكيف نتحزَّب أحزاباً مختلفة المشارب والموارد ونذهب شَذَرَ مَذَرَ، وحزب الله تعالى واحد؟!
وإنَّما نقول هذا ـ وهو أمر معلوم ـ مِن باب التَّذكير استجابة لقوله تعالى: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)} [الذَّاريات] فالمؤمن إذا ذُكِّرَ تَذَكَّر، وإذا رُغِّبَ رَغِبَ، فاتَّبع أحسن ما أنزل الله، وأبشر بخير:{فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (18)} [الزّمر].
وإيَّاك أن تكون مِن أهل الاختلاف، ودعاة الفُرْقة، ممَّن اتَّبعوا السُّبل، وكدَّروا صفو الأخوَّة الإيمانيَّة. واتَّبع سبيل الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108)} [يوسف] فهو خير سلف لنا، وفي الصَّحيحين عن عائشة أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لابنته فاطمة رضي الله عنها لمَّا رأى أجله قد اقترب:" فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنا لَكِ"
(1)
.
واعلم أنَّ سبيل الرَّسول هو سبيل المؤمنين، قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النِّساء].
(1)
البخاري "صحيح البخاري"(م 4/ج 7/ص 142) كتاب الاستئذان، ومسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي"(م 8/ج 16/ص 6) كتاب فضائل الصَّحابة.