المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من أسباب الاختلاف وظهور الفتن - الأثر الثمين في نصرة عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين

[أحمد محمود الشوابكة]

فهرس الكتاب

- ‌الإهداء

- ‌تقديمأ. د. عبد النّاصر أبو البصل

- ‌تقديمأ. د. محمود السّرطاوي

- ‌تقديمأ. د. أحمد نوفل

- ‌تقديمد. محمّد ملكاوي

- ‌تقديمأ. د. عبد المقصود حامد

- ‌المقدّمة

- ‌القسم الأوَّلترجمة عائشة رضي الله عنها

- ‌نسبها

- ‌مولدها

- ‌أمّها أمّ رومان

- ‌إخوتها

- ‌نشأتها

- ‌الهجرة

- ‌بناء النبي صلى الله عليه وسلم بها رضي الله عنها ووصف زفافها

- ‌إتيان الملك النّبيّ صلى الله عليه وسلم بصورة عائشة رضي الله عنها قبل أن يتزوجها في سرقة من حرير

- ‌صفة عائشة رضي الله عنها

- ‌صداق عائشة رضي الله عنها

- ‌قَسَم النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ليلتين وليلة لسائر نسائه

- ‌حجرتها رضي الله عنها

- ‌صفة أثاث حجرتها رضي الله عنها

- ‌العلامة الّتي كان يعرف بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم رضاها وغضبها

- ‌غيرتها رضي الله عنها

- ‌فضل عائشة رضي الله عنها على سائر النّساء

- ‌أحب الناس إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها

- ‌الأمر بمحبّة عائشة رضي الله عنها

- ‌نزول الوحي عليه السلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها دون سائر نسائه

- ‌رؤية عائشة رضي الله عنها للوحي عليه السلام على صورة دحية الكلبي رضي الله عنه

- ‌البرهان بأنّ جبريل عليه السلام أقرأ عائشة رضي الله عنها السّلام

- ‌جهادها رضي الله عنها

- ‌سبب كنيتها بأم عبد الله

- ‌من نعم الله عليها

- ‌القدر الّذي مكثت فيه عائشة رضي الله عنها عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌عبادتها رضي الله عنها وخوفها من الله تعالى

- ‌فصاحتها رضي الله عنها

- ‌وفاتها والصّلاة عليها ودفنها

- ‌القسم الثَّانيحديث الإفك

- ‌أذى المنافقين لسيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

- ‌أربعة وردت براءتهم في القرآن الكريم

- ‌حديث الإفك

- ‌موقف أمّ رومان رضي الله عنها من الإفك

- ‌موقف أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه

- ‌موقف أمّهات المؤمنين رضي الله عنهن

- ‌موقف أسامة بن زيد رضي الله عنه

- ‌موقف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌موقف الخادمة بريرة رضي الله عنها

- ‌موقف النّبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه

- ‌من ردّ عن عرض أخيه

- ‌الحِكمة من لبوث الوحي

- ‌عائشة رضي الله عنها تتمثَّل آي القرآن في النّوازل

- ‌عائشة رضي الله عنها والصّفح الجميل

- ‌مَن تكلّم ومَن تولّى كبره

- ‌نزول الوحي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر رضي الله عنه ببراءتها رضي الله عنها

- ‌عائشة رضي الله عنها تضيف معرفة النّعمة بكلّيتها إلى الخالق دون الخلق

- ‌أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعفو عن مسطح رضي الله عنه ويصفح

- ‌الحُكم فيمن قذف طيّبة طابة رضي الله عنها بعد أن أنزل الله تعالى براءتها

- ‌الآيات العشر في براءة عائشة رضي الله عنها

- ‌من دلالات الآيات وعظاتها وهداياتها

- ‌القواعد الحسان لمن سمع حديث الإفك والبهتان

- ‌الحكمة من نزول براءة عائشة رضي الله عنها وحياً يتلى

- ‌لم يؤذون عائشة رضي الله عنها

- ‌ثلاث من كن فيه كن عليه

- ‌قذف المحصنات من السّبع الموبقات

- ‌حصان رزان

- ‌ما هي بأَوَّل بركتكم يا آلَ أَبِي بكر

- ‌القسم الثّالثنفحات من استدراكات أمّ المؤمنين رضي الله عنها

- ‌رجوع الصّحابة رضي الله عنهم إليها رضي الله عنها

- ‌استدراكها رضي الله عنها ومقاييس نقد الحديث عندها

- ‌القسم الرّابعحادثة الجمل

- ‌الفتنة الأولى: مقتل عثمان رضي الله عنه

- ‌مسير عائشة رضي الله عنها إلى البصرة وعذرها

- ‌مغفرة الله تعالى ذنوب عائشة رضي الله عنها ما تقدّم منها وما تأخَّر

- ‌عائشة رضي الله عنها وإصلاح ذات البين

- ‌الأمر بالإصلاح في القرآن الكريم

- ‌شهادة عمَّار رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها

- ‌الدّليل على أن خروج عائشة رضي الله عنها ومن معها كان للإصلاح

- ‌الرَّدُّ على من احتجَّ على خروج عائشة رضي الله عنها بقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}

- ‌عليّ رضي الله عنه يستنفر أهل الكوفة ليعيد عائشة رضي الله عنها إلى مأمنها

- ‌المنافقون يوقعون الفتنة بين الحيّين

- ‌عائشة رضي الله عنها تنهى عن القتال يوم الجمل

- ‌قتلى الجمل وزمن القتال

- ‌ما قاله عمار رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها حين فرغ من الجمل

- ‌مسير عائشة رضي الله عنها كان قدراً

- ‌الخطأ في الاجتهاد لا يبيح الطعن في صاحبه

- ‌محاسن من أمسك عن الوقوع في الصّحابة رضي الله عنهم وسكت عمّا شجر بينهم

- ‌القسم الخامسصدّ عاديات الأدعياء عن زوج سيّد الأنبياء صلى الله عليه وسلم

- ‌إثم من يحدِّث بكلِّ ما سمع

- ‌نقض قولهم: إنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أشار إلى بيت عائشة رضي الله عنها وقال: هنا الفتنة

- ‌نقض قولهم: عائشة رضي الله عنها كانت سبباً في طلاق الْجَوْنِيَّةِ وموتها كمدا

- ‌نقض قولهم: لم ينزل في عائشة رضي الله عنها شيء من القرآن

- ‌نقض قولهم: عائشة رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا لا في الآخرة

- ‌أحاديث موضوعة في حقِّ عائشة رضي الله عنها

- ‌ماذا قال ابنُ عبّاس رضي الله عنه حين اشتكت عائشة رضي الله عنها وحين حضرتها الوفاة

- ‌أدلّة العدالة

- ‌الصّحابة رضي الله عنهم شهداء الله تعالى

- ‌ تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من دعاة لا يهتدون بهداه ولا يستنون بسنته

- ‌إثم من دعا إلى ضلالة أو سنّ سنّة سيّئة

- ‌موعظة النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّتي ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ

- ‌القسم السّابعالاختلاف

- ‌فقه الخلاف في حياة الصّحابة رضي الله عنهم

- ‌أدب الخلاف بين الصَّحابة رضي الله عنهم

- ‌كره الصّحابة رضي الله عنهم للخلاف

- ‌فقه الخلاف في النّوازل

- ‌أنواع الاختلاف

- ‌النّهي عن الاختلاف والأمر بالاجتماع أصلان عظيمان في القرآن

- ‌دلالة عطف النهي على الأمر

- ‌إخبار النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن افتراق أمّته والتّنصيص على وحدتها

- ‌التّعصّب إلى الفرق يزيد من الفرقة

- ‌ما ينبغي أن يكون عليه المسلم عند الاختلاف

- ‌الحاجة إلى فقه الخلاف

- ‌الشفاء من كلّ خلاف مشكل وداء معضل

- ‌القسم الثّامنالفتن

- ‌معنى الفتنة

- ‌المعاني التي يحتملها لفظ الفتنة في القرآن الكريم

- ‌ظهور الفتن بموت الخليفة عمر رضي الله عنه

- ‌فتنة الرّجل عن دينه

- ‌التّحذير من الفتن

- ‌البيان بأن على الإنسان عِنْدَ الْفِتَنِ العمياء أن يكسر سيفه ويكون مقتولا

- ‌الدعاة إلى الفتن هم الدّعاة إلى النّار

- ‌الفتن لا تزال إلى يوم القيامة

- ‌تغبيط أهل القبور وتمني الموت عند نزول الفتن خشية ذهاب الدّين

- ‌من أسباب الاختلاف وظهور الفتن

- ‌من معالم الهدى في الفتن

- ‌وقفات وبعثات الفتنة

- ‌مثل الفتنة

- ‌من شهد الفتنة كارها ومن غاب عنها فرضيها

- ‌الله الله في الدّماء

- ‌أفلح من كفّ يده

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌من أسباب الاختلاف وظهور الفتن

‌من أسباب الاختلاف وظهور الفتن

واعلم أنَّ وراءَ اعتلال القلوب واختلافها ووقوعها في مضلَّات الفِتَن أسباب، منها: شياطين الإنس والجنّ.

فإيقاع العداوة بين النَّاس مِصْيدة وحِبَالة من حبائل الشَّيطان، قال تعالى:{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ (91)} [المائدة]، وقال تعالى:{إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)} [الإسراء]. وجاء التَّعبير بالفعل المضارع: (يوقِع) والفعل المضارع (يَنْزَغ) لإفَادة التَّجدُّد، فهو ما يزال يفسد ويهيّج ويحرِّش بين النَّاس ويجدِّد في حيله ولا يتوقَّف.

ولذلك قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ"

(1)

أي بحملهم على العداوة والفتن، ولذلك فمن عادى مُسْلِماً، فإنَّما استزلَّه الشَّيطان.

والشَّيطان هو من يستحقُّ العداوة، فهو عدو لنا كما أخبر تعالى:{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا (6)} [فاطر]. ولا يدَّخر الشَّيطانُ وُسْعاً في فتنة بني آدم، ولا يَضنُّ بإضلالهم، قَال تعالى:{يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ} [الأعراف]، {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)} [النّساء]، {إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)} [القصص].

وقد حذَّرنا الله تعالى من إبليس الَّذي يسعى غاية جَهْده في صَدِّ النَّاس عن

(1)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ"(م 9/ج 17/ص 156) كتاب صفة القيامة.

ص: 219

الصِّراط المستقيم، فقال مخبراً عنه: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ

شَاكِرِينَ (17)} [الأعراف]. وقوله: (لأقعدَنَّ) تضمين، لأنَّه حَصَلَ معنى في هذا الفعل مِنْ غير ذكر له، وإنَّما تضمَّنه؛ فالفعل (لأقعدنَّ) يتضمَّن معنى لألزمَنَّ، والمعنى: لألزمَنَّ صراطك المستقيم لا أبرحه، والقعود يكون طارئاً متجدِّداً، واللُّزوم يفيد الدَّوام والثَّبات والاستمرار، وهذا المعنى أفاده التَّضمين، الَّذي هو ضرْب مِن الإيجاز البليغ في البيان، وفنّ من فنونه.

فإبليس قاعد على الصِّراط المستقيم ملازم له مواظب عليه مواظبة لا يفتر عنها، فلا يَدَعُ جهداً في إطغاء وإغواء بني آدم، وقد ذكر الله تعالى في غير موضع أنَّ إبليس أخبر بذلك، كقوله:{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} [ص] وقوله: {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118)} [النِّساء] وقوله: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)} [الإسراء].

وأخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم محذِّراً إيّانا أنَّ إبليس له سرايا، وأنَّ مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في جوانب الأرض لفتنة النَّاس، فقال صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى البَحْرِ، فَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً "

(1)

.

(1)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ"(م 9/ج 17/ص 156) كتاب صفة القيامة.

ص: 220

وإبليس وجنوده لهم حيل في التَّلبيس على النَّاس وإضلالهم، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (21)} [النّور]، وقال تعالى:{وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62)} [يس]. وأعلمنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مع كلِّ إنسان شيطاناً (وهو القرين) لنحذر من فتنته ووسوسته، فقد قال صلى الله عليه وسلم يوماً لعائشة رضي الله عنها:" مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ، أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لي لَا يَغَارُ مِثْلي عَلَى مِثْلِكَ، فَقَالَ: رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أَوَمَعِي شَيْطَانٌ؟! قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ"

(1)

.

والحاصل التَّحذير مِنْ فتن إبليس ومكايد الشَّيطان ورد في الكتاب والسُّنَّة في غير موضع، فلا يستخفَّنَّكم الشَّيطان:{وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)} [فاطر].

وقد أمر الله تعالى بالتَّعوّذ مِنَ الشَّيطان عند قراءة القُرآن، فقال تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)} [النَّحل] فإذا كان الله تعالى قد أمر بالتَّعوِّذ من شرِّ الشَّيطان عند قراءة القرآن، فكيف في غيره؟!

وقد ورد الأمر بالاستعاذة من الشَّيطان في غير هذا الموضع، قَال تعالى:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (200)} [الأعراف]، وقال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ

(1)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّوويّ"(م 9/ج 17/ص 158) كتاب صفة القيامة.

ص: 221

شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} [النَّاس].

وقوله تعالى: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)} يدلّك على تنوّع الشَّيطان، فالشَّيطان نوعان: نوعٌ يَراك وهو شيطانُ الجنِّ، ونوع تراه وهو شيطان الإنس. ولعلَّ شيطانَ الإنس أشدُّ خطراً على بني آدم؛ لأنَّ شيطان الجنِّ إذا ذكرت الله تعالى ولَّى وخنس، بخلاف شيطان الإنس.

وقد جمع الله تعالى بينهما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ (112)} [الأنعام].

وأرشد الله تعالى إلى دفع أذى وشرِّ وسوسة شيطان الجنِّ بالاستعاذة بالله تعالى منه، وأرشدنا إلى دفع أذى شيطان الإنس بالصَّفْحِ وَالْإِعْرَاضِ عنه، والدَّفع بالَّتي هي أحسن.

واعْلَمْ أنَّ المُعْرِضَ عن ذكر الله تعالى يقيَّض له شيطاناً يضلّه عن الصِّراط السَّوي، ويخيِّل له أنَّه على الهُدى، قال تعالى:{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)} [الزّخرف] والبحث في هذا يتَّسع ويطول.

ومِن أَسباب الوقوع في الفتن: كيد الكائدين من المشركين والمنافقين والزَّائغين. فكم هم الَّذين يصدُّون عن السَّبيل مِن المشركين ويبغونها عِوجاً: {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا

ص: 222

عِوَجًا (3)} [إبراهيم]. وكم هم الَّذين يسعون لإفساد الصَّفِّ من المنافقين: {يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (47)} [التّوبة]. وكم هم الَّذين يبغون لنا الغوائل من أهل الزَّيغ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ (7)} [آل عمران]، والدَّاهِيَةُ الشَّنْعاءُ، والغارة الشَّعواء، أنّه لا يخلو منهم زمان ولا مكان ولا عَصْر ولا مِصْر.

ومن أسباب الفتنة: عدم موالاة المؤمنين بعضهم بعضاً. قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)} [الأنفال]. فالله تعالى يخبرنا بأنَّ الكفَّار بعضهم أولياء بعض، وأنَّه إذا لم يوال بعضنا بعضاً كما يفعل هؤلاء، تقع فتنة وفساد كبير؛ لوجود الموالاة والوحدة والقوَّة بينهم، ووجود المعاداة والتَّفرُّق والضَّعف بيننا.

ولذلك امتدح الله تعالى الصَّحابة على موالاتهم بعضهم بعضاً، فقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (72)} [الأنفال].

وأوجب الله تعالى على المؤمنين والمؤمنات أنْ يوالوا بعضهم بعضاً، فقال:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (71)} [التّوبة].

وقد دعا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى الوحدة والتّعاون بين المؤمنين في غير حديث، فقال صلى الله عليه وسلم:" إِنَّ المؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً، وَشَبَّكَ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَهُ "

(1)

.

(1)

البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 123) كتاب الصّلاة.

ص: 223

ومن أسباب غيظ القلوب واختلافها، ووقوع الفتن: التَّشدُّد والتَّنطُّع والغلو في الدِّين. والتَّشدُّد في الدِّين مخالف لما أمر الله تعالى به من رَفْعِ الحَرَج واليُسْر والتَّخفيف، قال عز وجل:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78)} [الحج]، {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (185)} [البقرة]، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ (28)} [النّساء]، {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (62)} [المؤمنون]، {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)} [الطلاق].

كما أنَّ التّشدّد مخالف لأمر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالتَّيسير وترك التَّنفير، قَال صلى الله عليه وسلم:"يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا"

(1)

. فالدِّين يُسْر، قال صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ"

(2)

، وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أحبُّ الدِّين إلى الله الحنيفيَّة السَّمحة "

(3)

.

والتَّنطُّع في الدِّين هلكة، كما قَال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:" هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ "

(4)

قالها

(1)

البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 25) كتاب العلم.

(2)

البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 15) كتاب الإيمان.

(3)

ذكره البخاري معلّقاً في كتاب الإيمان في "الصَّحيح"(م 1/ج 1/ص 15) ووصله في كتاب " الأدب المفرد "(ص 138/رقم 287) ووصله أحمد في " المسند "(ج 2/ص 522/رقم 2107) بإسناد حسن.

(4)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي"(م 8/ج 16/ص 220) كتاب العلم.

ص: 224

ثلاثاً. أي الغالون في التَّأويل، المتعمِّقون في أقوالهم وأفعالهم.

والغلو في الدِّين، والتَّشدُّد فيه غير الحقِّ نهى الله تعالى عنه، بقوله عز وجل:

{قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ (77)} [المائدة] ونهى عنه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وبيَّن أنَّ عاقبته الهلكة، فقال صلى الله عليه وسلم:"إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالغُلُوِّ فِي الدِّينِ"

(1)

. ويقابل الغلوَّ في الدِّين التَّفريط به، ودين الله بين الجافي المقصِّر عن الحدِّ، والغالي المجاوز الحدّ.

ومن أسباب الاختلاف والفتن: أخذ العلم عن غير أهله. قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله لَا يَنْزِعُ العِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعاً، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ العُلَمَاءِ بِعِلْمِهِم، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ"

(2)

والأحاديث والشَّواهد كثيرة، والعلماء غرباء لكثرة الجهلاء.

ومن الأسباب: القول بالرّأي، واتِّباع الهوى. خلا عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه ذات يَوْم فجعل يحدِّث نفْسَه، فأرْسَل إلى ابن عبَّاس، فقال: "كيف تختلف هذه الأمة، فكتابها واحد، ونبيُّها واحد، وقبلتها واحدة؟! قال ابنُ عبَّاس:

يا أمِيْرَ المؤمنينَ، إنَّا أُنْزِلَ علينا القُرآنُ، فقرأناه، وعَلِمْنا فِيْمَ نَزَلَ، وأنّه يكون بَعْدَنَا أقوامٌ يقرؤون القُرآنَ لا يعرفون فِيمَ نزل؛ فيكون كلّ قوم فيه رأي، فإذا كان لقومٍ فيه رأيٌ اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا. فَزَبَرَهُ عُمَرُ رضي الله عنه وَانْتَهَرَهُ

(3)

،

(1)

أحمد "المسند"(ج 3/ص 387/رقم 3248) وإسناده صحيح.

(2)

البخاري "صحيح البخاري"(م 4/ج 8/ص 148) كتاب الاعتصام.

(3)

لعلَّه نهره استعظاماً لا إنكاراً، فعمر رضي الله عنه يعرف أنَّ ما قاله الحقّ.

ص: 225

فَانْصَرَفَ ابن عبَّاسٍ، ثمَّ دعاه بعد، فَعَرَفَ الَّذي قال، ثم قال: إيه أَعِدْ"

(1)

.

واعلم مَنْ قدَّم رأيه على ما جاءه مِن الهدى، فإنّما يتَّبع الهوى، ولا يتَّبع الوحي، قال تعالى:{إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23)} [النّجم].

واتّباع الهوى ضلال، فقد شَهِدَ الله تعالى لِمَنْ طلب الهداية بغير الكتاب والسُّنَّة واتَّبع هواه بالضَّلال، قال تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)} [الجاثية].

وأنَّ مَنْ لا يجيب الرَّسول صلى الله عليه وسلم فإنّما يجيب هواه، وأنَّ ذلك غاية الضَّلال والظُّلم والخسران:{فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ (50)} [القصص].

ومن الأسباب: رفع العلم وانتشار الجهل. فلا شكَّ أنَّ مَنْ قلَّ علمه قلَّ إِعذاره للنَّاس، ومَنْ كَثُرَ جَهْلُه كَثُر لغَطُه، ومَنْ كَثُرَ لغَطُه كثُر غَلَطُه، ولذلك ذمَّ الله تعالى الجهل وأهله في غير موضع من كتابه، فقال تعالى:{وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)} [الأنعام]، {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25)} [لقمان]، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30)} [الرّوم].

وشبَّه الله تعالى الجهَّال بالأنعام (الإِبل والبقر والغنم) ولم يقتصر، بَل

(1)

البيهقي "الجامع لشعب الإيمان"(ج 4/ص 380/رقم 2086) وقال المحقّق: رجاله ثقات.

ص: 226

وجعلهم أضلَّ سبيلاً من الأنعام، فقال تعالى:{أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)} [الفرقان].

قلت: ولو نظرت إلى الأنعام لوجدت فيها من الوداعة والودِّ والدّفء والمنافع والجمال مَا لا تجده عند كثير مِن الجهَّال، الّذين امتلأت قلوبهم غيظاً وحسداً وحقداً، وهذا بلاء لا يرفع إلَّا بالهداية والعلم.

كما أخبر الله تعالى أنَّ شرَّ الدَّواب عنده الجهَّال، قال تعالى:{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)} [الأنفال]. وأخبر أنَّ كثيراً مِن الإنس والجنِّ يدخلون جهنَّم بسبب جهلهم وغفلتهم وإعراضهم، قال تعالى:{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف]. وخاطب الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم مُعَرِّضاً بالجاهلين، فقال تعالى:{فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)} [الأنعام] والخطاب وإنْ كان للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عينه، إلَّا أنَّ المراد به غيره؛ فالله تعالى قد أعاذه، وحاشا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يكون منهم. ووعظ الله تعالى نوحاً عليه السلام، فقال:{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)} [هود]، وقَال موسى عليه السلام:{أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)} [البقرة].

وأمر الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن الجاهلين، فقال تعالى:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)} [الأعراف]. وامتدح عباده بالإعراض

ص: 227

عن الجاهلين، فقال تعالى:{وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)} [القصص]، وقَال تعالى:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)} [الفرقان].

وكفى ذمّاً بالجهل وتقبيحه أنَّ كلب الصَّيد الجاهل لا يحلُّ أكل صيده، فقد اشترط الفقهاء لحلِّ الصَّيد أن يكون الكَلْبُ مُعَلَّماً لا جاهلاً، لقوله تعالى:{أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (4)} [المائدة].

وقد أخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مِن أَشراط السَّاعة أن يرفع العلم (العلم بالكتاب والسُّنَّة)، ويثبت الجهل، ويكثر القتل، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّاماً يُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ، وَالْهَرْجُ القَتْلُ"

(1)

.

وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لا يَدْرِي القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا المَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قال:

الْهَرْجُ، القَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ"

(2)

والبحث في هذا يتَّسع.

وخلاصة القول الجهَّال أموات غير أحياء، لا يهتدون بنصح، ولا ينتفعون بذكرى، ولم يكن على الأنبياء والرُّسل أثقل منهم، فهم أعداء الحقّ، وأعداء أنفسهم، وقد أحسن القائل:

(1)

البخاري "صحيح البخاري"(م 4/ج 8/ص 89) كتاب الفتن.

(2)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي"(م 9/ج 18/ص 35) كتاب الفتن.

ص: 228

لنْ يَسْمَعَ الأحمقُ مِنْ واعِظٍ

في رَفْعِهِ الصَّوتَ وفي هَمْسِهِ

لن تَبْلغَ الأعداءُ مِن جَاهِلٍ

مَا يبلغ الجاهِلُ مِنْ نفسِهِ

وشرّ الجهّال لا ينقضي أبد الآباد، والبليّة لا يخلو زمان منهم، وإذا حدثت الفتنة وكانوا فيها، فإنَّ أعقل العقلاء من العلماء الأجلاء لا يستطيع تسكينها.

"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ، أَوْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا "

(1)

.

المنجى من الفتن والمخرج من المحن

أرشدنا الله تعالى في كتابه إلى ما يعصمنا من الفتن، وأوَّل العواصم الاعتصام بالله وبكتابه، قال تعالى:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)} [النِّساء]، وقال تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحجّ].

والاعتصام بالكتاب يحتاج إلى أنْ نتدبَّر آيَ القرآنِ، ففيه نبأ ما كان قبلنا وحكم ما بيننا، وأن نَنْظُرَ سُنَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وما فيهما من بيان، فما عَلِمْناه نعمل به، وما جهلناه نردُّه إلى العلماء الموثوق بدينهم، فليس بعد الإيمان أحسن من الفهم عن الله ورسوله، ولذلك قال تعالى:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النّحل].

(1)

أحمد "المسند"(ج 18/ص 278/رقم 26495) وقال المحقّق: إسناده صحيح. وأخرجه التّرمذي في "السّنن"(م 5/ص 490/رقم 3427) كتاب الدَعوات، وقال: حسن صحيح.

ص: 229

والاحتكام إلى الكتاب والسّنّة يحمي المجتمع عند الاختلاف، فهو يحكم الأهواء ويجمع الكلمة، ولذلك قال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (10)} [الشّورى]، وقَال تعالى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (59)} [النّساء] والرَّدُّ إلى الله تعالى ردٌّ إلى كتابه، والرَّدُّ إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم هو سؤاله في حياته، والنَّظر في سنَّته بعد وفاته.

والرّجوع إلى الكتاب والسُّنَّة ليس نافلة، وإنَّما هو حدُّ الإيمان، قال تعالى:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} [النّساء]. وقد أخبر الله تعالى أنَّه ليس وراء حكمه إلَّا حكم الجاهليّة، قال تعالى:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة].

واعلم أنَّ الأمور الَّتي تختلف فيها الأمَّة إذا لم تردَّ إلى الله والرَّسول لا يعرف فيها الحقُّ، ولا يتبيّن فيها السَّبيل، ورحم الله تعالى الإمام مَالِك حَيْثُ يقول:"لَا يَصْلُحُ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا".

ومن أهمّ أسباب النّجاة من الفتن: لزوم العلماء ورثة الأنبياء، فهم في النّوازل أئمَّة الهدى، وعند الاختلاف مصابيح الدُّجى؛ قال تعالى:{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت]، وقال تعالى:{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (83)} [النِّساء].

فاسمع واعقل عن العلماء الحُلماء، فتنجو حين لا ينجيك إنسان، ولا تكن

ص: 230

مع هؤلاء الّذين فارقوا العقل وعارضوا النَّقل، وقال الله تعالى حاكياً عنهم:{وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)} [الملك]، ولذلك نفى الله تعالى عن قوم عَاد الأسماع والأبصار والعقول لمَّا لم ينتفعوا بهَا، قال تعالى:{وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ (26)} [الأحقاف].

ومن أسباب النَّجاة: الاستعانة بالصَّبر والصَّلاة، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)} [البقرة]. فالصَّبر يحمل على كظم الغيظ، والعفو عن النَّاس، والإحسان إليهم، والصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وما اسْتُدْفِع شرٌّ، ولا استُجْلِبَ خيْر، بمثل الصَّبْر والصَّلاة؛ فالصَّلاة صِلة بالله تعالى، والصَّابرون وجبت لهم معيَّة الله تعالى، فظفروا بها بخير الدّنيا وخير الآخرة، وفي التّنزيل، قال الله تعالى:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ (20)} [الفرقان]. ولا يخفى خروج الاستفهام إلى معنى الأمر، أي اصبروا.

ومن أسباب النَّجاة: الدّعاء والاستغفار والتّوبة، قال تعالى:{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا (43)} [الأنعام].

فهذا نبيّ الله يونس عليه السلام لمَّا التقمه الحوت، ووقع في محنة يا لها مَا أَضَرَّها، دعا الله تعالى بدعاء فكفاه بأسها ووقاه شرَّها، قال تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ

ص: 231

مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء]. وحتّى لا يتوهَّم متوهِّم أنَّ هذا الدُّعاء خاصّ بنبيِّ الله يونس عليه السلام، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء].

وهذا نبيّ الله تعالى أيّوب عليه السلام يدعو الله فيكشف الله تعالى ما به من ضرّ، قال تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ (84)} [الأنبياء].

ومِن أسباب النَّجاة: التَّعوّذ من الفتن. فقد أرشد النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّته إلى ما يعصمهم من الفتن، قال صلى الله عليه وسلم:"تَعَوَّذُوا بالله مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ"

(1)

. ولذلك كان عمر رضي الله عنه، يقول:" رَضِينَا بالله رَبّاً، وَبِالإِسلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، نَعُوذُ بالله مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ"

(2)

. وكان عمَّار رضي الله عنه يقول: "أعوذُ بالله من الفتن"

(3)

.

والتّعوّذ من الفتن مشروع ومطلوب ولو تيقَّن المرء أنَّه على الحقِّ المبين؛ لأنَّ الفتن قد تفضي إلى أمور يتبرّأ منها.

أمَّا حديث "اسْأَلوا الله الفتنةَ؛ فإنَّ فيها حصادَ المنافقين" فلا يصحّ، فقد أخرجه أبو نعيم وفي سنده ضعيف ومجهول من حديث عليّ رضي الله عنه بلفظ: "لا

(1)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي"(م 9/ج 17/ص 202) كتاب الجنّة.

(2)

البخاري "صحيح البخاري"(م 4/ج 8/ص 94) كتاب الفتن.

(3)

البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 115) كتاب الصَّلاة.

ص: 232

تكرهوا الفِتْنَةَ في آخر الزمان؛ فإنَّها تبير (تهلك) المنافقين "

(1)

.

ومن أسباب النَّجاة: إخلاص العمل لله تعالى، والنُّصح لمن ولَّاه الله تعالى

أمرنا، ولزوم جماعة المسلمين، فهذه خِصَال ثلاث تنفي الغلَّ عن قَلْبِ المسلم، قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"ثَلَاثُ خِصَالٍ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ أَبَداً: إِخْلَاصُ العَمَلِ لله، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ، وَلُزُومُ الْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ"

(2)

.

أي أنَّ لزوم جماعة المسلمين سبب في أن تشمله دعوة الإسلام وتكنفه، وتحيط به إحاطة السُّور، فالجماعة رحمة كما قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالفُرْقَةُ عَذَابٌ "

(3)

. وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"الدِّينُ النَّصِيحَةُ

(4)

، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لله، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلأَئِمَّةِ المسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم"

(5)

.

ومن أسباب النَّجاة: أن نتعاون على البرِّ والتَّقوى، وألّا نتعاون على الإثم

والعدوان؛ امتثالاً لأمر الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ

(1)

قال ابن الدّيبع: " أخرجه أبو نعيم، وفي سنده ضعيف ومجهول "تمييز الطَّيِّب مِن الخبيث" (ص 221/رقم 1611). وقال الحافظ: " أخرجه أبو نعيم وفي سنده ضعيف ومجهول " فتح الباري"(ج 13/ص 36). وقال الألباني: منكر "الضَّعيفة"(ج 12/ص 737/رقم 5835).

(2)

أحمد "المسند"(ج 16/ص 32/رقم 21482) وإسناده صحيح.

(3)

أحمد "المسند"(ج 14/ص 176/رقم 18362) وإسناده صحيح.

(4)

حديث "الدَّين المعاملة" دائر على ألسنة العامّة، وليس بحديث، فليس له ذكر حتَّى في كتب الأحاديث الموضوعة. قال الألباني في مقدّمة الضّعيفة: ولا أصل لذلك، ولا في الأحاديث الموضوعة "الضّعيفة "(ج 5/ص 11).

(5)

مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي"(م 1/ج 2/ص 37) كتاب الإيمان.

ص: 233

وَالْعُدْوَانِ (2)} [المائدة].

ولذلك ذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ إِلَى حُرْمَةِ بَيْعِ السِّلاح زمن الفتنة للبغاة وأهل

الفتنة، لما في ذلك من تعاون على الإثم والعدوان، ومفاسد لازمة ومتعديّة، ومجرّدة ومزيدة، جَرْياً على قاعدة الأمور بمقاصدها، والحكم للغالب، ودَرْء المفاسد مُقدَّم

على جلب المصالح، لاسيَّما إذا كانت المصالح خاصَّة والمفاسد عامَّة مطلقة.

فالمسلم عليه أن يكون مع الخيار لا مع الشِّرار الَّذين لا يُرجى خيرهم ولا يُؤْمَنُ شرُّهم، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَخِيَارُكُمْ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ الله تَعَالَى. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَشِرَارُكُمْ المُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، المشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، البَاغُونَ، البُرَآءَ العَنَتَ"

(1)

.

وهذا عثمان رضي الله عنه لمَّا نزل به ما نزل، دخل عليه عُبَيْدُ الله بْن عَدِيّ، وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ:"إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ؟! فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا، فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ "

(2)

.

وفي هذا الأثر التَّحذير من الفتنة، والحضُّ على شهود الجماعة خاصّة في زمن الفتن؛ حرصاً على جمع الكلمة ووحدة الصَّف، فصلاة الجماعة ضاعف الله تعالى أجرها لأنّها من مظاهر وحدة المسلمين. وقول عثمان رضي الله عنه سنَّة متَّبعة ماضية؛ لحضِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على اتِّباع سنَّته، وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين من بعده.

(1)

أحمد "المسند"(ج 18/ص 599/رقم 27474) وإسناده حسن.

(2)

البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 171) كتاب الأذان.

ص: 234

فَتَمَثَّلْ أخلاقَ أبرّ النَّاس قلوباً وألينهم جانباً، وتعلَّم كيف تُعامِلُ غيرك، وكيف تسعى في ركاب الحقِّ دَهْرَك، واجعل قول عثمان رضي الله عنه شعاراً لك:"فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ، فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا، فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ ". وكن مرحوماً لا محروماً، وأوسع النَّاس حلماً إذا أوسعوك جهلاً، لله درُّك يا عثمان مَا أحْلمك! وصدق القائل:

والنَّاسُ صِنْفَانِ: مَوْتَى في حياتِهم وآخرون بِبَطْنِ الأرض أحَياءُ

ومن أسباب النَّجاة: القولُ الحسن، فالقول الحسن يَسُدُّ مداخِلَ الشَّيطان

ويبطل مكائده، قال تعالى:{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)} [الإسراء].

فالمسلم ينتقي أطيب الكلام وأحسنه، ويتخيّر أجمل الألفاظ الّتي تصفي له ودّ أخيه؛ حتَّى لا يدع للشَّيطان سبيلاً، ولذلك أثنى الله تعالى على المؤمنين، فقال:{وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)} [الحجّ].

وقد ثبَّت الله تعالى الصَّحابة رضي الله عنهم على القول الطَّيِّب حتَّى في الخصومة مع أعدائهم، فقد تعلَّموا في مدرسة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيوم بدر، لمَّا أخذ أبو سفيان يَرْتَجِزُ: إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" أَلَا تُجِيبُوا لَهُ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، مَا نَقُولُ؟ قَالَ: قُولُوا: الله مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ"

(1)

.

وانظر ما علَّق الله تعالى على التَّقوى والقول السَّديد مِنْ صَلاحِ العمل

(1)

البخاري "صحيح البخاري"(م 2/ج 4/ص 27) كتاب الجهاد.

ص: 235

وغفرانِ الذّنوب، قال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (71)} [الأحزاب].

ومن أسباب النَّجاة: الفرار إلى الله، قال تعالى:{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (50)}

[الذّاريات] فالسّعيد مَنْ فَرَّ إلى الله تعالى، والشَّقي مَنْ فَرَّ مِن الله إلى سواه.

ومَنْ يعصمنا مِنْ أَمْر الله عز وجل إن أراد بنا ضَرّاً أو نفعاً، وأين المفرّ مِن حكمه

وقدره ولا ملجأ منه إلّا إليه: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)} [الأحزاب]، {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا (11)} [الفتح].

ومن أسباب النَّجاة: الفرار من الفتن، فهذا نبيّ الله تعالى يوسف عليه السلام لمّا دعته امرأة العزيز فَرَّ مِن هذه الفتنة، قال تعالى:{وَاسْتَبَقَا الْبَابَ (25)} [يوسف].

والفِرَارُ مِن الفِتَنِ مِن الدِّينِ، فقد عقد البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه باباً، قال:(مِن الدِّينِ الفِرَارُ مِن الفِتَنِ) وذكر فيه حديثاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ"

(1)

.

ولمّا استشهد الخليفة عثمان رضي الله عنه، نزل الصَّحابيُّ الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه

(1)

البخاري "صحيح البخاري"(م 1/ج 1/ص 10) كتاب الإيمان.

ص: 236

البادية فِراراً بدينه مِنَ الفتن؛ لما ورد من الإذن في اعتزالها، أخرج البخاري عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، تَعَرَّبْتَ

(1)

؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ "

(2)

.

قلت: ولو أنَّ كلَّ إنسان فَرَّ مِنَ الفتن، أو لزم بيته، مَا كانت فتنة، فإذا وجدت النَّاس مختلفين، ورأيتهم يتقاذفون بأرواحهم نحو الفتن ولا جماعة لهم ولا إمام، فاعتزلهم، والزم بيتك حتَّى تنجلي الفتنة، ويطلع قمرُها، فتمشي مبصراً، فذلك أسلم لدينك ودنياك، أخرج أحمد عن عَبْد الله بْن عَمْرو، قَالَ:

" بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم إِذْ ذَكَرُوا الْفِتْنَةَ ـ أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ ـ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ النَّاسَ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَخَفَّتْ أَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا ـ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ـ قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَنِي الله فِدَاكَ؟! قَالَ: الْزَمْ بَيْتَكَ، وَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ

(3)

، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَامَّةِ "

(4)

.

اللّهمّ إنّي أعوذ بك مِنْ سوء الفتن والبلابل والمحن، " وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ"

(5)

.

(1)

التّعرّب: الإقامة في البادية، والسّكنى مع الأعراب.

(2)

البخاري "صحيح البخاري"(م 4/ج 8/ص 94) كتاب الفتن.

(3)

أي الزم ما يخصّك من إعالة أهلك والقيام بمصالحهم، ولا تتعرّض لأمر العامَّة.

(4)

أحمد "المسند"(ج 6/ص 433/رقم 6987) وإسناده صحيح.

(5)

البخاريّ "صحيح البخاري"(م 4/ج 7/ص 159) كتاب الدّعوات.

ص: 237

ومن أسباب النَّجاة: تقوى الله عز وجل، قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2)} [الطّلاق]، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)} [الطّلاق]، {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا (29)} [الأنفال]، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28)} [الحديد].

ومن تقوى القلوب التَّثبت من الأخبار والتَّحقُّق مِنَ الآثار، وقد سبقت أدلَّته، فأغنى عن إعادته. فإذا ثار الشَّر بين النَّاس، ورأيت النَّاس يتهافتون عليه، ويقعون في الهلكة، فلا تكن إمَّعة تميل حيث الرّيح تميل، وكن ورعاً تقيّاً منَّاعاً للشَّرِّ، داعياً إلى الخير، فرَّاجاً للعسر، جلّاباً لليسر، ليِّن العريكة مع أهل الإيمان.

ومن أسباب النّجاة: التّوكّل على الله عز وجل، قال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)} [الطّلاق]، فانظر كيف جعل الله تعالى جزاء التَّوكُّل عليه واللّجوء إليه بأن يكون الله حسبه وكافيه، وكفى بالله حسيباً! لكن لكلِّ شيء وقت لا يتعدَّاه، فلا تستبطئ فرج الله.

ولو عَلِمَ النَّاسُ منزلة التَّوكُّل على الله تعالى ما توكَّل عبد على سواه، فطوبى لعبد سمع ووعى وتوكَّل في كلٍّ على المولى.

والقرآن الكريم مشحون بالآيات الّتي تدعو إلى التّوكّل على الله تعالى في المُلِمَّات والمُهِمَّاتِ والبلاء واللَّأْوَاءِ، قال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلم:{فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)} [آل عمران]، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)}

ص: 238

[النّمل]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)} [النّساء]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)} [الأنفال]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)} [الفرقان].

وأثنى الله تعالى على الصّحابة رضي الله عنهم، فقال:{الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)} [النَحل]، وامتدح المؤمنين، فقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)} [الأنفال]. وقد أحسن القائل:

الله حَسْبُكَ ممَّا عُذْتَ مِنْهُ بِهِ وَأَيْنَ أَمْنَع ممَّن حَسْبُه اللهُ

ومن أسباب النَّجاة: الثّقة بالله عز وجل. قال تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58)} [النَّجم].وقد علَّمنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم درساً في حُسْنِ الظَّنِّ بالله تعالى لمَّا قال لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه: "مَا ظَنُّكَ يَا أَبا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا"

(1)

أي بالنّصرة والتأييد.

ولمَّا قال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله أُتِينا، قال ما حكاه الله تعالى عنه:{لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40)} [التّوبة]. ولمّا قال أصحاب موسى عليه السلام إنّا لمدركون، قال:{إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشّعراء].

ومن أسباب النَّجاة: العودة إلى صادق الأخوَّة الإيمانيَّة، ومن لوازمها أن يوالي بعضنا بعضاً، فإذا رأيت أخوَّة بلا إيمان فاعلم أنَّها مصلحة، وإذا رأيت إيماناً

(1)

البخاريّ "صحيح البخاري"(م 2/ج 4/ص 190) كتاب المناقب.

ص: 239