الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدّمة
الحمدُ لله الَّذي ألَّف بين قلوبِ أهْلِ الإيمان وجعلهم بنعمته إِخواناً، وجمعهم على حُبِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وآله أصولاً فلم يتفرَّقوا أغصاناً وأفناناً، ووعدهم من لدنه مغفرةً ورضواناً. والصَّلاة والسَّلام على المبعوثِ رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه البَرَرَةِ المتَّقين، وعلى أزواجه الطَّيِّبات المطيَّبات الطَّاهرات المطهَّرات أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن، وعلى التَّابعين بإحسَانٍ إلى يوم الدِّين.
وبعد، فَمِنْ حُقوقِ الله تعالى على عباده صَدُّ عاديات الأدعياء وأباطيل الدُّخلاء، عن الإسلام ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، بالَّتي هي أحسن للَّتي هي أقوم، وبالحجَّة والبرهان، والدُّعاء باللِّسان والقلب والجنان، أن يهديهم الله تعالى لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة].
وقد ألَّف وصنَّف وأرَّخَ وتَرْجَمَ كثيرٌ من الأئمَّة الأعلام وأربابُ الأقلام، ممَّن سَلَفَ وخَلَفَ كتباً عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فمنهم من أجاد المطلع والمقطع ولم يَأْتَل، ومنهم من عُدَّت سقطاتُه وأُحْصِيت هفواته وحُفِظَت فَلَتاتُه، ومنهم من غَثَّ حديثُه وموَّه باطله حتَّى شبَّهه بالحقِّ، بِلُغَةٍ فيها سِحْرٌ ودهاء، ومكر وبلاء، وَعَدَّ نَفْسَهُ من العلماء الأجلَّاء {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (220)} [البقرة].
وكم هم الَّذين يضمرون حقداً وغيظاً، ويظهرون مخالصةً وودّاً، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن اختلاف الأقلام، والكتب الَّتي جرَّت النَّوائب العِظام الجِسَام، وتربَّى
عليها أجيال وأقوام.
وأنا أعلم أنَّه لا يخلو زمانٌ من منافقين، فالخير والشَّرُّ له وارثون، فلا عَجَبَ أن نسْمَعَ مَنْ يتحدَّث بالإفك ويلوكه، ويجمعه ويفرِّقه، ويلمّ شَعَثه ويشيعه، ويقْشِره ويخفيه، وينْشُره ويفشيه.
{يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ (30)} [يس] يجهل أكثرُهم أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم نصيباً من الإثم؛ لمتابعته ومشايعته رأس النِّفاق ابن أبيّ، فلم يكن هذا ليقع إلّا من منافق مارق، أو فاسق هالك {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2)} [الحشر].
ويا خَيْبَةَ مَنْ يحبُّ أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، قال عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (19)} [النّور] والطَّامَّة أنَّه لا ينعق ناعق إلَّا وجدت مَنْ يسارع الوثْبَةَ إليه، فلكلِّ ساقطة لاقطة، ولكلِّ ثوب لابس.
والله يشهد أنَّني ما وضعت هذا الكِتابَ الصَّادع الرَّادع إلّا لأظهرَ بالحجَّة على كلِّ متحيِّز إلى فئة ترجع إلى الأهواء والآراء: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42)} [الأنفال].
ولا ريب أنَّ مُفَارَقَةَ أهل الأهواء في الدُّنيا خَيْرٌ من مُرَافَقَتِهم في الآخرة، وقد قال الله تعالى:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ (22)} [الصَّافات].
وقد جَهَدْتُ جَهْدِي لأقيم حقّاً، أو أهدم باطلاً؛ حتَّى يعرف الحقَّ مَنْ جهله، ويَرْعَوِي عن البَغْي مَن اقترفه، وعذري أنَّه ليس على مجتهد بَذَلَ وُسْعَه في
طَلَبِ الحقِّ مِن عتب:
فإنْ لامَنِي القَومُ قُلْتُ أَعْذِروا فليس على أَعْرَجٍ مِنْ حَرَج
وأين يذهب مَنْ تزيَّا بزيِّ العلماء، وتعمَّم بعمائمهم، ثمَّ تولَّى عن آيات الله و {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ (83)} [الإسراء] واتَّبع الهوى ليَضِلَّ عن سبيل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص].
كذلك وضعته عظةً وعبرةً وتذكرة لِمَنْ لم يَسْلَمِ الصَّحابةُ من لِسَانه ويده، ولمن بَسَطَ لسَانَهُ في أعراضِهم، وأكل وشبع من لحومهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)} [طه] ولا أيأس من رَوْحِ الله، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)} [الطلاق].
ولم آلُ جَهْداً في نظمه وتأليفه، وتَرْصِيفِه وترصيعه، وزبرجته وتحبيره؛ فخراً بلغتنا العربيَّة لغة القرآن، ولغة سيِّد الأنام صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم. ولم أدَّخِر وُسْعاً ولا سَعْياً ببلاغةِ بلاغه، بل سلكت إليها كلَّ سبيل؛ التزاماً بما ألزمنا الله تعالى بِه، فقد قال جل جلاله:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18)} [العنكبوت]، ذلك أنَّ البلاغ المبين يكشف كُلَّ شبهة، ويزيل كلَّ لُبْسَة، ويدرَأُ كلَّ مفسدة، ويدفَعُ كُلَّ إشكال، ويجلِّي المُوَرَّى، ويوضِّح المُعَمَّى، ويجعل الحقَّ كَالشَّمْسِ في رَيْعَان الضُّحَى، لا يتمارى فيه اثنان.
ولذلك وَصَفَ الله تعالى كتابه بالمبين في غير آية، فقال:{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} [الزّخرف]، ووصف البلاغ المكتوب على الرُّسل بالبلاغ المبين،
فقال: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)} [النَّحل].
ولا ريب أنَّ البَلاغَ المبين من خصائص أسلوبِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، الَّذي أَعْجَزَ بَلاغُهُ البُلغَاءَ، وتَبَلَّدَ أَمَامه الفُصَحَاءُ؛ فقد أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِم، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ "
(1)
.
وما مِنْ شكٍّ أنَّ الموعظة بالكلمة البليغة لها أثرها وتأثيرها حتَّى على الكافرين والمنافقين، قال تعالى:{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)} [النِّساء] فالآية فيها فضل البلاغة والفصاحة.
ومع هذا لا يخلو زماننا الَّذي قلَّ فيه العلم وكثر فيه الظُّلم ممَّن رَغِبَ عن بيانه صلى الله عليه وسلم، وزهد في بلاغه، وممَّن استحبَّ العمى على الهدى فناله في أحبِّ النَّاس إليه، ألا بِئْسَ ما قدَّمت أيديهم ليوم الحِسَاب!
وأنا أعْلمُ ـ وليتهم يعلمون ـ أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها شَغَلَت العُلماءَ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وأثارت برزانة عقلها وغزارةِ علمِها إجلالَ السَّلفِ والخلف، بل لا توجد امرأةٌ بَرَزَ اسْمُها في تاريخ الإِسْلامِ والمسلمين، وحظيت باهتمام الباحثين والدَّارسين عَبْرَ القرون كما حظيت به عائشة رضي الله عنها، فهيهات أن يجود الزَّمان بمن يشقّ غبارها، أو يدنو من آثارها، فكيف باللَّحاق بها! وأين في النِّساء مثل عائشة رضي الله عنها؟! الرَّاجحة في موازين العقل، السَّابقة في ميادين الفضل؛ فلا عَجَبَ أن أسِيْرَ خَلْفَ السَّلف بِقَلْبٍ بِسِيرَتِها أَسِير.
(1)
البخاريّ "صحيح البخاري"(م 4/ج 8/ص 76) كتاب التّعبير.
كما أعلم أنَّ الله تعالى أغناها رضي الله عنها عن دفاع كُلِّ أحد، فقد تولَّى الله عز وجل الدِّفاع
عنها وعن المؤمنين، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (38)} [الحجّ]، وأعلم أنَّ الله تعالى حَسْبُها، {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)} [الأنفال]، وأنَّه وليُّها، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (257)} [البقرة] وأنَّه أنزل في إخلاء ساحتها عشر آيات بيِّنات نيِّرات.
لكن مضَّني سماعُ ثَلْبِهم وقَرْفِهم لمن زكَّاه اللهُ وقَرَظَه وأَطْرَاه، وأمرضني أن أظهروا العداوة ودَقُّوا عِطْرَ مَنْشِمِ، {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (118)} [آل عمران] وصار في صدْري بلابِلُ تقطِّع الأنفاسَ أَسَفاً على ما آل إليه أمْرُ المسلمين!
لكن مهما طالت الأيدي وقصرت، فستظلّ دعوتُهم صَرْخَةً في وادٍ، أو ضربةً في حديد بارد، أو نفخةً في رَمَاد، أو سحابةَ صَيْفٍ سُرْعَان ما تنقشع وتتكشَّف، فالحقُّ له مقامٌ ومقال:
الحقُّ أَبْلَجُ لا تَزِيغُ سَبِيلُهُ وَالحقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الألبَاب
فلا يضرُّ عالماً جَهْلُ جَاهِلٍ، ولا يضرُّ شريفاً عيبُ وضيعٍ، وكفى بالمرءِ شرّاً أنْ يقع في الصَّالحين، وهو ليس منهم! وصدق القائل:
ذو العقلِ لا يَسْلَمُ مِن جاهلٍ يسومُهُ عَسْفاً وإِعناتا
وقد جعلت هذا الكتاب في أَقسام ثمانية، وضمَّنته من الآيات المحكمات، والأحاديث القاطعات، والحجج الباهرات، والبراهين السَّاطعات، والأخبار المسندات ما يشرح الصُّدور، ويداوي المصدور.
وقد نثرت من نثره النَّظيم كلَّ درَّة تُزِيل ظلْمةَ اللَّيل البهيم: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة].
وكان صدور هذا الكتاب أُمْنِية قبل أن توافيني المنيَّة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ (43)} [الأعراف]. وختاماً، اللهَ أسألُ أن يُعِيْنَ مَنْ أعانني في هذا الكتاب، وأن يثيبه النَّعِيمَ المُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وأن يعود هذا الكتاب على مَنْ سعى في نشره بالخير العتيد، والنَّفع الَّذي لا ينقطع ولا يبيد، وأن يجزي خيراً مَنْ أقال الكَبْوة، وتدارك الهفوة، وسَدَّ الخلل، وأصلح الزَّلل، وأن ينفع به من قرأه أو نظر فيه النَّفع العميم، والخير السَّابغ الجسيم، وأن يجعله في صحائف أعماله يوم الدِّين:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)} [الانفطار] وآخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} [يونس].
المؤلِّف
أحمد محمود الشّوابكة
أبو عبيدة