المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المقدّمة الحمدُ لله الَّذي ألَّف بين قلوبِ أهْلِ الإيمان وجعلهم بنعمته - الأثر الثمين في نصرة عائشة - رضي الله عنها - أم المؤمنين

[أحمد محمود الشوابكة]

فهرس الكتاب

- ‌الإهداء

- ‌تقديمأ. د. عبد النّاصر أبو البصل

- ‌تقديمأ. د. محمود السّرطاوي

- ‌تقديمأ. د. أحمد نوفل

- ‌تقديمد. محمّد ملكاوي

- ‌تقديمأ. د. عبد المقصود حامد

- ‌المقدّمة

- ‌القسم الأوَّلترجمة عائشة رضي الله عنها

- ‌نسبها

- ‌مولدها

- ‌أمّها أمّ رومان

- ‌إخوتها

- ‌نشأتها

- ‌الهجرة

- ‌بناء النبي صلى الله عليه وسلم بها رضي الله عنها ووصف زفافها

- ‌إتيان الملك النّبيّ صلى الله عليه وسلم بصورة عائشة رضي الله عنها قبل أن يتزوجها في سرقة من حرير

- ‌صفة عائشة رضي الله عنها

- ‌صداق عائشة رضي الله عنها

- ‌قَسَم النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها ليلتين وليلة لسائر نسائه

- ‌حجرتها رضي الله عنها

- ‌صفة أثاث حجرتها رضي الله عنها

- ‌العلامة الّتي كان يعرف بها النّبيّ صلى الله عليه وسلم رضاها وغضبها

- ‌غيرتها رضي الله عنها

- ‌فضل عائشة رضي الله عنها على سائر النّساء

- ‌أحب الناس إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها

- ‌الأمر بمحبّة عائشة رضي الله عنها

- ‌نزول الوحي عليه السلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها دون سائر نسائه

- ‌رؤية عائشة رضي الله عنها للوحي عليه السلام على صورة دحية الكلبي رضي الله عنه

- ‌البرهان بأنّ جبريل عليه السلام أقرأ عائشة رضي الله عنها السّلام

- ‌جهادها رضي الله عنها

- ‌سبب كنيتها بأم عبد الله

- ‌من نعم الله عليها

- ‌القدر الّذي مكثت فيه عائشة رضي الله عنها عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌عبادتها رضي الله عنها وخوفها من الله تعالى

- ‌فصاحتها رضي الله عنها

- ‌وفاتها والصّلاة عليها ودفنها

- ‌القسم الثَّانيحديث الإفك

- ‌أذى المنافقين لسيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

- ‌أربعة وردت براءتهم في القرآن الكريم

- ‌حديث الإفك

- ‌موقف أمّ رومان رضي الله عنها من الإفك

- ‌موقف أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه

- ‌موقف أمّهات المؤمنين رضي الله عنهن

- ‌موقف أسامة بن زيد رضي الله عنه

- ‌موقف عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه

- ‌موقف الخادمة بريرة رضي الله عنها

- ‌موقف النّبيّ صلى الله عليه وسلم

- ‌موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه

- ‌من ردّ عن عرض أخيه

- ‌الحِكمة من لبوث الوحي

- ‌عائشة رضي الله عنها تتمثَّل آي القرآن في النّوازل

- ‌عائشة رضي الله عنها والصّفح الجميل

- ‌مَن تكلّم ومَن تولّى كبره

- ‌نزول الوحي على النّبيّ صلى الله عليه وسلم في بيت أبي بكر رضي الله عنه ببراءتها رضي الله عنها

- ‌عائشة رضي الله عنها تضيف معرفة النّعمة بكلّيتها إلى الخالق دون الخلق

- ‌أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعفو عن مسطح رضي الله عنه ويصفح

- ‌الحُكم فيمن قذف طيّبة طابة رضي الله عنها بعد أن أنزل الله تعالى براءتها

- ‌الآيات العشر في براءة عائشة رضي الله عنها

- ‌من دلالات الآيات وعظاتها وهداياتها

- ‌القواعد الحسان لمن سمع حديث الإفك والبهتان

- ‌الحكمة من نزول براءة عائشة رضي الله عنها وحياً يتلى

- ‌لم يؤذون عائشة رضي الله عنها

- ‌ثلاث من كن فيه كن عليه

- ‌قذف المحصنات من السّبع الموبقات

- ‌حصان رزان

- ‌ما هي بأَوَّل بركتكم يا آلَ أَبِي بكر

- ‌القسم الثّالثنفحات من استدراكات أمّ المؤمنين رضي الله عنها

- ‌رجوع الصّحابة رضي الله عنهم إليها رضي الله عنها

- ‌استدراكها رضي الله عنها ومقاييس نقد الحديث عندها

- ‌القسم الرّابعحادثة الجمل

- ‌الفتنة الأولى: مقتل عثمان رضي الله عنه

- ‌مسير عائشة رضي الله عنها إلى البصرة وعذرها

- ‌مغفرة الله تعالى ذنوب عائشة رضي الله عنها ما تقدّم منها وما تأخَّر

- ‌عائشة رضي الله عنها وإصلاح ذات البين

- ‌الأمر بالإصلاح في القرآن الكريم

- ‌شهادة عمَّار رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها

- ‌الدّليل على أن خروج عائشة رضي الله عنها ومن معها كان للإصلاح

- ‌الرَّدُّ على من احتجَّ على خروج عائشة رضي الله عنها بقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}

- ‌عليّ رضي الله عنه يستنفر أهل الكوفة ليعيد عائشة رضي الله عنها إلى مأمنها

- ‌المنافقون يوقعون الفتنة بين الحيّين

- ‌عائشة رضي الله عنها تنهى عن القتال يوم الجمل

- ‌قتلى الجمل وزمن القتال

- ‌ما قاله عمار رضي الله عنه لعائشة رضي الله عنها حين فرغ من الجمل

- ‌مسير عائشة رضي الله عنها كان قدراً

- ‌الخطأ في الاجتهاد لا يبيح الطعن في صاحبه

- ‌محاسن من أمسك عن الوقوع في الصّحابة رضي الله عنهم وسكت عمّا شجر بينهم

- ‌القسم الخامسصدّ عاديات الأدعياء عن زوج سيّد الأنبياء صلى الله عليه وسلم

- ‌إثم من يحدِّث بكلِّ ما سمع

- ‌نقض قولهم: إنّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أشار إلى بيت عائشة رضي الله عنها وقال: هنا الفتنة

- ‌نقض قولهم: عائشة رضي الله عنها كانت سبباً في طلاق الْجَوْنِيَّةِ وموتها كمدا

- ‌نقض قولهم: لم ينزل في عائشة رضي الله عنها شيء من القرآن

- ‌نقض قولهم: عائشة رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا لا في الآخرة

- ‌أحاديث موضوعة في حقِّ عائشة رضي الله عنها

- ‌ماذا قال ابنُ عبّاس رضي الله عنه حين اشتكت عائشة رضي الله عنها وحين حضرتها الوفاة

- ‌أدلّة العدالة

- ‌الصّحابة رضي الله عنهم شهداء الله تعالى

- ‌ تحذير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من دعاة لا يهتدون بهداه ولا يستنون بسنته

- ‌إثم من دعا إلى ضلالة أو سنّ سنّة سيّئة

- ‌موعظة النّبيّ صلى الله عليه وسلم الّتي ذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ

- ‌القسم السّابعالاختلاف

- ‌فقه الخلاف في حياة الصّحابة رضي الله عنهم

- ‌أدب الخلاف بين الصَّحابة رضي الله عنهم

- ‌كره الصّحابة رضي الله عنهم للخلاف

- ‌فقه الخلاف في النّوازل

- ‌أنواع الاختلاف

- ‌النّهي عن الاختلاف والأمر بالاجتماع أصلان عظيمان في القرآن

- ‌دلالة عطف النهي على الأمر

- ‌إخبار النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن افتراق أمّته والتّنصيص على وحدتها

- ‌التّعصّب إلى الفرق يزيد من الفرقة

- ‌ما ينبغي أن يكون عليه المسلم عند الاختلاف

- ‌الحاجة إلى فقه الخلاف

- ‌الشفاء من كلّ خلاف مشكل وداء معضل

- ‌القسم الثّامنالفتن

- ‌معنى الفتنة

- ‌المعاني التي يحتملها لفظ الفتنة في القرآن الكريم

- ‌ظهور الفتن بموت الخليفة عمر رضي الله عنه

- ‌فتنة الرّجل عن دينه

- ‌التّحذير من الفتن

- ‌البيان بأن على الإنسان عِنْدَ الْفِتَنِ العمياء أن يكسر سيفه ويكون مقتولا

- ‌الدعاة إلى الفتن هم الدّعاة إلى النّار

- ‌الفتن لا تزال إلى يوم القيامة

- ‌تغبيط أهل القبور وتمني الموت عند نزول الفتن خشية ذهاب الدّين

- ‌من أسباب الاختلاف وظهور الفتن

- ‌من معالم الهدى في الفتن

- ‌وقفات وبعثات الفتنة

- ‌مثل الفتنة

- ‌من شهد الفتنة كارها ومن غاب عنها فرضيها

- ‌الله الله في الدّماء

- ‌أفلح من كفّ يده

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌ ‌المقدّمة الحمدُ لله الَّذي ألَّف بين قلوبِ أهْلِ الإيمان وجعلهم بنعمته

‌المقدّمة

الحمدُ لله الَّذي ألَّف بين قلوبِ أهْلِ الإيمان وجعلهم بنعمته إِخواناً، وجمعهم على حُبِّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وآله أصولاً فلم يتفرَّقوا أغصاناً وأفناناً، ووعدهم من لدنه مغفرةً ورضواناً. والصَّلاة والسَّلام على المبعوثِ رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه البَرَرَةِ المتَّقين، وعلى أزواجه الطَّيِّبات المطيَّبات الطَّاهرات المطهَّرات أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن، وعلى التَّابعين بإحسَانٍ إلى يوم الدِّين.

وبعد، فَمِنْ حُقوقِ الله تعالى على عباده صَدُّ عاديات الأدعياء وأباطيل الدُّخلاء، عن الإسلام ونبيِّ الإسلام صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، بالَّتي هي أحسن للَّتي هي أقوم، وبالحجَّة والبرهان، والدُّعاء باللِّسان والقلب والجنان، أن يهديهم الله تعالى لما اختلفوا فيه من الحقِّ بإذنه:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)} [البقرة].

وقد ألَّف وصنَّف وأرَّخَ وتَرْجَمَ كثيرٌ من الأئمَّة الأعلام وأربابُ الأقلام، ممَّن سَلَفَ وخَلَفَ كتباً عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فمنهم من أجاد المطلع والمقطع ولم يَأْتَل، ومنهم من عُدَّت سقطاتُه وأُحْصِيت هفواته وحُفِظَت فَلَتاتُه، ومنهم من غَثَّ حديثُه وموَّه باطله حتَّى شبَّهه بالحقِّ، بِلُغَةٍ فيها سِحْرٌ ودهاء، ومكر وبلاء، وَعَدَّ نَفْسَهُ من العلماء الأجلَّاء {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ (220)} [البقرة].

وكم هم الَّذين يضمرون حقداً وغيظاً، ويظهرون مخالصةً وودّاً، فالحَذَرَ الحَذَرَ مِن اختلاف الأقلام، والكتب الَّتي جرَّت النَّوائب العِظام الجِسَام، وتربَّى

ص: 15

عليها أجيال وأقوام.

وأنا أعلم أنَّه لا يخلو زمانٌ من منافقين، فالخير والشَّرُّ له وارثون، فلا عَجَبَ أن نسْمَعَ مَنْ يتحدَّث بالإفك ويلوكه، ويجمعه ويفرِّقه، ويلمّ شَعَثه ويشيعه، ويقْشِره ويخفيه، وينْشُره ويفشيه.

{يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ (30)} [يس] يجهل أكثرُهم أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم نصيباً من الإثم؛ لمتابعته ومشايعته رأس النِّفاق ابن أبيّ، فلم يكن هذا ليقع إلّا من منافق مارق، أو فاسق هالك {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (2)} [الحشر].

ويا خَيْبَةَ مَنْ يحبُّ أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، قال عز وجل:{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (19)} [النّور] والطَّامَّة أنَّه لا ينعق ناعق إلَّا وجدت مَنْ يسارع الوثْبَةَ إليه، فلكلِّ ساقطة لاقطة، ولكلِّ ثوب لابس.

والله يشهد أنَّني ما وضعت هذا الكِتابَ الصَّادع الرَّادع إلّا لأظهرَ بالحجَّة على كلِّ متحيِّز إلى فئة ترجع إلى الأهواء والآراء: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (42)} [الأنفال].

ولا ريب أنَّ مُفَارَقَةَ أهل الأهواء في الدُّنيا خَيْرٌ من مُرَافَقَتِهم في الآخرة، وقد قال الله تعالى:{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ (22)} [الصَّافات].

وقد جَهَدْتُ جَهْدِي لأقيم حقّاً، أو أهدم باطلاً؛ حتَّى يعرف الحقَّ مَنْ جهله، ويَرْعَوِي عن البَغْي مَن اقترفه، وعذري أنَّه ليس على مجتهد بَذَلَ وُسْعَه في

ص: 16

طَلَبِ الحقِّ مِن عتب:

فإنْ لامَنِي القَومُ قُلْتُ أَعْذِروا فليس على أَعْرَجٍ مِنْ حَرَج

وأين يذهب مَنْ تزيَّا بزيِّ العلماء، وتعمَّم بعمائمهم، ثمَّ تولَّى عن آيات الله و {أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ (83)} [الإسراء] واتَّبع الهوى ليَضِلَّ عن سبيل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص].

كذلك وضعته عظةً وعبرةً وتذكرة لِمَنْ لم يَسْلَمِ الصَّحابةُ من لِسَانه ويده، ولمن بَسَطَ لسَانَهُ في أعراضِهم، وأكل وشبع من لحومهم {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)} [طه] ولا أيأس من رَوْحِ الله، {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)} [الطلاق].

ولم آلُ جَهْداً في نظمه وتأليفه، وتَرْصِيفِه وترصيعه، وزبرجته وتحبيره؛ فخراً بلغتنا العربيَّة لغة القرآن، ولغة سيِّد الأنام صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم. ولم أدَّخِر وُسْعاً ولا سَعْياً ببلاغةِ بلاغه، بل سلكت إليها كلَّ سبيل؛ التزاماً بما ألزمنا الله تعالى بِه، فقد قال جل جلاله:{وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18)} [العنكبوت]، ذلك أنَّ البلاغ المبين يكشف كُلَّ شبهة، ويزيل كلَّ لُبْسَة، ويدرَأُ كلَّ مفسدة، ويدفَعُ كُلَّ إشكال، ويجلِّي المُوَرَّى، ويوضِّح المُعَمَّى، ويجعل الحقَّ كَالشَّمْسِ في رَيْعَان الضُّحَى، لا يتمارى فيه اثنان.

ولذلك وَصَفَ الله تعالى كتابه بالمبين في غير آية، فقال:{وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)} [الزّخرف]، ووصف البلاغ المكتوب على الرُّسل بالبلاغ المبين،

ص: 17

فقال: {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35)} [النَّحل].

ولا ريب أنَّ البَلاغَ المبين من خصائص أسلوبِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، الَّذي أَعْجَزَ بَلاغُهُ البُلغَاءَ، وتَبَلَّدَ أَمَامه الفُصَحَاءُ؛ فقد أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِم، قَالَ صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ "

(1)

.

وما مِنْ شكٍّ أنَّ الموعظة بالكلمة البليغة لها أثرها وتأثيرها حتَّى على الكافرين والمنافقين، قال تعالى:{فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)} [النِّساء] فالآية فيها فضل البلاغة والفصاحة.

ومع هذا لا يخلو زماننا الَّذي قلَّ فيه العلم وكثر فيه الظُّلم ممَّن رَغِبَ عن بيانه صلى الله عليه وسلم، وزهد في بلاغه، وممَّن استحبَّ العمى على الهدى فناله في أحبِّ النَّاس إليه، ألا بِئْسَ ما قدَّمت أيديهم ليوم الحِسَاب!

وأنا أعْلمُ ـ وليتهم يعلمون ـ أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها شَغَلَت العُلماءَ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وأثارت برزانة عقلها وغزارةِ علمِها إجلالَ السَّلفِ والخلف، بل لا توجد امرأةٌ بَرَزَ اسْمُها في تاريخ الإِسْلامِ والمسلمين، وحظيت باهتمام الباحثين والدَّارسين عَبْرَ القرون كما حظيت به عائشة رضي الله عنها، فهيهات أن يجود الزَّمان بمن يشقّ غبارها، أو يدنو من آثارها، فكيف باللَّحاق بها! وأين في النِّساء مثل عائشة رضي الله عنها؟! الرَّاجحة في موازين العقل، السَّابقة في ميادين الفضل؛ فلا عَجَبَ أن أسِيْرَ خَلْفَ السَّلف بِقَلْبٍ بِسِيرَتِها أَسِير.

(1)

البخاريّ "صحيح البخاري"(م 4/ج 8/ص 76) كتاب التّعبير.

ص: 18

كما أعلم أنَّ الله تعالى أغناها رضي الله عنها عن دفاع كُلِّ أحد، فقد تولَّى الله عز وجل الدِّفاع

عنها وعن المؤمنين، {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (38)} [الحجّ]، وأعلم أنَّ الله تعالى حَسْبُها، {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)} [الأنفال]، وأنَّه وليُّها، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا (257)} [البقرة] وأنَّه أنزل في إخلاء ساحتها عشر آيات بيِّنات نيِّرات.

لكن مضَّني سماعُ ثَلْبِهم وقَرْفِهم لمن زكَّاه اللهُ وقَرَظَه وأَطْرَاه، وأمرضني أن أظهروا العداوة ودَقُّوا عِطْرَ مَنْشِمِ، {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (118)} [آل عمران] وصار في صدْري بلابِلُ تقطِّع الأنفاسَ أَسَفاً على ما آل إليه أمْرُ المسلمين!

لكن مهما طالت الأيدي وقصرت، فستظلّ دعوتُهم صَرْخَةً في وادٍ، أو ضربةً في حديد بارد، أو نفخةً في رَمَاد، أو سحابةَ صَيْفٍ سُرْعَان ما تنقشع وتتكشَّف، فالحقُّ له مقامٌ ومقال:

الحقُّ أَبْلَجُ لا تَزِيغُ سَبِيلُهُ وَالحقُّ يَعْرِفُهُ أُولُو الألبَاب

فلا يضرُّ عالماً جَهْلُ جَاهِلٍ، ولا يضرُّ شريفاً عيبُ وضيعٍ، وكفى بالمرءِ شرّاً أنْ يقع في الصَّالحين، وهو ليس منهم! وصدق القائل:

ذو العقلِ لا يَسْلَمُ مِن جاهلٍ يسومُهُ عَسْفاً وإِعناتا

وقد جعلت هذا الكتاب في أَقسام ثمانية، وضمَّنته من الآيات المحكمات، والأحاديث القاطعات، والحجج الباهرات، والبراهين السَّاطعات، والأخبار المسندات ما يشرح الصُّدور، ويداوي المصدور.

ص: 19

وقد نثرت من نثره النَّظيم كلَّ درَّة تُزِيل ظلْمةَ اللَّيل البهيم: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة].

وكان صدور هذا الكتاب أُمْنِية قبل أن توافيني المنيَّة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ (43)} [الأعراف]. وختاماً، اللهَ أسألُ أن يُعِيْنَ مَنْ أعانني في هذا الكتاب، وأن يثيبه النَّعِيمَ المُقِيمَ الَّذِي لَا يَحُولُ وَلَا يَزُولُ، وأن يعود هذا الكتاب على مَنْ سعى في نشره بالخير العتيد، والنَّفع الَّذي لا ينقطع ولا يبيد، وأن يجزي خيراً مَنْ أقال الكَبْوة، وتدارك الهفوة، وسَدَّ الخلل، وأصلح الزَّلل، وأن ينفع به من قرأه أو نظر فيه النَّفع العميم، والخير السَّابغ الجسيم، وأن يجعله في صحائف أعماله يوم الدِّين:{يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)} [الانفطار] وآخر دعوانا {أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)} [يونس].

المؤلِّف

أحمد محمود الشّوابكة

أبو عبيدة

ص: 20