الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لمَّا تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة له تحقيقاً لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: " إنّ ابني هذا سيِّد، ولعلَّ اللهَ أن يُصْلِحَ به بين فئتين عظيمتين مِن المسلمين"
(1)
، وسمِّي ذلك العامُ عامَ الجماعة، وهذا يؤكِّد صحَّة خلافة معاوية رضي الله عنه؛ لأنَّ الله تعالى أجار أمَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من الاجتماع على ضلالة، وقد اجتمعوا على معاوية رضي الله عنه، فلا ريب أنَّهم اجتمعوا على حقٍّ، فما بال أقوام لا ينتهون عن ثَلْبِ معاوية رضي الله عنه إلى السَّاعة، وقد اجتمع عليه خَيْرُ النَّاس يومها وربِّ النَّاس؟!
أدلّة العدالة
ومِنْ أدلَّةِ عدالتهم مِنَ التَّنزيل، قوله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3)} [الحجرات] وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)} [الزّمر] وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ (4)} [الفتح] وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)} [الأنفال]، وقوله تعالى:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى (59)} [النّمل]، وقوله تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54)} [المائدة]، وقوله تعالى: {حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ (64)} [الأنفال] في آيات كثيرة متكاثرة.
(1)
البخاري " صحيح البخاري "(م 2/ج 3/ص 170) كتاب الصّلح.
ومن أدلَّة عدالتهم من السُّنَّة، قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:"خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ "
(1)
.
وصدق رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقد خَلَفَهم خَلْفٌ لا يتورَّعون في كلامهم، وتجرَّؤوا على الله في أيمانهم.
ومن أدلَّة عدالتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ، أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ "
(2)
.
والمعنى أنَّ بقاءَ النُّجوم أمانٌ للسَّماء، فإذا النّجوم انكدرت، جاء السَّماءَ ما تُوعَدُ فانفطرت وانشقت، وبقاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابهلا إله إلا الله، فلمَّا ذهب صلى الله عليه وسلم جاء أصحابه رضي الله عنهم ما يوعدون من الفتن، وبقاء الصَّحابة رضي الله عنهم كان أماناً للأمَّة، فلمَّا ذهب الصَّحابة رضي الله عنهم جاء أمَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يوعدون من اشتداد الفتن، واختلاف القلوب، وغير ذلك، وهذه كلّها من علامات النُّبوَّة، لوقوع ما أنذر به صلى الله عليه وسلم.
وقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ
(1)
البخاري " صحيح البخاري "(م 2/ج 3/ص 151) كتاب الشّهادات.
(2)
مسلم "صحيح مسلم بشرح النّووي"(م 8/ج 16/ص 83) كتاب فضائل الصّحابة.
مِنْ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ "
(1)
.
فهذه أدلَّة قاطعة على أفضليَّة الصَّحابة على كلِّ مَنْ جاء مِنْ بعدهم، ثم الَّذين رأوا الصَّحابة وهم التَّابعون لهم بإحسان، ثمَّ أتباع التَّابعين. ويؤبِّد هذا المعنى قول الله تعالى في التَّابعين:{وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)} [الجمعة].
هذا وقد أفرد المحدِّثون كتباً لفضائل الصَّحابة رضي الله عنهم، وأبواباً لفضائل المهاجرين والأنصار وبعض أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بما يغني عن إعادته.
ويكفي المهاجرين شرفاً أنَّ الله تعالى سمَّاهم الصَّادقين، فقال:{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8)} [الحشر] وأنّه أمر المؤمنين أن يكونوا معهم، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)} [التَّوبة].
ويكفي الأنصار شرفاً أنَّ الله تعالى جعلهم المفلحين، فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر].
(1)
البخاري " صحيح البخاري "(م 2/ج 4/ص 189) كتاب فضائل الصّحابة.