المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(2) - (354) - باب ما جاء في صلاة الكسوف - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٨

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تَتِمَّة كِتابُ الأذان (3)

- ‌(1) - (353) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ

- ‌(2) - (354) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ

- ‌(3) - (355) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ

- ‌تنبيه

- ‌(4) - (356) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ فِي الاسْتِسْقَاءِ

- ‌(5) - (357) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ

- ‌(6) - (358) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَمْ يُكَبِّرُ الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ

- ‌(7) - (359) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ

- ‌(8) - (360) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُطْبَةِ فِي الْعِيدَيْنِ

- ‌(9) - (361) - بَابُ مَا جَاءَ فِي انْتِظَارِ الْخُطْبَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ

- ‌(10) - (362) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا

- ‌(11) - (363) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا

- ‌فائدة

- ‌‌‌فائدة أخرى

- ‌فائدة أخرى

- ‌(12) - (364) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُرُوجِ يَوْمَ الْعِيدِ مِنْ طَرِيقٍ وَالرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِهِ

- ‌فائدة

- ‌(13) - (365) - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْلِيسِ يَوْمَ الْعِيدِ

- ‌(14) - (366) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحَرْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ

- ‌(15) - (367) - بَابُ مَا جَاءَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ

- ‌(16) - (368) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدَانِ فِي يَوْمٍ

- ‌(17) - (369) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ مَطَرٌ

- ‌(18) - (370) - بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ السِّلَاحِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ

- ‌(19) - (371) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الاغْتِسَالِ فِي الْعِيدَيْنِ

- ‌(20) - (372) - بَابٌ: فِي وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ

- ‌(21) - (373) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ رَكعَتَانِ

- ‌(22) - (374) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى

- ‌تنبيه

- ‌(23) - (375) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ

- ‌(24) - (376) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ

- ‌(25) - (377) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أَيْقَظَ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ

- ‌(26) - (378) - بَابٌ: فِي حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقُرآنِ

- ‌(27) - (379) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنَ اللَّيْلِ

- ‌(28) - (380) - بَابٌ: فِي كَمْ يُسْتَحَبُّ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ

- ‌(29) - (381) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ

- ‌(30) - (382) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ

- ‌(31) - (383) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كمْ يُصَلِّي بِالَّيْلِ

- ‌(32) - (384) - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَيِّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ

- ‌فائدة مهمة في النزول

- ‌(33) - (385) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُرْجَى أَنْ يَكْفِيَ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ

- ‌(34) - (386) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُصَلِّي إِذَا نَعَسَ

- ‌(35) - (387) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ

- ‌(36) - (388) - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ فِي الْبَيْتِ

- ‌(37) - (389) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى

- ‌(38) - (390) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الاسْتِخَارَةِ

- ‌(39) - (391) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْحَاجَةِ

- ‌تنبيه

- ‌(40) - (392) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ

- ‌(41) - (393) - بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ

- ‌(42) - (394) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّجْدَةِ عِنْدَ الشُّكْرِ

- ‌(43) - (395) - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَن الصَّلَاةَ كَفَّارَةٌ

- ‌(44) - (396) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا

- ‌(45) - (397) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم

- ‌(46) - (398) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ

- ‌(47) - (399) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ

- ‌(48) - (400) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ

- ‌(49) - (401) - بَابُ مَا جَاءَ فِي بَدْءِ شَأْنِ الْمِنْبَرِ

- ‌(50) - (402) - بَابُ مَا جَاءَ فِي طُولِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ

- ‌(51) - (403) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ السُّجُودِ

- ‌(52) - (404) - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ

- ‌(53) - (405) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ حَيْثُ تُصَلَّى الْمَكْتُوبَةُ

- ‌(54) - (406) - باب مَا جَاءَ فِي تَوْطِينِ الْمَكَانِ فِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي فِيهِ

- ‌(55) - (407) - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَيْنَ تُوضَعُ النَّعْلُ إِذَا خُلِعَتْ فِي الصَّلَاةِ

الفصل: ‌(2) - (354) - باب ما جاء في صلاة الكسوف

(2) - (354) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ

(4)

- 1234 - (1) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ،

===

(2)

- (354) - (باب ما جاء في صلاة الكسوف)

(4)

- 1234 - (1)(حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (234 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (199 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) اسمه فيروز أو سعيد البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (146 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن قيس بن أبي حازم) البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة مخضرم من الثانية، مات سنة ثمان وتسعين (98 هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه:(ع).

(عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله من الثقات.

(قال) أبو مسعود: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس) ولا لحياته، كما في حديث عائشة،

ص: 22

فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ .. فَقُومُوا فَصَلُّوا".

===

(فإذا رأيتموه) أي: رأيتم كسوفهما .. (فقوموا) إلى الصلاة (فصلوا) صلاته ندبًا لا وجوبًا، والأمر للندب المؤكد بدليل حديث: هل على غيرها؟ فقال: "لا، إلا أن تطوع".

قوله: "لا ينكسفان لموت أحد" قال السندي: قال ذلك؛ لأنها انكسفت يوم مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعم الناس أنها انكسفت لموته، فدفع صلى الله عليه وسلم وَهْمَهُم بهذا الكلام، قال القاضي عياض: وفي قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان" بالكاف، وفي حديث عائشة الآتي:(لا ينخسفان) بالخاء المعجمة، وفي غيرهما مما ورد في الكسوف استعمالُ لفظ الكسوف والخسوف في كل من الشمس والقمر.

فإذًا يقال: انكسَفَت الشمسُ، وخَسَفَ القمرُ، وقيل: لا يقال في الشمس إلا الخَسْفُ، وهو في "الأم" مروي عن عروة، ولا يصح؛ لأن القرآن يردُّه، قال الله تعالى:{وَخَسَفَ الْقَمَرُ} (1)، وإنما ورد عنه ما تقدم في الشمس، ثم اختلف: فقيل: هما بمعنىً، وقال الليث: الخسوف ذهابُ الكل، والكسوفُ ذهاب البعض، وقال أبو عمر: الخسوفُ ذهاب لونها، والكسوفُ تغيره. انتهى من "المعلم".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها كتاب الكسوف، باب لا تنكسف الشمس لموت أحد، ومسلم في كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف، وأبو داوود في كتاب الاستسقاء، باب من قال: أربع ركعات، والنسائي في كتاب الكسوف، باب

(1) سورة القيامة: (8).

ص: 23

(5)

- 1235 - (2) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمِيلُ بْنُ الْحَسَنِ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ

===

الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس، والدارمي، وأحمد بن حنبل.

وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي مسعود بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهم، فقال:

(5)

- 1235 - (2)(حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري.

(وأحمد بن ثابت) الجحدري أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه:(ق).

(وجميل) بفتح الجيم (ابن الحسن) بن جميل العتكي الجهضمي أبو الحسن البصري، صدوق يخطئ، من العاشرة. يروي عنه:(ق).

كلهم (قالوا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا خالد) بن مهران (الحذاء) المجاشعي أبو المنازل البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: إحدى وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).

(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي البصري، ثقة، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (104 هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه:(ع).

(عن النعمان بن بشير) الأنصاري الخزرجي أبي عبد الله المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما.

ص: 24

قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى انْجَلَتْ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا تَجَلَّى اللهُ

===

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قال) النعمان: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: في زمن حياته، (فخرج) من الحجرة حالة كونه (فزعًا) أي: خائفًا من وقوع عذاب الله تعالى، حالة كونه (يجر ثوبه) أي: رداءه على الأرض استعجالًا إلى الخروج؛ أي: خرج من بيته مستعجلًا (حتى أتى) إلى (المسجد) النبوي، (فلم يزل يصلي) صلاة الكسوف ركعتين ركعتين مرة بعد مرة، كما في رواية أبي داوود (حتى انجلت) وتنورت الشمس، قال الحافظ في "الفتح": إن كان هذا الحديث محفوظًا .. احتمل أن يكون معنى قوله: (ركعتين ركعتين) أي: ركوعين في كل ركعة، وقد وقع التعبير عن الركوع بالركعة في حديث الحسن البصري عند الشافعي في "مسنده"، ولفظه:(قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين).

(ثم) بعدما فرغ من صلاته (قال: إن أناسًا) من المسلمين (يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم) القدر عند الله تعالى (من العظماء) عند الله، (وليس) الأمر كائنًا (كذلك) أي: كما يقولون من أن انكساف الشمس لموت عظيم، بل (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد) من الناس (ولا لحياته) أي: حياة أحد من الناس وولادته، (فإذا تجلى الله) سبحانه؛

ص: 25

لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ .. خَشَعَ لَهُ".

===

أي: انكشف وظهر (لشيء من خلقه) أي: لشيء من مخلوقاته .. (خشع) ذلك الشيء وخضع وتذلل (له) أي: لرؤيته تعالى هيبة منه حتى تغيرت هيئته.

وقوله: "فإذا تجلى الله لشيء من خلقه

" إلى آخره، هذه زيادة منكرة موضوعة مدرجة من بعض الرواة.

فإن قلتَ: أيُّ فائدةٍ في قوله: "ولا لحياته" وقد كان تُوُهِّمَ انكسافهما لموت عظيم؟

قلنا: دفعَ به قولَ من كان يتوَهَم منهم أن الانكساف يقع لولادة شرير. انتهى "ابن الملك"، وقيل: ذكره تتميمًا للأقسام، وإلا .. فلم يدَّعِ أحدٌ أن الكسوف يكون لحياة أحد، أو ذكره لدفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفَقْدِ ألَّا يكون سببًا لإيجاد، فعمَّمَ الشارعُ النفيَ لدفع هذا التوهم. انتهى من "الإرشاد".

وقد أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة بسنده، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه من مارية القبطية (إبراهيم) بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية. انتهى "قسطلاني".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال: يركع ركعتين، رقم (1193)، والنسائي في كتاب الكسوف، باب نوع آخر، وأحمد بن حنبل في "مسنده".

قال السندي: قوله: "فإذا تجلى الله لشيء

" إلى آخره، قال الغزالي: هذه الزيادة غير صحيحة نقلًا، فيجب تكذيب ناقلها، وبَنى على ذلك أن قول الفلاسفة في باب الخسوف والكسوف حقٌّ لِمَا قام عليه من البراهين القطعية:

ص: 26

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وهو أن خسوف القمر عبارة عن امحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب، فإذا وقع القمر في ظل الأرض .. انقطع منه نور الشمس، وأن كسوف الشمس معناه وقوعُ جِرْمِ القمر بين الناظر والشمس؛ وذلك عند اجتماعهما في العِقْدَين في الدائرتين على دقيقة واحدة.

قال ابن القيم: إسناد هذه الزيادة لا مطعن فيه، ورواته كلهم ثقات حفاظ، ولكن لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف، فقد رَوى حديث الكسوف عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر صحابيًا فلم يذكر أحد منهم في حديثه هذه اللفظة، فمن هنا نشأ احتمال الإدراج، قال السبكي: قول الفلاسفة كما قال الغزالي، لكن إنكار الغزالي هذه الزيادة غير جيد؛ فإنه مروي في "النسائي" وغيره، وتأويله ظاهر، فأي بُعْدٍ في أن العالم بالجزئياتِ ومقدارِ الكائنات سبحانه يُقدِّر في أزلِ الأزلِ خشوعَها بتوسطِ الأرض بين القمر والشمس ووقوفِ جرم القمر بين الناظر والشمس، ويكون ذالكَ وقت تجليه سبحانه وتعالى عليهما، فالتجلي سببٌ لكسوفهما قَضت العادةُ بأنه يقارن توسط الأرض ووقوف جرم القمر لا مانع من ذلك، ولا ينبغي منازعة الفلاسفة فيما قالوا إذا دلت عليه براهين قطعية. انتهى منه.

فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، إلا هذه الزيادة المنكرة الموضوعة المدرجة من بعض الرواة؛ أعني بها: قوله: (فإذا تجلى الله لشيء من خلقه .. خشع له)، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.

* * *

ص: 27

(6)

-1236 - (3) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ

===

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي مسعود بحديث عائشة رضي الله عنهما، فقال:

(6)

-1236 - (3)(حدثنا أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن عمرو (بن السرح) -بمهملات ثانيتها ساكنة- الأموي مولاهم أبو الطاهر (المصري) الفقيه، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (250 هـ). يروي عنه:(م د س ق).

(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (197 هـ). يروي عنه:(ع).

(أخبرني يونس) بن يزيد الأموي مولاهم الأيلي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (159 هـ) على الصحيح. يروي عنه:(ع).

(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة إمام حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).

(أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (94 هـ) على الصحيح. يروي عنه:(ع).

(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قالت) عائشة: (كسفت الشمس) أي: تغيرت وزال عنها ضوءها

ص: 28

فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:"سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا

===

(في) زمن (حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات ابنه إبراهيم بالمدينة، سنة الحديبية، كما جزم به النووي، (فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجرة (إلى المسجد) لا إلى الصحراء؛ لخوف الفوات بالانجلاء والمبادرة إلى الصلاة مشروعة، (فقام فكبر) تكبيرة الإحرام، (فصف الناس) بالرفع فاعل؛ أي: اصطفوا (وراءه) صلى الله عليه وسلم، و (صف) يتعدى ويلزم، قال الحافظ في "الفتح": ويجوز النصب في الناس والفاعل محذوف، فالمراد به النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: جعلهم صفوفًا وراءه. انتهى.

(فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه (قراءة طويلة) نحوًا من سورة البقرة بعد الفاتحة والتعوذ، ولأبي داوود: قالت: فقام فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة، (ثم كبر) للركوع (فركع ركوعًا طويلًا) مسبحًا فيه قدر مئة آية من البقرة، (ثم رفع رأسه) من الركوع، (فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام) في رفعه من الركوع، (فقرأ) في قيامه ذلك (قراءة طويلة هي) أي: تلك القراءة (أدنى) أي: أقل (من القراءة الأولى) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة الفاتحة والتعوذ، ولأبي داوود: قالت: فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران.

(ثم) بعد قراءته في ذلك الرفع (كبر) للركوع الثاني، (فركع ركوعًا طويلًا

ص: 29

هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ:"سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ

===

هو أدنى) وأقل (من الركوع الأول) مسبحًا فيه قدر ثمانين آية، (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم فعل في الركعة الأخرى) أي: الأخيرة (مثل ذلك) أي: مثل ما فعل في الركعة الأولى، لكن القراءة في أولهما كالنساء، وفي ثانيهما كالمائدة، وهذا نص الشافعي في "البويطي"، قال السبكي: وقد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني والثالث ثم الثاني على الرابع، وأما نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه .. فلم يرد فيه شيء فيما أعلم، فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران.

نعم؛ إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثاني، كما ورد في الخبر. انتهى.

والتسبيح في أولهما؛ أي: في أول ركوعي الركعة الثانية بقدر سبعين آية، وفي الرابع بقدر خمسين، قال الأذرعي: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرض بها المأمومون، وقد يفرق بينها وبين المكتوبة بالندرة، أو يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين؛ لعموم حديث: "إذا صلى أحدكم بالناس .. فليخفف"، وتحمل إطالته صلى الله عليه وسلم على أنه علم رضا أصحابه، أو أن ذلك مغتفر لبيان تعليم الأكمل بالفعل. انتهى.

(فاستكمل أربع ركعات) أي: ركوعات في ركعتين؛ يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين كل ركعة بركوعين، وسمي الركوع الزائد ركوعًا باعتبار المعنى اللغوي، وإن كانت الركعة الشرعية هي الكاملة قيامًا وركوعا وسجودًا. انتهى "قسطلاني".

ص: 30

وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا

===

(و) سجد (أربع سجدات) في ركعتين، كما هو المعتاد في كل صلاة، وفائدة ذكره بيان أن الزيادة منحصرة في الركوع دون السجود، وهذا قول الأئمة الثلاثة، وأما الأحناف .. فيقولون: تؤول رواية تلك الزيادة على رفع بعض القوم رؤوسهم من طول الركوع، ثم عودهم إليه، فعندهم صلاة الكسوف على الأصول المعهود في الصلوات؛ لما رواه أبو داوود عن قبيصة بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت الشمس، فقال:"إنما هذه الآيات يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتموها .. فصلوا كأحدث؛ أي: أقرب صلاة صليتموها من المكتوبة"، قال ابن الهمام: وهي الصبح؛ فإن الكسوف كان عند ارتفاع قيد رمحين، والأخذ بهذا أولى؛ لوجود الأمر به وهو مقدم على الفعل. انتهى من بعض الهامش.

(وانجلت الشمس) -بنون قبل الجيم من باب انفعل- أي: صفت من السواد (قبل أن ينصرف) من صلاته، (ثم قام) النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا (فخطب الناس) أي: وعظهم وذكرهم، وهذا دليل من قال: من سنة صلاة الكسوف الخطبة؛ وهم الشافعي وإسحاق والطبري وفقهاء أصحاب الحديث، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة ومالك، وقالا: إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجر الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم، وليخبرهم بما شاهده في تلك الصلاة مما أطلع عليه من الجنة والنار. انتهى من "المفهم".

(فأثنى على الله) تعالى أي: وصف الله سبحانه وتعالى (بما) أي: بوصف

ص: 31

هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ:"إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا .. فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ".

===

(هو) أي: ذلك الوصف (أهله) أي: لائق بالله تعالى من سائر الكمالات، (ثم قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته:(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) تعالى؛ أي: دليلان على وجود الحق تعالى وقهره وكمال إلهيته، وقد خصهما بالذكر؛ لما وقع للناس من أنهما ينخسفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر ممن لا علم عنده ممن ضعف عقله واختل فهمه، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم جهالتهم، وفي ضمن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم.

ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله ينكسفان؛ وهو أن الله تعالى يخوف بهما عباده؛ لأن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام صلى الله عليه وسلم فزعًا يخشى أن تكون الساعة، وكيف لا؟ وقد قال الله عز وجل:{فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ} (1)، وخص هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه؛ فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا، فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع من الجهال من اعتقاد تأثيرهما. انتهى من "المفهم".

(لا ينكسفان لموت أحد) من الناس كإبراهيم ابنه صلى الله عليه وسلم، (ولا لحياته) أي: لحياة أحد من الناس وولادته؛ كولادة شرير، ذكره تتميمًا للمقابلة، كما مر، (فإذا رأيتموهما) أي: رأيتم كسوف الشمس وخسوف القمر .. (فافزعوا) -بفتح الزاي من باب فرح- أي: التجئوا وتوجهوا (إلى الصلاة) المعهودة الخاصة

(1) سورة القيامة: (7 - 8).

ص: 32

(7)

-1237 - (4) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ

===

السابق فعلها منه صلى الله عليه وسلم قبل الخطبة؛ لأنها ساعة خوف.

واستنبط من قوله: "فافزعوا" أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها؛ لأن فيها إشعارًا بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها، وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها أو إخلاء بعض الوقت من الصلاة.

نعم؛ يستحب لها الجماعة. انتهى من "الإرشاد".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها كتاب الكسوف، باب خطبة الإمام في الكسوف، ومسلم في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال: أربع ركعات، والنسائي في كتاب الكسوف.

فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي مسعود.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديثِ أبي مسعود الأنصاري بحديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(7)

-1237 - (4)(حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه:(ق).

(ومحمد بن إسماعيل) بن البختري -بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة- الحساني -بمهملتين- أبو عبد الله الواسطي نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (258 هـ). يروي عنه:(ت ق).

ص: 33

قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عِبَادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْكُسُوفِ فَلَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا.

===

(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي.

(عن الأسود بن قيس) العبدي، ويقال: العجلي الكوفي، يكنى أبا قيس، ثقة، من الرابعة. يروي عنه:(ع).

(عن ثعلبة بن عباد) -بكسر المهملة وتخفيف الموحدة- العبدي البصري، مقبول، من الرابعة. يروي عنه:(عم).

(عن سمرة بن جندب) -بضم الجيم وسكون النون- ابن هلال الفزاري حليف الأنصار الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين. يروي عنه:(ع).

(قال) سمرة: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكسوف فلا نسمع له صوتًا).

قوله: (لا نسمع له صوتًا) قال القاري في "المرقاة": هذا يدل على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة وتبعه الشافعي وغيره، قال ابن الهمام: ويدل عليه أيضًا حديث ابن عباس، روى أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما" عنه: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم أسمع منه حرفًا من القراءة، ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عباس قال: صليت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كسفت الشمس، فلم أسمع له قراءة، قال: ولهما رواية عن عائشة في "الصحيحين" قالت: جهر النبي

ص: 34

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف بقراءته، وللبخاري من حديث أسماء: جهر عليه الصلاة والسلام في صلاة الكسوف، ورواه أبو داوود والترمذي وحسنه وصححه ولفظه: صلى صلاة الكسوف، فجهر فيها بالقراءة، ثم قال: وإذا حصل التعارض بين الحديثين الصحيحين .. وجب الترجيح بأن الأصل في صلاة النهار الإخفاء. انتهى ما في "المرقاة". انتهى "تحفة الأحوذي".

قلت: أحاديث الجهر نصوص صريحة في الجهر، وأما حديث سمرة .. فهو ليس بنص في السر ونفي الجهر، قال الحافظ ابن تيمية في "المنتقى": وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده؛ لأن في رواية مبسوطة له: أتينا والمسجد قد امتلأ. انتهى، وأما حديث ابن عباس بلفظ: صليت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم

إلى آخره .. فهو لا يوازي أحاديث الجهر في الصحة، فلا شك أن أحاديث الجهر مقدمة على حديث سمرة وحديث ابن عباس المذكورين، والله تعالى أعلم. انتهى من "التحفة".

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال أربع ركعات، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء كيف القراءة في الكسوف، والنسائي في كتاب الكسوف، باب نوع آخر، وباب ترك الجهر فيها بالقراءة أخرجه بعضهم مطولًا وبعضهم مختصرًا، قال أبو عيسى: حديث سمرة بن جندب حديث حسن صحيح غريب، وقد صححه ابن حبان والحاكم أيضًا، قال أبو عيسى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول الشافعي وهو أيضًا قول أبي حنيفة ومالك، وقال النووي في "شرح مسلم": إن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس؛ لأن الأصل في صلاة النهار الإسرار، وأنه يجهر في خسوف القمر.

ص: 35

(8)

- 1238 - (5) حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: صلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ،

===

انتهى، وقال الحافظ في "الفتح": قال الأئمة الثلاثة؛ يعني: مالكًا والشافعي وأبا حنيفة: يسر في الشمس ويجهر في القمر. انتهى، انتهى من "تحفة".

قلت: فإذًا درجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي مسعود، والله تعالى أعلم.

* * *

ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أبي مسعود بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(8)

- 1238 - (5)(حدثنا محرز) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي (ابن سلمة العدني) ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (234 هـ). يروي عنه:(ق).

(حدثنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل (الجمحي) المكي، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (169 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) -مصغرًا- زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي أبي بكر المكي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (117 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قالت) أسماء: (صلى رسول الله صلاة الكسوف فقام، فأطال القيام)

ص: 36

ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصرَفَ فَقَالَ: "لَقَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ

===

جدًّا، (ثم ركع، فأطال الركوع) جدًّا، (ثم رفع) رأسه من الركوع، (فقام) بعد الرفع، (فأطال القيام، ثم ركع) الركوع الثاني في الركعة الأولى، (فأطال الركوع)، ولكنه أدنى من الركوع الأول، (ثم رفع) رأسه من الركوع الثاني، (ثم) بعد الركوع الثاني (سجد، فأطال السجود، ثم رفع) رأسه من السجود الأول، فجلس بين السجدتين، (ثم) بعد الجلوس (سجد) السجود الثاني، (فأطال السجود) الثاني.

(ثم رفع) رأسه من السجود الثاني، (فقام) عقب الرفع إلى الركعة الثانية، (فأطال القيام) الأول من الركعة الثانية، (ثم ركع) الركوع الأول من الركعة الثانية، (فأطال الركوع) الأول من الركعة الثانية، (ثم رفع) رأسه من هذا الركوع، (فقام) القيام الثاني من الركعة الثانية، (فأطال القيام) الثاني، (ثم ركع) الركوع الثاني من الركعة الثانية، (فأطال الركوع) الثاني، (ثم رفع) رأسه من الركوع الثاني، (ثم سجد) السجود الأول للركعة الثانية (فأطال السجود، ثم رفع) رأسه من السجود الأول، (ثم سجد) السجود الثاني لها (فأطال السجود، ثم انصرف) أي: فرغ من الصلاة، وقد تجلت الشمس، كما في بعض الرواية.

(فقال) والذي نفسي بيده؛ (لقد دنت) وقربت (مني الجنة) قال: الحافظ ابن حجر: منهم من حمله على أن الحجب كشفت له دونها فرآها على حقيقتها

ص: 37

حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا .. لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ وَأَنَا فِيهِمْ -قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ-: وَرَأَيْتُ امْرَأَةً تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ لَهَا فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الْأَرْضِ".

===

وطويت المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها شيئًا، ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة؛ أي: صورة الشيء جمادًا كان أو حيوانًا وتتمثل في المرآة -بكسر الميم وبالمد- فرأى جميع ما فيها، (حتى لو اجترأت) غاية لدنوها؛ أي: دنت إلي دنوا بليغًا حتى لو تشجعت (عليها) أي: على أخذ شيء منها .. (لجئتكم بقطاف من قطافها) أي: بعنقود من عناقيدها، والقطاف -بكسر القاف-: العنقود المقطوع من الشجرة، (ودنت مني) أي: قربت إلى (النار) دنوا بليغًا (حتى) خفت منها، و (قلت: أي رب) أي: يا رب؛ هل تعذبهم (وأنا فيهم) أي: فكيف تعذبهم وأنا فيهم وقد وعدتني، وقلت:{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} ؟ (1).

(قال نافع) بن عمر بالسند: (حسبت) أي: ظننت (أنه) أي: أن ابن أبي مليكة (قال) لي: قالت أسماء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ورأيت) في النار (امرأة) من بني إسرائيل، أو قال: حميرية، كما في مسلم (تخدشها) وتقشر جلدها (هرة) مملوكة (لها) بأظافيرها، (فقلت) لمن هناك:(ما شأن) وسبب تعذيب (هذه) المرأة؟ (قالوا) لي سبب تعذيبها أنها (حبستها) وربطتها بحبل (حتى ماتت) تلك الهرة (جوعًا) أي: لأجل جوع وعطش؛ (لا هي) أي: لا تلك المرأة (أطعمتها) أي: أطعمت تلك الهرة في مربطها، (ولا هي أرسلتها) وأطلقتها من رباطها فـ (تأكل من خشاش الأرض)

(1) سورة الأنفال: (33).

ص: 38

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

أي: من هوامها وحشراتها، قال النووي: وربطها معصية صغيرة، وإنما كانت كبيرة بإصرارها، فاستحقت التعذيب.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، ومسلم في كتاب الكسوف، والنسائي في كتاب الكسوف.

ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي مسعود.

* * *

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:

الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 39