الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بمعنى لأن القصة واحدة.
وقوله: (حتى اصفرت ألوانهم وعظمت بطونهم) أي لعدم ملاءمة هوائها لهم، وهذا دليل على أنهم مرضوا كما دل عليه في الرواية الأولى:"فلما صحوا".
وقوله: (إلى لقاح له) يحتمل أنها كانت خاصة به ولكنها ترعى مع إبل الصدقة، فلهذا جاء في بعض الروايات "أنهم خرجوا إلى إبل الصدقة" لإجتماع اللقاح معها في مكان واحد. هذا عندي والله أعلم ضعيف لأنه لم يثبت أنه تأثل إبلًا حتى تكون له خاصة به، ولكنها -وهو الإحتمال الأقوى- كانت من إبل الصدقة، وإضافتها للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه الذي يلي أمرها ويوزعها على الناس عند الحاجة والنظر في مصلحتها إليه، والحامل على هذا التأويل أنه لم تكن له إبل معروفة كما تقدم، إلا ما ورد في هذا الخبر من نسبة اللقاح إليه. واللقاح جمع لقحة بكسر اللام وهي التي تكون قريبة عهد بالولادة.
وبقية الألفاظ قد تقدم في الرواية الأولى، وقول عبد الملك وهو ابن مروان لأنس بن مالك: بكفر أم بذنب؟ على طريق الإستفهام، فحذف همزة الإستفهام وحذفها جائز إذا كان المعنى ظاهرًا لا يخفى بحذفها أي: أكان قتلهم بسبب الكفر والردة أم بالذنب الذي ارتكبوه؟ وقوله: (بكفر) أي بسبب كفرهم، وإنما قال ذلك لأنه اجتمع فيهم موجبات للقتل: الكفر وقتل النفس والخروج على المسلمين، وأعظم هذه الأسباب الكفر. وسيأتي الكلام على بقية حكم الخروج على الإِمام في شرح الآية آخر الكتاب إن شاء الله.
وقد أشار أبو عبد الرحمن النسائي إلى أن هذه الرواية المحفوظ فيها أنها مرسلة من مراسيل سعيد بن المسيب، وأن ذكر يحيى بن سعيد فيها انفرد به يحيى بن مصرف، وهذا لا يقدح في الحديث فإنه ثابت من غير هذا الوجه من عدة طرق متفق على صحته، كما تقدم في تخريج الرواية الأولى مع أن يحيى بن مصرف ثقة كما تقدم، فلا يقدح تفرده بالرواية.
192 - باب فَرْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يُصِيبُ الثَّوْبَ
307 -
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ
مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَمَلأٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَقَدْ نَحَرُوا جَزُورًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيُّكُمْ يَأْخُذُ هَذَا الْفَرْثَ بِدَمِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى يَضَعَ وَجْهَهُ سَاجِدًا فَيَضَعُهُ؟ يَعْنِي عَلَى ظَهْرِهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَأَخَذَ الْفَرْثَ فَذَهَبَ بِهِ، ثُمَّ أَمْهَلَهُ فَلَمَّا خَرَّ سَاجِدًا وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَأُخْبِرَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ جَارِيَةٌ فَجَاءَتْ تَسْعَى، فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ:"اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ" حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَالَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ فِي قَلِيبٍ وَاحِدٍ.
• [رواته: 6]
1 -
أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي: تقدم 252.
2 -
خالد بن مخلد أبو الهيثم القطواني البجلي الكوفي، وقطوان موضع بالكوفة، روى عن سليمان بن بلال وعبد الله بن عمر العمري ومحمد بن جعفر بن أبي كثير ومالك ونافع بن أبي نعيم القاري والثوري وجماعة، وعنه البخاري وروى له مسلم وأبو داود في مسند مالك والباقون بواسطة محمَّد بن عثمان بن كرامة وأبي كريب وابن نمير والقاسم بن زكرياء، وحدث عنه عبيد الله بن موسى وهو أكبر منه وآخر من روى عنه أبو يعلى محمَّد بن شداد. قال أحمد: له أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وعن أبي داود: صدوق ولكنه يتشيع، وعن ابن معين: ما به بأس، وقال ابن عدي: هو عندي من المكثرين وهو عندي إن شاء الله لا بأس به، مات سنة 213 وقيل:214. قال ابن سعد: كان متشيعًا منكر الحديث في التشيع مفرطًا وكتبوا عنه للضرورة، قال العجلي: ثقة قليل التشيع كثير الحديث، وقال صالح بن محمَّد جزرة: ثقة في الحديث إلا أنه كان متهمًا بالغلو، وقال الجوزجاني: كان شتّامًا معلنًا لسوء مذهبه، وقال الأعين: قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ فقال: قل في المثالب أو المثاقب، قلت: الظاهر عندي أن هذا لا يصح عن
رجل اشتهر بين المحدثين وحدثوا عنه ووصفه من وصفه بالثقة والعلم، وعندي أن هذا ربما كان تشنيعًا عليه ولو كان بهذه المثابة لما جاز لهم كتب تحديثه ولا الرواية عنه، لأن هذا أكبر قدح وهو يتضمن تكذيب القرآن في الثناء على الصحابة والأخبار بالرضى من الله عنهم ونقض لإجماع الأمة، فهو أكبر قدح وقد ردوا الرواية بما هو دون هذا والعلم عند الله. وقال فيه أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به وله مناكير. وقال الأزدي: في حديثه بعض المناكير وهو عندنا من أهل الصدق، وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة صدوق ذكره الساجي والعقيلي في الضعفاء، ونقل الذهبي عن أبي أحمد: يكتب حديثه ولا يحتج به، وذكره ابن حبان في الثقات، وكان يكره أن يقال له القطواني.
3 -
علي بن صالح بن حي الهمداني أبو محمَّد ويقال: أبو الحسن الكوفي أخو الحسن بن صالح وهما توأمان، روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل وسماك بن حرب والأعمش ومنصور ويزيد بن أبي زياد وعاصم بن بهدلة وغيرهم، وعنه أخوه وابن عيينة ووكيع وأبو أحمد الزبيري وابن نمير وعلي بن قادم ومعاوية بن هشام وعبد الله بن داود وخالد بن مخلد وآخرون. وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وفي ترجمة الحسن أخيه بعض من فعله وفضله، ووثقه العجلي وابن معين وقال مأمون: وقال ابن سعد: كان صاحب قرآن وكان ثقة إن شاء الله قليل الحديث، ونقل الساجي أن ابن معين ضعفه. قلت: وهو مخالف لما تقدم عنه، ولعل ذلك أي تضعيفه له لم يصح عنه، وذكره ابن حبان في الثقات. مات سنة 150 وقيل: 154، له في مسلم حديث عن أبي هريرة في البيوع:"خياركم أحاسنكم قضاء. . . ." الحديث.
4 -
أبو إسحاق السبيعي: تقدم 42.
5 -
عمرو بن ميمون: 295.
6 -
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: تقدم 39.
• التخريج
أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد.
• اللغة والإعراب والمعنى
قوله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت) أي في يوم من الأيام وذلك قبل الهجرة، وقوله:(عند البيت) أي قريبًا من الكعبة.
قوله: (وملأ قريش) جملة حالية والملأ: هم الأشراف والأعيان، سمّوا بذلئه لأنهم يملؤون العين جلالة والقلب مهابة، أو لأنهم مليئون بما يحملونه من الأمور، والمراد بهم هنا جماعة من أشرافهم سمّى رؤساءهم في الحديث في الدعاء عليهم.
وقوله: (وقد نحروا) الواو حالية وجملة (نحروا جزورًا) جملة حالية، والجزور بفتح الجيم وضم الزاي من الإبل ما نحو منها، يذكر ويؤنث لإطلاقه على المذكر والمؤنث، والجزر: أصله القطع ومنه سمي الجازر والجزار.
وقوله: (فقال بعضهم) الفاء عاطفة، وهذا القائل قد جاءت تسميته في رواية لمسلم وهو أبو جهل لعنه الله.
وقوله: (أيكم) استفهام أريد به الطلب، وقد تقدم الكلام على لفظ أي.
وقوله: (يأخذ هذا الفرث) الإشارة للحاضر وهو فرث الجزور المذكورة، وأي: مبتدأ وما بعده خبره وهي جملة (يأخذ)، والفرث: ما يكون في بطن الدابة وأمعائها من بقايا أكلها.
وقوله: (بدمه) أي مع دمه أو مصحوبًا بدمه، الباء للمصاحبة.
وقوله: (يمهله) أي يتركه وينتظره، والضمير للرسول صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا قريبًا منه يشاهدونه وهو يصلي.
وقوله: (حتى يضع) حتى للغاية ولهذا انتصب الفعل بعدها.
وقوله: (يضع وجهه) أي يسجد فيضع وجهه، ولهذا قال: ساجدًا؛ أي يضعه عليه حال كونه ساجدًا فيضعه على ظهره، الفاء عاطفة والهاء في (يضعه) راجعة إلى الفرث مع الدم.
وقوله: (على ظهره) أي ظهر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (فانبعث) الفاء تحتمل العطف والسببية والعطف أقوى، وانبعث أي قام بسرعة، وأصله مطاوع بعثه إذا أثاره فانبعث، والمراد بأشقاها إما أشقى
الأمة أو أشقى الجماعة المذكورين، وهو عقبة بن أبي معيط كما في مسند الطيالسي، وفي رواية: أشقى القوم، وفي أخرى:"أشقى قوم فأخذ الفرث فذهب به" أي: حمله والفاء للعطف. (ثم أمهله فلما خرّ) أي وقع ساجدًا وضمير الفاعل للنبي صلى الله عليه وسلم، والخرور أصله الوقوع من أعلى إلى أسفل، وساجدًا حالٌ كما تقدم. (وضعه على ظهره) الضمير الأول للفرث والثاني للنبي صلى الله عليه وسلم، أي وضع الفرث على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرت فاطمة، وفي رواية:"أنه كان سلا الجزور" فيحمل على أنه مجموع الأمرين كما في رواية عمرو بن ميمون عند البخاري: "فرثها ودمها وسلاها"، الفرث والدم والسلا أيضًا وهو بالقصر: الجلدة التي يكون فيها الولد. بعدما يخرج منها الولد قوله: (فأخبرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: أخبرها بعض الناس بما فعلوا بأبيها.
وقوله: (وهي جارية) أي صغيرة السن، والجملة استئنافية أو حالية لأن القصة كانت بمكة قبل الهجرة كما تقدم، وهي تزوجها علي رضي الله عنهما بعد أُحُدْ وعمرها 15 سنة، وأُحُد في سنة ثلاث من الهجرة.
وقوله: (فجاءت تسعى) الفاء تحتمل العطف وتحتمل السببية، وتسعى أي تجري، فأخذته أي السلا من ظهره أي من فوق ظهره، وفي رواية: ثم أقبلت عليهم تسبهم.
وقوله: (فلما فرغ من صلاته) أي أتمها، ولمّا هي الرابطة وتقدم الكلام عليها في رد السلام على من يبول 38، وفرغ: أي أتم صلاته وانتهى منها.
وقوله: (قال اللهم) أي شرع يدعو عليهم، فقال: اللهم، وأصله يا الله حذفت منه يا النداء وعوضت الميم، وهو نوع من النداء خاص بلفظ الجلالة، ولا يجمع بين الياء والميم في النداء إلا شذوذًا كما قال ابن مالك رحمه الله:
والأكثر اللهم بالتعويض
…
وشذ يا للهم في قريض
وقوله: (عليك) اسم فعل منقول، وأصله الجار والمجرور فاستعمل اسم فعل بالنقل، مثل قوله: دونك زيدًا؛ فإن أصله الظرفية، والمعنى خذهم بالعقوبة أي: عليك بعذابهم.
وقوله: (ثلاث مرات) على ما جرت به العادة في الغالب أن يكرر الدعاء ثلاثًا للتوكيد وقد يفعله في الكلام للتعليم، وعمّم قريشًا لأنهم متمالئون على
أذيته، ثم خص هؤلاء المباشرين لأذيته واحدًا واحدًا وهم: أبو جهل واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة من بني مخزوم، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وعقبة بن أبي معيط وهو ابن عم لهم. وذكر في رواية البخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق في (باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر) تمام الستة، فذكر الوليد بن عتبة -وهو ابن عتبة المذكور هنا ابن ربيعة- بالتاء، وما ورد في رواية مسلم بالقاف عقبة -وبيّن الراوي وهو أبو إسحاق أنها غلط- فهو غلط، وقال في هذه الرواية: وعدَّ السابع أي عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم السابع: على أن القائل عبد الله بن مسعود وعلى أن القائل عمرو بن ميمون الراوي عنه، فإن مدار الحديث عليه فيكون فاعل عدَّ عبد الله بن مسعود والناسي عمرو، ثم ذكره البخاري من رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو، فذكر السابع وهو عمارة بن الوليد بن المغيرة، وذلك محمول على أنه حدث به مرة وهو ناسٍ له، وحدث به مرة أخرى وهو ذاكر له، وهؤلاء المذكورين من عظماء أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله:(فوالذي أنزل عليه الكتاب). الفاء استئنافية، وقوله:(لقد رأيتهم صرعى يوم بدر في قليب واحد) يعني بعدما قتلوا، وهذا المراد به أكثرهم ورؤساؤهم فإن اثنين منهم لم يوضعا في القليب، وهما: عقبة بن أبي معيط فإنه قتل بعرق الظبية في طريق المدينة بينه وبين الروحاء نحو من ثلاثة أميال بلا خلاف في قتله وقصته مشهورة، والثاني عمارة بن الوليد فإنه ذهب مع عمرو بن العاص إلى النجاشي فشرب في السفينة، وكان مع عمرو امرأته فقال له: مرها فلتقبلني، وتلاحيا حتى طرحه في البحر وكان عمرو يسبح فتعلق بالسفينة حتى سلم، فلما وصلا إلى الحبشة استطاع عمرو أن يشي إلى النجاشي بأن عمارة يتصل بزوج النجاشي، فأمر الحبشة فسحروه فهام مع الوحش، ويقال: إنه مات في خلافة عمر. وأما الباقون وهم الخمسة الرؤساء فقتلوا في المعركة وجُمعوا في القليب، على خلاف في جثة أُميّة لأنه كان سمينًا فلما جرّوه تمزق بدنه، فيحتمل أنه جعلوا أكثر بدنه في القليب. فعتبة وابنه الوليد وأخوه شيبة هؤلاء قتلهم بنو عمهم من عبد مناف: حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بن المطلب وخبرهم مشهور. وأمَيّةَ لقيه عبد الرحمن بن عوف فأخذه أسيرًا -وكان صديقًا
له في الجاهلية- ومع أمية ابنه علي، فلما رآهما بلال وكان أمية هو الذي يعذب بلالًا بمكة صرخ بالأنصار حتى قتلوه. وأبو جهل قتله ابن عفراء وابن عمرو بن الجموح، وقطع رأسه ابن مسعود فتحققت فيهم المعجزة واستجيبت فيهم الدعوة.
وقوله: (صرعى) أي مصروعين، وهو حال من الضمير في (رأيتهم). و (القليب) بفتح القاف وكسر اللام وآخره باء: البئر لم تطو، وقيل: القديمة التي لا يعرف صاحبها، وقيل: هي القديمة مطوية أو غير مطوية، وقيل: عامة في البدء والقديمة، وقيل: إذا طويت فهي الطوى، قيل: سميت قليبًا لقلب ترابها بالحفر، والجمع أقلبة قال عنترة:
كأن موشّر العضدين حجلا
…
هدوجًا بين أقلبته مِلَاح
وجمع الكثرة قلبٌ قال كثير:
ومادام غيث من تهامة طيب .... بها قلب عادية وكرار
والكرار جمع كر وهو الحسي، ومن جمعه على قلب قول الشاعر:
كم تحفرون ملاحس البقر الطلا
…
قلبًا بها شفى الأنام من الصدى
قلت: والظاهر إطلاقه على المطويّة وغيرها، لأن قليب بدر هذا جاء فيه الشعر باسم الطوى، كما قال شداد بن الأسود وهو ابن شعوب يرثي قتلى قريش، فذكر هذا القليب باسم القليب مرة وباسم الطوى مرة أخرى فقال:
وماذا بالقليب قليب بدر
…
من الشيزى تكلل بالسنام
وكم لك بالطوى طوى بدر
…
من الحومات والنعم المسام
وفي رواية: "أنهم لما رأوا دعاءه صلى الله عليه وسلم ساءهم ذلك وذهب عنهم الضحك"، لأنهم كانوا يعتقدون أن الدعاء عند البيت مستجاب.
• الأحكام والفوائد
الحديث: دليل على طهارة الفرث والدم وكذا السلا وسائر أجزاء المذكاة، ما لم يكن محل الدم المسفوح قبل الغسل فإنه نجس. وقد اعترض على ذلك بأنها ذبيحة أهل الأوثان، والجواب عن ذلك بأنه لم يثبت أنه كان قد نهى عن أكل ذبائحهم، فهو على ما كان من ذلك قبل النهي، والذي ورد
النص بتحريمه عليه وهو بمكة -مع احتمال أن يكون النهي عنه متأخرًا عن هذه القصة- هو أكل ما أهلّ به لغير الله به، مع أنه قد ورد عنه في السيرة أنه كان لا يأكل قرابين الأصنام. أما الأكل من ذبائح قومه؛ فهو الظاهر بل المتعين على أصل البراءة قبل النهي، ومن الجائز أنهم كانوا يذبحون بعض الذبائح ولا يذكرون عليها أسماء الأصنام، وظاهر كلام النووي والعيني -رحمهما الله- الحكم بأن هذا الفرث والدم والسلا أن ذلك كله نجس، وذلك لأنّ كلًا منهما مذهبه نجاسة فرب مأكول اللحم كبوله وروثه، كما تقدم في حديث العرنيين قبل هذا بحديث. ولأجل حكمهم له بالنجاسة تنوعت أجوبتهم عن استمراره في الصلاة، وغالب ما ذكراه من ذلك لا يخلو من تكلف، لأنّ القضية لا خلاف أنها كانت بمكة قبل نزول تفصيل الأحكام بالمدينة، فيتطرق لها من الإحتمال كثير حتى على القول بتسليم الحكم بالنجاسة على الفرث وما معه، وقد تقدم الخلاف فيه وأن الأدلة فيه على الطهارة أقوى. وإذا علمنا أنه كان يأكل اللحم بمكة لأنه لم ينقل عنه أنه كان يتقيه -إلَّا ما تقدم مما ورد في السيرة من أنه كان لا يأكل قرابين الأصنام وهي أخص من غيرها- وذلك يدل على أن ذبائحهم التي لم يذكروا عليها اسم آلهتهم؛ كانت مباحة له على البراءة الأصلية ولو اتقاها لنقل ذلك عنه. وأجزاء المذكى كلها حكمها واحد في الطهارة والإباحة، ومن الدليل على طهارته تماديه على الصلاة وهو عليه، فهو قرينة تدل على ما تقدم من عدم تحريم ذبائحهم عليه، فإنه صلى الله عليه وسلم -خلع نعليه في الصلاة لأن جبريل أخبره أن في أسفلها أذى، فلو كان هذا نجسًا لما أقره على استمراره في الصلاة معه.
وفي الحديث دليل على جواز الدعاء على الكفار بالهلاك، وقد يقال: إن هذا كان قبل النهي، وأحسن منه في الجواب أن الذين خصهم لعله علم من أمرهم بالوحي أنهم لا يؤمنون، وعلى كل المنهي عنه الدعاء على الكافر المعين ما لم يتبين أنه من أهل النار. وفيه: استحباب الدعاء ثلاثًا وكذلك تكرار الفائدة ليفهمها السامعون، وفيه: جواز الدعاء على الظالم إذا لم يستطع الإنتقام منه، وفيه الحديث حديث معاذ:"اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"، وفيه: بيان بعض ما كانوا يفعلونه من أذيته صلى الله عليه وسلم فيصبر على