الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ب- الملهاة الهزلية:
وهي غير هادفة ولا محكمة البناء، وموضوعها غالبًا هزيل، والإضحاك هدفها الرئيس. وهذا التقسيم بين الملهاة والمأساة لم يعد قائمًا في المسرح المعاصر، فالحياة مزيج منها، ولذلك فإننا نرى مسرحيات تختلط فيها المأساة بالملهاة مثل مسرحية صلاح عبد الصبور الشعرية "مسافر ليل".
نماذج
…
1-
نموذج من المسرح النثري من مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير
ملخص أحداث المسرحية
وتبدأ أحداثها في منزل الشيخ "سليمان الجوسقي"، شيخ المكفوفين في القاهرة، حيث يخبره أحد أتباعه بتقدم الحملة الفرنسية على مصر من قرية "شبراخيت" إلى قرية "أم دينار" -بمحافظة البحيرة- دون أن يعترض سبيلها أحد من المماليك، فيقترح "الجوسقي" على الحاضرين في مجلسه من أعيان البلاد فكرة تكوين جيش شعبي من أبناء الوطن للدفاع عنه بدلًا من الاعتماد على المماليك أو الأتراك، الذين لا تهمهم غير مصالحهم الشخصية. ثم يطلب من الأعيان أن يعودوا إلى بلادهم لجمع الشباب وتسليحهم وتدريبهم، حتى إذا قامت الثورة في القاهرة ضد الغزاة اشتعلت نيرانها في جميع القرى والمدن في وقت واحد، فلا يقدرون على إخمادها، ثم يحضر إلى المجلس شخص من أتباع
الجوسقي حاملًا رسالة من السيد "محمد كريم" يعتذر فيها عن عدم حضوره من الإسكندرية؛ لأن الظروف تقتضي بقاءه فيها، ويعلن تأييده لآراء "الجوسقي" وفي هذا الوقت يدخل "المسيو روستي" قنصل النمسا، والشيخ "إبراهيم أدهم" القاضي التركي، ويتطرق الحديث في المجلس إلى جيش "نابليون" الذي اقترب من العاصمة، دون أن يخرج أمراء المماليك للقائه في حين سبقهم جنود "مراد بك" في "إمبابة" وجنود "إبراهيم بك" في "بولاق".
وكان السيد عمر مكرم يطوف الشوارع، ويجمع الناس لمقاومة الجيش الفرنسي حين دخل إلى القاهرة، وبينما تتوقع البلاد هجوم الحملة الفرنسية يحضر زعيما المماليك:"إبرهيم" و"مراد" ليودعا ثروتهما عند الشيخ "الجوسقي"، لتكون في مأمن لو نجح الفرنسيون في دخول القاهرة، فيرفض "الجوسقي" ودائعهما، ويتهمهما بإهمال الدفاع عن البلاد، وبالتفكير في المصلحة الخاصة. ويحتل الفرنسيون القاهرة، ويعلن "نابليون" نفسه حاكمًا لمصر. فيذهب إليه "الجوسقي" لإقناعه بتكوين جيش من شباب مصر حسن التدريب لمطاردة المماليك الذين فروا إلى الصعيد والقضاء عليهم، وكان الهدف الحقيقي "للجوسقي" من هذا الاقتراح أن يصبح هذا الجيش الشعبي وسيلة لمقاومة الفرنسيين وطردهم في المستقبل، ولم تجز هذه الحيلة على "نابليون"، فلجأ "الجوسقي" إلى التعبئة السرية، والإعداد للثورة ضد المحتلين.
ثم قامت ثورة القاهرة ضد الحملة الفرنسية، وقبض على زعمائها، ومنهم "الجوسقي"، الذي رفض أن يدلي إلى "نابيليون" بأية معلومات، ولم يخضع أمام التهديد أو الإغراء بأن يجعله سلطانًا للبلاد. وهو في الحقيقة يريد بهذا الإغراء أن يأمن جانبه وجانب أتباعه، ولكن "الجوسقي" يرفض العرض في لباقة،
زاعمًا أنه لو قبل هذه السلطنة لجلبت "لنابليون" المتاعب، لأن الناس عند ذلك سيثورون عليه، ويقولون: إنه ولى رجلًا أعمى سلطانًا عليهم.
والحقيقة أن "الجوسقي" كان يريد أن يبقى حرًّا في نضال الفرنسيين، وفي التدبير السري للثورة عليهم، ولذلك غضب منه "نابليون"، وأراد "الجوسقي" أن يسخر من "نابليون" فأصر على أن يريه ابنه "داود" لعلمه أن ابنه هذا -وكان معتوهًا وفي عقله خبل- سيسيء إلى "نابليون" عندما يراه، وقد كان، فقد وصف "نابليون" بأنه صبي صغير، وعند ذلك قال "الجوسقي" لنابليون: معذرة يا سيدي، إن كان هذا يصلح ولي عهد لي، فأنا أصلح سلطانًا لمصر، ولم ترضَ زوجته "ناصحة" منه هذا الموقف، فهي تريد زوجها أن يفكر في مصلحته الخاصة، وفي مصير أسرته ويقبل أن يكون سلطانًا، وهي بهذا تدل على مدى سذاجة تفكيرها، ونظرتها الضيقة، وهذا يلائم طبيعتها وشخصيتها ورؤيتها القاصرة، ولكن زوجها "الجوسقي" مختلف عنها تمامًا، فهو رجل وطني له مكانته، واعتزازه بشخصه ورأيه، لا ينظر إلى تحقيق مصلحة خاصة تكون عاقبتها وخيمة، بل يؤثر عليها المصلحة العامة مهما جلبت له من متاعب.
وقد نجح الحوار في تصوير الشخصيات، وكان ملائمًا كل الملائمة لطبيعة كل شخصية، معبرًا عن رؤيتها للأشياء، ناقلًا في أمانة المواقف الخاصة بكل شخصية.
لنقرأ معًا هذ الحوار الذي دار بين الشيخ "الجوسقي" وزوجته ناصحة بعد أن رفض ما عرض عليه "نابليون" من أن يكون سلطانًا لمصر، وتركه يخرج من عنده غاضبًا
…
ناصحة: تعال هنا يا سيدنا الشيخ. كيف ترفض ما عرضه عليك؟
الجوسقي: إنه أراد أن يستدرجني يا ناصحة!!
ناصحة: يستدرجك؟
الجوسقي: حتي أسقط في عيون الناس، فينفضوا عني، إذا علموا أنني طامع في منصب السلطنة.
ناصحة: لكنك كنت طامعًا في هذا المنصب، وتعمل له منذ خمس وعشرين سنة. فماذا كنت ستصنع؟
الجوسقي: كنت سأنشئ جيش الشعب، وأطرد المماليك من البلاد، وأحرر الأمة من ظلمهم، ثم أعلن نفسي سلطانًا، فلا يختلف في اثنان.
ناصحة: لكن ذلك أصبح مستحيلًا اليوم بعد مجيء الفرنسيين، فلماذا لا تقبل لما يعرضه كبيرهم عليك؟
الجوسقي: لا يا ناصحة. لا أقبل أن أكون خادمًا للفرنسيين. خائنًا للأمة.
ناصحة: انقلب عليهم بعد ذلك، بعد أن تكون سلطانًا نافذ الكلمة.
الجوسقي: هيهات يا ناصحة؛ من باع نفسه للشيطان لا يستردها أبدًا.
ناصحة: وما عاقبة هذا الذي أنت فيه؟ ما سمعته يهددك ويتوعدك؟
الجوسقي: فكيف آمنه على نفسي بعد ذلك يا ناصحة؟
ناصحة: إذا أرضيته وسايرته.
الجوسقي: إنه عرف حقيقتي يا ناصحة!
ناصحة: ولذلك أراد أن يصطنعك.
الجوسقي: ليقضي علي بعد أن أقضي له وطره.
ناصحة: ومصيرنا يا سيدنا الشيخ، ألا تفكر فيه؟
الجوسقي: المصير بيد الله يا ناصحة1.
وإليك هذا الحوار الذي دار في ختامها بينه وبين "نابليون" الذي عرض عليه أن يكون سلطانًا على البلاد فرفض متعللًا بأن الفرنسيين قتلوا زوجته وابنه، وأن زوجته هي التي كانت تزين له فكرة السلطنة وقد ماتت فلا يجد داعيًا لقبول الفكرة.
نابليون: وكنت تقبل اليوم لو كانت على قيد الحياة؟
الجوسقي: نعم.
نابليون: فاعلم إذن أنها لم تقتل وأنها معززة مكرمة في بيتك.
الجوسقي: ماذا تقول؟
"يومئ نابليون بيده، فإذا ناصحة تدخل منتقبة، ومعها ابنها داود، وزوجته، وبعض "الوصائف".
ناصحة: كيف أنت يا سيدنا الشيخ؟ الحمد لله على عافيتك، هذا داود وامرأته جاءا معي لرؤيتك.
نابليون: الأسرة المالكة!
الجوسقي: "على حدة" الشجرة المعلونة!
داود: أنت بخير يا أبه؟
1 انظر مسرحية "الدودة والثعبان" لعلي أحمد باكثير، مطبعة مصر، القاهرة، د. ت، ص105، 106.
الجوسقي: بخير يا بني. اسبقوني يا أم داود إلى البيت. أنا آتٍ إليكم على الأثر.
ناصحة: ألم أقل لكم أن زوجي رجل غيور؟ هيا بنا يا أولاد. لا تتأخر كثيرًا يا سيدنا الشيخ. نحن في انتظارك..
"تخرج هي ومن معها".
نابليون: هل اطمأنت الآن يا شيخ سليمان؟
الجوسقي: وصديقي الشيخ مصيلحي؟
نابليون: سنطلق سراحه أيضًا ونكرمه من أجلك.
المصيلحي: "هامسا" يا شيخ سليمان إياك أن تبيع نفسك:
الجوسقي: معاذ الله يا شيخ مصيلحي. اطمئن.
نابليون: تريد شيئًا آخر.
الجوسقي: نعم أريد أن تعاهدني "يا جنرال بونابرت" بشرفك "يمد يده".
نابليون: "بكل سرور" يمد يده ويصافح الجوسقي، يلطمه الجوسقي بيده اليسرى لطمة قوية رنت في القاعة. مفاجأة أذهلت الجميع".
نابليون: "صائحا بالفرنسية": وغد.
الجوسقي: معذرة يا بونابرت هذه ليست يدي. هذه يد الشعب.
نابليون: خذوه، عذبوه، ثم اقتلوه1.
فأنت تلاحظ في هذا الملخص ما يأتي:
1 المسرحية السابقة، ص130، 131.
1-
الحادثة: وهي القصة التي تعرضها المسرحية كسلسلة متصلة الحلقات.
2-
الشخوص: وهم الشيخ "الجوسقي" بطل المسرحية، وزوجته "ناصحة" وابنه "داود"، و"إبراهيم بك"، و"مراد بك"، و"نابليون"، والأعيان، والقاضي التركي، وقنصل النسما، و"عمر مكرم"، وبعض أتباع "الجوسقي". وبعض هؤلاء شخوص رئيسة "كالجوسقي"، وهو الشخصية المحورية النامية، والمشاهد يراها على المسرح، ويتعرف أبعادها الظاهرية والباطنية من خلال حركتها وكلامها، والباقي شخصيات ثانوية تساعد على إبراز الموقف والأحداث كما حدث في ظهور شخصية "داود" على المسرح فلم يكن ظهورها لمجرد أن نتعرف عليها أو يتعرف عليها "نابليون" كما زعم والده "الجوسقي"، ولو كان كذلك لكانت شخصية مسطحة، ولكنها في الحقيقة لها دورها الذي أراد به "الجوسقي" أن يسخر من "نابليون"، فأصر على أن يريه ابنه لعلمه أنه سيسيء إليه عندما يراه. وبهذا نجح الكاتب في أمرين معًا: في رسم شخصية "داود"، وفي إعطائها دورًا كان الموقف يقتضيه وإن كان دورًا ثانويًّا.
3-
الفكرة: مسرحية "الدودة والثعبان" تمثل المسرحية التاريخية، التي تحمل أكثر من فكرة تخدم الواقع. فقد كانت هذه المسرحية في أعقاب حرب الخامس من يونيو 1967 ولهذا نجد الكاتب يلح على فكرة إنشاء جيش من الشعب1 مدرب على القتال أحسن تدريب حتى يدافع عن البلاد بنفسه بدلًا من المماليك والأتراك، ولهذه الفكرة الآن مغزاها وارتباطها بحياتنا، فما حدث في
1 انظر فصل "جيش الشعب" في كتاب د. أحمد السعدني: "أدب باكثير المسرحي، الجزء الأول: المسرح السياسي"، ط1، مكتبة الطليعة، أسيوط1980م، ص109، 144.
هزيمة يونيو 1967 يرجع إلى أن الجيش لم يكن مدربًا تدريبًا عصريًّا كافيًا، وقد أشاع الأعداء بعد تلك الهزيمة أن الشعب المصري غير مدرب، ولا يمكن الاعتماد عليه في الدفاع عن البلاد، ولكن الكاتب رد على ذلك بأن الهزيمة سببها سوء التدريب، وقلة النظام، وغياب القيادة الواعية، وهكذا تبدو أفكار الكاتب شديدة الارتباط بالأحداث المعاصرة مع أنه يعرض في المسرحية حقبة تاريخية سابقة.
4-
الزمان والمكان: الكاتب يحدد البيئة الزمانية وهي هنا فترة الحملة الفرنسية، كما يحدد البيئة المكانية وهي القاهرة، وذلك يساعد على تمثيل الأحداث والأشخاص تمثيلًا سليمًا، ويؤثر في تشكيل طبيعة المسرحية وما فيها من أزياء وعادات ومناظر، كما أن الكاتب يراعي الزمان المحدد لعرض المسرحية على جمهور لايستطيع مشاهدتها في أكثر من ثلاث ساعات، كما أن منصة المسرح لا تتسع لحشد جيشين متحاربين، ولذلك اجتنب الكاتب كثيرًا من التفصيلات واكتفى بأبرز المواقف.
5-
البناء:
أ- من حيث الشكل: تكونت مسرحية "الدودة والثعبان" من أربعة فصول. في الفصل الأول منها قدم الأشخاص وبداية المشكلة الأساس، وهي الدفاع ضد الغزاة الفرنسيين الذين أصبحوا على مشارف القاهرة، وليس هناك من يتصدر لهم. وفي الفصل الثاني أضاف بعض الشخصيات وأشعل الصراع في عدة اتجاهات. وفي الفصل الثالث تمت حركة التنظيم السري لمقاومة الحملة الفرنسية وإعلان الثورة ضدها، وفي الفصل الرابع والأخير محاكمة زعماء الثورة ونهاية "الجوسقي".
ب- أما من حيث أسلوب البناء: فقد اتخذت المسرحية خطًّا ناميًا صاعدًا نحو قمة مشحونة بالصراع والتوتر واتجهت إلى القرار الحاسم في النهاية.
6-
الحوار: قدمنا لك نموذجًا منه كان ملائمًا لطبيعة المشتركين فيه، ناقلا لأفكارهم وعواطفهم، فالجوسقي يرفض السلطة حتى لا يكون ألعوبة في يد الاحتلال، ولكنه يبرر ذلك الرفض بطريقة لا تغضب "نابليون"، حتى تتاح له الفرصة لاستدراجه وصفعه تعبيرًا عن إرادة الشعب. والمصيلحي يحذر "الجوسقي" من الخضوع للإغراء، وفي ذلك دلالة على صمود الشعب المصري، أما "نابليون" فحريص على تحقيق عدة أهداف من وراء قبول"الجوسقي" للسلطنة، فهو يجعل منه وسيلة لإخماد الثورة، وستارًا للاحتلال، وأداة للقضاء على المماليك، ثم يبعده عن الشعب، ويفقده ثقته فيه بتعاونه مع المحتلين.
7-
الصراع: عرفت أن الحوار هو الجانب المحسوس في المسرحية وأن الصراع هو الجانب المعنوي لها، وأنه "لا مسرحية بلا حوار ولا صراع " لأنهما الجانبان الجوهريان في كل عمل مسرحي، وإذا رجعنا إلى الصراع في مسرحية "الدودة والثعبان" فسوف نجده عنيفًا في عدة اتجاهات.
أ- صراع في نفس "نابليون" بين نجاحه العسكري وفشله العاطفي مع حبيبته "جوزفين" مما دفعه إلى القسوة.
ب- صراع بين "الجوسقي" وزوجته حول قبول السلطنة ورفضها.
جـ- صراع بين "الجوسقي و"نابليون" حول فكرة الجيش الشعبي وإخفاء الهدف الحقيقي عنه.
د- صراع بين الجوسقي" وبعض زعماء الثورة حول الطريقة الناجحة للمقاومة. وهكذا استمر التأزم حتى جاء القرار الحاسم بالصفعة على وجه المحتل لتصنع النهاية لحياة هذا البطل المقاوم.
2-
نموذج من المسرح الشعري من مسرحية " مجنون ليلى" لأحمد شوقي
ملخص أحداث المسرحية:
ألف أحمد شوقي مسرحية "مجنون ليلى"1 وهي مأساة عربية لها أصول تاريخية مذكورة في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني عقدتها الصراع بين الحب والتقاليد القبلية التي ترفض زواج العاشق بالفتاة التي يتغزل بها ويذكرها في شعره؛ لأن ذلك يسيء إلى سمعة القبيلة.
والمسرحية خمسة فصول: في الفصل الأول: يجتمع الفتيان والفتيات للسمر، ويأتي ذكر قيس ورغبته في الزواج من "ليلى" فتغضب، وتعلن مشكلتها وهي أنه فضحها في شعره، ويدخل قيس مدعيًا أنه يطلب نارًا، ويحضر أبوها لطرده.
وفي الفصل الثاني: نجد قيسًا شبه مجنون، ويذهبون به إلى الكعبة ليدعو الله أن يشفيه من حب ليلى، ولكنه يدعو الله ألا يشفيه من حبها، وهناك يراه الأمير عمر بن عبد الرحمن بن عوف فيعرض عليه أن يشفع له عند الخليفة حتى لا يهدر دمه، فيطلب قيس منه أن يشفع له عند "ليلى".
وفي الفصل الثالث: نرى "ابن عوف" يحاول إقناع "المهدي" والد "ليلي" بقبول "قيس" زوجًا لها، فيفوض "ليلى" في الحكم، فتحكم برفض شفاعة ابن
1 المجنون: هو قيس بن الملوح الذي أحب ليلى بنت المهدي حبًّا عفيفًا، وفتن بها إلى درجة كبيرة، وحالت التقاليد بينه وبين زواجها لأنه ذكرها في شعره، فانطلق هائمًا على وجهه في الصحراء، ولقب بالمجنون أو مجنون ليلى. انظر في ترجمته: الأعلام 5: 208، 209.
عوف ورفض الزواج من "قيس" الذي تحبه احترامًا للتقاليد، ثم تتزوج "ورْدا" الثقفي.
وفي الفصل الرابع نرى "قيسا" هائمًا يريد أن يصل إلى بيت "ليلى" في ديار ثقيف فيضل الطريق، ويقع في قرية من قرى الجن. وبعد حوار طويل يرشده شيطان إلى ديار "ليلى" فيلتقي بها. ويتركه زوجها "ورد" معها فيشكو لها حبه. ويطلب منها أن تهرب معه ولكنها ترفض احترامًا لحق الزوجية فينصرف كالمجنون، وتمرض "ليلى".
وفي الفصل الخامس تموت "ليلي" وتدفن، وأبوها وزوجها "ورد" يتقبلان العزاء، ولكن الناس ينفرون من "ورد" ويتشاءمون منه، ثم يظهر "قيس" فجأة ويعلم بالفاجعة، فيرتمي على قبر "ليلى" وهو يبكي، ويرثيها ويرثي نفسه، ويسمع صوتًا من القبر يناديه، كأنه صوت "ليلى"، فيرد عليه قائلًا: لبيك بالروح والجسم، ثم يموت.
ونختار جزءًا من الفصل الثالث من المسرحية، حيث يجلس "المهدي" أمام خيمته في ديار "بني عامر" بالحجاز، ويقبل الأمير "عمر بن عبد الرحمن بن عوف"، والي الصدقات، وقد قبل أن يكون شفيعًا لقيس بن الملوح في طلب زواجه من "ليلى" بنت "المهدي" آملًا أن تكون مكانته سبيلًا إلى إقناع ليلى وأبيها بقبول قيس زوجًا "لليلى".
الزمان: العصر الأموي.
المكان: خيمة "المهدي" في ديار بني عامر بالحجاز.
الأشخاص: "المهدي" أبو"ليلى"، " ليلي" بنت "المهدي"، الأمير عمر بن عبد الرحمن بن عوف والي الصدقات بالحجاز.
المهدي:
هو الضيف ياليلَ هاتي الرطب
…
وهاتي الشواء وهاتي الحلب
وهاتي من الشهد ما يشتهى
…
ومن سمنه الحي ما يُطَّلب
فما هو ضيف ككل الضيوف
…
ولكن أميرٌ كريم الحسبْ
"ليلى" من وراء الحجاب:
أبي ألف لبيك
ابن عوف:
لا بل قفي
…
فما بي ظِماء، ولابي سَغَب
وأعلم أن القِرى دينكم
…
وأن أباكِ جوادُ العرب
ولكن طعاميَ
المهدي:
ماذا؟ اقترح
ابن عوف:
طعام الرسول بلوغ الأرب
المهدي:
إذا قفي، ليلى اقربي
…
تقدمي وسلمي
حل ابن عوف عندنا
…
أكرم به وأحبب
ليلى:
قد زارنا الغيث فأهـ
…
ـلا بالغمام الصيب
ابن عوف:
أهلا بليلى.. بالجمال
…
بالحجا..بالأدب
عشت وقيسا فلقد
…
نوهتما بالعرب
ليلى: "بين الخجل والغضب":
أتقرن قيسًا بنا يا أمير؟
ابن عوف:
ولم لا؟
…
وقد جئت من أجله
ومن أنا حتى أضم القلوب
…
وأعطف شكلا على شكله
لقد جمع الحب روحيكما
…
وما زال يجمع في حبله
ليلى "في استحياء":
أجل يا أمير عرفت الهوى
ابن عوف:
فهلا؟
…
عطفت على أهله؟
"ثم يلتفت إلى المهدي ويقول":
أبا العامرية قلب الفتاة
…
يقول وينطق عن نبله
فأصغ له وترفق به
…
ولا يسع ظلمك في قتله
ليلى:
أقيسًا تريد؟
ابن عوف:
نعم
ليلى:
إنه منى القلب أو منتهى شغله
ولكن أترضى حجابي يُزال
…
وتمشي الظنون على سدله
ويمشي أبي فيغض الجبين
…
وينظر في الأرض من ذله
يداري لأجلي فضول الشيوخ
…
ويقتلني الغم من أجله
يمينًا لقيت الأمرين من
…
حماقة قيس ومن جهله
فضحت به في شعاب الحجاز
…
وفي حزن نجد وفي سهله
فخذ قيس يا سيدي في حماك
…
وألق الأمان على رحله
ولا يفتكر ساعة بالزواج
…
ولو كان مروان من رسله
ابن عوف:
إذن لن تقبلي قيسًا
…
ولن ترضي به بعلًا!!
إذن أخفق مسعاي
…
وخاب القصد يا ليلى
ليلى:
على أنك مشكور
…
ولا أنسى لك الفضلا
وأوصيك بقيس الخيـ
…
ـر، لا زلت له أهلا
لقد يعوزه حامٍ
…
فكنه أيها المولى
وتنفرد ليلى بنفسها، وتراجع موقفها، وترى أنها قد تعجلت في رفض شفاعة ابن عوف، فتندم على ما كان منها وتقول":
رباه ماذا قلت ماذا كان من
…
شأن الأمير الأريحي وشأني
في موقف كان ابن عوف محسنًا
…
فيه وكنت قليلة الإحسان
فزعمت قيسًا نالنا بمساءة
…
ورمى حجابي أو أزال صياني
والنفس تعلم أن قيسًا قد بنى
…
مجدي وقيس للمكارم باني
لولا قصائده التي نوّهن بي
…
في البيد ما علم الزمان مكاني
نجد غدا يطوي ويفنى أهله
…
وقصيد قيس فيّ ليس بفاني
مالي غضبت فضاع أمري من يدي
…
والأمر يخرج من يد الغضبان
قالوا انظري ما تحكمين فليتني
…
أبصرت رشدي أو ملكت عناني
ما زلت أهذي بالوساوس ساعة
…
حتى قتلت اثنين بالهذيان
وكأنني مأمورة وكأنما
…
قد كان شيطان يقود لساني
قدرت أشياء وقدر غيرها
…
حظ يخط مصاير الإنسان1.
1 أحمد شوقي، مجنون ليلى، مطبعة الكيلاني، القاهرة، 1967م، ص72 وما بعدها.