الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذان الحديثان يدلان على عظم صفات حملة العرش، وهم مع حملهم العرش الكريم، إلا أنهم لا يفارقون تنزيه الله جل وعلا، والإيمان به تبارك وتعالى، وهم يستغفرون للمؤمنين، ويدعون الله لهم.
قال الشيخ السعدي: وهؤلاء الملائكة قد وكلهم الله تعالى بحمل عرشه العظيم، فلا شك أنهم من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم. واختيار الله لهم لحمل عرشه، وتقديمهم في الذكر، وقربهم منه يدل على أنهم أفضل أجناس الملائكة عليهم السلام (1). وإذا كانت هذه صفات الحاملين فما بالك بالمحمول، ثم ما بالك بالخالق تبارك وتعالى.
(1) تفسير السعدي ص 732.
المطلب الثاني: عدد حملة العرش:
قال الله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (1).
اختلف العلماء في عدد حملة العرش على أربعة أقوال:
(1)
إنهم الآن أربعة، ويوم القيامة ثمانية.
وهذا أخرجه أبو الشيخ بسند ضعيف عن وهب بن منبه، ونسبه ابن الجوزي إلى الجمهور (2).
(1) سورة الحاقة الآية 17
(2)
زاد المسير 8/ 350 مع أنني وجدت أكثر المفسرين على القول الرابع.
واستدل من قال بهذا القول بما يأتي:
أ - ما أخرجه الطبري عن محمد بن إسحاق، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هم اليوم أربعة - يعني: حملة العرش - وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية (1)» . {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (2).
وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعا بين ابن إسحاق والنبي صلى الله عليه وسلم. وابن إسحاق صدوق يدلس (3).
ب - ما أخرجه الطبري عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يحمله اليوم أربعة، ويوم القيامة ثمانية (4)» .
وهذا الحديث ضعيف أيضا؛ لأن فيه انقطاعا بين عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم. وعبد الرحمن بن زيد ضعيف (5).
ج - ما أخرجه الطبري وأبو الشيخ عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه
(1) تفسير الطبري 23/ 229.
(2)
سورة الحاقة الآية 17
(3)
تقريب التهذيب ص467.
(4)
تفسير الطبري 23/ 229.
(5)
تقريب التهذيب ص 340.
وسلم، قال:«يحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة (1)» .
وهذا الحديث ضعيف أيضا. فلا يحتج به.
(2)
إنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء.
وهذا أخرجه ابن أبي شيبة (2) عن ابن عباس؛ حيث قال: "الثمانية أجزاء من التسعة، قال: الجن والإنس والشياطين والملائكة كلهم إلا الكروبيين، حملة العرش جزء، والكروبيون ثمانية أجزاء
…
". وهذا الأثر ضعيف؛ لأنه من طريق بشر بن عمارة الخثعمي، وهو ضعيف (3). وفيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس؛ لأن الضحاك لم يلق ابن عباس (4).
(3)
إنهم ثمانية صفوف من الملائكة.
وهذا أخرجه الطبري من ثلاثة طرق عن ابن عباس، وكلها ضعيفة.
(1) هذا جزء من حديث الصور الطويل. أخرجه الطبري 3/ 611 - 613، وأبو الشيخ في العظمة 3/ 822 – 837. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح 11 - 368: ومداره على إسماعيل بن رافع، واضطرب في سنده مع ضعفه. وضعفه الشيخ أحمد شاكر في حاشية الطبري 4/ 368، والألباني في حاشية الطحاوية ص232. بسبب إسماعيل بن رافع، ورجل مبهم في سنده.
(2)
كتاب العرش 65 - 66. وعزاه الشوكاني في تفسيره 5/ 280 إلى الكلبي.
(3)
تقريب التهذيب ص123.
(4)
تهذيب التهذيب 4/ 453 - 454.
وأخرجه عبد الله بن أحمد والدارمي عن سعيد بن جبير (1) من طريق جعفر بن دينار القمي، وهو صدوق يهم (2).
(4)
إنهم ثمانية ملائكة.
وهذا أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ (3) عن عبد الله بن عمرو بن العاص من طريق حيي بن هاني أبي قبيل. وهو صدوق يهم (4).
وأخرجه ابن أبي شيبة والدارمي والحاكم عن العباس بن عبد المطلب بإسناده ضعيف.
وأخرجه أبو الشيخ عن مجاهد (5) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو صدوق سيئ الحفظ (6) عن المنهال بن عمرو، وهو صدوق
(1) السنة لعبد الله بن أحمد 2/ 505، وكتاب العرش ص67.
(2)
تقريب التهذيب 141.
(3)
تفسير ابن أبي حاتم 10/ 3370، والعظمة لأبي الشيخ 3/ 951.
(4)
تقريب التهذيب ص185.
(5)
العظمة 3/ 963.
(6)
تقريب التهذيب ص493.
ربما وهم (1). وأخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم (2) عن حسان بن عطية.
وإسناده قوي، كما قال الذهبي، ووافقه الألباني (3).
وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي وأبو نعيم (4) عن هارون بن رئاب (5) وإسناد البيهقي وأبي نعيم حسن؛ لأن فيه العباس بن الوليد، وهو صدوق (6)، وإسناد أبي الشيخ فيه رواد بن الجراح، وهو صدوق اختلط بآخره، فترك (7).
واستدل من قال بهذا القول بما يأتي:
1 -
قوله تعالى: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (8)
فدلت الآية على عدد حملة العرش، وأنهم ثمانية، وليس هناك دليل يدل على غير هذا العدد، لا أقل منه ولا أكثر، ولو كان هناك أكثر منهم لذكره جل وعلا؛ لأن المقام مقام تخويف وتهديد.
(1) تقريب التهذيب ص 547.
(2)
العظمة 3/ 952، وحلية الأولياء 6/ 74.
(3)
مختصر العلو ص101.
(4)
العظمة 3/ 954. والجامع لشعب الإيمان 2/ 236. وحلية الأولياء 3/ 55.
(5)
هو هارون بن رئاب التميمي، ثقة عابد من السادسة. انظر تقريب التهذيب ص568.
(6)
تقريب التهذيب ص294.
(7)
تقريب التهذيب ص211.
(8)
سورة الحاقة الآية 17
وأما القيد {يَوْمَئِذٍ} (1) فيمكن أن يقال: بأنه لا مفهوم له؛ لأن إثبات هذا العدد لحملة العرش في ذلك اليوم لا ينفيه عما سواه.
2 -
حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «
…
ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم كما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهم العرش (2)» وهذا الحديث ضعيف.
الترجيح:
مما تقدم يتبين لنا أن حملة العرش يوم القيامة ثمانية من الملائكة، لقوله تعالى:{وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (3)، ولا معارض لظاهر الآية.
وأما في الدنيا فلم أجد ما ينص على عددهم، ففيه احتمالان:
(1) سورة الحاقة الآية 17
(2)
هذا الحديث مشهور بحديث الأوعال. أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/ 206 - 207. وأبو داود في سننه، كتاب السنة 5/ 93. والترمذي في سننه كتاب التفسير 5/ 425، وقال: حسن غريب. وابن ماجه في سننه المقدمة 1/ 69، والحاكم 2/ 501. وقال الذهبي في كتاب العرش 2/ 33: رواه أبو داود بإسناد حسن وفوق الحسن. ولكن مدار الحديث من جميع طرقه على عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس. قال عنه الذهبي: فيه جهالة. قال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس. ميزان الاعتدال 2/ 469. وقال ابن حجر: روي عن الأحنف بن قيس عن العباس حديث الأوعال، وفيه عن سماك بن حرب اختلاف. تهذيب التهذيب 5/ 344. والحديث أورده العقيلي في الضعفاء 2/ 284، وابن الجوزي في العلل المتناهية 1/ 24 - 25. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص 469، وانظر بيان ضعفه في حاشية المسند بإشراف د. عبد الله التركي 3/ 293 - 294.
(3)
سورة الحاقة الآية 17