الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الرابع: تطبيقات الاستخفاء بالدعوة في العصر الحاضر:
الأصل في الدعوة إلى الله الإعلان والبيان، والإظهار والإشهار في مختلف العصور وفي كل الأقطار. أما الاستخفاء بالدعوة فهي استثناء وأمر عارض، فما أن استجاب لهذه الدعوة نفر من الصحابة الأجلاء إلا وخرجت الدعوة من طورها السري إلى طورها الجهري وما أن وجد الرسول صلى الله عليه وسلم أعوانا على الدعوة حتى جاءه الأمر بالجهر بالدعوة، قال: تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (1).
بيد أنه من المهم معرفة مدى شرعية الاستخفاء بالدعوة في هذا العصر إذا لزم الأمر واقتضته الظروف. ولأجل تصور ذلك على وجه سليم لا بد من تصنيف المجتمعات من حيث إتاحتها للدعوة من عدمه إلى (مجتمعات دعوية) و (مجتمعات غير دعوية)، وأعني بالمجتمعات الدعوية تلك التي يسمح نظامها بالدعوة إلى الله تعالى ونشر الدين والخير بين الناس. وأما المجتمعات غير الدعوية فأعني بها تلك التي تقمع الدعوة وتحجبها عن الناس وتذيق دعاتها أصناف الأذى والعذاب سعيا لإبادتهم وما يحملون من رسالة، وهذا التأسيس مهم لننطلق منه إلى معرفة مدى شرعية تطبيقات الاستخفاء بالدعوة - موضوع الدراسة - في العصر الحاضر.
المطلب الأول: الاستخفاء بالدعوة في المجتمعات الدعوية:
يمكن إيضاح ما يتعلق بالاستخفاء في المجتمعات الدعوية من
(1) سورة الحجر الآية 94
خلال الفروع الآتية:
الفرع الأول: الاستخفاء بالدعوة داخل (المجتمعات الدعوية) ابتداع في سبيل الدعوة:
إن المجتمع الذي يسمح بالدعوة بين أفراده لتسديد الخلل وتقويم المعوج من خلال الدعوة العامة المعلنة وفق تعاليم الكتاب والسنة - وهذا حال غالب بلاد الإسلام - يجعل أمر الاستخفاء بالدعوة بين مجموعة من الناس والاستسرار بها عن ولاة الأمر أو علماء المسلمين أو عموم المجتمع؛ غير جائز ولا مقبول شرعا ولا عقلا، ولا يقول ذلك إلا من يعتمد على القول بإلزامية "المرحلة السرية" استنادا إلى الأمر بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وهذا فهم غير صحيح وهو من البطلان ما لا يحتاج معه إلى إبطال؛ لكنني أقول إنه مع تسليمنا الكامل بأن رسول الله هو القدوة والأسوة مطلقا إلا أن استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة كان تفاعلا مع واقع كان قائما، وقوانين كانت مسيطرة وبيئة كانت لها قيمها وعاداتها وتقاليدها، وسنن اجتماعية وسياسية خاصة، فأي عاقل يقول: إنه مهما تغيرت الظروف والأوضاع يبقى موضوع الاستخفاء بالدعوة ملزما بينما حين يسمح للدعوة بأن تنطلق وتشق طريقها ولا يبقى أي مسوغ للسرية، لأنها في الحقيقة هي وسيلة وليست غاية (1)، ولهذا فإن الاستخفاء بالدعوة كيفما تبلور والحال
(1) انظر: عثرات وسقطات - زهير سالم، ط (الأولى، عام: 1408هـ الناشر: دار عمار - الأردن) ص 29
ما ذكر هو انحراف في المنهج الدعوي وخلل في المسلك الإصلاحي باعتباره مخالفة صريحة لمنهجه العام في الدعوة ولوصيته الخاصة التي رواها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أوصني. قال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، وأقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم رمضان، وحج البيت واعتمر، واسمع وأطع، وعليك بالعلانية وإياك والسر (1)» .
فقوله صلى الله عليه وسلم: «وعليك بالعلانية وإياك والسر» بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمر دليل على أن الاستخفاء بالدعوة في المجتمع المسلم، لا سيما إذا كانت منطوية على ما يخالف ولي الأمر أو متضمنة التأليب عليه؛ منهي عنه وإذا كان من يذهب إلى أن الاجتماعات السرية في هذا الزمن إلى أنه عمل صحيح، احتجاجا بأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعوة في مكة سرا، وهذا الاحتجاج مبني على أن المجتمع الذي نعيش فيه مجتمع جاهلي، أي كافر، وهذا تعسف ومذهب فاسد، جميع علماء المسلمين على إنكاره، إذ لا يسلم العقلاء فضلا عن العلماء أن مجتمعنا مجتمع جاهلي كالجاهلية الأولى، بل نحن بحمد الله في بلاد الإسلام؛ الأذان معلن، والصلاة مقامة، والشعائر ظاهرة، والدعوة متاحة، فأين نحن من الجاهليين الأوائل
(1) أخرجه ابن أبي عاصم عن ابن عمر في كتاب السنة رقم الحدي: 1070، وحسن إسناده الألباني في ظلال الجنة في تخريج أحاديث السنة، ط (الثالثة، عام: 1413هـ، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت) 24/ 255.
ومن كفار العرب وغيرهم؟
فالذي يتوجب إذن هو "الدعوة الجهرية" وقد أمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالدعوة في قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (1).
بل يمتد هذا الفهم للحديث الشريف إلى موضوع أدق من الدعوة سرا وخفاء إلى كل ما يتناوله الاستخفاء، ويشمله من موضوعات لها تعلق بأمر المسلمين العام للتواصي عليه دون العلماء وولاة الأمر، فعن زيد بن أسلم العدوي عن أبيه رضي الله عنه قال: "بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه – أن ناسا يجتمعون في بيت فاطمة، فأتاها فقال: يا بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم ما كان أحد من الناس أحب إلينا من أبيك، ولا بعد أبيك أحب إلينا منك، ولقد بلغني أن هؤلاء النفر يجتمعون عندك، وايم الله! لئن بلغني ذلك لأحرقن عليهم البيت. فلما جاءوا فاطمة؛ قالت: إن ابن الخطاب قال كذا وكذا، فإنه فاعل ذلك، فتفرقوا حين بويع لأبي بكر رضي الله عنه.
ولقد كان هذا المسلك من سمات أهل الزيغ والأهواء في زمن مضى، فقد روى الأوزاعي رحمه الله – قال: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إذا رأيت قوما يتناجون في دينهم بشيء دون العامة؛ فاعلم أنهم على
(1) سورة الحجر الآية 94
تأسيس ضلالة".
وإذا تقرر ذلك فلا يشوش عليه حصول أذى في سبيل الدعوة من قبل المكابرين في (المجتمعات الدعوية) لأن هذا وارد وواقع في بعض الأمصار والابتلاء سنة ماضية إلى قيام الساعة لكن طريقة هذا الدين هي الدفع بالتي هي أحسن، قال تعالى:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (1) والصبر جميل على الكيد والأذى، قال تعالى:{وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} (2).
وما ذكر - أعني منع الاستخفاء بالدعوة - يسري إلى كثير بل إلى غالب البلاد غير الإسلامية أيضا باعتبارها (مجتمعات دعوية) ولهذا ينبغي للدعاة الاستفادة من هامش الحرية المسموح به في أي دولة من دول العالم، من خلال القنوات الرسمية التي يسمح بها نظامها كالجمعيات، والمراكز، والاتحادات، تلك المؤسسات ينبغي للدعاة والمسلمين المبادرة إليها، واتخاذها مشاعل للهداية والدعوة، وطريقا لنشر دينهم وتمكين عقيدتهم (3).
(1) سورة المؤمنون الآية 96
(2)
سورة المزمل الآية 10
(3)
انظر: المسلمون والعمل السياسي - عبد الرحمن عبد الخالق، 43.
الفرع الثاني: الاستخفاء بالدعوة داخل (المجتمعات الدعوية) إضرار بالدعوة:
إن من نظر بعين الإنصاف للدعوات التي كان لها طابع السرية داخل المجتمعات الدعوية سواء في عدد من البلاد الإسلامية أم في غيرها؛ يقف على نتيجة حتمية هي إيقاع الضرر بالدعوة، وذلك من خلال أمرين:
أ – الإضرار بالدعوة نفسها: وأساس ذلك أن الاستخفاء يتسبب في انحراف فكر أتباعها تدريجيا ومن ثم سلوكهم وفق رد مسلك النظام القائم، وهذا التحول في الدعوة يأتي في النهاية نتيجة لأنها سارت في أنفاق مظلمة ردحا من الزمن حالت دون أداء وظيفة التصويب والتسديد التي تناط بالعلماء الراسخين.
والمتتبع للتاريخ الغابر - فضلا عن العصر الحاضر - يمكن أن يقول: إنه متى وجد الغموض في الدعوة حلت المخالفات الشرعية، وحيث وجد التخفي؛ حل الخوف وذهب الأمن، وبذلك يتكرر خرق السفينة من المستهمين فيها أنفسهم لعدم رؤيتهم والأخذ على أيديهم، ثم تنتهي إلى الغرق. فيكون أول ضحايا الدعوة تلك هو؛ العمل الدعوي نفسه وليس الخصوم.
ومن المعلوم أن الإسلام بجلائه وصفائه ونقائه، فوق هذا كله، لا مجال فيه لإخفاء حقيقة، ولا كتم طريقة، ولا غموض مسلك.
ب – تعطيل عملية البلاغ: حيث إن النكوص عن عملية البلاغ المبين والنزول إلى المخابئ وتغييب الدعوة وممارسة العاملين وسلوكهم عن الأنظار يعطل عملية البلاغ وهذا يؤدي إلى النمو غير الطبيعي للشر والفساد، ويوقف الحوار ويعطل شعيرة الدعوة والحسبة المناطة بالدعاة والمحتسبين.
إن وظيفة الدعوة تقتضي ألا يحتكر الدعاة دعوتهم في نطاق محدود فتكون بعيدة عن جماهير الأمة ومنفصلة عن جسمها وهدفها وإنما الدعوة يجب أن تنطلق في المجتمع بانطلاق دعاتها في ميادين الدعوة المتنوعة وأن تكون دعوتهم التي يمثلونها أنموذجا عمليا للحياة الإسلامية، وتمثل الإسلام بصورة واقعية لتجذب بسلوكها الجاهلين بحقيقة هذا الدين وتكون لهم دليلا ومرشدا ومعينا على دعوتهم إلى الخير كما قال تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (1)(2).
(1) سورة آل عمران الآية 104
(2)
انظر: نظرات في مسيرة العمل الإسلامي - عمر عبيد حسنة، 40
الفرع الثالث: الاستخفاء بالدعوة داخل (المجتمع الدعوي) سبب في تمزيق الأمة:
إضافة إلى أن الاستخفاء بالدعوة داخل المجتمع الدعوي ابتداع في سبيل الدعوة وإضرار بها، فكذلك هو أداة لتمزيق الأمة من وجهين:
أولا: مع الحكام ونخص منهم أصحاب الأنظمة التي تتسم بالجور، من خلال عدم تصورهم لأهداف الدعوة الحقيقية وحسن نية دعاتها ومن خلال عدم تثبتهم من الوشاية التي قد يكون مصدرها الخصوم ولهذا فهم يضربون بيد من حديد على كل من يظنون فيه السرية فضلا عمن يجزمون بممارسته لها وتطبيقه إياها خوفا من كون الاستخفاء بالدعوة مؤداه تأليب الناس عليهم أو قلب نظامهم استنادا إلى أن المنظمات السرية في تاريخ الأمم قديما وحديثا كان لها دور في ذلك والتاريخ غير نسي.
وأما أصحاب الأنظمة العادلة فتعمل الدولة على تحجيم الدعوة المشار إليها حينما تتسم بالسرية وربما معاداتها وإضعافها.
ثانيا: مع بقية المسلمين وذلك بإيجاد هوة عميقة بين الدعوة وبين بقية المجتمع، تزداد عمقا مع الزمن، وثغرة بين الطرفين تتسع بإلحاح كلما أوغلت الدعوة في الاستخفاء، نظرا لأنهم يكتمون عن الناس ما لا يجوز كتمه، ويخفون عنهم ما لا يجوز إخفاؤه، فتظلم النفوس وتسود القلوب تجاه الدعوة والدعاة.