الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأوثان، وأظهروا عداوتهم في الجملة، وخالفوا أهل كل بدعة في بدعتهم، كالجهمية، والمعتزلة، والمرجئة، وغيرهم من أهل البدع، كالباطنية، والفلاسفة، وغيرهم، فما ناظرهم صاحب بدعة إلا وألجؤوه المضائق، وأدحضوا حجته بالكتاب والسنة، فالحمد لله الذي هدانا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (1).
وفي الفصول القادمة كشف لهذه الحقيقة، وإبراز معتقد هؤلاء الأعلام في الإيمان ومسائله بعون الله تعالى.
(1) الدرر السنية 11/ 536 - 537.
الفصل الأول: مسمى الإيمان وحقيقته:
الإيمان في اللغة مشتق من الأمن، فهو من الأمور الباطنة الذي يؤتمن عليه، ويكون خفية (1)، وهو إما أن يقال: إنه بمعنى التصديق، أو يقال: إن ما كان متعديا باللام (آمن له)، فهو بمعنى التصديق، وما تعدى بالباء (آمن به)، فهو الإيمان الشرعي (2).
وقد انعقد إجماع السلف على أن الإيمان الشرعي قول وعمل
(1) حاشية ثلاثة الأصول 60.
(2)
انظر الدرر السنية 13/ 239، وفتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 1/ 245.
وتنوعت تقريرات علماء الدعوة لهذا المعتقد، ما بين نقلهم حكاية بعض الأئمة الإجماع عليه، وحكايتهم بأنفسهم لهذا الإجماع، وأن هذا هو معتقدهم في باب الإيمان، وتقرير التلازم بين أجزاء الإيمان، وعدم انفكاك بعضها عن بعض، وعدم صحة الإيمان إلا باجتماع أجزائه، وسياق الأدلة على ذلك المعتقد، وهكذا في صور مختلفة في تقرير هذه الحقيقة، وهي أن الإيمان قول وعمل، وفي الفقرات التالية تحرير لذلك.
أولا: نقل علماء الدعوة عن بعض الأئمة الإجماع على أن الإيمان قول وعمل:
حكى الإجماع على ذلك جمع من أئمة السنة، ونقله عنهم بعض علماء الدعوة، وما لم ينقلوه بلفظه أشاروا إليه، ومن ذلك:
قول الشافعي رحمه الله: (وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول، وعمل، ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر).
ويقول الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: (لا يستقيم الإيمان إلا
بالقول، ولا يستقيم الإيمان والقول إلا بالعمل، ولا يستقيم الإيمان والقول والعمل إلا بنية موافقة للسنة.
وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، العمل من الإيمان، والإيمان من العمل، وإنما الإيمان اسم يجمع، كما يجمع هذه الأديان اسمها، ويصدقه العمل، فمن آمن بلسانه، وعرف بقلبه، وصدق بعمله، فتلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ومن قال بلسانه، ولم يعرف بقلبه، ولم يصدق بعمله، لم يقبل منه، وكان في الآخرة من الخاسرين).
ونقل عبد الرزاق رحمه الله عمن أدركه من شيوخه أنهم يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
ويقول البخاري رحمه الله: (لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم)، ثم سمى جماعات منهم، ثم قال: (واكتفيت بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرا، وألا يطول ذلك، فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل؛ لقوله تعالى:
والمعنى الذي أراد البخاري إثباته في كتاب الإيمان من صحيحه هو تقرير أن الإيمان قول وعمل، وعليه بوب أبوابه كلها، فقال: باب أمور الإيمان (2)، وباب الصلاة من الإيمان (3)، وباب الجهاد من الإيمان (4)، وسائر أبوابه، وإنما أراد الرد على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وتبيين غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنة، ومذهب الأئمة.
وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: (سألت أبي، وأبا زرعة، عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، حجازا، وعراقا، ومصرا، وشاما، ويمنا، فكان في مذاهبهم: أن الإيمان
(1) سورة البينة الآية 5
(2)
صحيح البخاري (مع الفتح) 1/ 66.
(3)
صحيح البخاري (مع الفتح) 1/ 118.
(4)
صحيح البخاري (مع الفتح) 1/ 114.
قول وعمل، يزيد وينقص).
ونقل إمام الدعوة عن الشيباني قوله:
وإيماننا قول، وفعل، ونية، يزداد بالتقوى، وينقص بالردى (1).
وقال الشيخ حسن بن حسين ابن الإمام: (قال ابن القيم رحمه الله: ونحن نحكي إجماعهم، كما حكاه حرب صاحب الإمام أحمد بلفظه، قال في مسائله المشهورة: هذا مذهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة .. فكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية، وتمسك بالكتاب والسنة).
وقال الحسن البصري: (ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال).
(1) انظر: الدرر السنية 1/ 97، والرسائل الشخصية 97.
ويقول ابن بطال: (مذهب جماعة أهل السنة، ممن سلف من الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص)(1).
وحكى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اتفاق السلف على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والأركان (2).
ثانيا: حكاية علماء الدعوة الإجماع على أن الإيمان قول وعمل، ونسبة ذلك إلى السلف:
فعلماء الدعوة تارة يحكون الإجماع على ذلك، وتارة ينسبونه إلى أهل السنة.
فممن حكى الإجماع إمام الدعوة في قوله: (فالإيمان بإجماع السلف محله القلب والجوارح جميعا)(3).
وجاء في التوضيح: (وقد تقدم أيضا إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب وعمله، ثم قول اللسان وعمل الجوارح)(4).
(1) التوضيح 123، وهو في: شرح صحيح البخاري، لابن بطال 1/ 56.
(2)
انظر: منهاج التأسيس 216، ومصباح الظلام 215، وراجع: الفتاوى 12/ 472.
(3)
الفتاوى: ضمن القسم الثالث من مؤلفات الشيخ الإمام 51.
(4)
التوضيح 129.
وفيه أيضا: (الإيمان قد اشتهر وشاع عن السلف، وأهل الحديث أنه قول وعمل ونية، وأن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان)(1).
وأما نسبة هذا المعتقد إلى السلف، فمنه قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن:(فلا يصدق الإيمان الشرعي على الإنسان إلا باجتماع الثلاثة: التصديق بالقلب وعمله، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وهذا قول أهل السنة والجماعة، سلفا وخلفا)(2).
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين: (ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح)(3).
ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: (الإيمان مركب من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب، وهو: اعتقاده، وقول اللسان، وهو: التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب، وهو: قصده، واختياره، ومحبته، ورضاه، وتصديقه، وعمل الجوارح، كالصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونحو ذلك من الأعمال الظاهرة، .. ، هذا ما عليه أهل الأثر المتمسكون بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) التوضيح 122
(2)
فتح المجيد 400.
(3)
الدرر السنية 1/ 364، ومجموعة الرسائل 2/ 177.
وذكر الشيخ عبد اللطيف أيضا أن السلف على أن الإيمان قول وعمل ونية (1).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: (مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح)(2).
ويقول: (والإيمان عند أهل السنة نطق باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان)(3).
ويقول: (مذهب السلف: أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
ويقولون: الإيمان قول وعمل ونية (4)، وبعضهم يزيد: واتباع السنة) (5).
(1) انظر: مصباح الظلام 219.
(2)
السيف المسلول 134.
(3)
حاشية كتاب التوحيد 258.
(4)
انظر: أصول السنة للحميدي 38، والإيمان لأبي عبيد 10، والسنة لابن أبي عاصم 2/ 447، 631.
(5)
حاشية الدرة المضية 71، وراجع: الفتاوى 7/ 170.
ثالثا: حكاية علماء الدعوة معتقدهم في الإيمان:
يقول إمام الدعوة: (وأعتقد أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهو بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق).
ويقول هو والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: (وحقيقة اعتقادنا أنها - أي: كلمة التوحيد - تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح)(1).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: (والإيمان الشرعي: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
فدخل فيه جميع المأمورات، سواء كان من الواجبات أو المستحبات، ودخل فيه ترك جميع المنهيات، سواء كان ذلك المنهي ينافي أصول الدين بالكلية أو لا، فإن تعريفه المذكور يشمل ذلك، فما من خصلة من خصال الطاعات إلا وهي من الإيمان، ولا ترك محرم من المحرمات إلا وهو
(1) الدرر السنية 1/ 96، والرسائل الشخصية 96.
من الإيمان) (1).
ويقول: (إيماننا معشر السلف: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان)(2).
رابعا: تقرير التلازم بين أجزاء الإيمان:
ما تقدم هو ما عليه علماء الدعوة في باب الإيمان، ناقلين له عمن قبلهم من أئمة السلف، وحاكين إجماعهم عليه، ومعلنين اعتقادهم له.
وسواء قيل: إن الإيمان قول وعمل، أو: قول وعمل ونية، أو: قول باللسان وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، فكل هذه العبارات تأكيد لحقيقة واحدة، وهي أن الإيمان لا تنفك أجزاؤه، ولا يصح إلا بها مجتمعة.
وهذه الحقيقة قد أكد عليها علماء الدعوة، بدءا من إمامهم رحمه الله؛ إذ يقول:(اعلم رحمك الله أن دين الله يكون على القلب بالاعتقاد وبالحب والبغض، ويكون على اللسان بالنطق، وترك النطق بكلمة الكفر، ويكون على الجوارح بفعل أركان الإسلام، وترك الأفعال التي تكفر، فإذا اختل واحدة من هذه الثلاث كفر وارتد)(3).
ويقول: (لا خلاف بين الأمة أن التوحيد لا بد فيه أن يكون بالقلب
(1) حاشية ثلاثة الأصول 60، وانظر: حاشية كتاب التوحيد 246، 287.
(2)
حاشية الدرة المضية 17.
(3)
الدرر السنية 10/ 87، ومجموعة الرسائل 4/ 37.
الذي هو العلم، واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي.
فإن أخل بشيء من هذا لم يكن الرجل مسلما، فإن أقر بالتوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند، كفرعون وإبليس.
وإن عمل بالتوحيد ظاهرا وهو لا يعتقده باطنا، فهو منافق خالص، وهو شر من الكافر).
ويقول الشيخ حسين بن غنام: (وفي مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الإسلام علانية، والإيمان في القلب (1)»؛ وذلك لأن الأعمال تظهر علانية، والتصديق بالقلب لا يظهر، ومن هنا قال محققو العلماء: كل مؤمن مسلم؛ لأن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام، وانبعثت الجوارح في ذلك؛ لأن محله القلب، وهو إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، كما نص عليه الحديث.
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 19/ 374 رقم 12381، وابن أبي شيبة في الإيمان 18 رقم 6.
وليس كل مسلم مؤمنا؛ لأن الإيمان قد يضعف، فلا يتحقق به القلب تحققا تاما فيكون مسلما، وليس بمؤمن الإيمان التام، .. ، ولا ريب أنه متى ما ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة،
…
، وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته، وانتهاك بعض المحرمات، وإنما ينتفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية، فإنه حينئذ يخرج من الملة) (1).
وجاء في كتاب التوضيح تحقيق متين حول مسألة التلازم أسوقه ملخصا:
قال: (على أنا نقول: لا يصر على ترك الصلاة إصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها أصلا، فإنه يستحيل في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما بأن الله سبحانه فرض عليه في كل يوم وليلة خمس صلوات، وأنه تعالى يعاقبه على تركها أشد العقاب، وهو مع ذلك مصر على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها، فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها، فليس في قلبه شيء من الإيمان، ولا يصغى إلى كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها، وليتأمل هل في الطبيعة أن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعيد والوعد، والجنة والنار، وأن الله تعالى فرض عليه الصلاة، وأنه معاقبه على تركها، وهو
(1) العقد الثمين 50 - 52، وراجع: جامع العلوم والحكم 1/ 108 - 111.
محافظ على الترك في صحته وعافيته، وعدم الموانع المانعة من الفعل؟
وهذا القدر هو الذي خفي على ذي الجهل المركب؛ حيث أثبت الإيمان لمدعيه، مع تركه من الإسلام أعظم الأركان، وجعله الإيمان مجرد التصديق، وإن لم يقارنه فعل واجب ولا ترك [محرم](1)، وهذا من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم، وليس من لازمه ولا يقتضيه القيام بالأركان، ولا فعل طاعته وترك معصيته) (2).
وقال: (وقد تقدم أيضا إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ومعنى ذلك: أنه قول القلب وعمله، ثم قول اللسان وعمل الجوارح.
فأما قول القلب، فهو التصديق الجازم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر، ويدخل في ذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه معنى الإيمان برسالته، ثم الناس في هذا على أقسام:
منهم من صدق به جملة، ولم يعرف التفصيل، ومنهم من صدق به جملة وتفصيلا، ثم منهم من يدوم استحضاره فيه بما قذف الله في قلبه من النور والآيات، ومنهم من جزم به لدليل قد تعترضه منه شبهة أو لتقليد جازم.
(1) ليست في المطبوع، ومستدركة من الصلاة وحكم تاركها 40.
(2)
التوضيح 113 - 114، وراجع: الصلاة وحكم تاركها 40 - 41.
وهذا التصديق يتبعه عمل القلب، وهو حب الله ورسله، وتعظيم الله ورسله، وتعزير الرسول وتوقيره، وخشية الله، والإنابة إليه، والإخلاص له، والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال.
فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان (1)، وهي مما يوجبها التصديق، والاعتقاد إيجاب العلة المعلول.
ويتبع الاعتقاد قول اللسان، ويتبع عمل القلب عمل الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج، ونحو ذلك) (2).
ولما قال ابن القيم رحمه الله: (وها هنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول القلب: وهو الاعتقاد، وقول اللسان: وهو التكلم بكلمة الإسلام، والعمل قسمان: عمل القلب، وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح.
فإذا زالت هذه الأربعة زال الإيمان بكماله، وإذا زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة.
فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع
(1) في المطبوع: الآيات، ولعل المثبت هو الصواب.
(2)
التوضيح 129.
انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس، وفرعون وقومه، واليهود، والمشركين، الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ويقرون به سرا وجهرا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به.
وإذا كان الإيمان يزول بعمل القلب، فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح، ولا سيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره؛ فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم عدم الطاعة، وهو حقيقة الإيمان؛ فإن الإيمان ليس مجرد التصديق كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس هو مجرد معرفة الحق وتبينه، بل هو معرفته المستلزمة لاتباعه والعمل بموجبه، وإن سمي الأول هدى، فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن اعتقاد التصديق وإن سمي تصديقا فليس هو التصديق المستلزم للإيمان) (1).
علق عليه في التوضيح بقوله: (إنه - يعني: ابن القيم - جعل حقيقة
(1) الصلاة وحكم تاركها 50 - 51.
الإيمان مركبة من: قول، وقسمه إلى قسمين: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام.
ومن: عمل، وقسمه إلى قسمين أيضا: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، وعمل الجوارح.
ورتب زوال الإيمان بكماله على زوال هذه الأربعة، فإن زال بعضها، فإن كان التصديق لم ينفع باقي ما أتى به.
وإن كان غيره، فإن كان عمل القلب فقط، أو مع الجوارح، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب، وهو محبته وانقياده للأوامر، وإن عملت الجوارح ظاهرا، ومع انتفاء عملها اللازم منه انتفاء عمل القلب) (1).
وقال: (فما دام محبا منقادا لفعل الأوامر لزم منه فعل المأمورات من صلاة وغيرها، ومتى فقد عمله فقدت المأمورات، وإن وجد قوله، وهو مجرد التصديق بلا انقياد، وإذا حصلت هفوة للقلب بوجود الران عليه، من نحو شدة فرط الشهوة، فحصل شيء من المعاصي المتقدمة الظاهرة في الجوارح، وعمل القلب باق على ما كان عليه أولا، فحكم الإسلام باق، ولكن انتفى عنه كمال الإيمان بظاهر أعماله السيئة، ومتى أطلق عليه اسم الكفر بذلك، فإنه لا يخرجه من الدائرة الإسلامية والملة بالكلية، كما
(1) التوضيح 134، وانظر منه 136.
تقدمت دلائله من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وإن زال عنه اسم الإيمان.
وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة بكتاب الله، وبالإسلام والكفر، ولوازمهما) (1).
وقال: (فإن حقيقته - يعني: الإيمان - مركبة من:
عمل القلب، وهو محبته، وانقياده، وإخلاصه لفعل الأوامر، واتباع الرسل في كل ما جاؤوا به من عند الله.
وعمل الجوارح فيما يوجد من قبلها عند طاعة القلب وانقياده، قال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2){الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (3){أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} (4)، وقال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (5).
ومن قوله، وهو تصديقه في كل ما جاءت به الرسل، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام والإقرار بما يجب الإيمان به، ففي الصحيحين
(1) التوضيح 137.
(2)
سورة الأنفال الآية 2
(3)
سورة الأنفال الآية 3
(4)
سورة الأنفال الآية 4
(5)
سورة الحجرات الآية 15
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي، أنه قال:«الإيمان بضع وستون شعبة – أو: بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (1)» .
وقال: (فأهل السنة مجمعون على أنه متى زال عمل القلب فقط، أو هو مع عمل الجوارح زال الإيمان بكليته، وإن وجد مجرد التصديق فلا ينفع مجردا عن عمل القلب والجوارح معا، أو أحدهما، كما لم ينفع إبليس، وفرعون وقومه، واليهود، والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول صلى الله عليه وسلم سرا وجهرا)(2).
وقال: (فإنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم طاعة القلب؛ إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعته الجوارح وانقادت.
ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده للنص عدم التصديق المستلزم للطاعة التي هي حقيقة الإيمان، فأما مجرد التصديق من غير استلزام ولا انقياد، فليس بإيمان البتة) (3).
وذكر أيضا أن من شرط صحة الإيمان العمل بمقتضى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر، وتصديق الرسول
(1) التوضيح 138.
(2)
التوضيح 139.
(3)
التوضيح 140.
فيما جاء به وأخبر عنه (1).
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: (وأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر، فلا بد من تصديق ذلك بالعمل والمتابعة له، وإلا فالمدعي كاذب؛ فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحسبها، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (2)، وقال تعالى:{وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} (3) إلى قوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (4).
فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله رسوله سمعوا وأطاعوا، فتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة.
لكن كل مسلم لا بد أن يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام، كما أن كل مؤمن لا بد أن يكون مسلما، وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق؛ لأن ذلك لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، فإن
(1) التوضيح 141 - 142.
(2)
سورة آل عمران الآية 31
(3)
سورة النور الآية 47
(4)
سورة النور الآية 51
الاستسلام لله ومحبته لا تتوقف على هذا الإيمان الخاص.
قال شيخ الإسلام: وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه، ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا من أهل طاعة الله ورسوله، وهم مسلمون، معهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد، ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال، وهؤلاء إن عوفوا من المحنة، وماتوا دخلوا الجنة، وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم، فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين، وانتقلوا إلى نوع نفاق، انتهى (1)) (2).
ونقل الشيخ سليمان أيضا قول الحافظ ابن رجب رحمه الله: (الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به ويكره
(1) الفتاوى 7/ 271.
(2)
تيسير العزيز الحميد 416 - 417 وانظر منه 627، وفتح المجيد 387، 516، ومصباح الظلام 243 - 244.
ما نهى عنه، .. ، فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله، محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه، فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا، وأن يكره ما كرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلا، .. ، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى به الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحبه الله ورسوله، مع وجوبه عليه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة.
ويقول الشيخ عبد الله أبا بطين في معرض بحثه في تعريف العبادة: (ومن عرفها بالحب من الخضوع؛ فلأن الحب التام مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب، والانقياد له، فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع
لمحبوبه، فبحسب محبة العبد لربه، وذله له، تكون طاعته).
ثم قال: (فالمحبة والخضوع ركنان للعبادة، فلا يكون أحدهما عبادة بدون الآخر، فمن خضع لإنسان مع بغضه له لم يكن عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له)(1).
ويقول الشيخ سليمان بن سحمان: (فلا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فإن اختل نوع من هذه الأنواع لم يكن الرجل مسلما)(2).
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: (إيماننا معشر السلف: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.
فإن من لم يقر بلسانه مع القدرة فليس بمؤمن، ومن أقر بلسانه ولم يعتقد بقلبه فهو منافق وليس بمؤمن، ومن لم يعمل بالقلب والجوارح فليس بمؤمن) (3).
ويقول: (ليس الإيمان مجرد القول فقط، بل لا بد من الاعتقاد والعمل إجماعا)، ثم قال: (ولا ينازع مسلم أنه لا بد أن يكون الإيمان
(1) الدرر السنية 2/ 290 - 291، وانظر: السيف المسلول 55.
(2)
الدرر السنية 2/ 350، وانظر منه: 2/ 357 - 358.
(3)
حاشية الدرة المضية 71.
بالقلب، فإن لم يصدق، ويعمل، ويؤثر ما دلت عليه تلك الأصول (1)، ويعمل بقلبه العمل الخالص، كالمحبة، والإنابة، والرضا، والتوكل، والخشية، والرغبة، والرهبة، فهو منافق، من أهل الدرك الأسفل من النار.
وكذلك العمل بالجوارح لا بد منه، فلا يكون مؤمنا إلا إذا ترك عبادة الطواغيت، وعمل بمقتضى تلك الأصول.
فإذا زال أحد هذه الثلاثة: القول، والاعتقاد، والعمل، زال الإيمان، كما دل على ذلك حديث جبرائيل عليه السلام وغيره) (2).
ثم ذكر أن الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر بصدق ويقين يقتضي إفراد الله بالعبادة، وامتثال أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتباعه، وتعظيمه، ولزوم سنته (3).
وذكر رحمه الله أن الله تعالى لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، قائم بالقلب، مستلزم لما وجب من الأعمال القلبية، وأعمال الجوارح (4).
(1) يعني: أصول الإيمان التي جاءت في حديث جبريل عليه السلام
(2)
السيف المسلول 108 - 109، وانظر منه 135.
(3)
انظر: السيف المسلول 110.
(4)
انظر: السيف المسلول 134.
وقال: (إذا ثبت الإيمان في القلب لم يتخلف عنه مقتضاه؛ ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه؛ فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم.
خامسا: سياق الأدلة على أن الإيمان قول وعمل:
ذكر علماء الدعوة جملة وافرة من نصوص الكتاب والسنة الدالة على أن الإيمان قول وعمل.
فمن القرآن الكريم: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (1)، والمعنى: أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة (2).
(1) سورة البقرة الآية 143
(2)
انظر فتح المجيد 468 – 469، وراجع جامع البيان 2/ 23 - 24، وتفسير القرآن العظيم 1/ 205.
(3)
سورة البقرة الآية 177
والمعنى: أي: فيما عملوا به في هذه الآية من الأعمال الظاهرة والباطنة (1).
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (2){الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (3){أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} (4)، فأخبر سبحانه وتعالى أن المؤمن من كانت هذه صفته. .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (5)، فقد دلت هذه الآية على أنه لا بد في الإيمان من العمل، من القلب والجوارح. (6).
وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (7)، ففي
(1) انظر: فتح المجيد 468 - 469، وراجع: تفسير القرآن العظيم 1/ 221 - 222.
(2)
سورة الأنفال الآية 2
(3)
سورة الأنفال الآية 3
(4)
سورة الأنفال الآية 4
(5)
سورة النحل الآية 36
(6)
انظر: فتح المجيد 45، وراجع: تفسير القرآن العظيم 2/ 626.
(7)
سورة النحل الآية 97
الآية إلزام العمل الإيمان، وبالعكس (1).
وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (2)، فانتفاء الشك والريب من الأعمال الباطنة، والجهاد من الأعمال الظاهرة، فدل على أن الكل من الإيمان (3).
وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} (4){فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (5)، ففيها أن الأعمال من الإيمان (6).
وقال تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} (7)، ففي هذه الآية أن الأعمال من الإيمان. (8).
(1) انظر: الدرر السنية 13/ 305، وراجع: تفسير القرآن العظيم 2/ 645.
(2)
سورة الحجرات الآية 15
(3)
انظر: مجموعة الرسائل 2/ 1 / 3.
(4)
سورة الحجرات الآية 7
(5)
سورة الحجرات الآية 8
(6)
انظر: الدرر السنية 13/ 401، وراجع: تفسير القرآن العظيم 4/ 221.
(7)
سورة التغابن الآية 11
(8)
انظر: تيسير العزيز الحميد 454، وفتح المجيد 423.
(9)
سورة البينة الآية 5
دلت هذه الآية على أن الإيمان بالله ورسوله لا بد فيه من الانقياد، والاعتقاد والعمل، باطنا وظاهرا. (1).
وأما الأحاديث الدالة على أن الإيمان قول وعمل، فمما أورده علماء الدعوة منها:.
قوله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة – أو: بضع وسبعون شعبة - أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (2)» .
قال الخطابي: (في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أعلى وأدنى، فالاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه، وتستوفي جملة أجزائه، كالصلاة الشرعية لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «الحياء شعبة من الإيمان (3)».
(1) مصباح الظلام 219 - 220، وراجع: تفسير القرآن العظيم 4/ 571.
(2)
البخاري الإيمان (9)، مسلم الإيمان (35)، الترمذي الإيمان (2614)، النسائي الإيمان وشرائعه (5005)، أبو داود السنة (4676)، ابن ماجه المقدمة (57)، أحمد (2/ 414).
(3)
التوضيح 122، نقلا عن: معالم السنن بهامش سنن أبي داود 5/ 56.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس (1)» ، وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله (2)» ، وعن طارق بن أشيم مرفوعا:«من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله (3)» وعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أول المبعث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: بأي شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله، ولا يشرك به شيئا (4)» ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: «إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان 1/ 157 رقم 53، ومسلم 1/ 160 رقم 17.
(2)
رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} 1/ 95 رقم 25، ومسلم 1/ 292 رقم 21.
(3)
رواه مسلم 1/ 293 رقم 23.
(4)
أخرجه مسلم 6/ 165 - 166 رقم 832.
حريص، ولا يرده كراهية كاره (1)».
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (2)» ، ففي الحديث أن الأعمال من الإيمان؛ لأن المحبة عمل القلب (3).
وفي حديث سهل بن سعد رضي الله عنه مرفوعا: «ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه (4)» .
قال الشيخ عبد الرحمن معلقا: (مما أمر به وشرعه من حقوق لا إله إلا الله، وهذا يدل على أن الأعمال من الإيمان)(5).
والقصد مما تقدم مجرد الإشارة إلى بعض ما جاء في الباب من أدلة
(1) رواه أبو نعيم في الحلية 5/ 106، 10/ 41، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان 1/ 525 - 526 رقم 203. قال الشيخ المحدث سليمان بن عبد الله:(إسناده ضعيف، ومعناه صحيح). تيسير العزيز الحميد 432، وتابعه الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد 400، وراجع تخريجه موسعا في: تخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد 79 - 82.
(2)
رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان 1/ 75 رقم 15. ومسلم 2/ 21 رقم 44.
(3)
انظر: تيسير العزيز الحميد 418، وفتح المجيد 387، وحاشية كتاب التوحيد 238.
(4)
رواه البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب 7/ 87 رقم 3701، ومسلم 15/ 254 رقم 2406.
(5)
قرة عيون الموحدين 53، وانظر منه 54، وفتح المجيد 121.