الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
علما أن الصحابة الذين دخل عليهم صلى الله عليه وسلم، لا يوجد حرج لديهم، في دخوله صلى الله عليه وسلم من غير استئذان، لأنه هو الذي أرسلهم، من أجل ذلك. وإنما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستأذن، ليعلم أمته ويبين لها أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على حق الآخرين، إلا بعد الاستئذان. وقد تكرر استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم من صحابته، وما تقدم دليل على اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم – به، وأن على كل مسلم أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثاني: استئذان الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
-:
كان الصحابة رضي الله عنهم نموذجا فريدا، في أدبهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يرفعون أصواتهم فوق صوته، وإذا جاء أحدهم إليه كان يستأذنه على استحياء، وإذا جلسوا حوله كانوا في غاية
الأدب، ولا يعبأ أحدهم بما حوله، ويجلسون عنده، وكأن على رءوسهم الطير.
فلا عجب إذن أن يستأذنوه، في شئون حياتهم كلها. فهو القائد، وهو المربي الذي غرس في نفوسهم الإيمان، والأخلاق الإسلامية الرفيعة.
وبما أنهم كانوا يستأذنونه في أمورهم، كبيرها، وصغيرها، وكان هذا الاستئذان متنوعا، كما سيظهر لنا ذلك، فإني سأكتفي بنماذج، من هذه الأنواع، فمن ذلك:
5 -
ما رواه الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه واللفظ للبخاري - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لكعب بن الأشرف؟ " فقال محمد بن مسلمة: أتحب أن أقتله؟ قال: نعم! قال: فأذن لي فأقول. قال: قد فعلت (1)» .
(1) البخاري - مع الفتح - كتاب الجهاد - باب الفتك بأهل الحرب - 6/ 160 حديث 2032. ومسلم - كتاب الجهاد والسير - باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود - 3/ 1425 حديث رقم عام 1801. قلت: الحديث رواه البخاري في عدة مواضع، منها مطول، ومنها مختصر، واقتصرت على الرواية المختصرة، لأن فيها محل الشاهد. قلت: وكعب أبوه عربي من قبيلة طيئ، وأتى المدينة هاربا، إذ أصاب دما في الجاهلية، فحالف بني النضير، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق اليهودية، فولدت له كعبا هذا، وكان يهوديا، لأن أمه يهودية.
وسبب قتل كعب بن الأشرف، أنه كان يحرض على قتال المسلمين، وقد هجا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
قال عروة - كما في الفتح -: كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين، ويحرض قريشا عليهم، وأنه لما قدم على قريش. قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لنا بابن الأشرف، فإنه قد استعلن بعداوتنا (1)» ، وهناك أسباب أخرى في قتله، منها: أنه نقض العهد بينه، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ عاهده ألا يعين عليه أحدا، لكنه نقض ذلك، فحارب، إلى جانب الهجاء، والشتم (2).
قال الإمام البغوي: وكان كعب بن الأشرف، ممن عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا يعين عليه أحدا، ولا يقاتله، ثم خلع الأمان، ونقض العهد، ولحق بمكة، وجاء معلنا معاداة النبي صلى الله عليه وسلم، يهجوه في أشعاره، ويسبه، فاستحق القتل (3) فحينئذ طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه، إخماد صوت هذا الفاجر، فتطوع محمد بن مسلمة الأنصاري، لقتله، لكنه استأذن من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول شيئا من الكلام، فيه تورية. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) فتح الباري: 7/ 337 وما بعدها
(2)
انظر: شرح مسلم للنووي 12/ 160 وما بعدها.
(3)
شرح السنة: 11/ 45
قال الإمام النووي: قوله "ائذن لي فلأقل" معناه: ائذن لي أن أقول عني وعنك، ما رأيته مصلحة، من التعريض وغيره، ففيه دليل على جواز التعريض. وهو أن يأتي بكلام، باطنه صحيح، ويفهم منه المخاطب غير ذلك. فهذا جائز في الحرب وغيرها، ما لم يمنع به حقا شرعيا. (1).
6 -
ومن الأمور التي استأذن فيها الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ما رواه عبد الله بن عمر، «أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من أصحابه، قبل ابن صياد، حتى وجده يلعب مع الغلمان، في أطم بني مغالة - وقد قرب ابن صياد يومئذ الحلم - فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بيده، ثم قال: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرضه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: آمنت بالله ورسوله! .. الحديث، قال عمر: يا رسول الله! أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يكن هو لا تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله (2)» .
فعمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقدم على قتل ابن صياد في
(1) شرح صحيح مسلم للنووي: 12/ 161
(2)
أخرجه البخاري في صحيحه - مع الفتح - كتاب الأدب - باب قول الرجل للرجل اخسأ - 10/ 560 وما بعدها حديث 6173، ومسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب ذكر ابن صياد - 4/ 2240 حديث رقم عام 2930، وأخرجه أيضا من حديث ابن مسعود وأبي سعيد الخدري.
حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما استأذنه في قتله. وهذا الموقف يبين لنا أن الإنسان، لا يجوز له، أن يتصرف في حضرة المسئول، إلا بعد استئذانه. وهذا من باب الأدب والاحترام، والمحافظة على المصلحة العامة، لأن الناس لو تصرف كل منهم، على حسب ما ظهر له من الحق، لعمت الفوضى، واختلط الحابل بالنابل، كما يقال. وقد تكرر الاستئذان من عمر للرسول صلى الله عليه وسلم في ضرب عنق من يقوم بعمل يخالف الإسلام.
إذ استأذنه في قتل حاطب بن أبي بلتعة (1)، وقتل ذي الخويصرة.
وهذا العمل من أمير المؤمنين، يدل على أمرين:
1 -
غيرته على الإسلام وشدته في الحق.
2 -
أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يقدم على عمل إلا بعد استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما ابن صياد: فهو من اليهود، واختلف فيه، هل هو الدجال، أو من الكهنة، فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يختبر حاله. روى الإمام
(1) انظر صحيح البخاري حديث رقم 3007، وصحيح مسلم حديث رقم عام 2494.
أحمد بسنده عن جابر بن عبد الله أنه قال: «ولدت امرأة من اليهود غلاما ممسوحة عينه، والأخرى طالعة، ناشئة، فأشفق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون هو الدجال (1)» وقد كان جابر بن عبد الله يحلف أن ابن صياد هو الدجال.
روى البخاري بسنده عن محمد بن المنكدر أنه قال: «رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله، أن ابن صياد الدجال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر، يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم (2)» .
7 -
وممن استأذنه صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع .. أن يقول رجزا بين يديه، «قال سلمة بن الأكوع: لما كان يوم خيبر، قاتل أخي قتالا شديدا، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد عليه سيفه فقتله.
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وشكوا فيه، رجل مات في سلاحه، وشكوا في بعض أمره، قال سلمة: فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خيبر، فقلت: يا رسول الله! ائذن لي أن أرجز لك، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عمر بن الخطاب: اعلم ما تقول. قال: فقلت:
(1)(الفتح الرباني) كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة - 13/ 323 حديث 7355.
(2)
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة، لا من غير الرسول - 13/ 323 حديث 7355.
والله لولا الله ما اهتدينا
…
ولا تصدقنا ولا صلينا (1)
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقت .. » الحديث.
فهذا الصحابي لم يقل الرجز بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم حتى استأذنه، وهذا دليل على أدبه، وتقديره، للرسول صلى الله عليه وسلم.
وأن الإنسان، لا يقدم على عمل يعمله، أمام القائد، أو الراعي إلا بعد استئذانه ومثل ذلك الطالب مع أستاذه، في الفصل، فلا يتكلم، أو يقول شيئا إلا بعد أن يستأذن. وهذا حسان بن ثابت، الأنصاري، الخزرجي، لم يهج المشركين، إلا بعد أن استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
8 -
قالت أم المؤمنين عائشة: «استأذن حسان بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في هجاء المشركين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فكيف بنسبي؟ فقال حسان: لأسلنك منهم، كما تسل الشعرة من العجين (2)» . هجاء المشركين مشروع، لأن ذلك يعتبر من باب الانتصار، والرد على المشركين، الذين كانوا يبدءون بذلك، قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الحديث جواز سب المشرك، جوابا عن سبه للمسلمين.
ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين، لئلا يسبوا
(1) أخرجه مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة خيبر - 3/ 1429 وما بعدها حديث 124.
(2)
أخرجه البخاري - كتاب الأدب - باب هجاء المشركين - 10/ 546 حديث 6150. ومسلم - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل حسان بن ثابت - 4/ 1935، مرة: طلب الإذن في هجاء أبي سفيان، ومرة بدون ذكره.
المسلمين، لأنه محمول على البداءة به، لا على من أجاب منتصرا، وقد كان لهذا الهجاء وقع كبير على المشركين، كما جاء في الحديث، الذي أخرجه الإمام مسلم: عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اهجوا المشركين، فإنه أشد عليهم، من رشق بالنبل .. (1)» الحديث، ويعتبر الهجاء، من أنواع الجهاد، لذلك كان جبريل يؤيد حسان بن ثابت - كما جاء في الحديث المتقدم - قالت عائشة:«فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس، لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله (2)» . وبما أن الرسول صلى الله عليه وسلم، هو المشرع، كان الصحابة رضي الله عنهم، يستأذنونه، في العبادات فمن ذلك:
9 -
ما أخرجه البخاري بسنده عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: «استأذن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة، ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن له (3)» .
كان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه مسئولا عن السقاية، بعد موت أبيه، وبقيت في يده، حتى جاء الإسلام، فأقرها له صلى الله عليه وسلم.
(1) كتاب فضائل الصحابة - باب فضل حسان بن ثابت - 4/ 1935 حديث رقم عام (2490)، والمراد بالرشق الرمي.
(2)
مسلم فضائل الصحابة (2490)، الترمذي الأدب (2846)، أبو داود الأدب (5015)، أحمد (6/ 72).
(3)
كتاب الحج - باب سقاية الحاج: 3/ 490 حديث 1634.
ومن المعروف أن الناس بحاجة، إلى الماء، في أيام الحج، فاستأذن العباس الرسول صلى الله عليه وسلم، ألا يبيت بمنى، ليتمكن من تجهيز (1) الماء للحجاج. وكان رضي الله عنه لا يسمح لأحد أن يغتسل منها. قال زر بن حبيش: كان العباس بن عبد المطلب في المسجد، وهو يطيف حول زمزم، ويقول: لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب، ومتوضئ، حل وبل ومشى على ذلك ابنه عبد الله رضي الله عنه، إذ كان يمنع من الاغتسال منها، واتخذ مجلسا عند البئر. (2).
10 -
وهذه أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدفع من مزدلفة قبل الناس. قالت عائشة: نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها فدفعت، قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به. كانت أم المؤمنين سودة، ثقيلة الحركة، وذلك لعظم جسمها، رضي الله عنها، فاستأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم أن تدفع، من مزدلفة، قبل دفع
(1) انظر أخبار مكة للفاكهي 2/ 63.
(2)
انظر المصدر السابق: 2/ 63 رقم 1155 و 70، 86
الناس، وازدحامهم، ولو فعلت ذلك، عائشة أيضا لكان أحب إليها، من أي شيء يفرح به (1).
11 -
وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله تعالى. قالت رضي الله عنها: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد. فقال: «جهادكن الحج (2)» . أرادت أم المؤمنين عائشة أن تشارك في الجهاد في سبيل الله، لأن أجر الشهيد عند الله عظيم، ومكانته كبيرة، فاستأذنت الرسول في ذلك، لعلها تنال ما أعده الله للشهداء، فأخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأن جهاد النساء، في الحج، إذ الحج بالنسبة لهن، بمثابة الجهاد في سبيل الله تعالى. ولم يؤذن لها في الجهاد، لأنه قائم على القتال، وعلى المخاطر، وغالب النساء لا يستطعن ذلك، لقلة صبرهن، وجزعهن. إن استئذان الزوجة من زوجها أمر قد قرره الإسلام، فلا يجوز للمرأة، أن تتصرف في الأمور التي هي من حق الزوج، إلا بعد استئذانه.
ولو تتبعت الأحاديث الواردة في هذا، لبلغت عددا لا بأس به، لكني اقتصرت على ذلك لتكون نماذج، على هذا النوع من الاستئذان وكان
(1) انظر فتح الباري: 4/ 529
(2)
البخاري - مع الفتح - كتاب جهاد النساء - 6/ 75 حديث 2875
الصحابة رضي الله عنهم، سواء كانوا رجالا، أو نساء، يستأذنون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل أمر، له شأن.
12 -
فهذه الصحابية سبيعة الأسلمية رضي الله عنها تستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الزواج بعد وفاة زوجها. عن المسور بن مخرمة «أن سبيعة الأسلمية نفست بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت (1)» قلت: وسبب استئذانها من الرسول صلى الله عليه وسلم أنها بعد وفاة زوجها بليال وضعت، إذ كانت حاملا، وتزينت للخطاب، فخطبها أبو السنابل، فأبت أن تنكحه، ونكحت غيره.
فقال لها أبو السنابل: لا يحل لك الزواج، حتى تعتدي أبعد الأجلين، حينئذ جاءت واستأذنت الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأذن لها، وأخبرها بأنها أصبحت حلالا، بإمكانها أن تتزوج (2) وإصدار هذا الحكم من أبي السنابل، دليل على أنه كان فقيها، قادرا على الفتوى، وإلا لأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنه يعذر في فتواه، لأنه تمسك بالعموم، الذي يقضي على أن كل امرأة يموت عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، لكن الحامل خصت من هذا العموم،
(1) البخاري - مع الفتح - كتاب الطلاق - باب (واللائي يئسن من المحيض). 9/ 470 حديث 5320
(2)
انظر صحيح البخاري رقم 5318، وفتح الباري: 9/ 472 وما بعدها