المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الثاني: سمات الاستخفاء في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٨٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الفتاوى

- ‌ بيان ما يلزم من أحكام الزكاة

- ‌ كيفية أداء الزكاة، وكيفية توزيعها

- ‌ الأوقاف التي على جهات عامة كالمساجد والربط والمدارس والفقراء ليس فيها زكاة

- ‌ كيفية زكاة أموال الشركة

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌زكاة المرتبات فيها تفصيل

- ‌الزكاة تكون فيما دار عليه الحول وهو بحوزة الإنسان

- ‌كيفية ضبط الموظف ومن له دخل للحول

- ‌ تعجيل الزكاة قبل تمام الحول

- ‌حكم زكاة ما يستلمه الطلاب من المكافأة الشهرية

- ‌الربح تبع الأصل وحوله حول أصله إلا إذا كان ربا

- ‌حول الدين

- ‌ما بلغ نصابا وحال عليه الحول ففيه زكاة

- ‌المال الموضوع في البنك الإسلاميحكمه حكم غيره من الأموال

- ‌حكم التعامل مع البنوك بالربا وزكاتها

- ‌حكم زكاة النقود العربيةوالأجنبية المجموعة على سبيل الهواية

- ‌حكم زكاة أقلام الذهب

- ‌كان الزوجان لا يصليان ثم التزما، فهل يجددان عقد الزواج

- ‌زوجها لا يصلي رغم نصيحتها له، هل تستمر معه

- ‌من مات وعليه صلاة

- ‌من ترك صلاة هل تقبل صلواته الأخرى

- ‌ غيبة الذين لا يؤدون الصلاة إطلاقا والاستهزاء بهم

- ‌هل تارك الصلاة مخلد في النار

- ‌حكم بول الغنم وروثها

- ‌ حكم الصلاة في ثوب فيه بقع من جرح دم

- ‌طهارة المكان

- ‌من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

- ‌بناء المتاجر تحت المسجد

- ‌البناء على المسجد

- ‌ضم مكان الحمامات إلى المسجد

- ‌بناء القبة فوق المسجد

- ‌الإصلاح في المسجد

- ‌دورات المياه حول المسجد

- ‌وضع الصور في المسجد والصلاة في مكان فيه صور

- ‌المحاريب في المساجد

- ‌وضع المآذن في المساجد وبناء القبور فيها

- ‌ الصلاة في مسجد فيه قبر

- ‌ حكم الإسلام في الصلاة في المسجد الذي فيه بعض القبور

- ‌ الصلاة في مسجد به ضريح ميت

- ‌الصلاة في المقابر

- ‌البحوث

- ‌التمهيد: فضل آية الكرسي:

- ‌تفسير الآية

- ‌الجملة الأولى قوله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}

- ‌الخاتمة:

- ‌عرش الرحمن في القرآن

- ‌التمهيد: تعريف العرش:

- ‌المبحث الأول: خلق الله للعرش:

- ‌المبحث الثاني: مكان العرش:

- ‌المبحث الثالث: استواء الله على العرش:

- ‌المبحث الرابع: صفات العرش:

- ‌المبحث الخامس: أحوال الملائكة مع العرش:

- ‌المطلب الأول: حملة العرش:

- ‌المطلب الثاني: عدد حملة العرش:

- ‌المطلب الثالث: الملائكة حول العرش:

- ‌الخاتمة:

- ‌تقريرات علماء الدعوة في الإيمان ومسائله

- ‌المقدمة:

- ‌تمهيد في بيان منزلة مسائل الإيمان:

- ‌الفصل الأول: مسمى الإيمان وحقيقته:

- ‌الفصل الثاني: الإسلام وصلته بالإيمان:

- ‌الفصل الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه:

- ‌الفصل الرابع: حكم الاستثناء في الإيمان:

- ‌الفصل الخامس: مرتكب الكبيرة:

- ‌الخاتمة:

- ‌دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة الاستخفاء في العهد المكي"دراسة تحليلية

- ‌تمهيد:

- ‌المبحث الأول: مرحلة الاستخفاء في ضوء النصوص:

- ‌المبحث الثاني: معالم دعوة النبي في مرحلة الاستخفاء:

- ‌المطلب الأول: ميدان الدعوة في مرحلة الاستخفاء:

- ‌المطلب الثاني: وسائل وأساليب الدعوة في مرحلة الاستخفاء:

- ‌المطلب الثالث: مضمون الدعوة في مرحلة الاستخفاء:

- ‌المطلب الرابع: أصناف المدعوين في مرحلة الاستخفاء:

- ‌المبحث الثالث: مفهوم الاستخفاء في دعوة النبي وسماتها:

- ‌المطلب الثاني: سمات الاستخفاء في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌المبحث الرابع: تطبيقات الاستخفاء بالدعوة في العصر الحاضر:

- ‌المطلب الأول: الاستخفاء بالدعوة في المجتمعات الدعوية:

- ‌المطلب الثاني: الاستخفاء بالدعوة في المجتمعات (غير الدعوية):

- ‌الخاتمة:

- ‌المبحث الثاني: الاستئذان وأنواعه في السنة:

- ‌المطلب الأول: استئذان الرسول صلى الله عليه وسلم زوجاته، وأصحابه:

- ‌المطلب الثاني: استئذان الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثالث: استئذان الناس بعضهم من بعض:

- ‌المطلب الرابع: الاستئذان والمرأة:

- ‌الخاتمة:

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌المطلب الثاني: سمات الاستخفاء في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

وبهذا يتبين أن حصر الاستخفاء بالعبادة غير دقيق بل الاستخفاء يضم الأمرين معا لكنه استخفاء غير مطلق كما سيتضح.

بينما تضمن الاتجاه الثالث أن الدعوة أمرها اشتهر من أول يوم البعثة وأن صيتها قد ذاع في مكة فهذا غير دقيق ولو كان كما قيل لما كان في استخفائه بالدعوة واستسراره بها عن الناس ثلاث سنين أي فائدة والنصوص التي تشير إلى مرحلة الاستخفاء والمتضمنة حرصه على كتمان الدعوة التي سبق بيانها ترد هذا الاتجاه لمن تأمل.

وبما أن الاتجاهات المشار إليها تحتاج إلى مزيد ضبط وتصويب يمكن أن نقول: إن استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة الذي استمر ثلاث سنين يتبلور في أن الدعوة بادئ أمرها كان الاستتار أبلغ ما يكون ومع استجابة المدعوين الأقرب فالأقرب أخذت الدعوة تنفتح للمجتمع على نحو متدرج، مع السماح لخبرها أن يتسرب في مكة وأوديتها وشعابها، بل حتى إلى خارج مكة إذا ما رئيت المصلحة. واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم دارا غير معلنة لإقامة العبادة والدعوة إلى الله معا بعد أن حصلت مجابهات للمستجيبين من قبل الخصوم والأمر على ما ذكر. وبهذا المفهوم للاستخفاء الذي يتماشي مع النصوص والأحداث دخل الناس في دين الله حتى تمكنت الدعوة وانتشر أمرها.

ص: 299

‌المطلب الثاني: سمات الاستخفاء في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

-:

وفي ضوء ما سبق من هذا البيان المجمل لمفهوم استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم يمكن عرض أبرز سمات الاستخفاء كما سيأتي:

المحور الأول: السمات العامة: هذا المحور يتناول سمات مرحلة

ص: 299

الاستخفاء العامة وبيان ذلك من خلال الفرعين التاليين:

الفرع الأول: الهدف العام من الاستخفاء:

إن الهدف العام من استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة إنما كان يدور حول محور سلامة الدعوة الإسلامية من أن تجهض في مهدها، مع السماح بإظهار الدعوة، بل عموم تلك المواقف تشير إلى أن الاستسرار بالدعوة هو في الحقيقة حرص على سيرها مطردا وهادئا تسير إلى القلوب بخطى ثابتة حتى تتمكن من الإعلام عن نفسها في الوقت المناسب بعد أن يؤمن بها عدد من الناس، وكانت الدعوة تنساب إلى النفوس الطيبة التي هيأها الله تعالى لهذا الأمر.

الفرع الثاني: التدرج في إعلان الدعوة: إعلان الدعوة جاء متماشيا مع الأحداث متدرجا مع المواقف وفق ما تقتضيه مصلحة الإعلان بصورة لا تلفت الأنظار إليها. «قال الإمام الزهري رحمه الله: "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام سرا وجهرا فاستجاب لله من شاء من أحداث الرجال، وضعفاء الناس، حتى كثر من آمن به، وكفار قريش غير منكرين لما يقول (1)» .

قال الماوردي: "ثم تتابع الناس في الإسلام ورسول الله على استسراره وإن انتشرت دعوته في قريش ".

(1) الطبقات الكبرى 1/ 199.

ص: 300

وقال ابن قيم الجوزية: "ودخل الناس واحدا واحدا في الإسلام وقريش لا تنكر ذلك"(1).

وقال ابن إسحاق: ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من النساء والرجال .. حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به .. ولما أسلم هؤلاء النفر وظهر أمرهم بمكة أعظمت ذلك قريش وغضبت له (2).

قال ابن هشام: فأمر الله رسوله أن يصدع بما جاءه من الحق، وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله أمره واستتر به إلى أن أمره الله بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه، ثم قال الله له {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (3) وقال له:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (4)(5).

المحور الثاني: السمات الخاصة:

وهذا المحور يتناول سمات مرحلة الاستخفاء التي تتصل بأسس الدعوة وبيان ذلك من خلال الفروع التالية:

الفرع الأول: المدعوون:

- الاستخفاء غلب على من كان يخشى على نفسه: مما يجلي استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة فيما يتصل بالمدعوين - أن غالبهم ممن يخشى على نفسه

(1) زاد المعاد - لابن قيم الجوزية، 2/ 47.

(2)

انظر: سيرة ابن إسحاق 2/ 97.

(3)

سورة الحجر الآية 94

(4)

سورة الشعراء الآية 214

(5)

السيرة النبوية، لابن هشام 1/ 249.

ص: 301

إشهار إسلامه كان له أن يخفي ذلك، وألا يعلنه وهذا يتيح له الأمن على نفسه. وأما من لم يكن يخشى على نفسه إما لعزته وقوته، وإما لوجود منعة تحميه، فإنه كان لا يبالي بأن يشهر إسلامه. فقد أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: «أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس

(1)».

ولذا كان إخفاء المدعو عن نفسه بأنه دخل في الإسلام، أو إعلان ذلك إبان مرحلة الاستخفاء إنما كان يرجع إلى المدعو نفسه الذي هو عادة أدرى بخاصة نفسه.

- استخفاء المدعو كان باختياره: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر المدعو بأن يخفي أو يعلن أمر إسلامه على وجه الإلزام وهذا يتضح من قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: «اكتم هذا الأمر (2)» . وقد فهم أبو ذر رضي الله عنه أن مبعث هذا الأمر هو الحذر من أن يناله مكروه من كفار قريش إذا علموا بإسلامه، وهو الغريب عن مكة، وليس له فيها من يحميه بدليل ما جاء في الرواية الثانية التي أوردها البخاري أيضا لهذه القصة، فقد جاء ما نصه فيها:«ارجع إلى قومك، فأخبرهم، حتى يأتيك أمري (3)» . فالإخبار هنا صدر بصيغة الأمر، وهو يشمل إخبار قومه " قبلية غفار " بأمر الدعوة، وبأمر إسلامه ..

(1) أخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن

(2)

البخاري المناقب (3328)، مسلم فضائل الصحابة (2474).

(3)

أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، رقم الحديث: 3861

ص: 302

ومن هنا كان فهم أبي ذر أن الأمر بكتمان إسلامه في مكة إنما هو لمجرد الشفقة عليه، وليس أمر إلزام، ولذا لم يجد حرجا أن يعلن للرسول صلى الله عليه وسلم عن عزمه على إظهار إسلامه على الملأ من قريش، قال ابن حجر:"وكأنه فهم أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم له بالكتمان ليس على الإيجاب بل على سبيل الشفقة عليه، فأعلمه أن به قوة على ذلك، ولهذا أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك"(1). فعمد أبو ذر رضي الله عنه إلى المكان الذي تنتصب فيه آلهة قريش، وقريش تحت أقدام تلك الآلهة المزعومة، ورفع كلمة التوحيد.

- أما في جانب العبادة التي يقوم بها المدعو في هذه المرحلة: فلا ريب أنها كانت تحت طائلة عقوبة قريش إن كانت على جهة الإعلان والتحدي لعقيدة الشرك السائدة في مكة. ولهذا كانت غالبا ما تؤدى في السر كما تقدم.

(1) فتح الباري 7/ 174

ص: 303

ومما يتصل بهذا الجانب أن الدعوة إلى الله في طورها السري كانت تسير ببطء وتؤدة، إذ رأينا أن الذين تمت دعوتهم هم عدد قليل جدا مقارنة بالمدة الزمنية للمرحلة التي استمرت قرابة ثلاث سنوات. رغبة في التركيز والاختيار البصير للمدعوين الذين يكونون أكثر قدرة على تحمل مسئولية الإيمان وهو فعلا ما تحقق فيما بعد، فقد كان كل واحد من المدعوين لديه قدرة على تحمل الضغوط الوثنية القاسية التي تفتن المرء عن دينه إلا أن يشاء الله.

- الدعوة اتسمت بالشمول فيما يتعلق بالمدعوين: رسالة النبي صلى الله عليه وسلم منذ انطلاقتها في هذه المرحلة إلى ختامها اتسمت بخاصية الشمول، فمع أنه كان صلى الله عليه وسلم يدعو أقرباءه اللصيقين به ومن كان يأنس فيه الاستعداد لقبول هذه الدعوة من غير الأقارب على ضوء ما سبق، إلا أن ذلك لم يخص فئة دون أخرى بل شمل الجميع، كما يتضح من التصنيف الآتي للمستجيبين، وهم:

- الضعفاء: كان من المدعوين صهيب الرومي وبلال الحبشي وهما من أوائل من دخل في الدين الذي لا يفرق بين عربي وأعجمي ولا فضل فيه لأحد إلا بالتقوى، وهذا يدل على أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تتسم بخاصية الشمول حتى وهي في طور الاستسرار.

- الأقوياء: كما أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة شملت الأغنياء

ص: 304

والأقوياء والأشراف كأبي طالب من وجهاء قريش الذي لم يسلم وأبي بكر العزيز في قومه مالا ونسبا وعلما ومن استجاب له وهذا لا ينفي وجود الضعفاء أو الأرقاء في الصف الأول، ولكن الذي ننفيه أن يكونوا هم الغالبية كما يقرره كثير من الكتاب، لأن هذا مخالف للحقائق الثابتة، ولو كانوا كذلك لكانت الدعوة في تلك المرحلة طبقية يقوم فيها الضعفاء والأرقاء ضد الأقوياء وأصحاب النفوذ وهذا لم يحدث. وإنما انتشر أمرهم - أعني الضعفاء - لأن تعذيبهم كان على الملأ ومن قبل الجميع، بينما امتنع الأقوياء بأقوامهم، فمنهم من عذب ضمن قبيلته، ومنهم من كان مفتونا في أهله إكراما له ولهذا انتشر خبر إسلامهم وخفي خبر إسلام الأقوياء في بادئ الأمر. وإنه لمن القوة للدعوة أن يكون غالبية أتباعها في مرحلة الاستخفاء بالذات من كرام القوم الذين آثروا في سبيل عقيدتهم أن يتحملوا أصنافا من الهوان والعذاب ما سبق لهم أن عانوا مثلها.

ولا ريب أن سبق بعض الأرقاء والضعفاء إلى اعتناقه منذ الأيام الأولى هو دليل على شمولية الدعوة في مرحلة الاستسرار، ولو كانت ثمة إحصاءات لسكان أهل مكة يومئذ لوجدنا أن نسبة المدعوين الضعفاء الذين أسلموا إلى الضعفاء الذين لم يسلموا ليست بأكثر من نسبة الأشراف الذين أسلموا إلى غيرهم من أقوامهم ممن لم يسلم.

ص: 305

- الدعوة اتسمت بالعالمية فيما يتعلق بالمدعوين: كما أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم منذ انطلاقتها في هذه المرحلة إلى ختامها اتسمت أيضا بخاصية العالمية على قدر الوسع، ففي مكة كانت الدعوة تسير بتؤدة وبخطى واثقة، كما كان يتطلع صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة إلى نشر الدعوة في خارج مكة وبدا هذا واضحا في قصة إسلام أبي ذر بقوله «ارجع إلى قومك فأخبرهم، حتى يأتيك أمري (1)» . ومما يشير إلى ذلك أيضا أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في مرحلة الاستخفاء لم تأخذ النمط القبلي والعشائري مع أن المجتمع المكي - شأن سائر الجزيرة العربية - يعتمد في تنظيمه على القبيلة التي تغرس في نفوس أبنائها مبدأ التناصر والتآزر (2).

وهذا الانفتاح المتوازن الذي أشرت إليه بالعالمية يدل عليه بصورة واضحة التطبيق العملي، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر وهو من تميم، وعلي بن أبي طالب من بني هاشم، ومصعب بن عمير من بني عبد الدار، وعبد الله بن مسعود من هذيل، وعمار بن ياسر من عنس، وزيد بن حارثة من كلب، وأبا ذر من غفار، وعمرو بن عبسة من سليم رضي الله عنهم، لقد كانت العالمية واضحة حتى في مرحلة الاستخفاء (3).

- المدعو من مهامه القيام بالدعوة: إن استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة لم يمنع المدعوين من القيام بدعوة غيرهم رغم سرية المرحلة؛ لأن الغاية هي

(1) البخاري المناقب (3648)، مسلم فضائل الصحابة (2474).

(2)

انظر: السيرة النبوية الصحيحة – أكرم ضياء العمري 1/ 133.

(3)

انظر: المرجع السابق 1/ 133.

ص: 306

إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولأجل هذه الغاية قام أبو بكر بعد استجابته بدعوة معارفه إلى الإسلام، وكان رجلا مآلفا محببا سهلا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عدد من الرعيل الأول وطليعة الإسلام، خمسة من العشرة المبشرين بالجنة، وهم: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وزاد بعضهم سادسا وهو أبو عبيدة بن الجراح (1).

الفرع الثاني: ميدان الدعوة:

ومن السمات الخاصة لمرحلة الاستخفاء التي تتصل بأسس الدعوة ما ينم عنه ميدان الدعوة (دار الأرقم) الذي اتخذه صلى الله عليه وسلم حينما تعرض عدد ممن استجابوا له للأذى، حيث بقي هذا الميدان الدعوي في الخفاء طيلة تلك المرحلة، ومما يدل على ذلك ثلاثة مواقف:

الأول: موقف علي مع أبي ذر رضي الله عنهما حين أراد أخذه إلى دار الأرقم لمقابلة النبي صلى الله عليه وسلم والمتضمن إخباره بعدد من الاحتياطيات التي توحي بسرية المكان آنذاك وهو ما يشير إليه قوله: "هذا وجهي إليه فاتبعني، ادخل حيث أدخل، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي، وامض .. "(2).

(1) انظر: السيرة الحلبية 1/ 449.

(2)

سبق تخريجه.

ص: 307

وسياق هذه القصة كاملة في صحيح البخاري يوحي بجو الاستخفاء الذي كانت تعيشه الدعوة آنذاك، وتتجلى فيه سرية المقر الذي كان يقيم فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يلتقي فيه بأصحابه، وبمن يريد مقابلته لبيان الدعوة الإسلامية التي يدعو إليها.

الثاني: موقف أم جميل مع أبي بكر رضي الله عنه: عندما أخذت أم جميل وأم الخير أبا بكر إلى دار الأرقم بعد أن آذاه المشركون، فقد جاء في الرواية: ": «فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به، يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله (1)» .

الثالث: موقف إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث ورد في سياق القصة أنه جاء إلى بيت أخته فاطمة، وزوجها سعيد بن زيد ففوجئ بأن هذا البيت هو مكان من الأمكنة التي تعقد فيها حلقات تعليم الدين التي كان يقوم عليها خباب بن الأرت رضي الله عنه ثم لما وقع في قلبه الإسلام، قال لخباب:"دلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال خباب: هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه". مع أنه كان متوشحا سيفه يريد الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يدري أين المكان الذي اتخذه عليه الصلاة والسلام مقرا للدعوة (2).

(1) البداية والنهاية - للحافظ ابن كثير 3/ 30

(2)

انظر: البداية والنهاية - للحافظ ابن كثير، 3/ 80 والجهاد والقتال في الإسلام - د. محمد خير هيكل.

ص: 308

واتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم تحديدا ميدانا للدعوة لأنه أبلغ في الاستخفاء وذلك لأمور تتضح في جانبين:

الأول: ما يتعلق بصاحب الدار: وهو الأرقم بن أبي الأرقم بن الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم رضي الله عنه وأبرزها ثلاثة أمور:

1.

من المعلوم أن الأرقم رضي الله عنه لم يكن معروفا بإسلامه بادئ الأمر، فما كان يخطر ببال قريش أن يتم لقاء محمد وأصحابه في داره.

2.

أن الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه كان فتى عند إسلامه في حدود السادسة عشرة من عمره، ولهذا فإن الأذهان تنصرف عادة إلى منازل كبار أصحابه، أو بيته هو نفسه عليه الصلاة والسلام.

3.

قبيلة الأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه هم بنو مخزوم، وقبيلة بني مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم التي ينتسب إليها النبي صلى الله عليه وسلم، لذا يستبعد أن يختفي في قلب صفوف العدو.

الثاني: ما يتعلق بمكان الدار:

1 – كانت دار الأرقم تقع على جبل الصفا بمكة (1) وهي منطقة تكتظ

(1) الطبقات 3/ 243

ص: 309

بالمارة، وتشتد فيها الحركة بصورة طبيعية مما يصعب معه إدراك وجود حركة خاصة بأناس تجتمع في هذه الدار وتنفض منها.

2 – أن عملية الوصول إليها رغم سريتها لا يحتاج إلى كلفة أو مشقة.

الفرع الثالث: وسائل الدعوة وأساليبها:

من المعلوم أن الاستخفاء بالدعوة يتطلب اتخاذ وسائل وأساليب تتلاءم مع مقتضيات هذا الظرف، لذا كانت الوسائل التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم محدودة جدا، حيث اقتصرت على وسيلتي القدوة الحسنة، والقول المباشر من خلال مسلك الدعوة الفردية.

لذا يمكن القول: إن الوسائل والأساليب في تلك المرحلة لم تكن أمورا ذات صبغة خاصة أو لها ما يميزها عن وسائل الدعوة وأساليبها في المرحلة الجهرية اللهم إلا من حيث الاقتصار على ما يناسب الاستسرار والاستخفاء، ولهذا لما انطلقت الدعوة إلى الجهرية اتسعت وسائلها تبعا لذلك.

الفرع الرابع: مضمون الدعوة:

بالنظر إلى مضامين الدعوة في حال الاستخفاء نجد أنها تمحورت في الأصل على موضوع التوحيد، لقد كان القرآن الكريم ينزل مؤكدا على ذلك، ولم يتجاوزه إلى المسائل الأخرى إلا قليلا وراح القرآن يحبك بأسلوبه المعجز وآياته البينات جوانبها الشاملة وبناءها في نفوس المدعوين

ص: 310

الذين استجابوا للدعوة، ويحيلهم واحدا بعد آخر ويوما بعد يوم إلى شخوص حية تتحرك بما أنزل من قرآن فتكون حركتها تعبيرا حيويا عن التصور الجديد للعقيدة والذي جاء لينعكس بالضرورة على السلوك اليومي للمسلم.

وبالطبع فالدعوة كانت تتضمن إلى جانب العقيدة موضوع العبادة (الصلاة) وتناولت صلة الأرحام، ومكارم الأخلاق ولم يكن ثمة أمر آخر يستدعي لفت النظر إليه في تلك المرحلة.

لذا يتأكد القول بأن مضمون الدعوة وجوهرها لم يتغير في مراحل الدعوة الأخيرة عن مراحلها الأول وكذلك حقائقها ومبادئها لم تتبدل مع تطور الدعوة وتغير مراحلها، بل كانت آخذة في استيعاب مناحي الحياة وما يتنزل من تشريع جديد.

واستنادا لما تقدم يمكن أن نقول: إن سمات استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة تبلورت في أمور:

أ – السماح لخبر الدعوة والداعية صلى الله عليه وسلم أن يتسربا بهدوء بصورة متدرجة إلى أحياء مكة وشعابها وما جاورها من قرى إذا تحققت المصلحة وانتفت المفسدة مع أخذ الحذر والترقب، لذا في قصة إسلام أبي ذر

ص: 311

وهو من غفار قال: فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي، بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر بنشر خبره في غفار بقوله:«ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري (1)» في رواية أبي قتيبة «اكتم هذا الأمر، وارجع إلى قومك فأخبرهم، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل (2)» . وفي راوية عبد الله بن الصامت: «إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل، فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك (3)» .

ب – أن الدعوة في مرحلة الاستخفاء لم تتصادم ولم تتواجه مع الخصوم ولم تجلب لها أعداء، كل ذلك مراعاة لسلامة الدعوة لئلا توأد في مهدها.

ت – الأصل في الدعوة أنها تتسم في حال الاستخفاء بالشمول والعالمية، وقد يكون هناك تركيز واختيار مبني على بصيرة لأفراد يعتقد بأن الدعوة ستقوى وتنتفع بهم كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

ث – أن المدعوين مطالبون من غير إلزام بإخفاء أمر استجابتهم إلى حين يكون فيه الإعلان، يجلب للدعوة مصالح ومنافع.

ج – شعائر الدين الظاهرة كانت تتم في الخفاء لأمرين: أولهما: كي لا يتعرف الخصوم على مدى الاستجابة التي تحققت للدعوة ومن ثم تشعرهم بالتوسع المطرد للدعوة. ثانيهما: تفاديا لكل ما يستفز خصوم الدعوة أو يثيرهم بظهور معالم الدعوة، في حين أن الدعوة

(1) تقدم تخريجه.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 312

تتوخى السلم وتحذر المواجهة.

ح – مقر الدعوة الذي يكون موئلا للدعوة وملاذا لأتباعها غير معلن للمصلحة العامة إلا لمن يريد التعرف على الدين الجديد بعد التحقق من سلامة مقصده، لذا كان كثير من المدعوين لا يعرفون مقر الدعوة أنها دار الأرقم إلا من خلال التبيين والإرشاد، وقد تم اتخاذ هذه الدار تحديدا لكونها أليق بالاستخفاء كما تقدم.

خ – راعى النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى واقع حال الدعوة أن ما يتاح له في ظل الاستخفاء هو مسلك الدعوة الفردية واتخذ لذلك وسيلة القدوة الحسنة، والقول المباشر فقط، ولم تتعدى أساليب القول عن أسلوب النصح الذي ينسجم مع طبيعة الاستسرار.

تلك هي أبرز سمات استخفاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة، وفي ضوء ذلك، وبعد توفيق الله تجاوزت الدعوة تلك المرحلة من خلال الغرس والتأسيس والإعداد حتى تهيأت لمرحلة الدعوة الجهرية امتثالا لأمر الله بالصدع، قال ابن هشام: فأمر الله رسوله أن يصدع بما جاءه من الحق، وأن يبادي الناس بأمره وأن يدعو إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله أمره واستتر به إلى أن أمره الله بإظهار دينه ثلاث سنين من مبعثه، ثم قال الله له:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} (1) وقال له: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} (2).

(1) سورة الحجر الآية 94

(2)

سورة الشعراء الآية 214

ص: 313