المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌خطبة عرفة لعام 1431 ه - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٩٢

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الافتتاحية

- ‌خطبة عرفة لعام 1431 ه

- ‌الأمر الملكي الكريملخادم الحرمين الشريفين

- ‌الفتاوى

- ‌ هل على هذه المكائن زكاة

- ‌ زكاة الفطر)

- ‌ حصد الثمرةقبل مجيء عمال الزكاة

- ‌ فيخرجها ولي المال)

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

- ‌حكم التسول

- ‌الحث على تفقد أحوالالمسلمين أفراداً وجماعات

- ‌اليتيم والمسكين وعناية الإسلام بهما

- ‌ صرفما قبض من المتبرعين فيما فوض فيه

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

- ‌ من فضل قيام الليل

- ‌ توديع أهل الميت لميتهم والكشف عن وجهه ورؤيته وتقبيله

- ‌ الإسراع في تجهيز الميت

- ‌ إخراج السائق للمرأة الميتة من الثلاجة وحملها ووضعها على النعش

- ‌ النصائب التي توضع على حافتي القبر

- ‌ كشف وجه ميتهم في القبر لأجل النظرة الأخيرة

- ‌من فتاوىاللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

- ‌ محل البسملة في الصلاة

- ‌ حكم البسملة في الصلاة

- ‌ الجهر بالبسملة في الصلاة

- ‌ الاستعاذة من الشيطان الرجيم بعد انقضاء الصلاة

- ‌البحوث

- ‌الخاتمة

- ‌حال الخضر وما في قصتهمع نبي الله موسى من دروس وعبر

- ‌المقدمة:

- ‌المبحث الثاني: اسمه، وهل هو نبي، أو رجل صالح

- ‌المطلب الأول: اسمه عليه السلام:

- ‌المطلب الثاني: القائلون بنبوة الخضر:

- ‌المطلب الثالث: أدلة القائلين بأنه ولي، أو رجل صالح:

- ‌المبحث الثالث: هل الخضر عليه السلام حي الآن أم قد مات:

- ‌المطلب الأول: الذين قالوا بموته:

- ‌المطلب الثاني: الذين قالوا ببقائه على قيد الحياة:

- ‌المبحث الرابع: الدروس والعبر من هذه القصة:

- ‌الخاتمة

- ‌الموالاة في أعمال الحجدراسة فقهية موازنة

- ‌المقدمة:

- ‌المبحث الأول:تعريف الموالاة، وبيان ضابطها

- ‌المطلب الأول: تعريف الموالاة في اللغة وفي الاصطلاح

- ‌المطلب الثاني: المرجع في ضبط الموالاة، والمتخلل القاطع لها

- ‌المبحث الثاني:الموالاة في التلبية

- ‌المطلب الأول: الموالاة بين الإحرام والتلبية

- ‌المطلب الثاني: الموالاة أثناء التلبية

- ‌المطلب الأول: الموالاة في الصيامإذا صام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع

- ‌المطلب الثاني: التفريق بين الثلاثةوالسبعة إذا صام العشرة كلها عند رجوعه

- ‌المبحث الرابع: الموالاة بين أشواط الطواف

- ‌المطلب الأول: حكم الموالاة بين أشواط الطواف

- ‌المطلب الثاني: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة أثناء الطواف

- ‌المطلب الثالث: إذا حضرت جنازة أثناء الطواف

- ‌المطلب الرابع: ترك الموالاة لعذر

- ‌المطلب الخامس: البناء على أشواط الطواف

- ‌المبحث الخامس: الموالاة بين الطواف والركعتين

- ‌المبحث السادس: الموالاة بين الطواف والسعي

- ‌المبحث السابع: الموالاة بين أشواط السعي

- ‌المطلب الأول: الموالاة بين الرمي بالحصى

- ‌المطلب الثاني: الموالاة بين رمي الجمرات

- ‌الخاتمة:

- ‌صلح بعض الورثة عن القصاص بأكثر من الدية،ومشاركة الورثة للمُصَالح فيما يأخذه

- ‌المقدمة:

- ‌المبحث الأولمشروعية القصاص في قتل العمد، والعفو عنه:

- ‌المطلب الأول: مشروعية القصاص في قتل العمد

- ‌المطلب الثانيالعفو عن القصاص في القتل العمد

- ‌المبحث الثانيصلح بعض أولياء الدم عن القصاص بأكثر من حصته من الدية

- ‌المطلب الثانيصلح بعض أولياء الدم عن حقه من القصاص بأكثر من حصته من الدية

- ‌المبحث الثالثمشاركة بقية الورثة مع العافي فيما يأخذه من عوض عن القصاص

- ‌التمهيد: صورة المسألة، وتحرير محل البحث فيها

- ‌المطلب الأولمذهب الحنفية

- ‌المطلب الثانيمذهب المالكية

- ‌المطلب الثالثمذهب الشافعية

- ‌المطلب الرابعمذهب الحنابلة

- ‌المطلب الخامسحاصل الأقوال والترجيح

- ‌الخاتمة

- ‌حديث شريف

الفصل: ‌خطبة عرفة لعام 1431 ه

‌الافتتاحية

لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

مفتي عام المملكة العربية السعودية

‌خطبة عرفة لعام 1431 ه

ـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، وامتثلوا أوامره في الشدة والرخاء، وآمنوا برسالة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أمة الإسلام: إن لله علينا نعماً عظيمة وآلاء جسيمة؛ خَلَقَنا في

ص: 7

أحسن تقويم {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ، وميزنا عن سائر الحيوان بالعقل والإدراك {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} ومَنَّ علينا بالهداية والإيمان {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

وجَعَلَنا من الأمة المستجيبين له المصدّقين برسالة أنبيائه ورسله، فوَفَّقَنا لاتباع خاتم الأنبياء والمرسلين، وشَرَّفَنا بالإسلام، فرَفَعَنا بذلك عن مستوى الحيوان إلى مستوى اللائق بالإنسان، ونَزَّهَنا عن مشابهة الحيوان {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}

أمة الإسلام: إن الله خلق هذا الخلق لحكمة عظيمة وغاية نبيلة، بعيداً عن اللهو والعبث والباطل {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} .

وخَلَقَ الثقلين - الجنّ والإنس - لحكمة بَيَّنَها في كتابه

ص: 8

{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} وجعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان ليظهر الصادق من الكاذب {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} وأمده بالحواس، وزوده بالفطرة والعقل، وهداه النجدين، ومكنه من سلوك طريق الفلاح والهدى أو الشقاء والضلال {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} .

ولم يهمل الله هذا الإنسان، ولم يكله إلى رأيه وهواه والشيطان، بل أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب؛ ليعرفوا الحق من الباطل، والرشاد من الفساد، والهدى من الضلال، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} .

وتوالت مواكب دعوة الأنبياء، كلهم يدعون إلى توحيد الله وإخلاص الدين له، ويحذرون من الشرك به

ص: 9

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} .

وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة بشريعة خاصة حتى جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة العامة الشاملة للثقلين - الجن والإنس - {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} .

وجعل الله شريعته شريعة كاملة، عامة، شاملة لكل ميادين الحياة الفردية والاجتماعية، وتلبي حاجة الفرد الروحية والعقلية والجسدية، مما جعلها صالحة لجميع المجتمعات في كل عصر وزمان.

أيها المسلم: إن أول أبواب هذا الدين هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقضاء والقدر، والبعث بعد الموت.

ص: 10

ولهذه العقيدة خصائص:

فمن خصائصها: أنها مبنية على توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

فالله أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، وهو السميع البصير، المحي المميت،

ص: 10

، الصفحة قم: 11

الرزاق، العليم، المعز المذل، ذو الكبرياء والجبروت.

وهو واحد في ألوهيته فيجب أن تصرف له جميع أنواع العبادة من الدعاء، والاستغاثة، والالتجاء، والاضطرار إلى رب العالمين، فهو المالك لذلك كله.

وله الأسماء الحسنى والصفات العلا، اللائقة بجلاله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} ، نثبتها كما جاءت في الكتاب والسنة، ونثبت حقيقتها على ما يليق بجلاله وعظمته.

ومن خصائصها: أن تفاصيلها تؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهي معصومة من الخطأ، بعيدة عن الشبهات، يجب قبولها قبولاً تاماًّ ولا تجوز معارضتها بالأهواء:«لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به» (1)

ومن خصائصها: الوضوح والبيان والظهور، فقضاياها الأساسية واضحة كل الوضوح لمن تدبر، ليس فيها تعقيد ولا غموض ولا فلسفة، بل أدلتها واضحة من الكتاب والسنة، واضحة المعاني، بينة الألفاظ.

(1) أورده ابن حجر في فتح الباري 13/ 358 في شرح حديث (7308)، وعزاه إلى الحسن بن سفيان، ووثق رجاله، وقال: صححه النووي في آخر الأربعين، وذكره التبريزي في مشكاه المصابيح 1/ 59 عن ابن عمر رضي الله عنه.

ص: 10

ومن خصائصها: أنها تتفق مع الفطرة المستقيمة والعقل السليم، فليس فيها ما يتنافى مع الفطرة المستقيمة {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ، وليس فيما ثبت بالنص الصحيح ما يناقض العقل الصريح أو يحيله، بل دعا القرآن الكريم العقل إلى التدبر والتفكر في آيات الله وعظيم شأنه.

ومن خصائصها: أنها عقيدة الوحدة والألفة والاجتماع، تربط بين أتباعها برابطة الإيمان، بغض النظر عن اللون واللغة والإقليم {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} ، فما اجتمع المسلمون وعظم شأنهم إلا لما كانت العقيدة قوية في نفوسهم، وما تفرقوا وما ضعفوا إلا لما ضعف تمسكهم بهذه العقيدة السليمة.

أمة الإسلام: إن الإسلام لم يقتصر على العقيدة وحدها، ولا على الجانب النظري فحسب، بل شرع بجانب العقيدة أحكاماً عملية، ورسم للمسلم منهجاً متكاملاً في هذه الحياة يشمل العبادات، والمعاملات، والأسرة، والجنايات، والأخلاق والسلوك، والاجتماع.

فمن تلك الأحكام العملية: العبادات التي تنظم علاقة العبد بربه، وهي ما بين فرائض يجب أداؤها عند استكمال شروطها، وما

ص: 12

بين نوافل يخير العبد في أدائها، ولكن الشارع حث عليها لتكون جابرة للنقص في الفرائض ومكملة للخلل فيها.

فمن أدى الفرائض كان من المتقين، ومن أدى الفرائض مع النوافل كان من الأبرار المقربين ونال محبة الله ومعيته الخاصة، ومن أداها بكمال الحب والإخلاص والإتقان كان من المحسنين.

ولهذه العبادات خصائص:

فمن خصائصها: أنها توقيفية تعلم تفاصيلها من كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث الجنس والقدر والكيفية والوقت.

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على أن يأخذوا منه تفاصيل عباداتهم، ويقتدوا به صلى الله عليه وسلم، فقال في شأن الصلاة:«صلوا كما رأيتموني أصلي» (1) وقال في شأن الحج: «لتأخذوا عني مناسككم» (2)

فمن جاء بعبادة غير مشروعة فقد ابتدع في دين الله، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله:«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (3)

(1) رواه البخاري في صحيحه 1/ 226، ح605.

(2)

رواه مسلم في صحيحه 2/ 943، ح310 (1297) ولفظه: **لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه**.

(3)

رواه البخاري في صحيحه 2/ 959، ح2550، ومسلم في صحيحه 3/ 1343، ح17 (1718).

ص: 13

ومن خصائصها: أنها السبيل الوحيد لتقوية صلة العبد بربه، والتقرب إليه سبحانه، فلا سبيل إلى التقرب إليه عز وجل بدونها.

ومن خصائصها: عموم وجوبها على المكلفين ذكوراً وإناثاً، أغنياء وفقراء، حكاماً ومحكومين، إذا توفرت شروطها.

ومن خصائصها: الاستمرار والدوام، فالعبد مطالب بعبادة ربه ما دام عقله معه حتى يأتيه الموت {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ، فلا تسقط عنه هذه العبادات مهما بلغ من علم أو تجرد أو زهد، فمن ادعى أن هناك سمواً روحياً ونضجاً عقلياً، أو تزكية للنفس، بلغ بها درجة تسقط عنه الواجبات الشرعية فقد أخطأ وضلّ عن سواء السبيل.

ولو كان هذا حقاً لكان أولى الناس به محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القائل لما سئل عن قيامه الليل وتفطرت قدماه قال:«أفلا أكون عبداً شكوراً؟» (1) وقد وصفه الله بالعبودية في أعلى المقامات {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .

وأصحابه الكرام كانوا حريصين كل الحرص على الطاعات

(1) رواه البخاري في صحيحه 1/ 380، ح1078، ومسلم في صحيحه 4/ 2171، ح79 (2819).

ص: 14

والجهاد في سبيل الله.

ومن خصائصها: أنها مبنية على الاتصال المباشر بالله تعالى، فلا واسطة بينك وبين الله في دعائه ورجائه، فإنه يسمع كلامك ويرى مكانك ويعلم سرك وعلانيتك {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ، {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} .

ومن خصائصها: تنوعها ما بين عبادة بدنية، وما بين عبادة مالية، وما بين ما جمع بينهما، كل ذلك لتكون ميسورة للعبد في جميع أحواله، ولتكون سبباً لمضاعفة الحسنات ورفع الدرجات.

ومن خصائصها: أنها شعائر ظاهرة يجب إعلانها، فالصلوات الخمس يؤذن لها، وتقام جماعة في المساجد، والزكاة شعيرة ظاهرة، والصوم شعيرة ظاهرة، والحج يؤدى في مشاعر ظاهرة وأيام محددة.

ومن خصائصها: رفع الحرج قال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، وأنها ميسورة للإنسان في نطاق وسعه وطاقته

ص: 15

{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} .

ومن خصائصها: أنها ليست طقوساً فارغة، بل لها آثار إيجابية في إصلاح الفرد والمجتمع، وإصلاح الأقوال والأخلاق والأعمال، تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتشعر العبد بالسكينة والطمأنينة وراحة النفس:«أرحنا يا بلال بالصلاة» (1)

أمة الإسلام: ومما نظمه الإسلام نظام المعاملات في عقود الناس ومبايعاتهم، فقد شرع أحكاما عامة تبين الحلال والحرام، ووضع قواعد وضوابط للعقود بين الناس، فما كان نافعا أباحه وشرعه، وما كان ضارا منعه وحذر منه.

وأخبرنا سبحانه أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} .

وأذن لنا بأكل الطيبات {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} .

وأخبر أن الأصل في المعاملات الحل ما لم يكن فيه ربا

(1) رواه أبو داود في سننه 2/ 715 ح4986، وأحمد في مسنده 5/ 264، وصححه الألباني (صحيح وضعيف سنن أبي داود، ح4986).

ص: 16

{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

وقد بذل الإسلام عناية كبيرة بشأن المال، فحث على اكتسابه بالطرق المشروعة من بيع وشراء وتجارة وصناعة وعمل باليد، سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الكسب أفضل فقال:«عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» (1)

وحرم اكتسابه بالطرق المحرمة، كأكل أموال الناس بالباطل، والربا، والسرقة، والرشوة، والمخدرات.

وأرشد إلى إنفاقه في الأوجه المشروعة الواجبة والمستحبة.

ثم حرص الإسلام على حماية هذا المال وصيانته:

فنهى عن إضاعته وإفساده، قال صلى الله عليه وسلم:«إن الله كره إليكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (2)

ونهى عن الإسراف {وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ونهى عن التبذير {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}

(1) رواه أحمد في مسنده 4/ 141، وصححه الألباني (صحيح الترغيب والترهيب 2/ 141، ح1689).

(2)

رواه البخاري في صحيحه 2/ 537، ح1407، ومسلم في صحيحه 3/ 1340، ح12 (593).

ص: 17

ومنع المسلم من أن يعطي المال لمن لا يجيد التصرف فيه {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا} .

وأرشد إلى كتابة العقود خوفاً من النسيان والضياع {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} .

وللمعاملات في الإسلام خصائص:

فمن خصائصها: أن المال الذي بيد الإنسان إنما هو لله تعالى ملكه إياه، واستخلفه فيه {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} فالمسلم يتصرف في هذا المال من حيث التملك والتنمية والإنفاق بما يوافق شرع الله عز وجل.

ومن خصائصها: أن الله جعل الناس متفاوتين في أرزاقهم لحكمة أرادها {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} وهذا التفاوت راجع إلى اختلاف الناس في

ص: 18

مواهبهم وقدراتهم، وجهدهم في تحصيل المال وتنميته.

ومن خصائصها: أنها مبنية على دفع الضرر، والغرر، والجهالة، وتحريم الربا، وأكل أموال الناس بالباطل.

ومن خصائصها: أنه مصطبغة بصبغة أخلاقية، فهي مبنية على البيان والصدق والرحمة واللين، يقول صلى الله عليه وسلم:«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» (1)، وقال صلى الله عليه وسلم:«رحم الله رجلا سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (2).

ومن خصائصها: التوازن بين حاجة الفرد والمجتمع، وعدم طغيان أحدهما على الآخر.

أمة الإسلام: ومما نظمه الإسلام بالتشريع نظام الأسرة، فقد سعى الإسلام إلى إقامة مجتمع طاهر نزيه عفيف يقوم على ارتباط الرجل بالمرأة بالزواج الشرعي.

وقد اهتم الإسلام ببيان معالم الأسرة المسلمة بياناً واضحا؛ خوفاً عليها من التفكك والانحلال، وعلى المجتمع من الانهيار والفساد.

(1) رواه البخاري في صحيحه 2/ 732، ح2110، ومسلم في صحيحه 3/ 1164، ح47 (1532).

(2)

رواه البخاري في صحيحه 2/ 730، ح1970.

ص: 19

وجعل لهذه الأسرة خصائص تميزها عن الأسرة في الأنظمة الوضعية والديانات المحرفة:

فمن خصائصها: أن الله جل وعلا جعلها مبنية على النكاح الشرعي بضوابطه الشرعية، فالإسلام لا يعترف بأي أسرة قائمة على علاقة غير مشروعة، كالزنى، والشذوذ الجنسي، والتبني، واعتبر ذلك منافياً للديانات السماوية، ومنافياً للفطرة السليمة، والقيم والأخلاق.

ومن خصائصها: أنها وضعت لحفظ النوع البشري، وتكثير النسل، وإرواء الغريزة بالطريقة المشروعة، ولهذا حث الإسلام على الإنجاب وإكثار النسل، قال صلى الله عليه وسلم «تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» (1) وذلك لإخراج جيل تسعد به الأمة في دينها ودنياها.

ومن خصائصها: تحقيق الرحمة والمودة والسكن بين الزوجين في ظل الأسرة الشرعية، فغرس معاني الحب، والمودة، والخير في قلوب الأبناء، وارتباط بعضهم ببعض إنما يتم من خلال الأسرة الشريفة التي قامت على القواعد الشرعية.

(1) رواه أبو داود في سننه 1/ 625، ح2050، والنسائي في سننه 6/ 65، ح3227، وابن حبان في صحيحه 9/ 338، ح4028، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، وقال في تعليقه على صحيح ابن حبان: **** حديث صحيح لغيره ****، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة 5/ 383).

ص: 20

ومن خصائصها: التوازن في التعامل مع الغريزة الجنسية، فلم يدع الإسلام للتبتل وكبت الغريزة، ولا إطلاق العنان للشهوات، بل أحاطها بسياج من الحياء والعفة، ووضع نظاماً خاصا للاستمتاع بها؛ ليكفل للمسلم العفة والسلامة والنزاهة.

ومن خصائصها: أن الله وزع الواجبات بين الزوجين، فالرجل له القوامة، وعليه النفقة، والمرأة راعية لشؤون المنزل، ومربية للأولاد، تتعاون مع زوجها في كل ما يسعد هذه الأسرة {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}

أمة الإسلام: ومما نظمه الإسلام بالتشريع: العقوبات والزواجر، فإن النفس أمارة بالسوء، ميالة للهوى، غير معصومة من المعاصي والآثام، فسلك الشرع طريق الترغيب والترهيب لمنع المسلم عن الإجرام والفساد، ولكن من عباد الله من لا ينفع فيهم الترغيب والترهيب فينتهك حرمات الله، ويتعدى على حدوده، فجاءت العقوبات الشرعية حماية للمجتمع ووقاية له، وحفظاً لدماء المسلمين وأموالهم، وأعراضهم، وعقوبة لمن وقع في الجريمة، وكفارة لمن أقيم الحد عليه، وزجراً لمن تسول له نفسه الوقوع في الجريمة.

ومن خصائص تلك العقوبات والزواجر: أنها تشريع من عند

ص: 21

الله تعالى، تعرف تفاصيلها من حيث قدرها وكيفية تنفيذها من الكتاب والسنة، فهي سالمة من القصور والأهواء البشرية.

ومن خصائصها: أنها نظام متكامل يشمل جميع أنواع الجرائم، سواء ما كانت متعلقة بالاعتقاد أو النفس أو المال أو العرض أو العقل، وهي عقوبات مقدرة على قدر تلك الجرائم.

ومن خصائصها: أنها ما بين ما هو ثابت كالحدود والقصاص، التي لا تقبل التبديل والتغيير، وما بين تعزيرات تخضع لاجتهاد الإمام.

ومن خصائصها: العدل في تنفيذها، فالجميع أمام تلك العقوبات سواء، وأن تنفيذها من صلاحيات الإمام.

أيها المسلمون: وقد اهتم الإسلام بأمر المجتمع وتنظيمه، فدعا إلى إقامة مجتمع إسلامي مترابط قوي تحت ولاية إمام واحد يرعى مصالح الناس، ويسوسهم بشرع الله ويطبق فيهم حدود الله.

وقد أوجب على الناس طاعة الإمام في المعروف، وحرم الخروج عليه؛ لما فيه من إخلال الأمن، وتشتيت الصف، وتمزيق الكلمة.

وأمر بالوقوف مع الإمام والدفاع عنه ضد كل من بغى عليه، ومن يريد بالإسلام كيدا قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا}

ص: 22

وفي الحديث: «عليكم بالسمع والطاعة فيما أحببتم وكرهتم، في منشطكم ومكرهكم وأثرة عليكم ولا تنازعوا الأمر أهله» (1)

ودعا إلى نصيحة الإمام بالمعروف، وتقديم المشورة النافعة له، وتأييده فيما تبناه من حكم شرعي أو رأي صالح.

أيها المسلمون: إن تهذيب الأخلاق وتقويم السلوك جزء من ديننا، وإن تتميم مكارم الأخلاق من مقاصد مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (2)

(1) رواه الطبراني في المعجم الأوسط 1/ 19، ح277، وبمعناه الحاكم في المستدرك 1/ 175، ح330، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ولفظه (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأطيعوا من ولاه الله أمركم ولا تنازعوا الأمر أهله ولو كان عبدا أسود)، وقال: ** هذا إسناد صحيح على شرطهما جميعا ولا أعرف له علة **. ووافقه الذهبي.

(2)

رواه البخاري في الأدب المفرد 1/ 104، ح2736، والحاكم في المستدرك 2/ 670، ح4221، وقال: **هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه**، ووافقه الذهبي، وأحمد في مسنده 2/ 381، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 1/ 44.

ص: 23

وللأخلاق في الإسلام خصائص:

فمن خصائصها: أن مصدرها الكتاب والسنة وليس الحس

ص: 23

والوجدان والعقل، فما حسنه الشرع وأمر به فهو الحسن، وما قبحه ونهى عنه فهو الخبيث.

ونصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حافلة ببيان أصول الأخلاق الفاضلة والدعوة إليها، وبيان أصول الأخلاق الرذيلة والنهي عنها، قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ، وقال صلى الله عليه وسلم:«لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (1) وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (2) وقال صلى الله عليه وسلم «البر حسن الخلق والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (3)

ومن خصائصها: أنها قيم ثابتة راسخة، فالصدق، والأمانة، والعدل والوفاء بالعهود ونحوها، مما يحبه الشرع دائماً، فهي ممدوحة إلى قيام الساعة، والكذب، والخيانة، والغيبة، والنميمة، والعدوان، والفساد ونحوها، أخلاق ذميمة، ذمها الشرع إلى يوم القيامة.

ومن خصائصها: أن الغاية منها ابتغاء رضوان الله جل وعلا.

(1) رواه البخاري في صحيحه 1/ 14، ح13، ومسلم في صحيحه 1/ 67، ح71 (45).

(2)

رواه البخاري في صحيحه 1/ 13، ح10، ومسلم في صحيحه 1/ 65، ح65 (41).

(3)

رواه مسلم في صحيحه 4/ 1980،ح14 (2553).

ص: 24

أيها المسلمون: ولقد اهتم الإسلام بنظام المجتمع المسلم، فدعا إلى نظام اجتماعي لتنظيم علاقات الأفراد بعضهم ببعض، وجعل هذا النظام مبنياً على:

الرابطة الأخوية الإيمانية بين المسلمين، يقول الله تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} .

والتراحم والتعاطف بينهم: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (1)

والتعاون على البر والتقوى، قال تعالى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}

ومعرفة المسلم بحقوق إخوانه المسلمين عليه، وإعطاء كل ذي حق حقه.

وتحقيق التعارف بين الشعوب والقبائل، وأن هذا الاختلاف للتعارف والتعاون لا للتفاخر والتناكر، قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .

(1) رواه البخاري في صحيحه 5/ 2238، ح5665، ومسلم في صحيحه 4/ 1999، ح66 (2586).

ص: 25

أيها المسلمون: هذا ديننا دين الإسلام الذي عالج جميع مشاكل الحياة، فليس هناك جانب من الحياة البشرية الفردية والاجتماعية إلا وللإسلام فيه حكم وتشريع، وتوجيه وتنظيم؛ فالإسلام دين ودنيا، عقيدة وعبادة، أخلاق وسلوك، سياسة وحكم، حضارة ونظام.

أمة الإسلام: إن للإسلام خصائص عامة:

فمن خصائصه: أنه دين الوسطية والاعتدال {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

ولهذه الوسطية معالم ومظاهر دلت عليها نصوص الكتاب والسنة.

فمن معالم وسطية الإسلام: التوسط بين الجفا والغلو في باب الإيمان بأنبياء الله ورسوله، فقد دعت الشريعة إلى الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله قال تعالى:

ص: 26

{قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} .

ودعا إلى معرفة قدرهم من حيث العبودية، وتبليغ الرسالة، فنهانا عن الغلو فيهم كما غلا من قبلنا في أنبيائهم، وكذلك نهانا عن التفريط في حقهم، كما فعل من قبلنا ممن فرطوا فيهم وآذوهم وكذبوهم وقتلوهم.

ومن معالم وسطية الإسلام: أنه وسط في التحليل والتحريم بين من غلا في التحريم مطلقاً حتى حرموا ما أحل الله لهم، وبين من غلا في الإباحة مطلقا، فجاء بشريعة وسطية عدل أباحت الطيبات، وحرمت الخبائث، وكل أمر ضار، ورفعت الآصار والأغلال التي كانت على الأمم السابقة، وحددت علاقة العبد بربه، وبأبويه، وزوجته، وأولاده، وأقاربه، وبالمجتمع عموماً.

ففي باب الطلاق كانت الشريعة الإسلامية وسطاً بين من منعه وبين من أباحه مطلقاً، فأباحته، ووضعت له أحكاما وشروطا وضوابط وقواعد.

وجعلت التوبة بين العبد وبين ربه بالإقلاع من الخطأ والندم عليه والعزم بألا يعود، بينما كان من قبلنا تكتب خطيئته على بابه، وكانت التوبة بقتل بعضهم بعضا، كما قال الله عن موسى عليه السلام:

ص: 27

{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .

ومن معالم وسطية الإسلام التوازن بين مطالب الروح والجسد، وبين الدنيا والآخرة {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} .

فدعت الشريعة إلى تهذيب النفس بالعبادة المشروعة، ونهت عن الترهبن الذي يدعو إليه غلاة تهذيب النفس.

وأباحت الطيبات ونهت عن الركون إلى البهيمية المادية التي كان عليها مكذبو أنبياء الله ورسله {وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} .

ومن معالم وسطية الإسلام: أنه وسط في باب علاقة العقل بالوحي، فلم يجعل العقل حاكماً على الوحي، ولا المصدر الوحيد للمعرفة، بل جعل الوحي هو المصدر الأول للمعرفة والتشريع، وجعل العقل مناطا للتكليف، وأداة لفهم نصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ص: 28

وأمر العقل بالتدبر والتفكر في خلق الله، ونهى عن الجناية عليه بالمسكرات والمخدرات، وبالسحر والشعوذة، والتعلق بالأوهام والخرافات، وتقديس الضرائح والأموات، نسأل الله العافية.

ومن معالم وسطية الإسلام: أنه وسط في باب التجديد والتغيير بين من لم يقبل التجديد والتغيير مطلقا، وبين من دعا إلى التغيير والتجديد حتى في المبادئ والثوابت.

بل جعل الإسلام أمورا ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال والأزمان، كالعقائد، والعبادات، وأصول الأخلاق.

وجعل فروعا قابلة للاجتهاد فيها بحسب القواعد الشرعية.

ومن هنا نعلم أن الإسلام لا يقر من دعا إلى التغيير في الثوابت والمسلمات بحجة مواكبة الحضارة المادية ومتطلبات العصر.

ومن معالم وسطية الإسلام: الخيرية المطلقة للأمة المحمدية، فإن هذه الأمة خير الأمم وأهداها سبيلاً؛ لكمال إيمانها وشمول شريعتها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} .

ومن معالم وسطية الإسلام: العدل الذي يشمل المسلم والكافر، والقريب والبعيد، والصديق والعدو، فشريعة الإسلام

ص: 29

شرعة الحق والعدل، وهي خير كلها {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} .

ومن معالم وسطية الإسلام: نبذ الغلو والتنطع في الدين والأخذ بجانب التيسير، قال صلى الله عليه وسلم:«إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (1) وكان صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً (2)

والتيسير إنما يكون في اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما عليه الخلفاء الراشدون وصحابته الكرام. .

ومن جعل التيسير في مخالفة كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه فقد أخطأ وجانب الصواب.

أمة الإسلام: هذه معالم وسطية الإسلام، فلا وسطية ولا اعتدال في مخالفة شرع الله وتعاليمه، ولا وسطية ولا اعتدال في تطويع نصوص الشرع لتوافق أهواء الناس، ولا اعتدال ولا وسطية في طمس معالم الإسلام، ومحاربة شعائره ليتوافق مع مظاهر الحياة الغربية وقيمها.

(1) رواه النسائي في سننه 5/ 268، ح3057، وابن ماجه في سننه 1/ 1008، ح3029، وأحمد في مسنده 1/ 215.

(2)

أخرجه البخاري، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمة الله، برقم 6786.

ص: 30

أيها المسلمون: ومن خصائص الإسلام العامة: أنه دين رحمة

ص: 30

وتسامح ونبذ الشدة والعنف بجميع صوره، فالرحمة من صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} .

وقد ظهرت هذه الرحمة في جميع أحكام الشريعة وتعاليمها، من العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك.

ففي باب العبادات لم يكلف المسلم إلا ما في وسعه وطاقته {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} .

وفي باب المعاملات راعى الشرع جانب التيسير والمسامحة والإباحة: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (1)

وفي الأخلاق والسلوك حث الشرع على الرحمة فقال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (2) ودعا إلى الرفق واللين، وأن الرفق ما وضع في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه. (3)

ودعا إلى رحمة الأبوين، ورحمة الصغار، والأيتام، والأرامل،

(1) رواه البخاري في صحيحه 2/ 730، ح1970.

(2)

رواه أبو داود في سننه 4/ 440، ح4943، والترمذي في سننه 4/ 323، ح1924، وأحمد في مسنده 2/ 160، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة 2/ 499).

(3)

رواه مسلم في صحيحه 4/ 2004، ح78 (2594)، ولفظه: (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه.

ص: 31

والعجزة والخدم، والعمال، ورحمة الجيران، والتراحم بين الزوجين، والتراحم بين الزوجين، والتراحم بين الأرحام، ورحمة المعسر والتيسير عليه، والرفق في طريق الناس.

ونهى عن الشدة، والعنف، واللعان، والسباب، والشتام، والشحناء، والعداوة.

ورحمة الإسلام رحمة تشمل البر والفاجر، والمسلم والكافر، وقلب المسلم قلب رحيم، يمتلئ بالمحبة والعطف، ولا يوجد فيه محل للبغض والعداوة.

ومن رحمة الإسلام أن حرم سفك دماء المعصومين، فنهى عن قتل المسلم بغير حق، يقول الله جل وعلا {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، ويقول تعالى:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} ، ويقول جل وعلا:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} ،

ص: 32

وفي الحديث: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (1)

وحرم سفك دماء المعصومين من المعاهدين بغير حق: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة» (2)

وجرم الإرهاب بجميع صوره ودعا إلى مجتمع آمن مطمئن، يستظل في ظله الجميع من حر الحروب والفتن.

فبالأمن يحج بيت الله الحرام، وبالأمن تعمر المساجد، وبالأمن يقام العدل، وبالأمن ينتصر للمظلوم من ظالمه.

وجعلت الشريعة لتحقيق الأمن مقومات:

فمن مقومات الأمن: الإيمان، وإخلاص الدين لله، وطاعته وعبادته {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ، {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} .

(1) رواه مسلم في صحيحه 4/ 1986، ح32 (2564).

(2)

رواه البخاري في صحيحه 3/ 1155، ح2995.

ص: 33

ومن مقوماته: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في الحديث: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض» (1)

ومن مقوماته: شكر النعمة واستعمالها في طاعة الله {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} .

وعدم شكر النعمة يؤذن بالعذاب وانتزاع الأمن {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} .

ومن مقومات الأمن: الاستقرار السياسي، والتلاحم بين الراعي والرعية، فقد أمر الله بطاعة ولاة الأمر وحذر من عصيانه والخروج عليه، كما رغب الإمام في العدل بين الرعية، والرفق بهم،

(1) رواه أبو داود في سننه 2/ 524، ح4336، والترمذي في سننه 4/ 468، ح2169، وقال ((حديث حسن)) ولفظه:(والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)، والطبراني في المعجم الكبير 8/ 487، ح10116، واللفظ له.

ص: 34

وسياستهم بالحق.

أيها المسلمون: ومن خصائص الإسلام العامة: أنه رسالة عالمية لجميع الخلق ودعوة لجميع الناس في جميع الأزمان والأقطار {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} .

ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة» (1) وقال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» (2) وبعث صلى الله عليه وسلم رسائل إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله والإيمان برسالته.

وقد ظهرت هذه العالمية في مختلف جوانب الدين وتعاليمه:

فمن مظاهر عالمية الإسلام: أنه وصف الإله بأنه رب العالمين، ودعا إلى توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بجميع الرسل، ووحدة العقيدة، وقد دخل في رحاب هذه العقيدة شعوب وأقوام على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم، فأقام الإسلام أمة واحدة في أرقى صورها، بعيدة عن الوثنية وعبادة غير الله، وعن الظلم والفساد.

(1) رواه البخاري في صحيحه 1/ 168، ح427.

(2)

رواه مسلم في صحيحه 1/ 134، ح240 (153).

ص: 35

ومن مظاهر عالمية الإسلام: أن القرآن تحدى الله به الكفار والمخالفين في جميع العصور والأزمان إلى يوم القيامة {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} .

ومن مظاهر عالمية الإسلام: أن شريعته شريعة عالمية تعالج مشاكل الحياة، وتواكب الأحداث والمتغيرات، وصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان.

ومن مظاهر عالمية الإسلام: أنه قرر أن الأصل في الناس جميعاً أنهم من ذكر وأنثى، فلا عنصرية، ولا شعوبية، ولا قبلية في الإسلام، بل هو دين الحق يجمع في رحابه جميع الناس، قال صلى الله عليه وسلم:«أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (1)

ومن مظاهر عالمية الإسلام: أنه عاش في ظل عدالته غير المسلمين لما خضعوا لأحكامه، كما يشهد بذلك تاريخ الإسلام.

ومن مظاهر عالمية الإسلام: صموده عبر التاريخ أمام الأحداث الجسام، فلم تؤثر في مسيرته التيارات المعادية، ولا الفتن الداخلية،

(1) رواه أحمد في مسنده 5/ 411، وصححه الألباني (السلسلة الصحيحة 6/ 199).

ص: 36

ولا الحروب الخارجية، بل ظل الإسلام قوياً شامخاً.

فقد صمد الإسلام أيام حروب الردة، وعند فتنة السبئية، وأمام الحروب الصليبية، والمغول والتتار، وفتنة الباطنية الزنادقة، وتيارات الفلسفة، والشيوعية، والتنصير.

وسيظل الإسلام قوياً إن شاء الله في الوقت الحاضر أمام التحديات والحملة الشرسة من أعداء الإسلام، وسيرتقي لقيادة البشرية، فهو قوة الغد وحضارة المستقبل؛ لأنه دين العدل، والإنصاف، والخير والإنسانية.

وذلك بخلاف ظاهرة العولمة التي ثقافتها تسلط القوي على الضعيف، وطمس هويته، وتأمين مصالح الأقوياء على حساب الضعفاء، ما جعل العولمة انتشارها ينذر بشيوع البطالة، والفقر، وغلاء الأسعار، وغير ذلك من الأزمات والكوارث في العالم.

أمة الإسلام: ومن خصائص الإسلام العامة: أنه جاء لتكريم الإنسان، الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً.

وحفظ عقيدته، وحياته، وعرضه، وماله، وعقله، وحفظ حقوقه، أيا كان جنسه، أو عرقه، عالماً كان أو جاهلاً، حضريا كان أم بدوياً، ونهى من الاعتداء عليه بأي نوع من أنواع الاعتداءات.

وهذا بخلاف الأنظمة البشرية التي جاءت للمحافظة على

ص: 37

حقوق الأقوياء والإجحاف بحق الفقراء، فقوانينهم حبر على ورق، تكيل بمكيالين، وتجعل للقوي حق الاعتراض والنقض على كل قرار لا يتفق مع مصالحه.

فها هم المستضعفون احتلت بلادهم، وشردوا من أراضيهم، وهدمت البيوت على رؤوسهم، وقتل الأبرياء وانتهكت أعراض النساء، وحصل الإخلال بالأمن، وأثيرت بينهم الطائفية والحزبية حتى قتل بعضهم بعضاً، ووضعت الدساتير والقوانين التي تبرر ارتكاب تلك الجرائم.

ويتم كل ذلك على مرأى ومسمع ممن يدعون حقوق الإنسان، فأين حقوق الإنسان من هذه الجرائم؟!! لا أحد يحرك ساكناً، ولا يجرم مجرماً، بل لو أن أحدا نادى بالدفاع عن دينه وبلاده، لجرم وعوقب؟ ولو اتخذ قرار ضد المجرم على مضض واستحياء، راح أدراج الرياح، ووضع في طاق النسيان من غير تنفيذ.

إن الإسلام لا يعرف ازدواجية المعايير، ولا الكيل بمكيالين، بل إنه كما يجرم الإرهاب ويحرم ترويع الآمنين، فإنه يحرم أيضاً يحرم أيضا احتلال البلاد، وظلم العباد.

ويرى الإسلام أن القتل لا يعالج بالقتل، والعنف لا يعالج بالعنف، والإرهاب لا يعالج بإرهاب آخر، وإنما يعالج الإرهاب بمحاربة الغلو والتطرف أيا كان مصدره، وقطع الأسباب التي تمده، ورفع الظلم عن المستضعفين والمسلمين في العالم، ومعاقبة

ص: 38

المجرمين أفراداً كانوا أو جماعات، أو دولا.

أيها المسلمون: ومن خصائص الإسلام: أنه ربط بين الاعتقاد والعمل، وأن الإيمان والعمل أمران متلازمان، وأن الإيمان يزيد بزيادة العمل وينقص بنقصانه، وقد جاء الإيمان مقرونا بالعمل الصالح في عامة أدلة الكتاب والسنة.

فعلى المسلم أن يتقي الله، وينفذ فرائضه، ويؤدي واجباته، ويعرف حقوق الله وحقوق عباده.

أيها المسلم الكريم: إن أغلى ما تملكه في هذه الحياة إيمانك ودينك، فكن عزيزاً بإسلامك، عزيزاً بشخصيتك الإسلامية، واحذر أن تخجل من إظهار دينك في أي مجتمع كنت، وفي أي مكان عشت، ولا يصرفنك عن دينك ما ترى من حولك ممن عطلوا فرائض الله وانساقوا مع الفتن والمغريات بل نحن نقول لهؤلاء:

أين إيمانك وخوفك من الله وأنت تعطل فرائض الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج؟!!

أين إيمانك وأنت تنتهك حرمات الله وترتكب الفواحش والمنكرات؟!!

أين إيمانك وأنت تعتدي على عباد الله وتهين كرامتهم، وتستحل دماءهم وأموالهم؟!!

ص: 39

أين إيمانك بالله وأن تنشر الإجرام والفساد في مجتمعك ووطنك؟!!

أين إيمانك بالله وأنت مطية لأعدائك ينفذون بواسطتك أغراضهم المشينة ومخططاتهم الماكرة، فتخل بأمنك، وتدمر ممتلكات بلادك وتسفك دماء الأبرياء؟

أين إيمانك وأنت ترتكب الخيانة العظمى في حق دينك، فتشكك في ثوابته، وتبعد الناس عن الانتفاع به، وتعطل شعائره، وتطمس معالمه؟!!

أين إيمانك وأنت تسعى في إفساد شباب أمتك بالمحطات الفاسدة والقنوات الهابطة التي تشكك في الدين والعقيدة، وتفسد الأخلاق والقيم؟!!

أين إسلامك وأنت تأكل الربا وتعلم أن الله حرمها وتوعد من أتاها بالوعيد الشديد؟!!

نقول لهؤلاء: كل هذه أمور محرمة في شرع الله، فلنتق الله في أنفسنا.

أمة الإسلام: إن الله من علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً، دعا إلى الله جل وعلا، وبلغ رسالة ربه، وشهد له بذلك القاصي والداني.

جبله الله على أكمل أخلاق وأحسن سيرة عرفها التاريخ، وشمائله عمت الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة

ص: 40

{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} «وكان خلقه القرآن» (1)

ومن سنة الأنبياء أن جعل للأنبياء أعداء من شياطين الإنس والجن يسلكون في عداوتهم طريق البهتان والكذب والأباطيل والإساءة، وهذا دأبهم في كل زمان، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} .

وها هم أعداء الأنبياء والرسل في هذا القرن - القرن الحادي والعشرين - ارتكبوا أعظم الحماقة في حق محمد صلى الله عليه وسلم فنشروا عنه الصور المشينة، ونسبوا إليه الأوصاف والأقوال القبيحة. فقوموا أيها المسلمون وهبوا لنصرة نبيكم صلى الله عليه وسلم، واستعملوا كل وسيلة من أجل نشر الصورة المشرقة من حياته الكريمة وسيرته العطرة، وانشروا سنته واعملوا بها، وادعوا الناس إليها، وردوا أكاذب الكاذبين الذين انطمست فطرهم ومسخت عقولهم ممن ليس لأنبياء الله مكانة في قلوبهم، ولا لحرمات الله منزلة في ضمائرهم.

(1) هذا قول عائشة رضي الله عنها في وصف خلق النبي صلى الله عليه وسلم، أخرجه البخاري في الأدب المفرد 1|70، ح307، وأحمد في مسنده 6/ 91، وصححه الألباني (صحيح الأدب المفرد 1/ 131.

ص: 41

أيها المسلمون: إن الله اختار لنبيه أصحاباً كراماً، هم أبر الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، هم صفوة الله بعد رسله وأنبيائه، فعن ابن عباس في قوله تعالى:{قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. (1)

قال عبد الله بن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه. (2)

وإنما نالوا هذه الفضائل، لأنهم آمنوا به إذ كفر به الناس، وصدقوه إذ كذبه الناس، وآووه ونصروه وبذلوا كل ما هو غال في سبيل نصرته صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عنهم وأرضاهم.

فالواجب علينا محبتهم ونصرتهم وسلامة القلب تجاههم امتثالاً لقول الله تعالى:

(1) انظر: تفسير ابن كثير 6/ 201، طبعة دار طيبة 1420 هـ، تحقيق: سامي سلامة، والدر المنثور للسيوطي 11/ 288، طبعة دار هجر، 1424 هـ.

(2)

رواه أحمد في مسنده 1/ 379، وقال شعيب الأرنؤوط:((إسناده حسن))، والطبراني في المعجم الكبير 9/ 112، ح8583، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 8/ 198، ح13916، وقال:((رجاله موثقون))، طبعة دار الفكر، 1412 هـ.

ص: 42

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}

فلا يجوز موالاة من بنى دينه على بغض الصحابة، وحملوا الحقد والبغضاء في حقهم، حتى قدحوا في عرض النبي صلى الله عليه وسلم وفي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها المبرأة من فوق سبع سماوات.

حكام المسلمين: إن الله أناط بكم مسؤولية عظيمة، أنتم في مقام الصدارة والقوة، تملكون زمام الأمور بتوفيق الله في بلادكم، فأوصيكم بتقوى الله في أنفسكم وفيمن تحت أيديكم، واحرصوا على مصالحهم وشؤونهم، وتحقيق راحتهم وأمنهم

واعلموا أن سبب قوتكم ومحبة رعيتكم إليكم إنما هو في تنفيذ أحكام الشريعة في جميع ميادن الحياة، فاحذروا من يحارب هذه الشريعة، ويسعى إلى فصل الدين عن الدولة، أو تغريب المجتمعات المسلمة، وجعلها تبعا لغيرها

واحذروا مكر أعدائكم الذين يوقعون العداوة بينكم وبين مواطنيكم بحجج كاذبة، وذرائع واهية، ودعاوى لا حقيقة لها.

واعلموا أن سبب قوتكم وعظمتكم في عيون أعدائكم اجتماع كلمتكم وتوحيد مواقفكم أمام قضاياكم

أيها الشعوب المسلمة: إنكم تعيشون في زمن تكالبت الأعداء

ص: 43

على حربكم ووجهوا سهامهم ضدكم، ووظفوا كل إمكانياتهم لمحاربة عقيدتكم، وتشتيت وحدتكم واجتماع كلمتكم، وإشعال العداوة والبغضاء بينكم، فكونوا على حذر من أعدائكم، والتفوا فيما بينكم، وتمسكوا بعقيدتكم، واحفظوا أوطانكم، واحذروا الصراعات بينكم وبين حكوماتكم، ففيها سفك للدماء، وتدمير للاقتصاد.

أيها الشعوب في العالم الأوروبي والأمريكي: طالما نسمع منكم عن حقوق الإنسان والعدل والإنصاف، وهذا ما نتمناه منكم، ونحن إن نقرر تلك المبادئ ونؤكدها انطلاقاً من دين الإسلام الذي شرفنا الله به نحب أن ننبه على أمور:

أولاً: أن الإنسان في العالم الثالث كما هو في غيره، لا يقل عنه كرامة، وحفظا لدمه وماله وعرضه، فكما أنكم لا ترضون بالاعتداء على بلادكم ولا على أمنكم، فكيف ترضون بالاعتداء على الآخرين وتشريدهم من بلادهم.

ثانياً: أننا نسمع من تصعيد الكراهية في الغرب ضد المسلمين، وضد خصوصياتهم وعقيدتهم، وهذا فضلا عن أنه يخالف القيم التي تقرون بها، فهو أيضاً لا يحقق الاستقرار والثبات والسلام، وإنما يزيد من حجم المشكلة، وينشر العداوة والبغضاء.

ثالثا: أننا نتفق على أن الإرهاب جريمة نكراء، ولكن المشكلة ليست في الإرهاب وحده بل هناك مشكلات أخرى لا تقل خطورة

ص: 44

عن الإرهاب، كالفقر، وانتشار البطالة، وشيوع الأمراض، وتأثر الناس بالكوارث العظيمة، مما يجب الاهتمام بها والسعي في علاجها.

فاتقوا الله في أنفسكم وارفعوا الظلم والعدوان عن الآخرين.

ص: 45

حجاج بيت الله الحرام: اشكروا الله على نعمته أن يسر لكم القدوم إلى هذا البلد المبارك لأداء نسككم بكل راحة وسهولة، فاشكروا الله على هذه النعمة.

إن الوصول إلى البيت الحرام فيما مضى كان صعب المنال، يتعرض الحجاج في سفرهم لأنواع الظلم والعدوان على أيدي قطاع الطرق، مع وعورة الطرق وعدم وجود الخدمات، إلى أن جاءت هذه الدولة المباركة التي أسسها الملك عبد العزيز غفر الله له فأمن الطرق، ومهد السبل، وسهل الوصول إلى بيت الله الحرام، وبذل كل غال ونفيس في سبيل ذلك، فالحمد لله رب العالمين.

ولقد مضى على هذه السياسة الرشيدة والخطا المباركة أبناؤه البررة: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وخادم الحرمين عبد الله بن عبد العزيز.

وها نحن نرى بأم أعيننا هذه الجهود العظيمة لخدمة الحرمين الشريفين وحجاج بيت الله الحرام، من خدمات متكاملة، ومرافق

ص: 45

راقية، ووسائل مريحة، ومشاريع عملاقة، جعلها الله في ميزان أعمالهم.

حجاج بيت الله الحرام: إن للحج في الإسلام مقاصد عظيمة:

فمن أعظم مقاصده: توحيد الله جل وعلا وإخلاص الدين له سبحانه {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}

ومن مقاصده: تعظيم هذا البيت واحترامه، فإن الله يقول {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}

ومن مقاصده: تطهير القلوب من الرذائل وتحقيق التقوى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ}

ومن مقاصده: إقامة ذكر الله جل وعلا {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} .

ومن مقاصده: الاجتماع والتآلف والتشاور حول كل ما ينفع الأمة في حاضرها ومستقبلها.

ص: 46

حجاج بيت الله الحرام: هذا يوم عرفة، يوم من أفضل أيام الله، للدعاء فيه شأن عظيم، يقول صلى الله عليه وسلم:«خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» (1)

يوم يعتق الله فيه عبيده من النار، يقول صلى الله عليه وسلم:«ما من يوم أكثر من يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء» (2)

هذا يوم «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام» (3) هذا يوم عظيم، فأروا الله من أنفسكم خيراً، وارفعوا إليه أكف الضراعة لأن يصلح قلوبكم وشأنكم، وأن يجمع كلمتكم وينصركم على من بغى عليكم.

أيها المسلمون: قفوا بهذا المكان المبارك؛ فإن الوقوف به ركن أساسي من أركان الحج، وانظروا إلى معالمه وحدوده، فإن النبي

(1) رواه الترمذي في سننه 5/ 572، ح3585، وحسنه الألباني (صحيح وضعيف سنن الترمذي، ح3585.

(2)

رواه مسلم في صحيحه 2/ 982، ح436 (1348).

(3)

رواه مالك في الموطأ 3/ 621، ح499، طبعة: دار إحياء التراث العربي، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي.

ص: 47

صلى الله عليه وسلم يقول: «الحج عرفة» (1)

وقف نبيكم صلى الله عليه وسلم بهذا المكان المبارك وخطب الناس وصلى الظهر والعصر جمعاً وقصراً - كما سنفعل إن شاء الله تعالى -، ثم وقف بعرفة إلى أن غربت الشمس فانصرفوا منها بعد غروب الشمس اقتداء بنبيكم صلى الله عليه وسلم وصلوا بمزدلفة المغرب والعشاء جمعا وقصراً متى وصلتم إليها، ولكم الدفع منها بعد مضي معظم الليل، وصلوا بها الفجر، فذلك أفضل، ثم ائتوا منى وارموا جمرة العقبة، ثم احلقوا أو قصروا، ومن قدم شيئا فلا حرج عليه، وبذلك قد حل كل شيء حرم عليكم بالإحرام إلا النساء. ثم طوفوا بالبيت واسعوا إن كنتم متمتعين أو قارنين، ول تسعوا مع طواف القدوم.

ثم بيتوا بمنى ليالي التشريق وارموا الجمار بعد الزوال إلى طلوع الفجر، وكل ذلك متيسر والحمد لله، ثم ودعوا البيت الحرام، واسألوا الله القبول، والتوفيق والسداد.

أيها المسلمون: أيها الشعب العراقي المسلم: لقد انطلق صوت الحق والهدى يدعوكم إلى التآلف والاجتماع من قلب رحيم، شفيق عليكم، حريص على مصالحكم، يؤلمه ما يشاهد من سفك الدماء، وهذا التدمير والخراب، يدعوكم إلى جمع الكلمة والاتفاق،

(1) رواه الترمذي في سننه 3/ 237، ح889، والنسائي في سننه 5/ 256، ح3016، وابن ماجه في سننه 2/ 1003، ح3015، وأحمد في مسنده 4/ 309، والحديث صححه الألباني (إرواء الغليل 4/ 256، ح1064).

ص: 48

يدعوكم إلى أن تكونوا مفكرين في واقعكم، حريصين على مصالحكم، فاستجيبوا لهذا النداء المبارك، الذي نرجو الله أن يكون في ميزان خادم الحرمين الشريفين.

وإن الأمة لتتطلع اليوم إلى خادم الحرمين الشريفين لحل هذه القضايا المعضلة في الصومال الممزق والسودان وما يكاد لها، وباكستان، وأفغانستان، وغيرها من دول العالم.

فيا إخواني في السودان: اتقوا الله في أنفسكم واحرصوا على بلادكم وتنبهوا لما يراد بكم وجدوا واجتهدوا وتمسكوا بوحدتكم ففي ذلك خيركم وصلاحكم.

أسأل الله أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، إنه على كل شيء قدير.

أيها المسلمون: إن هذه الدنيا دار ممر وليست دار قرار، والموت آت على كل أحد وهو مصير كل حي، فاستعدوا لهذا الموقف العظيم، واعلموا أن لنا بعد هذا الموت سكنى القبر إلى أن يأذن الله لقيامنا يوم القيامة.

واعلموا أيها المسلمون أن هناك موقفا بين يدي الله في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، في يوم عظيم هوله، شديد كربه، الناس عارية أبدانهم، حافية أقدامهم، شاخصة أبصارهم، تفكروا في ذلك اليوم العظيم وأهواله، العرق يلجم بعضهم، بعضهم يصل إلى

ص: 49

حقويه، وبعضهم إلى كعبيه، انظروا إلى ميزان الأعمال {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} .

تأملوا الصراط والعبور عليه، وتأملوا يوم ينادي المنادي:«يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإن لكم أن تصحوا فلا تسأموا أبداً» (1) يوم ينادي المنادي: «يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» (2)

فأسأل الله أن يجعل لنا ولكم الثبات والسداد، إنه على كل شيء قدير.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، وألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، واهدهم سبل السلام، وأخرجهم من الظلمات إلى النور.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، اللهم اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم وأكرم نزلهم،

(1) رواه مسلم في صحيحه 4/ 2182، ح22 (2837).

(2)

رواه البخاري في صحيحه 4/ 1760، ح4453، ومسلم في صحيحه 4/ 2188، ح40 (2849).

ص: 50

ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

اللهم اجعل مجتمعنا هذا مجتمعاً مباركاً مرحوماً واجعل تفرقنا بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا شقياً ولا محروماً.

اللهم اجعل حجنا مبروراً، وسعينا مشكوراً، وذنبنا مغفوراً، إنك على كل شيء قدير.

اللهم وفق إمامنا إمام المسلمين عبد الله بن عبد العزيز لكل خير، اللهم أمده بالتوفيق والهداية، اللهم كن له عوناً ونصيراً في كل ما أهمه، اللهم اجمع به كلمة الأمة ووحد به صفوفهم، وأعنه على الخير والتقوى.

اللهم وفق ولي عهده الأمير سلطان بن عبد العزيز وسمو النائب الثاني لكل خير.

اللهم وفق ولاة أمرنا فيما قاموا به من جهود جبارة، والشكر موصول لخالد الفيصل أمير هذه المنطقة وما قام به من جهود جبارة، وكذلك نواب الداخلية وما قاموا به من جهود عظيمة.

أسأل الله أن يوفق الجميع لكل خير، وأن يعينهم على كل خير.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا آتنا في الدنيا

ص: 51

حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

ص: 52