الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للذريعة بتواطؤ الجماعة على قتل الواحد وضياع دمه، وسقوط حق الجماعة في القصاص من الجاني إذا عفا بعض الورثة وجب للأدلة التي ذكرها أصحاب القول الأول، ومنها أن النفس لا تتجزأ، فإذا عفا البعض سرى على الجميع، كما أن الشرع يتطلع إلى درء القصاص بالشبهات، وعفو البعض شبهة توجب إسقاط القصاص.
المطلب الثاني
صلح بعض أولياء الدم عن حقه من القصاص بأكثر من حصته من الدية
الصلح في اللغة: مأخوذ من الصلاح، ضد الفساد، فأصلح الشيء أزال فساده، كما يطلق الصلح على إنهاء النزاع (1)(2).
وفي الاصطلاح: أعرفه بأنه: معاقدة يتوصل بها إلى التوفيق بين المختلفين عند وقوع النزاع أو خوف وقوعه (3)
وهو في باب القصاص: عفو الورثة أو بعضهم عن المطالبة بالقصاص بعوض.
ومحل البحث في هذا المطلب صلح بعض ورثة المجني عليه
(1) مختار الصحاح، 367، المعجم الوسيط 1/ 520.
(2)
مختار الصحاح، 367، المعجم الوسيط 1/ 520. ') ">
(3)
مستفاد من: شرح حدود ابن عرفة 439، المغني 7/ 5. ') ">
عن القصاص بأكثر من حقه من الدية.
وقد اختلف العلماء في المصالحة عن الدية بأكثر منها سواء من جميع الورثة أو من بعضهم بأكثر من حصته، وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا تصح المصالحة عن الدية بأكثر منها، بل على الدية أو دونها.
وبه قال بعض الحنفية (1) وهو وجه عند الحنابلة (2)
ويستدل لهم بما يأتي (3)
1 -
ما رواه أبو شريح الخزاعي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم» (4)
(1) الفتاوى الهندية (العالمكيرية) 6/ 20. ') ">
(2)
زاد المعاد في هدي خير العباد 3/ 454، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 10/ 4. ') ">
(3)
أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية 77. ') ">
(4)
أخرجه أبو داود واللفظ له 4/ 169، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، وابن ماجه 2/ 876، كتاب الديات، باب من قتل له قتيل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، وأحمد 4/ 31، وغيرهم.
فالحديث دل على منع ما عدا القصاص أو العفو، أو الدية، وهو يقتضي منع الزيادة على الدية؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالأخذ على يديه إذا طلب غير القصاص أو الدية أو العفو (1)
2 -
ما رواه وائل بن حجر رضي الله عنه قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جيء برجل قاتل في عنقه النِّسْعة (2) قال: فدعا ولي المقتول فقال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أفتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أفتقتل؟ قال: نعم، قال: اذهب به، فلما ولى قال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أفتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: أفتقتل؟ قال: نعم، قال: اذهب به، فلما كان في الرابعة قال: أما إنك إن عفوت عنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه، قال: فعفا عنه، قال فأنا رأيته يجرّ النسعة» (3) " فالنبي صلى الله عليه وسلم خيره بين ثلاث: القصاص، أو العفو، أو الدية، ولم يكن الصلح على أكثر من الدية بينها، فدل على أنه غير جائز؛ لأن
(1) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيدل الأخيار 7/ 10. ') ">
(2)
النسعة:. بالكسر. سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره. [النهاية في غريب الحديث والأثر 913، شرح صحيح مسلم 11/ 172].
(3)
أخرجه مسلم 3/ 1307، كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب صحة الإقرار بالقتل وتمكين ولي القتيل من القصاص واستحباب طلب العفو منه، وأبو داود واللفظ له 4/ 169، كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم.
، الصفحة قم: 354
تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز (1).
القول الثاني: صحة الصلح عن القصاص بأكثر من الدية إذا كان المال المصالح عليه من غير جنسها، ولا تصح بأكثر من الدية إذا كان المصالح عليه من جنس الدية.
وهذا مذهب الشافعية (2) وهو قول عند الحنابلة (3).
واستدلوا بالأتي:
1 -
عموم أدلة جواز المصالحة عن الدية بأكثر منها، وستأتي في القول الثالث.
2 -
أن المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية إذا كانت من جنسها هو من الربا كمائتي بعير عن جنس الواجب وصفته فكأنه أخذ مائتين عن مائة (4)
(1) أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية 79. ') ">
(2)
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 7/ 310، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 4/ 49. ') ">
(3)
القواعد في الفقه الإسلامي 3/ 45 (ق/137)، (تحقيق: مشهور)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 5/ 246.
(4)
القواعد في الفقه الإسلامي 3/ 77 (ق/137)، (تحقيق: مشهور)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 7/ 311.
القول الثالث: يصح الصلح عن القصاص بأكثر من الدية سواء كان من جنسها أو من غيره.
وهذا مذهب الحنفية (1) والمالكية (2) وقول عند الشافعية (3) والمشهور عند الحنابلة (4).
واستدلوا بما يأتي:
1 -
ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل مؤمنا متعمدا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جزعة، وأربعون خلفة، وما صالحوا عليه فهو لهم، وذلك لتشديد العقل» (5)
(1) الهداية شرح بداية المبتدي 4/ 167، فتح القدير على الهداية شرح بداية المبتدي 8/ 275. ') ">
(2)
مختصر العلامة خليل 207، شرح الزرقاني على مختصر خليل 6/ 9. ') ">
(3)
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج 7/ 310، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج 4/ 49. ') ">
(4)
المغني 7/ 24، 11/ 582، 595 (ط. هجر)، المقنع وحاشيته 3/ 354، المبدع شرح المقنع 8/ 282، زاد المعاد في هدي خير العباد 3/ 454، كشاف القناع عن متن الإقناع 3/ 400.
(5)
أخرجه الترمذي واللفظ له 4/ 11، كتاب الديات، باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل، وابن ماجه 2/ 877، كتاب الديات، باب من قتل عمدا فرضوا بالدية، وأحمد 2/ 183، 217، قال الترمذي: ** حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن غريب **.
والشاهد منه قوله: «وما صالحوا عليه فهو لهم» (1) فلم يقيد الصلح على الدية بشيء، فدل ذلك على جوازه بمثلها أو أكثر أو أقل منها (2)
2 -
(1) سنن الترمذي الدِّيَاتِ (1387)، مسند أحمد (2/ 183).
(2)
المغني 11/ 595، بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني 16/ 46. ') ">
(3)
أخرجه أبو داود واللفظ له 4/ 181، كتاب الديات، باب العامل يصاب على يديه خطأ، والنسائي 8/ 35، وابن ماجه 2/ 881، كتاب الديات، باب الجارح يفتدى بالقود، وأحمد 6/ 232.
فقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم فوق الدية عن قتيلهم، وما زال يزيدهم حتى رضوا بما صولحوا عليه، فدل ذلك على جواز المصالحة عن القصاص بأكثر من الدية (1)
3 -
أنه صلح عما لا يجري فيه الربا، فأشبه العروض، فيجوز فيه الصلح كما جاز في العروض (2)
4 -
أن المال المدفوع في الصلح عن القصاص عوض غير متعين؛ إذ لولي القصاص الخيرة بينه وبين الدية، فلا يقع العوض مقابل المال، بل مقابل إسقاط حق القصاص، فلا ربا (3)
5 -
أن المال المصالح به عوض عن غير مال، بل عن حق القصاص، وليس في حق القصاص حد مقدر، فجاز الصلح فيه بما يتفقون عليه (4)
(1) أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية 75. ') ">
(2)
المغني 11/ 596. ') ">
(3)
المغني 7/ 24، ط. هجر، كشاف القناع عن متن الإقناع 3/ 400، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى 2/ 266. ') ">
(4)
المغني 11/ 596، فتح القدير على الهداية، شرح بداية المبتدي 8/ 275، شرح الزرقاني على مختصر خليل 6/ 9.
الترجيح:
الراجح هو القول الثالث، فيجوز الصلح عن القصاص بأكثر من الدية، أو أكثر من حصة المصالح من الدية؛ لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، وهو ما قررته هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في قرارها ذي الرقم (204) في 10/ 5/1422 هـ، ونص المقصود منه:" إن الأصل جواز الصلح وعدم تحديده بحد معين ما لم يشتمل الصلح على إحلال حرام أو تحريم حلال، ولم يظهر للمجلس ما يقتضي العدول عن هذا الأصل ".
ويجاب عن أدلة القول الأول:
بأن الحديث الأول: المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه» (1) هي القتل بعد أخذ الدية، فهذا ممنوع أن يعفو على دية أو بدونها، ثم بعد ذلك يقتل من عفا عنه (2) فهذا الذي يؤخذ على يديه.
وهكذا استدلالهم بحديث وائل بن حجر رضي الله عنه، فإن غاية ما فيه هو عدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المصالحة فيه، فلا حجة فيه؛ لأن المصالحة قد ذكرت في أحاديث أخرى مما استدل به أصحاب
(1) سنن أبي داود الدِّيَاتِ (4496)، سنن ابن ماجه الدِّيَاتِ (2623)، مسند أحمد (4/ 31)، سنن الدارمي الدِّيَاتِ (2351).
(2)
أحكام الجناية على النفس وما دونها عد ابن قيم الجوزية 78. ') ">
القول الثالث، ومنها «وما صالحوا عليه فهو لهم» (1)، فيحمل ما صرح فيه بالمصالحة على ما سكت عنها فيه ويقدم عليه (2)
ويجاب عن أدلة القول الثاني:
بأن ما استدل به أصحاب هذا القول من حصول الربا إذا وقع الصلح عن الدية بأكثر منها من جنسها غير مسلم؛ لأن المعاوضة وقعت على حق الولي في إسقاط القصاص وليس على حقه في الدية، ويصح الصلح على حق القصاص بأكثر منه، كالعروض.
كما أن المال المدفوع في الصلح عن القصاص عوض غير متعين؛ إذ للولي الخيرة بين القصاص وأخذ الدية، فلم يقع العوض مقابل المال على مقابلة إسقاط حق القصاص.
كما إن المال المصالح به عوض عن غير مال، بل عن حق القصاص، وليس في حق القصاص حد مقدر، فجاز الصلح فيه بما يتفقون عليه.
فائدة:
حكم تقييد الصلح على الدية بأكثر منها بحد معين من الديات:
(1) مسند أحمد (2/ 217).
(2)
أحكام الجناية على النفس وما دونها عند ابن قيم الجوزية 80. ') ">