الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جسراً على الماء فيصلون إلى اسفل المغارة وهناك يمدون آنية وقدرواً كثيرة وبعد أن يفعلوا ذلك يعودون إلى الجبل الأيسر المقابل للمغارة فيرمون من موطنهم حجارة تسقط على ما هناك من الخلايا الظاهرة المملوءة عسلاً وتدهور ما فيها من الشهد في الآنية المعدة لقبوله آنية وضعت عند أسفل فوهة المغارة فإذا تم ذلك أتى الأكراد واخذوا ما وقع فيها ويقولون أن عسل تلك المغارة من ألذ ما يكون في ربوع الكرد، ومما هو جدير بالذكر أن أولئك الناس يستخرجون العسل من تلك المغارة من
مدة 200 سنة على تلك الصورة وهو لا ينفذ وربك
عليم فوق كل ذي علم.
إبراهيم حلمي
الماء في النجف
النجف لم تسم بهذا الاسم ألا لعلوها عما يجاورها من الأرضين. لأن النجف في اللغة الأرض المستديرة المشرفة على ما حولها وتعلو هذه المدينة عما حواليها لا يصل إليها ماء البتة لأنها غير راكبة على نهر ولا على مجرى ماء عذب وأرضها كلسية البنية في بعض الإنحاء ورملية التركيب في الجهات الأخرى. وهي تبعد عن الشريعة (وهي فرضة من فرض الفرات الواقعة في جانبها الشرقي) ستة كيلومترات ويرتفع سطحها عن مصب النهر المذكور 34 متراً. ومن هذا الوصف المجمل يتضح لك أن النجفيين قاسوا من أعذبة العطش أمرها وذلك منذ العهد الأول من سكنى الناس إياها أي منذ بدء الإسلام إلى يومنا هذا.
وقد كانت مياه الفرات تتدفق في سابق الزمن في موضع قريب من هذه المدينة فتتجمع فيه فنشأ هناك بحيرة عرفت باسم (بحر النجف) ولكون الأرض رملية كانت تلك المياه تمتزج بها فيجيء الماء ملحاً وقد سد منفذه
في عهد السلطان عبد الحميد لتزرع تلك الأراضي بعد انحسار الماء عنها فنشف اغلب ذلك البحر وزرع جانب منه فانتفع به بعض الناس. وفي الجانب الغربي من البلدة المذكورة سفوح وشعاب عليها آثار تدل الباحث على أن هناك كانت المياه تتلاطم. وهذا ما يؤيده تاريخ علم طبقات الأرض الذي يصرح بأن البحر كان ينقطع عند تلك الصخور القديمة. وقد نبه على ذلك علماء الإفرنج في كتبهم التي تبحث عن هذه الديار وقد سبقهم إلى ذكر هذه الحقيقة العرب. قال ياقوت في مراصد الاطلاع في مادة الحيرة: (أنها على ثلاثة أميال من الكوفة على النجف. زعموا أن بحر فارس كان يتصل بها).
وليس في النجف نفسه ما يرشد الباحث إلى أن الناس سكنوه قبل الإسلام والظاهر أن اغلب من توطنه جاء إليه بعد الحنيفية بقليل لوجود قبر على بن أبي طالب فيه ومجاورة محبيه له. ولما كان الماء من أول واجبات الحياة بل وقوامها الأعظم. وتلك الأرض خالية منه سعى كثيرون في نقل الماء إليها بوسائل مختلفة منهم بالقرب ومنهم بالآنية ومنهم بحفر الأنهر وشق القنى. وممن ذكر التاريخ اسمهم بالشكر والمديح بنو بويه فانهم طلبوا الماء في
أعماق الصخور فثقبوها حتى بلغوا أحشاءها وحفروا فيها آباراً واسعة بعيدة الغور حتى وصلوا فيها إلى 60 متراً ولكن لما رأوا أن الماء لم ينبط وأنه وراء تلك الصخور بمئاتٍ من الأذرع وبقيت تلك الجباب الفارغة من أبين الأدلة على ما لبني بويه من بعيد الهمة وفي نحو سنة 662هـ - 1263م حفر علاء الدين عطاء الملك الجويني عامل بغداد من قبل هولاكو نهراً شقه من الفرات إلى النجف وما أبطأ أن ردمته الرياح الساقيات.
ولما اخذ الصفويون يشيدون بعض المباني والمعاهد والدور المكينة في النجف وانشئوا الصحن والحضرة على الطراز الحالي تضاعف سكان البلدة لكثرة ما جاءها من العملة والصناع ولتحسن سكناها فقدم إليها زرافات من الأمامية لمجاورة تلك البقعة فاضطر الشاه إسماعيل إلى حفر فقر سنة 914هـ - 1508م
سموها (قناة) لكي تمد السكان بالماء الكافي للشرب وهي نفس القناة التي كان حفرها علاء الدين عطاء الملك الجويني وسماها (نهر الشاه) إلا أنه لم يجيء عذبا سائغاً لأن ماء الفرات كان يختلط بماء الآثار فيأخذ منه شيئاً من الملوحة ويصبح أجاجاً فيضر ولا ينفع.
وقد قال أحد سواح الفرنسيس في صدد ماء النجف وحفر قناةٍ له ما هذا تعريبه: إن أرض (مشهد علي) في غاية النشف واليبوسة حتى انه لا يمكن للإنسان أن يتصورها. ولا يرى هناك الرائي إلا مشاهد هائلة وأكواماً من الرمال تلهبها الشمس لهيباً في أيام القيظ. وكان يضطر سكان هذا الموطن سابقاً إلى أن يذهبوا إلى الفرات ليأخذوا منه الماء. لكن منذ مدة 15 سنة (أي في سنة 1793م - 1208هـ) ابتنى أخ ملك المغول قناةً كلفته مبالغ باهظة ومع كل ذلك لم يتمكن البناة من أن يجعلوها على ما كان في خاطرهم لكثرة ما ينتاب المدينة من زوابع الرمال التي تثيرها الرياح إثارة شديدة وتذريها بعد ذلك حتى إنها كانت تردمها ردماً لولا أن الموكلين بحفظها يعنون بتنظيفها كل سنةٍ.
ولهذا بقيت مسألة جر ماء النجف من الفرات من اعقد المسائل بل اعقد من ذنب الضب فلما رأى ذلك صاحب المكرمة علامة عصره أبو الطائفة الجواهرية الشيخ محمد حسن، انتدب المثرين وأهل اليسار من الفرس ليشقوا نهراً يروي الظمأى ويسقي الأرضين ويلطف حرارة الهواء ويفرش الأرض بساطاً من الخضرة فأمطر عليه أهل المال الأصفر الرنان تلبيةً لطلبه وشرع يشق النهر وكان العملة مئاتٍ بل ألوفاً وكان هو يقوم بينهم
وينشطهم في أتعابهم بأنواع الوسائل وهم يفرغون كل جهدهم في تحقيق أمانيه باتخاذ
ضروب الآلات والأدوات لتفتيت الحجارة وقلع الصخور من مواطنها واستعملوا لهذه الغاية البارود الناسف وبذلوا كل ما في ذراعهم من القوة وما في قلبهم من الشغف بالأئمة ليخرجوا الأمنية من عالم الخيال إلى عالم المثال حتى بلغوا في سعيهم ما لم يبلغه من سبقهم. ثم جاءوا بحراقة ركبها الشيخ وكان الجمهور المثالب على ضفتي النهر يصفقون لكونهم ظفروا بما لم يظفر به أجدادهم من علو الهمة وبعد الغاية وكانت مياه الفرات تتدفق وتتدافع وتتصافق كأنها تشترك بهذا الفرح وتهنئ الفائزين بفوزهم المبين ومازالت الحراقة تسير والماء يحملها حتى وصلت باب النجف فإذا الأرض أعلى من مشق النهر فوقفت لوقوف الماء. وتولى الفرحين من الحزن والكآبة ما لا يصفه قلم واصف وبقيت فوهة ذلك النهر مفغورة فغر فم الأخرس يحاول النطق ولا يستطيع وأخذت السافيات تدفن فيه الآمال بل القلوب ولم يبق من ذاك المشروع الكبير إلا الأثر وهو يسمى اليوم (كري الشيخ)(وتلفظ غالباً بالجيم المثلثلة المكسورة وكسر الراء والياء) ذهب قوم وجاء قوم آخرون وودوا من جديد تحقيق جر الماء إلى النجف فجاء السيد (أسد الله) وهو من كبار بيوتات أصفهان ونحت في باطن الأرض سوهقة (أي كاريزاً) وركب عليها طاحونتين. وارصد لهذه المبرة ما يكفل بقاءهما من المبالغ لإصلاح ما يقع في مشروعه من الخلل على توالي الأيام. ولكن ما لبث أن دخل في خبر كان كما دخل غيره فيه.
وفي أيام السلطان الخليع عبد الحميد خان خط نهر ضيق في الجهة الشمالية من البلدة وسمي (بالحيدرية) ولم يفد اكثر ما أفاد غيره. لأن كثبان الرمال كانت تنهال على مشقه عند هبوب الرياح فكانت تردمه ويصبح كأنه سنام البعير. فلا يمكن للماء أن يتعداه فلما انتبه أولياء الأمر لهذا الحادث الذي لا محيد عنه غرسوا أشجاراً على مجاريه لتقف في وجه الرمال وتصدها عن مهاجمتها له وتكون بمنزلة الأسداد ولبث الموكلون بهذا الشان يتعهدون أشجار الصفصاف بالسقي حتى كلوا وملوا فذبلت ويبست وعاد كل شيء إلى حالته الأولى وأصبحت تلك السوهقة في حمارة القيظ مقر الدويبات والحشرات ومستنقعاً تغزر فيه الأقذار والأدران. وأصبح ماؤها ضاراً لا نافعاً بل أصبحت كبدن المسلول أو
المحموم تارةً يعرق فيسيل رشحه فيغدو ذاك الماء مع ما يرسب فيه عصيدة وحلة لا اسم
لها ولا وصف. وطوراً يضطرم ذاك البدن فيجف قطره فيصبح صلصالا لا تعرف حقيقته.
فمما تقدم بسطه يتبين للقارئ أن لا علاج لهذا الداء العضال سوى أمر واحد وهو أن يتفقد الأرض أحد المهندسين البارعين ويخطط فيها نهراً يختلف غور حفره باختلاف ارتفاع الأرض وانحدارها ويقيم على فغرته آلة بخارية تغترف الماء. من الفرات وتدفعه دفعاً عنيفاً إلى مندفقه. ويقوم بالنفقات أحد الرجال الأغنياء أو إحدى الشركات ينشئها أبناء النجف وحينئذٍ تتحقق الأمنية فيسقى النجفيون ماء سلسبيلا ومحقق هذه الأمنية يجلب لنفسه كل محمدة فيجمع فيها شرف البويهي والجويني والصفوي والمغولي والجواهري والأصفهاني والعثماني فيفوز بقصب السبق وحده دون غيره وبخدم الوطن خدمة لم يسبقها سابق ولا يوجد اليوم في النجف رجل كبير محب خير الأمة مثل السيد العظيم الاقتدار جواد الكليددار فأنه اخذ على نفسه أن يؤسس شركة تجلب قساطل (أي أنابيب) من حديد ويحصل ما في الصدور من دواعي السرور على ما أشرنا إليه قبيل هذه السطور وقد منحتها بلدية مركز الولاية الرخصة بجلب الآلات والأنابيب وسائر الأدوات وتتعهد الشركة بدفع ربع الربع إلى البلدية فتكون الخطة على الوجه الأتي تقريباً:
تجلب ثلاث معاون بخارية (مكائن) قوة كل واحدة منها 60 حصاناً. اثنتان منها تشتغلان والثالثة تبقى واقفة تشغل عند الحاجة إليها عند تضرر إحدى الدائبتين. وقيمة كل معينة من هذه المعاون 700 ليرة عثمانية. ويحتاج إليها من الأنابيب 10. 000 متر يكون قطر الأنبوب 12 قيراطاً (أي أنجاً) أو 30 سنتيمتراً ونصفا وقيمة كل متر من هذه القساطل ليرة عثمانية. وعليه تبلغ النفقات من أول غرش يصرف إلى آخره نحو 15. 000 ليرة أو 345. 000 فرنك. وإن بالغت في النفقات فلا تقل إنها تتجاوز نصف مليون فرنك وهو مبلغ لا يذكر