المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المختار في الطب - مجلة لغة العرب العراقية - جـ ٢

[أنستاس الكرملي]

فهرس الكتاب

- ‌العدد 13

- ‌سنتنا الثانية

- ‌العراق

- ‌ابنة اليوم وحقيقتها وأسماؤها

- ‌سرعة عمران عبادان

- ‌الخطر على نخل العراق

- ‌خواطر في المنتفق وديارهم

- ‌مؤتمر المستشرقين في سنة 1912

- ‌المختار في الطب

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 14

- ‌تيتنيك

- ‌نظرة في العادات

- ‌قصر الاخيضر

- ‌نقد كتاب تاريخ آداب اللغة العربية

- ‌العراق:

- ‌من أسماء ابنة اليوم

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌باب التقريظ

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 15

- ‌الصحف

- ‌الطيارة في ديار العرب والغرب

- ‌السفن في العراق

- ‌المنصورية أو المنصوري

- ‌كتاب معارج القدس

- ‌صحة اصل كلمة شاخة

- ‌عريسات

- ‌الشهرستانية

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 16

- ‌خمعة بنت الخس الإيادية

- ‌تذييل في نساء العرب

- ‌العشائر القاطنة بين بغداد وسامراء

- ‌نظر تاريخي في لغة الاسبرانتو

- ‌تاريخ آداب اللغة العربية

- ‌لباس الحيوانات وتنكر أزيائها

- ‌أشباه السفن في العراق

- ‌الملاحة على الفراتين

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌مفردات عوام العراق

- ‌العدد 17

- ‌نبذة من عادات العراقيين المسلمين

- ‌الماليسور

- ‌شروين

- ‌المرصاع أو الدوامة

- ‌الفصاحة وكتاب العراق

- ‌كتاب تاريخ آداب اللغة العربية

- ‌العدد 18

- ‌السويديون

- ‌الطباعة

- ‌أفكار الغربيين نحونا

- ‌سوق الشيوخ

- ‌الفرق بين الصالح وغير الصالح

- ‌حافظة الإمام ابن الحداد

- ‌المرء ودنياه

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 19

- ‌قبور غريبة قديمة في البحرين

- ‌الشيخ عبد الرحمن السويدي

- ‌العمرة عند العراقيين

- ‌نهر الرشادي في الديوانية

- ‌عاشوراء في النجف وكربلاء

- ‌مشاهير بيوت وقبائل سوق الشيوخ

- ‌نحن والدهر

- ‌العريسات وأم الغراف

- ‌الطباعة في دار السلام والنجف وكربلاء

- ‌عادات العراقيين

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 20

- ‌طُعيرِيزات

- ‌الشيخ محمد سعيد السويدي

- ‌التشوه والتزين عند الحيوانات

- ‌وصف مدافن البحرين

- ‌لعبة البس والهرّ

- ‌السبحة في الشرق

- ‌أوائل في الأدب مرتبة على سني الوفيات

- ‌صاحب البستان

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌مفردات عوام العراق

- ‌العدد 21

- ‌صرعى الكتب والمكتبات في العراق

- ‌طيزناباذ القديمة

- ‌أبو الفتوح الشيخ إبراهيم السويدي

- ‌بلد البوعينين

- ‌الضرب على النحاس في أبان الخسوف

- ‌الكوفيّة

- ‌أدوات السفينة

- ‌أسرار الحياة وهتك أسرارها

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المكاتبة والمطارحة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌ألفاظ عوام العراق

- ‌العدد 22

- ‌الكتابة في العراق

- ‌الشيخ محمد سعيد السويدي

- ‌كتب القراءة

- ‌عش وحيداً

- ‌المرأة المسلمة والتربية

- ‌الاشتيار

- ‌الماء في النجف

- ‌فوائد شتى

- ‌باب المكاتبة والمطارحة

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

- ‌العدد 24

- ‌عريسات

- ‌بعض آراء في معنى بغداد

- ‌كتاب مقاييس اللغة

- ‌في معترك الحياة

- ‌عمل الطاباق في العراق

- ‌العرائف

- ‌باب المكاتبة والمذاكرة

- ‌فوائد لغوية

- ‌باب المشارفة والانتقاد

- ‌تاريخ وقائع الشهر في العراق وما جاوره

الفصل: ‌المختار في الطب

16 الدكتور الأستاذ اغناز غولزيهر. بحث في علم كلام فخر الدين الرازي. وجمعه الفلسفة إلى علم الكلام. ومجادلته لأهل الجرجانية (وكانوا معتزلة من خوارزم) التي أقامها على ثلاث دعائم وهي: ضوابط لتأويل القرآن. نقد الحديث نقداً بتدقيق نظرية خلق (الكلام) في محل.

فمن نظر إلى هذه المباحث وكثرتها وما فيها من الوعورة والصعوبة حكم أن ذاك المؤتمر كان من اجل المؤتمرات التي عقدت وكان للعرب فيه حظ وافر؛ فعسى أن ينشط الشرق من خموده أو جموده ويعود إلى سابق عزه، وسامق مجده.

ل. م

‌المختار في الطب

(تصنيف الشيخ الإمام العالم الأوحد مهذب الدين شمس الإسلام أبى الحسن على بن احمد بن هبل المتطبب)، المولود ببغداد في 23 ذي القعدة سنة 515، والمتوفى في الموصل ليلة الأربعاء 13 من المحرم سنة 610هـ (أي ولد في 3 شباط 1122 وتوفي في 5 شباط سنة 1213م).

قبل أن نصف هذا الكتاب البديع في خطه ومحتوياته نذكر ترجمة المؤلف نقلا عن ابن القفطي قال:

على بن احمد أبو الحسن يعرف بابن هبل (لا الهبل كما جاءت في النسخة المطبوعة في ليبسك) الطبيب، ولد في بغداد ونشأ بها، وقرأ فيها الأدب والطب، وسمع وروى عن مشايخ وقته. ثم صار إلى الموصل، وخرج إلى أذربيجان، وأقام بخلاط عند صاحبها شاه أو من يطبه. وقرأ الناس عليه هناك الحكمة والأدب. وفارق تلك الديار لسبب وهو: إن بعض الطشتدارية (الخدام الذين يحملون الطشت للأمير) قال له يوما وقد نظر إلى قارورة الملك في بعض أمراضه: يا حكيم لمَ لا تذوقها؟ فسكت عنه. فلما انفصل عن المجلس قال له في خلوة: قولك هذا اليوم عن اصل أم قول غيرك أو هو شيء خطر لك فقال: إنما خطر لي لأنني سمعت أن ذوق القارورة من شروط اختبارها. فقال له: الأمر كذلك، ولكن لا في كل الأمراض. وقد أسأت ألي بهذا القول لأن الملك إذا سمع

ص: 26

هذا ظن إنني قد أخللت بشرط واجب. من شروط خدمته وقوانين الصناعة فيها. ثم انه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة والخوف من عاقبتها بعد أن رشا الطشتدار حتى لا يعود إلى مثلها. وخرج وعاد إلى الموصل وقد تمول فأقام بها إلى حين وفاته وحدث بها وأفاد. وعمر حتى عجز عن الحركة فلزم منزله قبل وفاته بسنين. وكان الناس يترددون إليه ويقرءون عليه وسئل عن مولده فقال: ولدت ببغداد بباب الازج في 23 من ذي القعدة سنة515، وتوفي بالموصل ليلة الأربعاء 13 من المحرم سنة 610 وله كتاب في الطب سماه المختار رايته في أربعة مجلدات وله غير ذلك. وهذه الترجمة وردت في تاريخ الدول لابن العبري ص 420. وقد ذكر صاحب كشف الظنون كتابا آخر لطبيبنا هذا واسمه (مختارات ابن هبل) قال عنه:(في الطب ترتيب الأعضاء). والظاهر أن هذا الطبيب كان عظيم الشهرة في زمانه لأن ابن الحاج الشيرواني لما ألف كتابه (روضة العطر) نقل عن مؤلفات ابن هبل لأنه يقول

في مقدمة كتابه: وكنت لما هممت بهذه الصنعة (أي الصيدلية) كتبت لنفسي هذا الكتاب حسب مرادي مجتمعاً من كتب شتى كالقانون والذخيرة ومختارات ابن هبل. . .)

والظاهر أن صاحب كشف الظنون لم ير كتاب المختار لأنه لم يصفه. وقد وقع هذا الكتاب بيد أحد أدباء بغداد فأرانا إياه لنصفه للقراء. والموجود هو المجلد الأول وهو كبير الحجم طوله 26 سنتمتراً في 10 عرضا. وفيه 204 صفحات في كل صفحة 16 سطراً. طول كل منها 14 سنتمتراً. خطه في منتهى الحسن والجودة. وقد كتبت عناوين الفصول بالحبر الأحمر. ومن خصائص خط هذا الكتاب أن لكل حرف مهمل يقابله حرف معجم علامة تميزه، وهي سكون غير تام الاستدارة أو هلال صغير متجه قرناه إلى فوق.

في أول صفحة من الكتاب هذا العنوان بحرف ضخم حسن: المجلد الأول من المختار في الطب. تصنيف. . . وفي أعلاه: طالعه محمد بن نصر الطبيب. وقد تملك الكتاب جماعة من الناس. يشهد على ذلك ما هناك من التعليقات وهذا نص بعضها: انتقل إلى تصرف الأمير حسن بن المرحوم بيري بك عفى عنهما العافي،، - (والآن قد انتقلت بالشراء الشرعي إلى الفقير محمد

ص: 27

بن غريب الموصلي أصلا والحلي مسكناً.) - انتقل بحكم المبايعة الشرعية إلى ملكه العبد الضعيف موسى بن القس مسعود عرف بالجصلوني وذلك في تاريخ رابع عشر نيسان سنة ألف وسبعمائة وثلاثة للإسكندر اليوناني ولله الحمد دائما كما هو أهله ومستحقيه. أمين. (هذه السنة توافق 1391م أو 794 هجرية) - قد انتقل إلى ملكي الحقير المتطبب محمد علي الطهراني مسكناً ومسقطاً الملقب بمؤيد الأطباء البختياري أصلاً. في كربلاء المعلي في سنة مائتين بعد الألف من الهجرة النبوية.) (لكن قد حكت كلمة مائتين وكتب عوضها ستة عشر وثلاثمائة إلا أن نقش الخاتم المطبوع بعد الكتابة وتاريخه 1200 يكذب كلام المزور المحتال أو السارق الخبيث) - قد اشتريت هذا الكتاب وصار من ممتلكاتي وأن فقير إليه تعالى محمد الحسيني الطبيب المازندراني في شهر ربيع الأول سنة 88، يلي ذلك نقش الخاتم وهذا نصه: لا اله إلا الله. الملك المحق المبين محمد الحسيني 88 ومن الذين تملكوه اثنان آخران لم نهتد إلى قراءة اسمهما.

والظاهر أن هذه النسخة وضعت في مجلدين كبيرين لا في أربعة مجلدات، لأننا نرى في الصفحة الأخيرة ما هذا نصه: ولنختم الآن الكلام في الأصول الكلية في الطب ولنأخذ في

ذكر الأدوية المفردة والمركبة ولنبسط الكلام فيها، لأنها هي الآلة المعينة في مقاومة الأمراض. ثم يقول: تم الكتاب الأول من المختار في الطب والحمد لله تعالى. . . المين وصلواته على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلامه وتحيته وإكرامه. ووافق الفراغ منه ثاني عشر شهر رمضان سنة عشر وستمائة. علقه لنفسه محمد بن احمد بن محمد بن يحيى.) وعليه فيكون الكتاب قد كتب في سنة وفاة المؤلف أي بعد ثمانية أشهر من وفاته.

والكتاب يبتدئ هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد الله الواحد القهار، الملك الجبار، مدبر الفلك الدوار، ومرسل الشعاع من الأجرام ذوات الانوار، إلى سطح الأرض بلا قرار، لتصعيد أجزاء البخار، من الأرض والماء ومزجها بالهواء والنار، مزجا بالتفاعل والتضاد ثم بالثبات والقرار. على كيفية وأحكام متشابهة فيما بين الرطب واليابس والبارد

ص: 28

والحار. الخالق من هذه الأركان للإنسان بسائط الأعضاء. فمن الأرض اللحوم والعظام. ومن الماء جواهر الدماء. ومن الهواء الروح ومن النار الحرارة الغريزية الطابخة للغذاء المحسوسة في باطن الفضاء، من الصدر والمعاء، الحافظ لصحته بالإغتذاء وتنشق النسيم البارد من الهواء. منزل الداء ومعلم الدواء. والهادي إلى الشفاء. حمداً بلا انتهاء، وشكراً بلا انقضاء. والصلاة على محمد سيد الأنبياء، وعلى آل محمد الأتقياء الأصفياء. أما بعد. . . .

فهذا هو الكتاب الجليل الذي أردنا أن نصفه للقراء وهو حسن الورق ثخينه مجلد بالسختيان الأحمر ومطبوع عليه نقوش عربية بارزة في الوسط والحواشي.

أما عبارته فسلسة سهلة وفيه كثير من الألفاظ الإصلاحية الطبية التي تفيد اعظم فائدة للمشتغلين بالطبابة، فضلاً عن أن فيه من الحقائق العلمية ما يوافق العلم الحديث وهانحن نذكر شاهداً وجيز الفصل للدلالة على أسلوبه وطريقته. قال:

فصل في تسمين القضيف وتقضيف السمين.

السمين العبل مستعد لوقوعه في المرض سريعاً. وطريق تهزيله تقليل غذائه بحيث لا تضعف القوة، ورياضته على الريق رياضة متعبة، متنقلاً إليها بالتدريج. فإن السمين إذا فاجأ الحركة العنيفة اخطر بنفسه. ويجب أن يغذى بالأغذية اليابسة كالقلايا (أي المقليات)

والمطجنات. ويجنب الامراق والدسم، ويتناول من الخل حسب الاستطاعة ومما يطبخ بالخل. وكذلك المري، ويستحم على الريق ويستكثر من الدلك، وخاصة الدلك الخشن والأدهان بالأدهان الحارة ومصابرة الجوع. ومن الأدوية المهزلة مداومة اخذ الاطريفل الصغير. وأما المهازيل فهؤلاء. تخصب أبدانهم باستعمال الأغذية المرطبة ويتفسحوا في تناولها، ويدخلوا الحمام عقيب الهضم، وقبل الحركة ويقللوا التعب، ولا يتعرضوا للشمس، ولا للعرق والدخان والغبار ويجلسوا على الفرش الوثيرة، ويهجروا الأغذية الحامضة ألا ما اصلح الشهوة ونبهها من المقدار اليسير. وسيأتي في كتاب الزينة كلام مستوفي في هذا الباب.

ص: 29

فترى من هذا المثال منزلة هذا الكتاب وبذل العناية في تعميم فوائده في طبعه إذا تمت أجزاؤه. ومن الغريب أن من هذا الكتاب نسختين في دار الكتب الخديوية وكل نسخة منهما تحوي الجزء الأول والتي عددها 7697 تامة والتي عددها 7698 ناقصة الأخر لكن فهرست الكتب المذكورة لم تذكر سنة كتابتهما. ولعل ذلك ناجم من إهمال التاريخ فيهما. وبهذا القدر كفاية.

التشبيهات العامية

أصبحت اللغة العربية تضم بين دفتيها أمماً شتى متبعثرة في كل صقع من أقاصي الهند وماليزيا شرقاً، إلى أقصى بلاد الغرب وبحر الادرياتيك غرباً، لا بل تعدت عباب الاقيانوس، ونثرت بذورها الحية في أميركا، فأصبحت موضوعاً من المواضيع التي تستحق البحث، لا سيما وأن اللغة خزانة تكنز تحت إغلاقها آثار الأمة وأفكارها، ولولا تقيد خواطر الأمم بالأخبار، وتدوينها في الكتب التي هي نسيلة لغتهم لضاعت الأمم كلها بأسرها؛ فهي أوسع عيبة لأخلاق الأمم ومعارفها، واعدل شاهد على الناقص والوافر من الناطقين بها.

نرى صفاً من العلماء قد واصلوا الخطى، واجهدوا دقائق الدماغ، تفكراً وسعياً وراء العلوم الطبيعية أم الاختراعات الحديثة، وطلباً لمصادر الثروة، وتقريباً لأسباب المعيشة وتسهيلاً للنقل، وتخفيفاً للأثقال، ونرى أمامهم صفاً آخر ليس بالقليل يفتش أعماق الصخور، وينقب في أجواف الكهوف، عن كلمة من لغة الأمم البائدة، أو عن سطر من أسفارها، طلباً لتوسيع المدارك واختباراً لحالات البائدة. وتصفحاً لأخبارها وآثارها ومن أخلاق وعلوم وعادات.

على أن علماء هذا اليوم لم يوجهوا أنظارهم إلى ما تقادم عهده من الأمم الهلكة المنقرضة، ولغاتها، وآدابها، وتاريخها، بل حولتها أيضاً إلى لغات أقوام هذا العهد الحية، وأخذت تعارضها بما سبق مثاله منها. لتعرف أسرار

ص: 30

الغابرين من وقوفها على دخائل المعاصرين. فنهض لهذه الغاية من جميع الأمم قوم من أهل السعي والإقدام، ونثلوا كنانة وسعهم وراء تحقيق هذه الأمنية، ففازوا بالسهم المعلى منها؟ وهانحن أولاء نقتفي آثارهم في وضع حجر في أساس لغتنا الشائعة العامية، تلك التي اختصم في أمرها أقلام ثلة من الكتاب، تختلف آراء أصحابها بعضها عن بعض. فقوم يظن أنها كانت قبل الإسلام أسيرة خدرها قد اشتبكت على حجلتها الإطناب، فعاشت بعيدة عن عوامل النحت والتحريف، نائية عن فواعل القلب والتصحيف؛ بل أصبحت في منحى لا يصل إليه التغيير، ولا يتطرق إليه الفساد. كيف لا وهي لغة نشأت بين قوم لم يألفوا ألا البهائم والقفار؛ ولم يعرفوا سوى المغاور والكهوف من الأمصار، حتى قال قائلهم:(ليس وراء عبادان قرية). ولهذا قال أصحاب هذا الحزب أن اللغة العامية ليست واللغة الفصيحة بتوأم، بل هي أخت صغيرة لها، نشأت بعد أن قطعت أختها البكر نصاباً من العمر أو مئين من السنين.

وهناك حزب يرى انهما رضيعتا لبان، نشأتا في مهد واحد، وترعرعتا في حضن واحد، وأن اللغة العامية برأسها قديمة بقدم الفصحى.

وربما ينضم إلى الحزبين حزب معارض وهذا صوته: إن اللغة العامية أن أريد بها نتائج التحريف والقلب والتصحيف فهي قديمة لوجودها في لغة الناطقين بالضاد منذ الزمن الأول، ولأنه لا يمكن للغات كلها أن تخضع لقانون عام ترسف بقيوده، وليس غرض الناطق إلا ما يدل على المقصود؛ فيردد ما يخف على الشفاه، ويسهل على اللسان، فيضطر حينئذٍ إلى التصحيف والتحريف؛ وحسبنا شاهداً على ذلك أن اللغة العامية في الأول كانت مقصورة على النادر والشاذ، ثم نمت هذا النمو المدهش؛ ولولا خطة البحث هنا أضيق من سم الخياط، لسردنا عليك أدلة جمة مقنعة. وإن أريد بالعامية ما اشتملت على الدخيل، وما حط بفنائها من النزيل، فهي ليست بقديمة كما هو مذهب الحزب الأول والشواهد هي أدلتهم.

ولقد تتبع الباحثون عن لغتنا الفصحى، فكانت نتيجة استقرائهم قوانين

ص: 31

ونواميس قد عمت

مفرداتها ومركباتها، فأودعوها مجلدات ضخمة، هي المعاجم وكتب النحو والصرف وأسفار المعاني والبيان والبديع؛ ولو قيض للغتنا العامية نقاب يستقري كلماتها، وينقب عن دقائقها، لعرف أن في الفرع ما في الأصل، بل وزيادة. ولا يلبث أن يرجع ممتلئ الحقائب من تلك النواميس الوضعية. فإن من عرف أن تلك القوانين ليست بالطبيعية ولا العقلية ولا يمكن التملص منها بل هي وضعية ناتجة عن قياس: كبراه الاستقراء، وصغراه الأغلب، آمن بأن لغتنا العامية قابلة للخضوع لتلك القوانين عينها. أما الأعراب فلا يستطاع إدخاله فيها كما هو في أختها لأن السكون سائد عليها فلا تجد حركة في آخر كلمة منها، ولكن النحو مستطاع لمعرفة الفاعل والمفعول وجملة من مسائل النحو بطريقة أخرى؛ عسانا أن نطرق موضوعها بعد البحث والتنقيب. وأما البديع فهو بأغلب أنواعه موجود فيها كالجناس والانسجام والاقتباس والاستعارة والتلميح والتشبيه الذي هو موضوع البحث.

فالتشبيه، وبعبارة اضبط: القياس أو المقارنة موجود في لغتنا العامية ووجوده في أختها وسأفرغ الوسع في رسم التشبيهات بنصها ومنطوقها؛ ولا اتعرض للتشبيهات المبذولة فإنها لا تصلح لأن تكون غذاء للفكر، ولا مورداً للأقلام؛ وإنما اذكر الشائعة منها، والجارية مجرى المثل، وأنت تعلم بين التشابيه والمثل. فالمثل توقيفي، وهي ليست بتوقيفية، وربما التقينا على مادة البحث بصاحب الأمثال العامية وافترقنا بسلام وبعد هذا التمهيد أقول:

أدوات التشبيه في لغتنا العراقية العامية ثلاث: (مثل)(وجنه) بالجيم المثلثة الفارسية ونون مفتوحة وهاء ساكنة؛ اصلها كأنه وقد اعتاد بعض العراقيين قلب الكاف جيماً كما مر الكلام عنه في هذه المجلة والأداة الثالثة المصدر المدخول عليه أداة تشبيه محذوفة. فإذا علمت ذلك اذكر لك الآن ما يقع في حفظي من التشابيه، فمنها قولهم:

(مثل الزيبك لا يطير بعيد، ولا ينلزم بالأيد)

الزيبك كثير الاضطراب، منه ما يستقى من معدنه، ومنه ما يستخرج من حجارة معدنية؛ واصل اللفظة زئبق، والعامة تبدل القاف كافاً فارسية مثلثة كما مر الكلام

ص: 32

عنها في غير هذا الموطن؛ وتبدل الهمزة ياء كما في وسائل ومائل فتقول فيهما (سايل ومايل) والزئبق بفتح الباء وكسرها فارسي معرب. (ابعيد) بهمزة مكسورة كسراً غير بين، وسكون الباء وهو بعيد فعيل بمعنى فاعل، زادوا عليه الهمزة هرباً من الابتداء بالساكن. (ينلزم) بفتح الباء

وسكون النون وكسر اللام والزاء وسكون الميم وهو مضارع انلزم انفعل من لزم، ولزم في اللغة يأتي بمعنى ثبت ودام وأما العوام فيستعملونه بمعنى مسك وقبض. وزادوا في أوله النون إشارة إلى ما لم يسم فاعله، فانهم إذا أرادوا بناء الفعل للمجهول حملوه على وزن انفعل كما في قولهم أتقتل ينقتل وانضرب ينضرب، وليس عندهم بناء للمجهول في غير انفعل إلا ما ندر. وهذا النادر هو وزن تفعل وافتعل.

والأيد. اليد. وعدم بعد الزيبك كناية عن اضطرابه المتواصل وهي وجه الشبه وقد قصد أبو تمام هذا التشبيه في الزئبق، فقال:

وتنقل من معشر في معشرٍ

فكأن أمك أو أباك الزئبق

وأورده المتنبي في قوله:

أدرن عيوناً حائرات كأنها

مركبة أحداقها فوق زئبق

وهذا التشبيه يذكر لمن يكون قريب المنال وعزيز الحصول عليه وهو من تشبيه المحسوس بالمحسوس وتشبيه حالة بحالة. ومن هذه التشابيه الخاصة بأهل العراق قولهم:

(الطول طول النخلة والعقل عقل الصخلة)

الطول: بكسر الألف كسراً غير بين، وحذف اللام لفظاً، وواو ولام ساكنتين، معروف. طول، بطاء مضمومة بعدها والساكنة يليها لام متحركة مشتركة هو أيضاً. بالمعنى المشهور. النخلة بالضبط المتعارف واللام المفخمة هي بمعناها المألوف. والعقل بالضبط المشهور ولفظ القاف الصريحة كافاً مثلثة فارسية واللام الساكنة. وعقل الثانية، مثل الأولى مع تحريك اللام بحركة مشتركة والصخلة. وزان النخلة. مع تفخيم اللام في كلا اللفظيين. والصخلة تصحيف السخلة وهي العنزة عند أهل العراق، تأنيث السخل وهو التيس عندهم.

والبحث عن أدراك الحيوانات وتعقلها أمر لا حقيقة له ألا عند أصحاب

ص: 33

الخرافات وواضعي الأمثال على السنة العجماوات. فانهم قد فعلوا ذلك بغية إصلاح الإنسان لا غير. ومهما يكن من هذا الأمر وآراء الماديين والروحانيين فيه، فإننا لا ننظر إليه هنا إلا من جهته عند أهل البديع. فإن هذا التشبيه يضم تشبيها آخر على حد طريقة التشبيه المركب في اصطلاح علماء هذا الفن. إما تول المتشبهين فلا يتضمن شيئاً يوجب الالتفات. وإما الثاني ففيه فائدة لأن العامة تقول: عقل صخل، وعقل اصخول (- صخول) وتريد به أحد

الوجهين. وهما: أما لأن المعز اشتهرت عند العرب بالغباوة - وهو مما لم يثبته الواقع إثباتاً لا يبق مجالاً للريب - فانهم إذا أرادوا التعريض بجهله وظلمة عقله قالوا: هو تيس. وإذا أرادوا الغاية في الجهل والغباوة قالوا: ما هو ألا تيس في سفينة. فأخذت ذلك العامة وشبهت به البليد. - وأما انهم يطلقون لفظ الصخل ولا يستعملونه في معناه الحقيقي بل هو عارية عندهم للزنجي لما بين لوني هذين المخلوقين من المشابهة في اللون. أو لتوحش الزنوج وهمجيتهم.

وهذا التشبيه يساق لمن كبرته المناظر، وصغرته، المخابر، فالرائي يرى المرئي طوله كطول النخلة وعند الاختبار لا يرى فيه من العقل ما يزيد على عقل السخلة. وقد حذفت العامة أداة التشبيه وأقامت المصدر مقامها كما في قولهم: تمر مر السحاب. ومن تشابيههم قولهم:

(مثل البعير، يشيل شكر، ويأكل عاكول)

(ضبط الألفاظ ومعانيها) البعير، بكسر الباء عندهم دائما ولا يفتحونها البتة. وهي لغة قديمة في العراق وغير هذه الديار. قال عمر بن خلف بن مكي:(كل فعيل وسطه حرف حلق مكسور، يجوز فيه كسر ما قبله، أو كسر فاءه اتباعاً للعين في لغة تميم، كشعير ورحيم ورغيف وما أشبه ذلك، بل زعم الليث: إن قوماً من العرب يقولون ذلك وأن لم تكن عينه حرف حلق ككبير وجليل وكريم.). - والبعير للذكر من الإبل. ويسمون الأنثى ناقة (بلفظ القاف كافا فارسية مثلثة) وبعيرة.

(يشيل) مضارع شال ومعناها عندهم رفع وحمل. وهي مأخوذة عندهم

ص: 34