الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السبحة في الشرق
السبحة قديمة في ديارنا. وأول من استعملها في الشرق الأدنى اليهود فأنه كانوا يسمونها (ماه بركوت) أي المائة بركة وذلك لأنهم كانوا يسبحون بها الله مائة تسبحة. ولما ظهرت النصرانية أخذها المسيحيون عنهم. ثم جاء الإسلام فاقتبسها الحنفاء من النصارى منذ العصر الأول من نشوء الدين المحمدي. وقد ذكرها الخليل في كتاب العين قال: السبحة: (خرزات يسبح بعددها) وأنت تعلم أن الخليل عاش 74 سنة وتوفي سنة 160 وقيل 170 وقيل أيضاً سنة 175 للهجرة (الموافقة لسنة 777 و786 و791 م) ولو كان المسلمون قد اتخذوها في عهده لأشار إليه لكن الظاهر من سكوته عن التنبيه أنها كانت معروفة قبله. وإلا فمن العادة الجارية عند اللغويين أن يشيروا إلى حديث الدخول من ألفاظ اللغة ولهذا نقول أنها كانت معروفة في القرن الأول من الإسلام. والى ذلك يشير صاحب تاج العروس إذ يقول: السبحة: بالضم، خرزات تنظمن في خيط للتسبيح تعدّ. وهي كلمة مولدة قاله الأزهري. قال الفارابي وتبعه الجوهري: السبحة التي يسبح بها. وقال شيخنا: أنها ليست من اللغة في شيء (كذا. قلنا: وفي هذا الكلام نظر) ولا تعرفها العرب (كذا) وإنما حدثت في الصدر الأول إعانة على الذكر وتذكيراً وتنشيطاً. اهـ
وأما الإفرنج فقد أخذوها من نصارى الشرق في الحرب الصليبية الأولى (أي في نحو سنة 491 هجرية - 1097م) نقلها إليهم بطرس الناسك الشهير الذي هو أول من نادى بالحرب الصليبية. ومما سهل دخولها ربوع الغرب أنهم أولجوا في الأديرة رهباناً مساعدين للرهبان القسوس واغلبهم يجهلون القراءة والكتابة فألزموهم باتخاذ السبحة وبعدّ الصلوات الربية عليها والصلاة الربية هي (أبانا الذي في السموات) وكانوا يسمونها يومئذٍ باتنوتر أي (أبانا) ثم غيروا اسمها ودعوها أي قبعية لأنهم كانوا يتخذونها على هيئة إكليل من الورد المنظوم ويضعونها على رؤوسهم. ومهما يكن من أمرها فأن الإفرنج كانوا قد اتخذوا السبحة من مكملات ملابسهم في ذلك الأوان. وكانوا يشدونها بمناطقهم. وقد أوجب بعضهم اتخاذها في كل آن ومكان وتعهدوا لذلك بعهد وسموا أنفسهم (المسبحين) وبالإفرنجية ثم قلَّ اتخاذها وتقلدها رويداً رويداً لا سيما عند من لم يتقيد بنذر رهبانية.
والإنكليز يسمونها كالفرنسويين أي قبعية. والألمانيون يسمونها - أي إكليل ورد. والإيطاليون سموها أولاً أي قبعية لكنهم يسمونها الآن أي إكليل. ومن أسمائها بالعربية المسبح بكسر الأول. وهي لم ترد في دواوين اللغة لكنها وردت في عدة كتب والعوام تستعملها وتفتح الميم. وقد جاءَت في كتاب ألف ليلة وليلة من طبعة الإفرنج 16: 7، 5. وفي بعض حواشي الزنجاني. وفي تاريخ المقري من طبعة الإفرنج 5: 1 وفي مدة معاجم فرنسوية عربية. - ويسميها
الإيرانيون هزاردانه أي ألف حبة. ويسميها الترك (التسبيح) وهذه الكلمة مأخوذة من العربية من مصدر سبح. ومن العجب أن الترك يتصرفون بعض الأحيان في لغة العرب على خلاف ما يجري عليه العرب. فإن العرب سموا هذه الخرزات المنظومة سبحة وهي اسم مصدر لفعل سبح المثقل العين. ولم يسموها تسبيحاً وهو المصدر القياسي. أما الترك فأنهم لم يجاروا العرب في اتخاذ ألفاظهم بل كثيراً ما اخذوا منهم الشيء ذاته وسموه باسم عربي آخر كما هو الأمر في التسبيح. وهو غير معروف في لغة العرب وهو وإن كان مصدراً لكنهم لم يستعملوه لهذه الخرزات. وقد جاء في حاشية تاج العروس لمادة س ب ح: (السبحة مولدة، وإطلاق التسبيح عليها غلط. انظر ص 112 من الدرر المنتخبات المشورة.) كذا. قلنا: والأصح من الدرر المنتخبة المنثورة. على أننا لا نجسر أن نخطئ من يستعمل هذه اللفظة بهذا المعنى لأنه جاز لبعضهم أن يسموا الشيء بلفظ (اسم المصدر) لا نرى كيف لا يجوز لغيرهم أن يسموه بلفظ (المصدر) وقد نقل عن العرب ألفاظ كثيرة مسماة بالمصدر كقولهم: التنبيت والتلبيب والتمتين والتقسيط والتنبيه والتودية والتهنية والتزبرة. إلى غيرها وهم في كل ذلك لا يراعون معنى المصدر بل يذهبون في موضعها مذهب الأسماء الصرفة على أننا لا ننكر أن الجري على مصطلح العرب خير من العدول عنه إلى وضع لم تضعه والى الجري في طريق أو نهج لم تألفه. لأنك:
إذا ما أتيت الأمر من غير نهجه. ضللت وإن تقصد إلى النهج تهتدي