الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الملاحة على الفراتين
واتفاق المصرف الألماني مع شركة لنج
كتب أحد مراسلي جريدة (صدى باريس الفرنسوية) رسالة من لندن، هذا تعريبها، (نقلاً عن عددها 10236 الصادر بتاريخ 12 آب من هذه السنة) قال:
لندن في 11 آب 1912.
بلغ لندن هذه الأيام خبر مهم وهو: إن المصرف الألماني (دج بنك) صاحب السكة الحديدية البغدادية، اتفق مع شركة لنج، صاحبة البواخر التي تسير على الفراتين على الأمور الآتية، وذلك أنه تألفت في 3 تموز، في بروسل عاصمة بلجكة:(شركة النقليات النهرية في الشرق)، وقد تقرر غرضها بموجب العهد الآتي:
1 -
شراء أو بناء أو تحصيل مراكب بخارية وجنائب (أي دوبات)، لنقل معدات السكة الحديدية على شط العرب، ودجلة، والفرات، وسواعدها في ديار العرب العثمانية، وتحصيل أنواع البضائع لتنقل على تلك البواخر والجنائب.
2 -
كراء أو استكراء بواخر وجنائب، لنقل المواد التي تحمل على ذينك النهرين، أو على شعبهما وسواعدهما.
3 -
المراجعة مع الحكومة العثمانية لتأليف (شركة إنكليزية ألمانية عثمانية) تأخذ على نفسها ما لها وعليها، وكذلك تأخذ على نفسها معاهدات الشركة التي غايتها هذه الشروط.
4 -
بيع ونقل، وكراء، وتبديل المشروعات، أو قسم منها. وكذلك الأملاك والعقارات مهما كانت، وما لها من الحقوق مهما كان زمانها، وبيع أو وهب استثمارها أو استعمالها.
5 -
وبالجملة عمل كل ما يتعلق بالشؤون المذكورة. وللشركة أن تهتم ما عدا
ذلك بالأعمال والأشغال غير المذكورة هنا، إذا أذن لها اغلب المساهمين.
فهذا ما يتعلق بغرض الشركة.
فالمادة الثالثة والرابعة تشيران إلى صفة الشركة التي هي موقتة لا غير وسهولة حدود دائرة اشغالها، تمكنها من أن تتكيف بموجب ظروف الأحوال.
أما راس مال الشركة فهي عبارة عن مليوني فرنك ونصف مليون (2. 500. 000)، تقسم
إلى 5000 سهم. وكل سهم عبارة عن 500 فرنك وقد دفع منها عشرة في المائة. ولكل من شركة لنج والمصرف الألماني2. 497 سهماً. وممثلو المصرف الألماني هم الأدباء. هلسريخ مدير المصرف الألماني واتورياسا وكنرادبيشوف وممثلو الأسهم الإنكليزية هم الفضلاء هنري ف. د. لنج وب. بري والسير جارلس ارشيبلد نيكولصن وقد اتخذ كل منهم واحداً لنفسه. وعلى هذا يكون راس المال مقسوماً على السواء بين القبيلين الإنكليز والألمان.
أما اصل هذه الشركة فهو هذا: يرتقي امتياز تسيير مراكب لنج إلى سنة 1834 وذلك أن الحكومة العثمانية أرادت أن تكافئ احسن المكافاة الربان الإنكليزي لنج، لما فعله من المآثر للدولة العثمانية. فأجازت له أن يسير على الفراتين مركبين بخاريين. فأسس الربان المذكور شركة لينتفع بهذا الامتياز. ثم زاد مع الزمان عدد البواخر بفضل ما أجاد به أصحاب هذه الشركة من الهدايا (البخاشيش)، على الطريقة المالوفة يومئذٍ في عهد عبد الحميد فانتقل حينئذٍ ذاك الامتياز إلى صورة مشروع يتعلق بالأمة الإنكليزية.
وفي سنة 1909، كانت نهاية أيام الامتياز فالح أصحاب الشركة على الحكومة الإنكليزية أن تفرغ وسعها لتجديد هذا الامتياز وكان ذلك في اليوم الثاني من ثورة شبان الترك. فطلب مبعوثو بغداد حرية الملاحة على نهري دجلة والفرات وفروعهما وكان يسندهم في
هذه الدعوى أعداء وخصوم شركة لنج الذين نشئوا لها فجأةً، فقاوموا تجديد ذلك الامتياز مقاومة عنيفة بل مقاومة الأبطال الصناديد.
فلما رأت وزارة حسين حلمي باشا ذلك السد المنيع القائم في وجهها، لم تستطع أن تلبي طلب الوزارة الخارجية الإنكليزية، ففكرت في طريقة تجمع بين الإدارتين النهريتين: إدارة لنج الإنكليزية وإدارة البواخر العثمانية. التي لها عدة مراكب تسير على الرافدين. فعرضت الوزارة هذا الفكر في 11 ك 1 سنة 1909 على مجلس الندوة، فلم يتح لها بعد ذلك أن تعتني بالأمر لأن حله أرجئ إلى الغد المقبل ولم يقبل ذلك الغد وعلى هذا الوجه حصلت شركة لنج على امتيازها الأول بدون أن يثلم منه شيء يذكر.
هذا وكانت شركة سكة حديد بغداد قد تيسر لها في المعاهدة التي حصلت عليها سنة 1903، أن يكون لها حق، لأن تنقل على الفراتين، وشط العرب، المعدات اللازمة، لبناء
واستثمار الخط ونقل عماله في مدة الاشتغال به. فاستصوبت شركة السكة أن تنفق بهذا الخصوص مع شركة لنج، لكن لما سمع الباب العالي بهذا الاتفاق، جاهر بأنه لا يوافق شروط الامتياز المشروطة على الشركتين: شركة الحديد وشركة لنج. ولهذا حتم عليها أن تتفق مع شركة بواخر الإدارة العثمانية النهرية، أو أن تستحصل لنفسها بواخر تتخذها لمصالحها. فاتفقت الشركتان المذكورتان على إدخال شركة المراكب العثمانية أيضاً في هذا الشان، وعلى هذه الصورة تأسست الشركة البلجيكية التي من واجباتها العناية بتحقيق هذه المساعي والسهر عليها.
وحل هذه المعضلة على هذا الوجه مفيد للباب العالي، ولهذا يؤمل خروج هذا الفكر إلى عالم الحقيقة.
أن خطورة هذه المعاملة تفوق بكثير موضوعها، لأنها عبارة عن أول تضافر، يكون إنكليزياً ألمانياً في آسية الوسطى. وهذا وحده كافٍ لأن يشار إليه بالبنان. فكون المصرف الألماني، الذي هو المحرك الأول لسكة حديد بغداد، يتدخل تدخلاً بيناً في هذه المسألة، يجعلها في مقام سام من الخطورة والشان. هذا فضلاً عن أن المتداخل فيها أيضاً، هو لنج، الرجل المعروفة
مصالحه في بلاد إيران، وديار العراق لاطلاعه الكافي على هذه الأقطار، فيزيد حضوره المسألة مكانةً ورفعة في مسائل آسية الوسطى.
أن الفاضل لنج، كثيراً ما انضم إلى حزب المتطرفين المتذمرين من سياسة السير أدورد غراي. ومداخلاته مع النقابة المالية، التي يرأسها السير ارنست كاسل، معلومة لدى الخاص والعام. فيكون من البديهي تقرب هذا الائتلاف الذي حصل من سفرة السير ارنست كاسل إلى برلين، في الوقت الذي أقام الأديب هلدان في عاصمة ديار ألمانية. فهو الذي دبر، في سنة 1903 مع الأديب فون غوينر. فكر مساعدة الإنكليز في سكة حديد بغداد. ومنذ ذاك الحين كان له المقام الأول بمنزلة متوسط بين المالية الألمانية وبين المالية الإنكليزية.
هذا وقد بلغ المحافل السياسية المطلعة احسن الاطلاع على الأخبار الجارية بين الدول أن مساعدة الإنكليز لسكة حديد بغداد تعاد فتجدد. وقد اخذ من يهمهم الأمر أن يسعوا كل السعي بين (المصرف الألماني وبين مصرف أمة الترك) الإنكليزي. والحال أن مؤسس هذا
المصرف الأخير هو السير ارنست كاسل في سنة 1908 بعد أن رفض ما طلبة منه المصرف العثماني في الاشتراك معه. وذلك لأنه لم يرد أن يقيد نفسه أو أنه لم يرد أن يغض من نفسه بتشاركه مع المصرف العثماني المتعاهد مع سكة حديد بغداد. بما في إمكانه من مساعدته إياه بمال الإنكليز. وهذا ما يجعله في مقدمة هذا الاقتصاد المالي للبلادين، بل بيت قصيده، وقلادة جيده.
فهذا الاتفاق الغريب هو هو الذي نوجه إليه الأنظار، ونلوي إليه عنان الأفكار، إذ قد يكون أساساً لمراوغة أو محاولة تصرف فيها اسهم سكة بغداد في إنكلترا، تلك الأسهم التي تتداعى في صناديق المصرف الألماني. ومن الواجب تصريفها لإكمال الأشغال في بر الأناضول (أي آسية الصغرى). فتدبر أن كنت من الأيقاظ. والسلام.