الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الخامس فى الترجيح والاختيار
وفى مجال الترجيح فإننى أرجح مذهب الجمهور لقوة أدلتهم، وأما الجواب زيادة على ما قرره الجمهور عن احتجاج الفريق المخالف بالآية والأحاديث - فإنها جميعها مطلقة مصرحة ببيان ما يجب غسله، غير متعرضة للنية، وقد ثبت وجوب النية بالآية والأحاديث والأقيسة التى ذكرها الجمهور، كما أن دلالة الآية وإن لم تكن راجحة لمذهب الجمهور فمعارضة لدلالة الفريق الآخر، ثم إن حديث أم سلمة عن نقض الضفائر فقط وهل هو واجب أم لا، ليس فيه تعرض للنية، وقد عرف وجوب النية من قواعد الكتاب والسنة كما قرره الجمهور.
كما أن قياسهم الطهارة على إزالة النجاسة قياس مع الفارق لأنها من باب التروك، فلم تفتقر إلى نية كترك الزنا، بخلاف الطهارة فإنها من المأمور به فى الأفعال.
وأما الجواب عن قياسهم على ستر العورة، فهو أن ستر العورة وإن كان شرطًا للصلاة إلا أنه ليس عبادة محضة، بل المراد منه الحفظ والصيانة عن العيون، ولهذا يجب ستر عورة من ليس مكلفًا ولا من أهل الصلاة والعبادة، كمجنون وصبى لا يميز، فإنه يجب على وليه ستر عورته.
أما الجواب عن طهارة الذمية من الحيض، فهو أنها لا يصح طهارتها فى حق اللَّه تعالى، وليس لها أن تصلى بتلك الطهارة إذا أسلمت -كما نص عليه الشافعى وهو المذهب الصحيح (1) - وإنما تصح فى حق الزوج للوطء، للضرورة، إذ لو لم نقل به لتعذر الوطء ونكاح الكتابية. ثم إن ادعاء الحنفية ومن وافقهم بأن النية تجب فى
(1) شرح المهذب 1/ 315.
التيمم -دون الوضوء والغسل- بنص الآية؛ لأن آية التيمم ذكر فيها القصد، وهو النص على قصد التراب، وأن هذا القصد هو النية لا يقوى دليلًا لهم، وذلك لأن القصد فى الوضوء يؤخذ من نص الآية أيضًا، فإن الآية أمرت بالغسل، والغسل إذا أطلق كان المراد بالماء الطاهر، فحذف الماء لدلالة الغسل عليه، وهذا ما يدل عليه العرف واللغة، فإذا قلت "أغسل يداى دائمًا قبل الأكل وبعده" لا يفهم أى عاقل على أن ذلك يغير الماء فى العادة.
أما تخصيص الصعيد بالذكر فى الآية فليس ذلك؛ لأن المراد القصد فى التيمم دون الوضوء، وإنما ذلك لبيان ماهية التيمم وحقيقته، ولدرء السؤال الذى كان يرد على ذكر التيمم، نظرًا لأن التيمم هو القصد، وهو ماذا نتيمم به؟ فكان الجواب صعيدًا طيبًا. فأغنانا اللَّه عن مظنة السؤال وذكر لنا الجواب تخفيفًا، فضلًا منه ورحمة.
على أن المطلوب الفضل فى الموضعين وهو مأمور به فى كل منهما، فكان القصد واجبًا مطلوبًا لهم جميعًا، فلم التخصيص فى أحد الموضعين دون الآخر؟
على أن كثيرًا من أهل الرأى فى كتبهم يقررون فى أكثر من موضع بأن الوضوء عبادة وأن النية واجبة فيه، بل هى فرض، وكان البعض الآخر منهم يحاول أن يئول هذا التقرير حتى يخضعه لمذهبه، ويقول: يقصد أنها سنة، ومن ذلك:
1 -
أن الوضوء لا يقع بلا نية إلا بالفعل مع الغفلة والذهول، إذ الفعل الاختيارى لا بد فى تحقيقه من القصد إليه. وهو إذا قصد الوضوء أو رفع الحدث أو استباحة ما لا يحل إلا به - كان منويًا (1).
2 -
أن الوضوء لا يقع عادة إلا بالنية، ولا كلام فى ذلك، وإنما الكلام فى أن استعمال الماء المطهر فى أعضاء الوضوء هل يوجد الطهارة بدون النية حتى يكون مفتاحا للصلاة، أو لا؟ (2).
3 -
وصرحوا بأن الوضوء بدون النية ليس عبادة، وذلك كأن دخل الماء مدفوعًا أو
(1) فتح القدير: 1/ 21.
(2)
شرح العناية من المرجع السابق: 1/ 21.
مختارًا لقصد التبرد أو لمجرد إزالة الوسخ، كما فى الفتح. قال فى "النهر"، ولا نزاع لأصحابنا مع الشافعى فى أن الوضوء المأمور به لا يصح بدون النية، وإنما نزاعهم فى موقف الصلاة على الوضوء المأمور به (1).
4 -
نقل ابن عابدين عن "أسرار" الدبوسى: "وكثير من مشايخنا يظنون أن المأمور به من الوضوء يتأدى من غير نية، وهذا غلط، فإن المأمور به عبادة، والوضوء بغير نية ليس بعبادة"(2).
5 -
ونقل أيضًا عن صاحب المبسوط، ولا كلام فى أن الوضوء المأمور به لا يحصل بدون النية، لكن صحة الصلاة لا تتوقف عليه، لأن الوضوء المأمور به غير مقصود، وإنما المقصود الطهارة، وهى تحصل بالمأمور به وغيره، لأن الماء مطهر بالطبع.
6 -
وصرحوا بأن الوضوء بدون النية ليس بعبادة، ويأثم بتركها، وبأنها فرض فى الوضوء المأمور به، وفى التوضؤ بسؤر حمار ونبيذ تمر كالتيمم، وبأن وقتها عند غسل الوجه (3).
7 -
النية فى الوضوء سنّة عندنا، والسنة ما يثاب على فعله، ويلام على تركه (4).
8 -
النية لغة: عزم القلب على الشئ، واصطلاحًا: قصد الطاعة والتقرب إلى اللَّه -تعالى- فى إيجاد الفعل (5).
وعلى ذلك وبناء على تقريرات نصوص أصحاب الرأى أنفسهم - لا يتصور من المكلف فعل العبادة بلا نية، فإنك إذا قلت للحنفى وهو يتطهر: ماذا تصنع؟ فسيقول لك: أتطهر.
وأما من لا يعرف ما يصنع فليس هو مكلف أصلًا.
(1) ابن عابدين: 1/ 76.
(2)
المرجع السابق.
(3)
حاشية ابن عابدين: 1/ 75.
(4)
فتح القدير: 1/ 21.
(5)
ابن عابدين: 1/ 75.
ولعل شبهة من نقل عن الإمام أبى حنيفة عدم فرضية النية كونه لا يعرف اصطلاحه، فإن الفرض عنده ما صرح القرآن بالأمر به أو ما لحق به من السنة المتواترة والإجماع، وغير الفرض ما جاء فى السنة غير المتواترة الأمر به (1).
ففى السنة - عند أهل الرأى ما هو واجب، ومنها ما هو مندوب إليه. فلا يلزم من نفى الإمام أبى حنيفة فرضية النية نفى وجوبها، ونظير ذلك: اصطلاح السلف على التعبير عن الحرام بلفظ الكراهة، فإذا قيل: وكره سفيان الوضوء باللبن مثلا - فمرادهم المنع من الفعل، والحرمة وعدم الصحة عند الفعل (2). واللَّه أعلم.
* * *
(1) الميزان الكبرى: 1/ 16.
(2)
المرجع السابق.