المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ فصل فى لفظ الكلام - مطالع الدقائق في تحرير الجوامع والفوارق - جـ ١

[الإسنوي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الأولى للقسم الأول "الدراسى

- ‌مقدمة التحقيق والدراسة العلمية

- ‌أ- القسم الأول:

- ‌ب- القسم الثانى:

- ‌أما القسم الثانى (التحقيق):

- ‌أولًا: دراسة المخطوطات العربية فى العصور المختلفة حتى القرن الثامن الهجرى

- ‌ثالثًا: حصر جميع النسخ التى وجدت للمؤلف فى جميع مكتبات العالم حسب المصادر التاريخية

- ‌تمهيد

- ‌الأطوار التى مر بها الفقه الإسلامى حتى القرن الثامن الهجرى

- ‌المرحلة الأولى:

- ‌المرحلة الثانية

- ‌المرحلة الثالثة

- ‌المرحلة الرابعة:

- ‌الباب الأول الحركة العلمية فى القرن الثامن الهجرى

- ‌تمهيد:

- ‌الفصل الأول الحركة العلمية فى القرن الثامن الهجرى "مظاهرها، ومميزاتها

- ‌نساء القرن الثامن الهجري اللاتى ساهمن بنشاط فى الحركة العلمية لهذا القرن

- ‌الفصل الثانى فى سمة التأليف الفقهى والأصولى

- ‌الفصل الثالث فى أئمة فقهاء القرن الثامن

- ‌أولًا: "فقهاء الشافعية

- ‌ثانيًا: "فقهاء الحنفية

- ‌ثالثًا: "فقهاء المالكية

- ‌رابعًا: "فقهاء الحنابلة

- ‌الفصل الرابع فى العوامل التى ساعدت على ازدهار الحركة العلمية فى القرن الثامن الهجرى

- ‌تمهيد:

- ‌مقومات الحركة العلمية فى هذا القرن:

- ‌أولًا: النزعة الدينية:

- ‌ثانيًا: منزلة العلم والعلماء:

- ‌ثالثًا: المحافطة على ما بقى من التراث الإسلامى، وتجديد ما فقد منه بعد حرب التتار:

- ‌رابعًا: ازدهار المدارس الفقهية، وانتشار المكتبات العلمية، وتنافس الأمراء والحكام فى بنائها:

- ‌1 - المدارس التى وجدت بالقاهرة فى ذلك العصر

- ‌2 - المكتبات:

- ‌الفصل الخامس الإنتاج العلمى لحركة القرن الثامن العلمية

- ‌أولًا: الإنتاج الفقهى:

- ‌ثانيًا: المؤلفات الأصولية للقرن الثامن

- ‌الباب الثانى فى جمال الدين الأسنوى من مولده إلى وفاته

- ‌الفصل الأول

- ‌1 - التعريف به:

- ‌2 - نسبه:

- ‌3 - مولده:

- ‌4 - نشأته وحياته:

- ‌(5) اشتغاله بالحياة السياسية والإدارية:

- ‌6 - ثقافته:

- ‌7 - الإمام الأسنوى الفقيه: (فقهه):

- ‌الفصل الثانى فى العوامل التى ساعدت على تكوين ثقافة الأسنوى وازدهارها

- ‌العامل الأول: تنشئته:

- ‌ والده

- ‌العامل الثانى: أسرته وعائلته:

- ‌خاله:

- ‌عمه:

- ‌أخوه الأكبر:

- ‌أخوه الآخر:

- ‌ابن عمه:

- ‌العامل الثالث: اشتغاله بالعلم على علماء عصره:

- ‌العامل الرابع: الحياة الفكرية والحركة العلمية:

- ‌أساتذة الإمام الأسنوى (شيوخه):

- ‌أولًا: فى الحديث: منهم:

- ‌ثانيًا: فى الفقه: منهم:

- ‌ثالثًا: فى النحو: منهم:

- ‌رابعًا: فى العلوم العقلية:

- ‌العامل الخامس: أقرانه:

- ‌أقران جمال الدين الأسنوى:

- ‌(1) ابن النقيب:

- ‌(2) العقيلى:

- ‌(3) بهاء الدين المراغى المصرى:

- ‌(4) محمد الأنصارى:

- ‌(5) محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن على الأنصارى السبكى:

- ‌(6) تاج الدين المراكشى:

- ‌(7) التبريزى المصرى:

- ‌العامل السادس: استعداده الشخصى والذهنى:

- ‌العامل السابع: صفاته وأخلاقه:

- ‌العامل الثامن: مكانته العلمية:

- ‌الفصل الثالث فى وفاته وآثاره

- ‌أولًا: وفاته ورثاء العلماء له:

- ‌ثانيًا: آثاره

- ‌أ - آثاره العلمية البشرية (تلاميذه):

- ‌ ب" آثار الأسنوى الفكرية (مؤلفاته أو إنتاجه العلمى):

- ‌تمهيد:

- ‌منهجه فى التأليف:

- ‌إنتاجه العلمى (مؤلفاته):

- ‌1 - " الأشباه والنظائر" فى الفقه:

- ‌2 - " الإلقاء" فى الفقه:

- ‌3 - " البحر المحيط" فى الفقه:

- ‌4 - " التمهيد فى تنزيل الفروع الفقهية على الأصول

- ‌سبب التأليف:

- ‌باب الحكم الشرعى وأقسامه

- ‌مسألة:

- ‌5 - " التنقيح" فى الفقه

- ‌6 - " الجامع" فى الفقه:

- ‌7 - " الجواهر المضيئة

- ‌8 - " الكوكب الدرى

- ‌الباب الأول فى الأسماء:

- ‌ فصل فى لفظ الكلام

- ‌9 - " المهمات الغامضة فى أحكام المتناقضة

- ‌10 - " المهمات" على الرافعى والروضه

- ‌11 - " النافع

- ‌12 - " الهداية إلى أوهام الكفاية

- ‌13 - " إيضاح المشكل من أحكام الخنثى" (المشكل):

- ‌14 - " تذكرة النبيه فى تصحيح التنبيه

- ‌15 - "جواهر البحرين فى تناقض الخبرين" فى الفقه

- ‌16 - " زوائد المنهاج" فى الفقه:

- ‌17 - " زوائد الأصول على منهاج الأصول" للبيضاوى

- ‌19 - " شرح التسهيل لابن مالك

- ‌20 - " شرح التنبيه" فى الفقه:

- ‌21 - " شرح ألفية ابن مالك" فى النحو:

- ‌22 - " شرح أنوار التنزيل" للبيضاوى فى التفسير:

- ‌23 - " شرح سنن ابن ماجة" فى الحديث:

- ‌24 - " طبقات الفقهاء الشافعية

- ‌25 - " طراز المحافل فى ألغاز المسائل" فى الفقه:

- ‌نماذج من الألغاز

- ‌أولا: من باب الطهارة:

- ‌ثانيًا: من باب ما يوجب الغسل:

- ‌ثالثًا: من باب الصلاة:

- ‌رابعًا: من باب ستر العورة:

- ‌خامسًا: من باب ما يفسد الصلاة:

- ‌سادسًا: من باب صلاة الجمعة:

- ‌سابعًا: من كتاب الحج:

- ‌ثامنًا: من كتاب الحجر:

- ‌تاسعًا: من كتاب اللقطة:

- ‌26 - " فتاواه

- ‌27 - " المسائل الأسنوية" (الفتاوى الحموية):

- ‌مسألة: "فى الحضانة

- ‌28 - " كافى المحتاج إلى شرح المنهاج" فى الفقه:

- ‌29 - " مختصر الشرح الصغير للرافعى" فى الفقه:

- ‌30 - " مطالع الدقائق فى تحرير الجوامع والفوارق

- ‌31 - " نجب الطواهر فى أجوبة الجواهر فى الفقه

- ‌32 - " نزهة النواظر فى رياض النطائر

- ‌33 - " نصيحة أولى النهى

- ‌34 - " نهاية السول فى شرح منهاج الأصول" للبيضاوى:

- ‌35 - " نهاية الراغب فى شرح عروض ابن الحاجب

- ‌خاتمة فى بعض المسائل التطبيقية للفروق الفقهية النية، والسواك، والتيمم، والغسل من الجنابة، وبيع آلات اللهو والغناء

- ‌المبحث الأول الفروق الفقهية عند الأسنوى، وتطورها التاريخى

- ‌أ- التعريف بالجوامع والفوارق:

- ‌ب- التطور التاريخى للفروق الفقهية:

- ‌أما الفروق بالمعنى الاصطلاحى الخاص الذى أوضحناه سابقًا:

- ‌جـ- الفروق عند الأسنوى ومنهجه فى تأليفها:

- ‌د- مقارنة بين فروق الأسنوى وفروق القرافى:

- ‌المبحث الثانى فى موقف العلماء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم

- ‌المطلب الأول فى تحقيق معنى النية وتبيين ماهيتها لغة وشرعًا

- ‌1 - فى اللغة:

- ‌2 - فى الشرع:

- ‌المطلب الثانى فى بيان محل النية، ووقتها؛ والمجزئ منها شرعًا

- ‌1 - محل النية:

- ‌2 - وقت النية:

- ‌3 - الحكمة من لزوم النية للأعمال الشرعية وحاجتها إليها:

- ‌المطلب الثالث فى ما يفتقر إلى النية الشرعية

- ‌الأوامر قسمان:

- ‌2 - النواهى والمباحات:

- ‌المطلب الرابع فى بيان موقف العلماء والفقهاء من وجوب النية فى الوضوء والغسل والتيمم

- ‌المطلب الخامس فى الترجيح والاختيار

- ‌المبحث الثالث السواك

- ‌المطلب الأول فى تعريف السواك

- ‌المطلب الثانى فى حكم السواك ومذاهب العلماء فيه

- ‌الأدلة:

- ‌المطلب الثالث فى حكم السواك للصائم بعد الزوال وآراء الفقهاء فى ذلك

- ‌الأدلة:

- ‌المطلب الرابع فى الترجيح والاختيار

- ‌المطلب الخامس فى الاستياك بالأصبع وهل يجزئ فى السنة

- ‌مذاهب العلماء:

- ‌الأدلة:

- ‌الترجيح:

- ‌المطلب السادس فى كيفية استخدام السواك، والأوقات التى يندب فيها

- ‌كيفية الاستعمال:

- ‌وقت الاستعمال:

- ‌المبحث الرابع الغسل من الجنابة

- ‌المطلب الأول فى تحقيق ماهية الغسل من الجنابة

- ‌المطلب الثانى فى موقف الفقه الإسلامى فى الغسل من المنى إذا خرج عن محله ولم يندفع أو لم يظهر فى الخارج

- ‌سبب الخلاف:

- ‌الأدلة والتوجيه:

- ‌أدلة الفريق الأول:

- ‌أدلة الفريق الثانى:

- ‌أولًا "بحديث إنما الماء من الماء

- ‌ثانيًا الإجماع -على ما ادعاه الرافعى

- ‌أدلة الفريق الثالث:

- ‌أدلة الفريق الرابع:

- ‌أدلة القول الخامس:

- ‌الترجيح:

- ‌المطلب الثالث فى حكم الفقه الإسلامى من العمليات الجراحية التى يترتب عليها عدم تدفق المنى وعدم خروجه وهل يجب على المرء الغسل فى مثل هذه الحالات أم لا

- ‌أولًا: من الفقه الحنفى:

- ‌ثانيًا- من الفقه المالكى:

- ‌ثالثًا: من الفقه الشافعى:

- ‌رابعًا: من الفقه الحنبلى:

- ‌خامسًا: من فقه الشيعة الإمامية:

- ‌سادسًا: من فقه الشيعة الإباضية:

- ‌الترجيح والاختيار:

- ‌المبحث الخامس فى التيمم

- ‌المطلب الأول فى تعريف التيمم

- ‌سبب الخلاف

- ‌المطلب الثانى فى تاريخ التشريع للتيمم

- ‌المطلب الثالث فى عدد الضربات فى التيمم، والمقدار المجزئ فيه، ورأى الفقهاء فى ذلك

- ‌الأدلة:

- ‌الترجيح:

- ‌المطلب الرابع فى المقدار الواجب مسحه من أعضاء التيمم

- ‌مذاهب العلماء:

- ‌الأدلة:

- ‌ استدل الفريق الأول

- ‌أدلة الفريق الثانى

- ‌أدلة الفريق الثالث

- ‌توجيه الأدلة:

- ‌الترجيح:

- ‌المطلب الخامس فى حكم الاستيعاب فى أعضاء التيمم، و‌‌مذاهب العلماءفى ذلك

- ‌مذاهب العلماء

- ‌الأدلة:

- ‌توجيه الأدلة:

- ‌الترجيح والاختيار:

- ‌المبحث السادس فى بيع آلات اللهو والغناء. . وموقف التشريع الإسلامى منه

- ‌مذاهب العلماء فى بيع آلات اللهو والغناء:

- ‌الأدلة:

- ‌أولًا: الفريق الأول:

- ‌أولًا: من السنة:

- ‌ثانيًا: من الآثار:

- ‌الفريق الثانى:

- ‌أ- أما الكتاب منه:

- ‌ب- أما السنة فمنها:

- ‌جـ - الآثار:

- ‌أدلة القول الثالث:

- ‌توجيه الأدلة

- ‌أولًا: الفريق الأول:

- ‌ثانيًا: الفريق الثانى:

- ‌ثالثًا: الفريق الثالث:

- ‌4 - الترجيح والاختيار:

- ‌القول فى استماع الأوتار وآلاته:

- ‌المزامير وآلات الملاهى الأخرى:

الفصل: ‌ فصل فى لفظ الكلام

وعند ذكره لمتفرعات القاعدة يضع فى اعتباره القاعدة المذهبية والنظائر الفروعية. وبذلك يعرف الناظر فيه مآخذ ما نص عليه الأصحاب وفصّلوه، وتنبيه إلى استخراج ما أهملوه.

وهذا الفن ألفه الأسنوى بعد الفن السابق، وهو كيفية استخراج المسائل الفقهية من القواعد الأصولية، والذى ضمنه كتابه "التمهيد"، وقد أخذت التسمية فى الأخير من قول المؤلف:"ثم شرعت فى الثانى مستعينًا باللَّه تعالى، وسميته بـ "الكوكب الدرى" (1).

وحتى يتم للقارئ استيعابه لتصوره - نضع أمامه بعضًا مما فيه من هذه الدرر كنموذج لما احتواه الكتاب.

‌الباب الأول فى الأسماء:

وفيه فصول يشتمل كل منها على مسائل.

"‌

‌ فصل فى لفظ الكلام

":

اعلم أن لفظ الكلام فى اللغة اسم نجس يقع على القليل والكثير كذا صرح به الجوهرى، ثم زاده إيضاحًا فقال: يقع على الكلمة الواحدة وعلى الجماعة منها، بخلاف الكلم فإنه لا يكون أقل من ثلاث كلمات، انتهى. فعلى هذا إذا قلت: كلمت زيدًا. فمعناه وجهت الكلام إليه.

وقال ابن عصفور: الكلام فى أصل اللغة اسم لما يتكلم به من الجمل مفيدة كانت أو غير مفيدة. وما ذكره من كونه اسمًا لا مصدرًا موافق لما سبق عن الجوهرى. وحينئذ فيكون اسمًا للألفاظ أو مشتركًا بينها وبين المعانى النفسانية، وإما مقيدًا بالجمل فمخالف له ولغيره، وكأنه عبر بذلك نظرًا للغالب. هذا كله

(1) انظر: فى الكوكب الدرى نسخة دار الكتب رقم 459 أصول فقه من ص 5 وما بعدها.

ص: 169

إذا لم يستعمل استعمال المصدر كقولك: سمعت كلام زيد، وقوله تعالى:{حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ونحو ذلك. فإن استعمل استعماله، كقولك: كلمت زيدًا كلامًا. فاختلفوا فيه، كما قاله ابن الخباز فى شرح الجزولية، فقيل: إنه مصدر لأنهم أعملوه، فقالوا:"كلامى زيدًا حسن". . وقيل: إنه اسم مصدر، ونقله ابن الخشاب فى شرح جمل الجرجانى المسمى بـ "المرتجل عن المستفيد". والدليل على أنه اسم مصدرى: أن الفعل الماضى المستعمل من هذه المادة أربعة:

الأول: "كلّم" ومصدرها التكليم، كقوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (1) - وكذلك الكلام بكسر الكاف وتشديد اللام، كقوله تعالى:{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} (2) كذا قاله الجوهرى، ومقتضى كلامه أن الثانى مقيس ولكن نصر النحاة على خلافه.

الثانى: "تكلم"، ومصدره التكلم بضم اللام.

ومنه ما أنشده الخشاب: وننم بالأفعال لا بالتكلم.

الثالث: "كالم" ومصدره المكالمة، وكذا الكلام بكسر الكاف والتخفيف، كضارب مضاربة وضرابا، إلا أن الثانى لا ينقاس.

الرابع: "تكالم" ومصدره تكلمًا بضم اللام. فظهر بذلك أنه ليس مصدرًا بل اسم مصدر. ولم يتعرض فى "الارتشاف" لهذا الخلاف. ولمّا كان مقصود النحاة إنما هو البحث فى الألفاظ - ترجموا الكلام لا التكليم والتكلم والمكالمة ونحوها؛ لأنها مصادر، مدلولها توجيه الكلام إلى المستمع أو من فى حكم المستمع: كالنائم والساهى، يقال: كلمّه يكلمه تكليمًا، أى وجه الكلام إليه يوجهه توجيهًا.

فإن قيل: فما الفرق بين المصدر واسم المصدر؟ قلنا: فرّق "ابن يعيش" وغيره

(1) سورة النساء الآية: 164.

(2)

سورة النبأ الآية: 28.

ص: 170

بينهما، فقالوا: المصدر مدلوله الحدث، واسم المصدر مدلوله اللفظ، وذلك اللفظ يدل على الحدث. وهذا الفرق يأتى نحوه فى الفعل؛ كـ "اسكت" مع اسم الفعل كـ "صه".

وخالف بعضهم فقال: إن اسم الفعل واسم المصدر كالفعل والمصدر فى الدلالة. والأول الصواب الموافق لمدلول اللفظ. هذا كله فيما يتعلق بالكلام من جهة اللغة، فتفطن له؛ فإنه مشتمل على أمور مهمة.

وأما حدُّه عند النحاة: ففيه عبارتان، أحسنهما أنه: قول دال على نسبة إسنادية مقصودة لذاتها. واحترز بالإسنادية عن النسبة التقييدية، كنسبة الإضافة نحو:"غلام زيد"، ونسبة النعت نحو:"جاء الرجل الخياط". واحترز بالمقصودة لذاتها عن الجمل التى تقع صلة، نحو:"خرج أبوه" من قولك: "جاء الذى خرج أبوه".

إذا علمت ما ذكرناه من تفصيل الكلام لغة واصطلاحًا، وعلمت أنه يطلق فى اللغه على الكلمة الواحدة مستعملة كانت أم لا، وأن أقل ما يمكن أن تكون الكلمة على حرفين، وأن انتقال الكلام والكلمة إلى ما ذكره النحاة عرف لهم حادث فى اللغة -فيتفرع عليه ما قاله أصحابنا من إبطال الصلاة بذلك "أى بحرفين"؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام:"إن صلاتنا لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين" متناول له لغة كما تقدم، وعرفًا، فإن المغمى عليه ونحوه إذا نطق مثلا بقوله "اللَّه" ونحوه يقول الحاضرون قد تكلم، فتفطن لما ذكرته من المدارك، فإنه يشكل على كثير من الناس.

ويتفرع عليه أيضًا، ما إذا حلف لا يتكلم، فأتى بذلك. ولم أره لأصحابنا منقولًا.

مسألة: لا يشترط فى الكلام صدوره من ناطق واحد، ولا قصد المتكلم لكلامه، ولا إفادة المخاطب شيئًا يجهله، على الصحيح فى الثلاث، كما ذكره فى "الارتشاف".

ص: 171

فأما المسألة الأولى: فصورتها أن يتواطأ -مثلًا- شخصان على أن يقول أحدهما: زيد، ويقول الآخر: قائم.

ومن فروعها: ما إذا كان له وكيلان بإعتاق عبد أو وقفه أو غير ذلك، فاتفقا على أن يقول أحدهما -مثلا-:"هذا" ويقول الثانى: "حر". ولا أستحضر فيها الآن نقلًا.

ومنها: إذا قال: لى عليك ألف. فقال المدعى عليه: إلا عشرة، أو غير عشرة، ونحو ذلك. فهل يكون مقرًا بباقى الألف؟ فيه خلاف: قال فى "المعتمد" و"التتمة": المذهب أنه لا يكون مقرأ، ومدرك الخلاف ما ذكرناه، وعلله أيضًا فى "التتمة" بأنه لم يوجد منه إلا نفى بعض ما قاله خصمه، ونفى الشئ لا يدل على ثبوت غيره.

وأما المسألة الثانية: فحاصلها إدخال كلام الساهى، والنائم، والطيور، ونحو ذلك. وفائدتها من الفروع استحباب سجود التلاوة عند قراءة هؤلاء، إلا أن كلام أصحابنا مشعر بعدم الاستحباب فى الجميع.

ومن فوائده أيضًا: ما إذا حلف أنه لا يتكلم. وقد ذكره الرافعى فى أواخر تعليق الطلاق، فقال: إن هذى بكلمة نائمًا أو مغمى عليه -لم يحنث، وإن تكلم مجنونًا ففيه خلاف. والظاهر تخريجه على الجاهل ونحوه. وإن كان سكرانًا حنث، إلا إذا انتهى إلى السكر الطافح. هذا كلامه. والتفصيل بين الطافح وغيره طريقة للإمام الغزالى ارتضاها تارة وردها تارة أخرى.

وأما المسألة الثالثة: فينبنى عليها أيضًا ما إذا حلف لا يتكلم، فقال -مثلًا-: النار حارة، السماء فوق الأرض ونحو ذلك. ويؤيد عدم تسميته كلامًا عندنا، أنه إذا قال: واللَّه، لا أصعد السماء فإن يمينه لا ينعقد على الصحيح، كما قاله الرافعى فى كتاب الأيمان. وفائدته أن الحالف على ألا يحلف لا يحنث. وترجيحهم عدم الانعقاد مع تأكيد النسبة بالاسم المعظم - إلحاق للذى أتى به بعدم الكلام بالكلية.

ص: 172

مسألة: كما يطلق الكلام فى اللغة على اللفظ يطلق أيضًا على المعانى النفسية. والصحيح فى "الارتشاف" وغيره أنه إطلاق مجازى، وقيل: مشترك بينهما، وحكى غيره قولًا ثالثًا: أنه حقيقة فى النفسانى دون اللسانى.

إذا علمت ذلك: فمن فروع المسألة ما إذا حلف لا يتكلم أو يقرأ أو لا يذكر، فإنه لا يحنث إلا بما يتكلم به بلسانه دون ما يجريه على قلبه.

ومنها: قالوا فى حد الغيبة: إنها ذكر الشخص بما يكرهه، ثم قال الغزالى فى "الإحياء"، وتبعه عليه النووى فى "الأذكار": إنها تحصل بالقلب كما تحصل باللفظ.

ومنها: اختلاف أصحابنا فى قوله عليه الصلاة والسلام "فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إنى صائم"(1). هل يقول بقلبه أو بلسانه؟ فيه وجهان، جزم الرافعى بالأول فقال: قال الأئمة كذا وكذا. ومعناه أن يذكر نافسه بذلك يكرهه، فإنه لا معنى لذكره باللسان، إلا إظهار العبارة وهو رياء.

وقال النووى فى "الأذكار" وفى "لغات التنبيه": أظهر الوجهين أنه يقوله بلسانه. وقال فى شرح المهذب: إنه الأقوى، قال: فإن جمع بينهما فحسن. وقال: إنه يستحب تكراره مرتين أو ثلاثة؛ لأن ذلك أقرب إلى إمساك صاحبه عنه.

وحكى الرويانى فى البحر وجهًا واستحسنه: أنه إن كان صوم رمضان فيقول بلسانه، وإن كان نفلًا فيقول بقلبه.

وحذف فى الروضة ما نقله الرافعى فى المسألة.

ومنها صحة النذر بدون لفظ بل بالنية وحدها وفيه وجهان، أصحهما عدم الصحة.

مسألة: يطلق الكلام أيضًا على الكتابة والإشارة، وما يفهم من حال الشئ، إلا

(1) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه. وانظر: البخارى بشرح الكرمانى 9/ 87.

ص: 173

أن الصحيح كما قاله فى "الارتشاف": إنه إطلاق مجازى، وليس من باب الاشتراك. إذا علمت ذلك:

فمن فروع المسألة: ما إذا حلف لا يكلمه فكاتبه أو أشار إليه. فإن فيه قولين مشهورين: أصحهما عدم الحنث لما ذكرناه.

ومنها: من له زوجتان، إذا قال: إحداهما طالق. وأشار إلى واحدة منهما - فإن الطلاق يقع عليها، كما ستعرفه بعد هذا فى أثناء كلام ننقله عن الرافعى.

ومنها: إذا كان قادرا على النطق فكتب (زوجتى فلانه طالق) ولم ينو - فالصحيح أن الطلاق لا يقع. فإن نوى، فوجوه: أصحها وقوعه. وثالثها يقع من الغائب دون الحاضر.

ويجرى ما ذكرناه جميعه فى البيع ونحوه.

واعلم أنّا حيث شرطنا النية ههنا، فالقياس اشتراطها فى جميع اللفظ الذى لابد منه لا فى لفظ الطلاق خاصة؛ لأنا إنما اشترطنا النية فيه لكونه غير ملفوظ به لا لانتفاء الصراحة فيه، وهذا المعنى موجود فى الجميع. وحينئذ فينوى الزوجة حين يكتب: زوجتى، والطلاق حين يكتب: طالق. فلو كان له زوجتان فإن عين واحدة بقلبه فلا كلام، وإن لما يعين نظر: إن ابتغى التعيين فى خطه أيضًا عين بعد ذلك ما أراد فيهما. وإن عين فى الخط فالقياس أنه لابد أن ينوى المعينة أيضًا عند كتابتها، وإن لم ينوها فلا أثر لتعيينها بالخط. نعم حكى الرافعى وجهين من غير ترجيح فيما لو كان له زوجتان، فقال: امرأتى طالق. وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى:

أحدهما: نقبل ذلك منه.

والثانى: لا، بل يطلقان جميعًا، فيتجه جريان الوجهين هنا؛ لأن التعيين بالخط لا يتقاعد عن الإشارة، وقد علم من كلام الرافعى هذا أن الإشارة إذا لم يغاير منها شئ يؤخذ بها، وهذا هو الكلام الذى سبق فى المثال السابق الوعد بذكره.

ص: 174