الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعند ذكره لمتفرعات القاعدة يضع فى اعتباره القاعدة المذهبية والنظائر الفروعية. وبذلك يعرف الناظر فيه مآخذ ما نص عليه الأصحاب وفصّلوه، وتنبيه إلى استخراج ما أهملوه.
وهذا الفن ألفه الأسنوى بعد الفن السابق، وهو كيفية استخراج المسائل الفقهية من القواعد الأصولية، والذى ضمنه كتابه "التمهيد"، وقد أخذت التسمية فى الأخير من قول المؤلف:"ثم شرعت فى الثانى مستعينًا باللَّه تعالى، وسميته بـ "الكوكب الدرى" (1).
وحتى يتم للقارئ استيعابه لتصوره - نضع أمامه بعضًا مما فيه من هذه الدرر كنموذج لما احتواه الكتاب.
الباب الأول فى الأسماء:
وفيه فصول يشتمل كل منها على مسائل.
"
فصل فى لفظ الكلام
":
اعلم أن لفظ الكلام فى اللغة اسم نجس يقع على القليل والكثير كذا صرح به الجوهرى، ثم زاده إيضاحًا فقال: يقع على الكلمة الواحدة وعلى الجماعة منها، بخلاف الكلم فإنه لا يكون أقل من ثلاث كلمات، انتهى. فعلى هذا إذا قلت: كلمت زيدًا. فمعناه وجهت الكلام إليه.
وقال ابن عصفور: الكلام فى أصل اللغة اسم لما يتكلم به من الجمل مفيدة كانت أو غير مفيدة. وما ذكره من كونه اسمًا لا مصدرًا موافق لما سبق عن الجوهرى. وحينئذ فيكون اسمًا للألفاظ أو مشتركًا بينها وبين المعانى النفسانية، وإما مقيدًا بالجمل فمخالف له ولغيره، وكأنه عبر بذلك نظرًا للغالب. هذا كله
(1) انظر: فى الكوكب الدرى نسخة دار الكتب رقم 459 أصول فقه من ص 5 وما بعدها.
إذا لم يستعمل استعمال المصدر كقولك: سمعت كلام زيد، وقوله تعالى:{حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} ونحو ذلك. فإن استعمل استعماله، كقولك: كلمت زيدًا كلامًا. فاختلفوا فيه، كما قاله ابن الخباز فى شرح الجزولية، فقيل: إنه مصدر لأنهم أعملوه، فقالوا:"كلامى زيدًا حسن". . وقيل: إنه اسم مصدر، ونقله ابن الخشاب فى شرح جمل الجرجانى المسمى بـ "المرتجل عن المستفيد". والدليل على أنه اسم مصدرى: أن الفعل الماضى المستعمل من هذه المادة أربعة:
الأول: "كلّم" ومصدرها التكليم، كقوله تعالى:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} (1) - وكذلك الكلام بكسر الكاف وتشديد اللام، كقوله تعالى:{وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا} (2) كذا قاله الجوهرى، ومقتضى كلامه أن الثانى مقيس ولكن نصر النحاة على خلافه.
الثانى: "تكلم"، ومصدره التكلم بضم اللام.
ومنه ما أنشده الخشاب: وننم بالأفعال لا بالتكلم.
الثالث: "كالم" ومصدره المكالمة، وكذا الكلام بكسر الكاف والتخفيف، كضارب مضاربة وضرابا، إلا أن الثانى لا ينقاس.
الرابع: "تكالم" ومصدره تكلمًا بضم اللام. فظهر بذلك أنه ليس مصدرًا بل اسم مصدر. ولم يتعرض فى "الارتشاف" لهذا الخلاف. ولمّا كان مقصود النحاة إنما هو البحث فى الألفاظ - ترجموا الكلام لا التكليم والتكلم والمكالمة ونحوها؛ لأنها مصادر، مدلولها توجيه الكلام إلى المستمع أو من فى حكم المستمع: كالنائم والساهى، يقال: كلمّه يكلمه تكليمًا، أى وجه الكلام إليه يوجهه توجيهًا.
فإن قيل: فما الفرق بين المصدر واسم المصدر؟ قلنا: فرّق "ابن يعيش" وغيره
(1) سورة النساء الآية: 164.
(2)
سورة النبأ الآية: 28.
بينهما، فقالوا: المصدر مدلوله الحدث، واسم المصدر مدلوله اللفظ، وذلك اللفظ يدل على الحدث. وهذا الفرق يأتى نحوه فى الفعل؛ كـ "اسكت" مع اسم الفعل كـ "صه".
وخالف بعضهم فقال: إن اسم الفعل واسم المصدر كالفعل والمصدر فى الدلالة. والأول الصواب الموافق لمدلول اللفظ. هذا كله فيما يتعلق بالكلام من جهة اللغة، فتفطن له؛ فإنه مشتمل على أمور مهمة.
وأما حدُّه عند النحاة: ففيه عبارتان، أحسنهما أنه: قول دال على نسبة إسنادية مقصودة لذاتها. واحترز بالإسنادية عن النسبة التقييدية، كنسبة الإضافة نحو:"غلام زيد"، ونسبة النعت نحو:"جاء الرجل الخياط". واحترز بالمقصودة لذاتها عن الجمل التى تقع صلة، نحو:"خرج أبوه" من قولك: "جاء الذى خرج أبوه".
إذا علمت ما ذكرناه من تفصيل الكلام لغة واصطلاحًا، وعلمت أنه يطلق فى اللغه على الكلمة الواحدة مستعملة كانت أم لا، وأن أقل ما يمكن أن تكون الكلمة على حرفين، وأن انتقال الكلام والكلمة إلى ما ذكره النحاة عرف لهم حادث فى اللغة -فيتفرع عليه ما قاله أصحابنا من إبطال الصلاة بذلك "أى بحرفين"؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام:"إن صلاتنا لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين" متناول له لغة كما تقدم، وعرفًا، فإن المغمى عليه ونحوه إذا نطق مثلا بقوله "اللَّه" ونحوه يقول الحاضرون قد تكلم، فتفطن لما ذكرته من المدارك، فإنه يشكل على كثير من الناس.
ويتفرع عليه أيضًا، ما إذا حلف لا يتكلم، فأتى بذلك. ولم أره لأصحابنا منقولًا.
مسألة: لا يشترط فى الكلام صدوره من ناطق واحد، ولا قصد المتكلم لكلامه، ولا إفادة المخاطب شيئًا يجهله، على الصحيح فى الثلاث، كما ذكره فى "الارتشاف".
فأما المسألة الأولى: فصورتها أن يتواطأ -مثلًا- شخصان على أن يقول أحدهما: زيد، ويقول الآخر: قائم.
ومن فروعها: ما إذا كان له وكيلان بإعتاق عبد أو وقفه أو غير ذلك، فاتفقا على أن يقول أحدهما -مثلا-:"هذا" ويقول الثانى: "حر". ولا أستحضر فيها الآن نقلًا.
ومنها: إذا قال: لى عليك ألف. فقال المدعى عليه: إلا عشرة، أو غير عشرة، ونحو ذلك. فهل يكون مقرًا بباقى الألف؟ فيه خلاف: قال فى "المعتمد" و"التتمة": المذهب أنه لا يكون مقرأ، ومدرك الخلاف ما ذكرناه، وعلله أيضًا فى "التتمة" بأنه لم يوجد منه إلا نفى بعض ما قاله خصمه، ونفى الشئ لا يدل على ثبوت غيره.
وأما المسألة الثانية: فحاصلها إدخال كلام الساهى، والنائم، والطيور، ونحو ذلك. وفائدتها من الفروع استحباب سجود التلاوة عند قراءة هؤلاء، إلا أن كلام أصحابنا مشعر بعدم الاستحباب فى الجميع.
ومن فوائده أيضًا: ما إذا حلف أنه لا يتكلم. وقد ذكره الرافعى فى أواخر تعليق الطلاق، فقال: إن هذى بكلمة نائمًا أو مغمى عليه -لم يحنث، وإن تكلم مجنونًا ففيه خلاف. والظاهر تخريجه على الجاهل ونحوه. وإن كان سكرانًا حنث، إلا إذا انتهى إلى السكر الطافح. هذا كلامه. والتفصيل بين الطافح وغيره طريقة للإمام الغزالى ارتضاها تارة وردها تارة أخرى.
وأما المسألة الثالثة: فينبنى عليها أيضًا ما إذا حلف لا يتكلم، فقال -مثلًا-: النار حارة، السماء فوق الأرض ونحو ذلك. ويؤيد عدم تسميته كلامًا عندنا، أنه إذا قال: واللَّه، لا أصعد السماء فإن يمينه لا ينعقد على الصحيح، كما قاله الرافعى فى كتاب الأيمان. وفائدته أن الحالف على ألا يحلف لا يحنث. وترجيحهم عدم الانعقاد مع تأكيد النسبة بالاسم المعظم - إلحاق للذى أتى به بعدم الكلام بالكلية.
مسألة: كما يطلق الكلام فى اللغة على اللفظ يطلق أيضًا على المعانى النفسية. والصحيح فى "الارتشاف" وغيره أنه إطلاق مجازى، وقيل: مشترك بينهما، وحكى غيره قولًا ثالثًا: أنه حقيقة فى النفسانى دون اللسانى.
إذا علمت ذلك: فمن فروع المسألة ما إذا حلف لا يتكلم أو يقرأ أو لا يذكر، فإنه لا يحنث إلا بما يتكلم به بلسانه دون ما يجريه على قلبه.
ومنها: قالوا فى حد الغيبة: إنها ذكر الشخص بما يكرهه، ثم قال الغزالى فى "الإحياء"، وتبعه عليه النووى فى "الأذكار": إنها تحصل بالقلب كما تحصل باللفظ.
ومنها: اختلاف أصحابنا فى قوله عليه الصلاة والسلام "فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إنى صائم"(1). هل يقول بقلبه أو بلسانه؟ فيه وجهان، جزم الرافعى بالأول فقال: قال الأئمة كذا وكذا. ومعناه أن يذكر نافسه بذلك يكرهه، فإنه لا معنى لذكره باللسان، إلا إظهار العبارة وهو رياء.
وقال النووى فى "الأذكار" وفى "لغات التنبيه": أظهر الوجهين أنه يقوله بلسانه. وقال فى شرح المهذب: إنه الأقوى، قال: فإن جمع بينهما فحسن. وقال: إنه يستحب تكراره مرتين أو ثلاثة؛ لأن ذلك أقرب إلى إمساك صاحبه عنه.
وحكى الرويانى فى البحر وجهًا واستحسنه: أنه إن كان صوم رمضان فيقول بلسانه، وإن كان نفلًا فيقول بقلبه.
وحذف فى الروضة ما نقله الرافعى فى المسألة.
ومنها صحة النذر بدون لفظ بل بالنية وحدها وفيه وجهان، أصحهما عدم الصحة.
مسألة: يطلق الكلام أيضًا على الكتابة والإشارة، وما يفهم من حال الشئ، إلا
(1) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه. وانظر: البخارى بشرح الكرمانى 9/ 87.
أن الصحيح كما قاله فى "الارتشاف": إنه إطلاق مجازى، وليس من باب الاشتراك. إذا علمت ذلك:
فمن فروع المسألة: ما إذا حلف لا يكلمه فكاتبه أو أشار إليه. فإن فيه قولين مشهورين: أصحهما عدم الحنث لما ذكرناه.
ومنها: من له زوجتان، إذا قال: إحداهما طالق. وأشار إلى واحدة منهما - فإن الطلاق يقع عليها، كما ستعرفه بعد هذا فى أثناء كلام ننقله عن الرافعى.
ومنها: إذا كان قادرا على النطق فكتب (زوجتى فلانه طالق) ولم ينو - فالصحيح أن الطلاق لا يقع. فإن نوى، فوجوه: أصحها وقوعه. وثالثها يقع من الغائب دون الحاضر.
ويجرى ما ذكرناه جميعه فى البيع ونحوه.
واعلم أنّا حيث شرطنا النية ههنا، فالقياس اشتراطها فى جميع اللفظ الذى لابد منه لا فى لفظ الطلاق خاصة؛ لأنا إنما اشترطنا النية فيه لكونه غير ملفوظ به لا لانتفاء الصراحة فيه، وهذا المعنى موجود فى الجميع. وحينئذ فينوى الزوجة حين يكتب: زوجتى، والطلاق حين يكتب: طالق. فلو كان له زوجتان فإن عين واحدة بقلبه فلا كلام، وإن لما يعين نظر: إن ابتغى التعيين فى خطه أيضًا عين بعد ذلك ما أراد فيهما. وإن عين فى الخط فالقياس أنه لابد أن ينوى المعينة أيضًا عند كتابتها، وإن لم ينوها فلا أثر لتعيينها بالخط. نعم حكى الرافعى وجهين من غير ترجيح فيما لو كان له زوجتان، فقال: امرأتى طالق. وأشار إلى إحداهما، ثم قال: أردت الأخرى:
أحدهما: نقبل ذلك منه.
والثانى: لا، بل يطلقان جميعًا، فيتجه جريان الوجهين هنا؛ لأن التعيين بالخط لا يتقاعد عن الإشارة، وقد علم من كلام الرافعى هذا أن الإشارة إذا لم يغاير منها شئ يؤخذ بها، وهذا هو الكلام الذى سبق فى المثال السابق الوعد بذكره.