الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما اهتم كذلك بالنحو وأصوله، وألف فى ذلك كتابه المهم "الكوكب الدرى" بل وصل به المطاف إلى التأليف فى أغلب أصول العلم وفروعه.
وسنحصى الكلام فيما يأتى عن فقهه حيث هو الذى يعنينا فى هذا النطاق.
7 - الإمام الأسنوى الفقيه: (فقهه):
لقد بلغ الأسنوى فى الفقه مرتبة لا يضاهيه فيها أحد من أهل زمانه، فلقد اهتم به واشتغل فيه؛ فحقق، ودقق، وهذب وصنف، وألف حتى نال درجة الاجتهاد فى المذهب (1).
ولئن كان علماء تاريخ التشريع الفقهى يقدرون أن الإمام النووى هو آخر المحققين، ومن به درجة الترجيح من أصحاب الشافعى -فإننى أنقض هذا بالإمام الأسنوى الذى تحققت فيه هذه الدرجة، وذلك بالعوامل الكثيرة التى توافرت له وجعلته يحتل هذه المرتبة بجدارة.
يقول ابن الصلاح فى فتاويه: "إن الشيخ أبا إسحاق وإمام الحرمين والغزالى مجتهدون مقيدون. وهذا هو ضابط أصحاب الوجوه"(2). ويقول الأسنوى: "وقد اتفق لى مثل هذا فى ثلاثة تصانيف فيما صنفته فى هذا المعنى.
أحدها: مع النووى فى كتابى المسمى بـ "التنقيح فى الاستدراك على التصحيح".
والثانى: مع ابن الرفعة فى كتابى المسمى بـ "الهداية إلى أوهام الكفاية".
والثالث: مع الرافعى، والنووى فى كتابى "المهمات" الذى يتعين تحصيله على كل فقيه شافعى خصوصًا القضاة والمفتين والمدرسين".
وبهذا يكون الأسنوى قد بلغ فى الفقه مرتبة الأئمة الذين لا خلاف بين العلماء
(1) راجع ما كتبه الأسنوى عن نفسه فى كتابه "المهمات" ص 3، والكوكب الدرى ص 4.
(2)
المرجع السابق.
على أنهم من مجتهدى المذهب، وبقولهم يفتى ويؤخذ، كالرافعى، والنووى، وابن الحداد.
وبلغ من شدة حرصه على العلم وتحقيقه للمذهب أنه قد اطلع على جميع كتب المتقدمين عليه والمحدثين مما لا يقع تحت حصر، بل بلغ به المطاف اطلاعه على ما لم يطلع عليه أشهر أئمة المذهب، وهما: الرافعى، والنووى.
يقول الأسنوى فى مؤلفاتهما -ويمثل بالشرح الكبير للرافعى والروضة للنووى: "إنها قد حوت من الأمور الخفية المخالفة للمذهب" وفيها من القوائل القديمة المشارك، والدسائس الخفية المدارك مما لا يهتدى إليها إلا من يسره اللَّه لذلك، وهيأه لما هنالك. فقطع عنه القواطع والعوائق، ودفع عنه الموانع. وانتصب للفحص، ولازم النظر، وألف السهاد ودوام السهر، وأمعن النظر فى نصوص الشافعى المتفرقة، وتتبع كتب الأصحاب طبقة بعد طبقة، وعمر بمطالعتها عمره، وبمراجعتها دهره، وأكثر التفتيش والتنقيب والتردد إلى الباب بعد الباب" (1).
هذه الأسباب، بزيادات قد تيسرت للإمام الأسنوى، فهو يقول:"وقد تيسر لى -بحمد اللَّه- مع ذلك من مؤلفات الشافعى وأصحابه وخصوصًا الأقدمين منهم ما لم يطرق بالكلية أذن أكثر المكثرين، ولم أعلمه قد اجتمع فى مدينتنا عند أحد العصريين، هذا وهى اليوم أعظم مدن الإسلام، ومجمع العلم وموطن الأعلام، ومحط رحال أولى المحابر والأقلام"(2). "وقد تيسر لى -بحمد اللَّه تعالى- ما وقف عليه النووى من هذه النصوص بزيادة الإملاء والأمالى، ونهاية الاختصار للمزنى وهو عزيز الوجود"(3).
وإذا أخذنا نموذجًا لمؤلفاته فى الفقه ورجعنا إلى كتابه المهمات كأحد هذه النماذج، لظهر لنا أنه قد اطلع على جميع الكتب التى ظهرت فى مذهب الشافعى، بنفسه، وكان يقتنى من كل مؤلف، نسخه بمكتبته التى حَوَت نفائس الكتب فى جميع الفنون، حتى أخرج لنا كتابه "المهمات" الذى لا غنى عنه لكل فقيه شافعى.
(1) المرجع السابق: ص 2، 3.
(2)
المرجع السابق.
(3)
المرجع السابق: ص 8.
يقول الأسنوى (1): "فهذه الكتب التى وقعت عليها ونقلت منها بغير واسطة إلى حالة وضع هذا الفصل على نقصان فى نحو العشرين منها نقصانًا متفاوتًا بالنسبة إلى القلة والكثرة -وذكر لنا حوالى 160 مائة وستين كتابًا- وغالبها جارية فى ملكى -بحمد اللَّه تعالى- وذلك كله خارج عن كتب النووى فمن بعده إلى زمننا. وفى ظنى أن هذا العدد لم يتيسر الوقوف عليه لأحد ممن صنف الفروع، فإنك إذا استقريت كتب الشافعية المنقولة وجدت الرافعى أكثرهم اطلاعًا على المصنفات، مع أنه رحمه الله كان شديد التثبت والاحتراز فى النقل، لا يطلق نقلا من كتاب إلا إذا رآه فيه، فإن لم يقف عليه عزاه إلى حاكيه، وغالب ما وقف عليه الرافعى إنما هو من الطبقات المتأخرة عن الأربعمائة إلى زمانه.
وأما المتقدمة عليها فنادر جدًا، لاسيما كتب الشافعى نفسه، بل فإنه أيضًا مما بعد الأربعمائة أصول كثيرة هى أمهات مطولات، ككتاب التقريب وتعليق البندنيجى، وكتب الفورانى، وتعليق القاضى أبى الطيب، وأكثر تعليق الشيخ أبى حامد، والحاوى للماوردى، وكتب الدارمى كلها، وكتب سليم الرازى جميعها، وكتب الشيخ نصر المقدسى بأسرها، وعدة أبى الحسين الطبرى، وغير ذلك مما لا يخطر بالبال" (2).
(1) المرجع السابق ص: 21، 22.
(2)
راجع ما كتبه الأسنوى عن ذلك فى مقدمة كتابه "المهمات"، وقد ذكر جميع هذه الكتب، وهى من الكثرة بحيث اكتفينا بالإشارة إليها من التطويل فى هذا المقام.