الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومثله قول الشافعى -رضى اللَّه عنه-: "ما وجدت عليه متقدمى أهل المدينة فلا يدخل قلبك شك أنه الحق"(1).
المزامير وآلات الملاهى الأخرى:
وأما القول فى المزامير والملاهى، فقد وردت الأحاديث الصحيحة بجواز استماعها، فمن ذلك:
ما روى عن على بن أبى طالب -رضى اللَّه عنه- قال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: "ما هممت بشئ مما كان أهل المدينة يفعلونه غير مرتين، كل ذلك يحول بينى وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بعدها بشئ حتى أكرمنى اللَّه عز وجل برسالته"(2).
وهذا الأمر وإن كان قبل النبوة والرسالة، ونزول الأحكام أو الفرق بين الحلال والحرام، فإن الشرع كما ورد وأمره اللَّه عز وجل بالبلاغ والإنذار أقره اللَّه على ما كان عليه فى الجاهلية، ولم يحرّمه كما حرم ما عصمه اللَّه عنه مما همّ به فى كلتا الليلتين، وعصمه عن ذلك الأمر (3).
والذى يدل على أنه باق على الإباحة، قول اللَّه عز وجل:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (4).
وبيان ذلك ما روى عن جابر قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يخطب قائمًا ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائمًا. يخطب خطبتين. وكن الجوارى إذا أنكحوهن يمرون يضربون بالدف والمزامير فيتسلل الناس، ويدعون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قائمًا فعاتبهم اللَّه عز وجل فقال:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} (5).
(1) مناقب الشافعى: ص 196 تحقيق الدكتور عبد الغنى عبد الخالق.
(2)
الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه، وانظر: البخارى بشرح القارئ 19/ 108.
(3)
السماع: ص 71.
(4)
سورة الجمعة الآية: 11.
(5)
انظر: البخارى: 6/ 247، ومسلم: باب الجمعة 589/ 590.
واللَّه عز وجل عطف اللهو على التجارة، وللمعطوف حكم المعطوف عليه، وتحليل التجارة بالإجماع، فيثبت أن هذا الحكم مما أقره الشرع على ما كان عليه فى الجاهلية؛ لأنه غير محتمل أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم حرمه ثم يمر به على باب المسجد يوم الجمعة، ثم يعاتب اللَّه عز وجل من ترك رسول صلى الله عليه وسلم قائمًا، وخرج ينظر إليه ويستمع. ولم ينزل فى تحريمه آية ولا سنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئًا، فعلمنا بذلك بقاءه على حاله (1).
ويؤيد ذلك ما روى من طريق البخارى، عن عائشة فى كتاب النكاح. أنها زَفَّت امرأة من الأنصار إلى رجل من الأنصار، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أما كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو"(2).
وما روى فى التلخيص على المستدرك للحاكم من حديث عبد اللَّه بن عميرة، قال: حدثني زوج درة (3) بنت أبى لهب قال: دخل على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين تزوجت درة، فقال:"وهل من لهو"(4). وبذلك استدل القيصرانى على الإباحة فقال:
فثبت بهذه الأحاديث الصحيحة ما قلناه وهو الإباحة، ومن صنف فى الرد على مستمعه إنما اعتمد على أن فلانًا كرهه، وأن فلانًا حرمه، أو باستدلال حديث لا أصل له، وليس لأحد إذا صح الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا. وقد ورد فى هذا الباب غير حديث يدل على الجواز.
فإن قيل تروون عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تشهد الملائكة من لهوكم هذا إلا الرهان والنضال.
فيجاب: بأن هذا الحديث فيه ضعف، والذى صح وأخرجه الحاكم: "ما من
(1) السماع: ص 33.
(2)
البخارى: 20/ 148.
(3)
هو عبد اللَّه بن عمر كما فى التقريب: 2/ 558، وراجع السماع: ص 77.
(4)
هذا الحديث لم يخرجه الحاكم وإنما ورد فى التلخيص على المستدرك: 2/ 184 من رواية البخارى ومسلم عن عائشة، قالت: نقلت امرأة من الأنصار إلى زوجها، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"هل كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يحبون اللهو".
شئ تحضره الملائكة من اللهو إلا ثلاثة: مداعبة الرجل مع امرأته، وإجراء الخيل، والنضال"، وهذا ما أجاب به صاحب كتاب السماع (1).
وبناء على هذا فإننى أرجح مذهب الفريق الثانى، وهو المذهب القائل بجواز بيع آلات الغناء المباح، وذلك لقوة أدلته، ولأن ذلك هو الموافق لروح الشريعة الإسلامية، فإنه لا يلزم من شراء آلة اللهو أن تستعمل فيما حرمه اللَّه؛ لأن الحرمة ليست صادرة من ذات الآلة بل لمعنى خارجى عنها، وهو اللهو أو الغناء، وذلك على فرض الحرمة، فإذا لم يتحقق ذلك فهى مباحة فى نفسها (2)، أما كون البيع مظنة لذلك فيمكن أن نقول:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" كما هو الحديث المتفق على صحته (3).
فمن نوى باستماع الغناء عونًا على معصية اللَّه -تعالى- فهو فاسق، وكذلك كل شئ غير الغناء، ومن نوى به ترويح نفسه ليتقوى بذلك على طاعة اللَّه عز وجل وتنشيط نافسه بذلك على تنفيذ أوامر اللَّه، فهو مطيع محسن وفعل هذا من الحق (4).
وقد كان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حمار يتروح عليه. (5) وعن ابن عباس -رضى اللَّه عنه- أنه كان يقول لأصحابه إذا دأبوا فى الدرس -أحمضو ا: ميلوا إلى الفكاهة- وهاتوا من أشعاركم، فإن النفس تمل كما تمل الأبدان".
وفى صحف إبراهيم عليه السلام: "على العبد أن يكون له ثلاث ساعات:
(1) السماع ص 73 والحديث لم أجده بهذا اللفظ، ولم أجده عند الحاكم فى المستدرك. وإنما قد وجد عند أبى داود فى باب الجهاد ومسند ابن حنبل فى باب الخيل: ليس اللهو من اللهو إلا فى ثلاث. وذكر بقية الحديث. وانظر: المعجم المفهرس: 4/ 146.
(2)
الإحياء: 6/ 1124.
(3)
الحديث أخرجه النسائى فى سننه فى كتاب الطلاق، عن علقمة، عن عمر -رضى اللَّه عنه- وراجع سنن النسائي 2/ 101 ونص الحديث:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
(4)
المحلى: 9/ 60.
(5)
الحديث أخرجه مسلم، وانظر: المعجم المفهرس: 11/ 315.
ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلى فيها بين نفسه ولذاته فيما يحل ولا يحرم" (1).
فإن فعل الإنسان ما فيه ترويح لنفسه فى الحدود المباحة له شرعًا ليس بمحظور عليه، وهو من الحق ما دام قاصدًا الصلاح.
أما من لم ينو طاعة ولا معصية فهو لغو معفو عنه، كخروج الإنسان إلى بستانه متنزهًا، وقعوده على باب داره متفرجًا، وكذا سائر أفعاله المباحة.
فالمباح فى نفسه فى بعض الأحيان قد يكون حرامًا، ومثال ذلك السير أو الجلوس فى الطريق العام، فمع أن السير أو الجلوس فى هذه الحالة مباح إلا أنه قد يكون حرامًا، وذلك إذا لم يعط الطريق حقها، كالنظر إلى ما حرمه اللَّه، وعدم غض البصر. وكذلك الأكل والشرب مما أحله اللَّه وهو مباح فى نفسه، أما إذا وصل إلى مرحلة يتأكد منها ضرر نفسه أصبح محرمًا عليه ذلك فى هذه الحالة.
والحرام فى نفسه قد يحل فى بعض الأحيان، فمثلًا الخمر حرام فى نفسها، ومع ذلك فإنها تحل لمن غص بلقمة ولم يجد غيرها لإزالة غصته، فالخمر وإن كانت محرمة أصلًا إلا أنها أبيحت هنا لعارض الحاجة والضرورة. وما يكون لعارض فلا يلتفت إليه، فإن البيع حلال ولكنه يحرم بعارض الوقوع فى وقت النداء يوم الجمعة ونحوه من العوارض.
وعلى ذلك فالشئ قد يكون حرامًا، وقد يكون حلالًا بحسب، ما يترتب عليه من أثر (2).
فالغناء وسماع آلاته لو خرج السماع فيها عن اللهو المحرم لم يحرم -والمراد باللهو المحرم ما يوجب الفجور والفسوق والفحشاء ونحو ذلك- لا مطلق الغفلة عن اللَّه -تعالى- لوجودها فى المباحات (3).
(1) النابلسي "إيضاح الدلالات": ص: 28.
(2)
يراجع الغزالى، (الإحياء): 6/ 1127، 1152 وما بعدها.
(3)
إيضاح الدلالات: ص 41.
فمن سمع هذه الأشياء من غير حضور شئ من المحرمات، وهو حافظ قلبه من الخواطر الرديئة، والشهوات المحرمة فلا يحرم عليه السماع المذكور ما دام كذلك، أما إذا عقل وعزم قلبه على شهواته المحرمة حرم عليه السماع حينئذ.
فأمر السماع دائر على مقاصد القلب المحرمة والمحللة. فمتى مال القلب إلى الحرام مال السماع فى حقه هو فقط إلى الحرام، ولا يجوز له أن يحكم على غيره بما فيه. ومتى مال القلب عن الحرام إلى المباح مال فى حقه فقط لا فى حق سواه (1).
وقد رجع الإمام الشافعى -رضى اللَّه عنه- عن قوله فى تحريم الغناء والسماع، وما روى عنه بالتحريم فقد رجع عنه بعد ذلك (2).
يقول الإمام الغزالى: "وأما الشافعى -رضى اللَّه عنه- فليس تحريم الغناء من مذهبه أصلًا. وقد نصر الشافعى وقال فى الرجل يتخذه صناعة: لا تجوز شهادته، وذلك لأنه من اللهو المكروه، الذى يشبه الباطل. ومن اتخذه صنعة كان منسوبًا إلى السفاهة، وسقوط المروءة، وإن لم يكن محرمًا بين التحريم، فإن كان لا ينسب نفسه إلى الغناء ولا يؤتى لذلك، ولا يؤتى لأجله، وإنما يعرف بأنه قد يطرب فى الحال فيترنم بها -لم يسقط هذا مروءته، ولم يبطل شهادته، واستدل بحديث الجاريتين اللتين كانتا تغنيان فى بيت عائشة -رضى اللَّه عنها- (3).
وقال يونس بن عبد الأعلى: سألت الشافعى -رضى اللَّه عنه- عن إباحة أهل المدينة السماع، فقال الشافعى: لا أعلم أحدًا من علماء الحجاز كره السماع، إلا ما كان منه فى الأوصاف، فأما الحداء، وذكر الأطلال، والمراح، وتحسين الصوت بألحان الأشعار - فمباح" (4).
وحيث قال الشافعى إنه لهو مكروه يشبه الباطل صحيح، ولكن اللهو من حيث إنه لهو ليس بحرام، فلعب الحبشة ورقصهم لهو. وقد كان صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ولا يكرهه. بل اللهو واللغو لا يؤاخذ اللَّه -تعالى- به إن عنى به أنه فعل ما لا فائدة فيه،
(1) إيضاح الدلالات: ص 41.
(2)
المرجع السابق.
(3)
راجع الإحياء: -/ 1147 وما بعدها.
(4)
المرجع السابق.
فإن الإنسان لو وقف على نفسه من يضع يده على رأسه فى اليوم مائة مرة فهذا عبث لا فائدة له. ولكنه لا يحرم. وأما قول الشافعى: إنه يشبه الباطل. فهذا لا يدل على اعتقاد تحريمه، بل لو قال هو باطل صريحًا لما دل أيضًا على التحريم، وإنما يدل على خلوه عن الفائدة، فالباطل ما لا فائدة فيه (1).
فقول الرجل لامرأته مثلا: بعت نفسى منك، وقولها: اشتريت. عقد باطل مهما كان القصد اللعب والمطايبة، وليس بحرام إلا إذا قصد به التمليك المحقق الذى منع الشرع منه.
وأما قوله مكروه فينزل على بعض المواضع التى ذكرت، أو ينزل على التنزيه. فقد نص على إباحة لعب الشطرنج، وذكر: إنى أكره كل لعب، وتعليله يدل عليه، فإنه قال: ليس ذلك من عادة ذوى الدين والمروءة، فهذا يدل على التنزيه لا التحريم.
وأما ردّ الشافعى الشهادة بالمواظبة عليه فلا يدل على تحريمه، أيضًا بل قد ترد الشهادة بالأكل فى السوق، وتخرم المروءة، بل الحياكة مباحة وليست من صنائع ذوى المروءة، وقد ترد شهادة المعترف بالحرفة.
فتعليله يدل على أنه أراد بالكراهة التنزيه.
وهذا هو الظن أيضًا بغيره من كبار الأئمة، فإن أرادوا التحريم فما ذكرناه حجة عليهم (2).
والمواظبة على اللهو جناية، وكما أن الصغيرة بالإصرار والمداومة عليها تعتبر كبيرة، فكذلك بعض المباحات بالمداومة عليها تصير صغيرة، ومن هذا القبيل اللعب بالشطرنج، فإنه مباح، ولكن المواظبة عليه مكروهة كراهية شديدة (3).
ويذكر لنا الطب الحديث (4) من أضرار المواظبة على اللعب بالشطرنج الأمراض الآتية:
(1) المرجع السابق.
(2)
يراجع الإحياء: 6/ 1147 وما بعدها.
(3)
المرجع السابق.
(4)
راجع: عن دار الهلال (طبيبك الخاص) إبريل سنة 1971 م ص: 86 وما بعدها.
1 -
تصلب الشرايين وزيادة الكولسترول فى الدم.
2 -
زيادة ضغط الدم المرضية وتدهور النشاط الوظيفى للجسم عامة.
3 -
زيادة عدد ضربات القلب وزيادة احتمالات الإصابة بضيق التنفس.
4 -
الصداع النصفى، والهيجان العصبى، والنرفزة والسرحان.
5 -
ترسيب بلورات حمض البوليك التى تسبب داء النقرس، كما قد يؤدى فى بعض الأحيان إلى شلل نصفى مؤقت.
6 -
انحناء العمود الفقرى وظهور منحنيات يعرفها أطباء العظام.
7 -
الإصابة بالإنزلاق الغضروفى فى الفقرات القطنية وتعاظم الإليتين والطرف السفلى.
ولعل هذا ما جعل الإمام الغزالى -الذى سبق الطب الحديث بأكثر من ألف عام- يعبر عن المواظبة على لعب الشطرنج بقوله "جناية" لأن فى ذلك جناية على النفس والصحة معًا.
أما إذا كان الغرض اللعب القليل والتلذذ باللهو - فهو مباح، لما فيه من ترويح القلب، إذ راحة القلب معالجة له فى بعض الأوقات لتثبيت دواعيه فتستغل فى بعض الأوقات بالجد فى الدنيا، كالكسب والتجارة، أو فى الدين كالصلاة والقراءة (1).
ثم إننا إذا نظرنا إلى العلة التى يتعلل بها الفريق المانع لبيع الآلات فى غير الجواهر النفيسة -كما هو اتجاه الفريق الثالث- لوجدنا أن المنفعة قد تكون فى غير الجواهر النفيسة أيضًا.
على أن هذه المنفعة قد لا تقاس بمقياس مادى بحت، وربما قيست من الناحية المعنوية وكانت قيمتها أضعاف أضعاف هذه القيمة المادية.
ثم إننا لو قلنا بعدم جواز الإنتفاع بها وبحرمة بيعها لأوقع ذلك فى الحرج المنهى عنه شرعًا، وقد قال اللَّه -تعالى-:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (2).
(1) راجع الإحياء: 6/ 1146.
(2)
سورة الحج الآية: 78.
كما أنه يلزم على القول بمنع بيع آلات اللهو والغناء أن يمنع الناس من استعمال أجهزة الراديو والتليفزيون وغير ذلك مما هو شبيه بها. وذلك لأنها تعتبر من آلات اللهو فى كثير من الأحيان، بل ويظهر منها فى بعض الأحوال ما هو محرم بلا جدال، ومع ذلك لا أظن أن أحدًا يقول إن هذه الأجهزة -التى أصبحت من ضرورات الحياة فى مجال العلم، والتثقيف، والترفيه، وعونًا لنا على مشاق الحياة وقسوتها يحرم استعمالها، وبالتالى يحرم بيعها وشراؤها، لأنها آلات لهو أو غناء، ولا ينكر أحد أيضًا أن مثل هذه الآلات هى آلات لهو فى بعض- بل فى غالب الأحوال، ومع ذلك لا يلزم من كونها آلة من آلات وسائل اللهو أن يحرم استعمالها أو بيعها وشراؤها؛ لأنه يمكن استخدامها فى الحدود التى أحلها اللَّه لنا، وتتحقق معها المصلحة المشروعة.
ومع ذلك فإن الأمانة العلمية تقتضى أن نقرر بأنه قد ظهر لنا من خلال البحث حديث صحيح يحرم بيع المغنيات، ولم أجد من يتكلم فيه، وهو ما روى عن أبى أمامة عن ابن ماجه بلفظ (1)"نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن بيع المغنيات، وعن شرائهن وكسبهن، وعن أكل أثمانهن".
ومع ذلك فإنه يمكن أن نقول لا تقويض ولا رجوع عما اخترنا، فكل ما يمكن أن يقال هنا إن هذا الدليل خاص وما نحن فيه عام، وذلك على فرض اعتبارها (المغنية) آلة من آلات اللهو والغناء؛ لأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث الأخرى الصحيحة المبيحة للغناء، وآلاته مثل الدف -والدف من آلات اللهو- بأن النهى يقتصر على ما ورد النص بخصوصه.
فلعل النص قد رأى أن مثل هذا فى الغالب مجاله الإحتراف أو ما مآله إليه، وفى ذلك عون على الفسق والفجور.
ولعل ما يقوى وجهة نظرنا ما ورد فى كتب التفسير عند قوله -تعالى-:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} وهى الآية نفسها التى استدل بها المانعون على المنع.
فقد ذكر الطبرى أن البعض ينزل الشراء على حقيقة البيع، والشراء المعروف
(1) سنن ابن ماجه 2/ 871.
بمبادلة الثمن بالبيع. ورووا بذلك خبرًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو: "لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن، ولا التجارة فيهن، ولا أثمانهن" وفيهن نزلت هذه الآية: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ} .
يقول الطبرى: وهذا الحديث عن أبى أمامة -رضى اللَّه عنه- ثم ذكر له عدة طرق أخرى، منها: لا يحل تعليم المغنيات، ولا بيعهن، ولا شراؤهن، وثمنهن حرام، وقد نزل تصديق ذلك فى كتاب اللَّه:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ} . . إلى آخر الآية (1).
وقد جاء فى سبب النزول: أن الآية نزلت فى النضر بن الحارث، اشترى كتب الأعاجم، وكان يحدث بها قريشًا ويقول: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم يحدثكم بحديث عاد وثمود - فأنا أحدثكم بحديث رستم، وأسفنديار والأكاسرة، كما كان يشترى القيان، ويحملهن على معاشرة من أراد الإسلام ومنعه منه (2).
هذا، وإن كان الغالب أن المراد بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا أن ما ورد للمجتهدين وأصحاب التفسير فى هذا الشأن يفيد هذا العموم، ويبقى النص على خصوصه.
فقد جاء فى تفسير الطبرى قوله: حدثنا بشر بسنده عن قتادة فى قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} واللَّه لعله ألا ينفق فيه مالا ولكن اشتراؤه استحبابه. بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع (3).
كما جاء فى تفسير ابن عباس عند قوله -تعالى-: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} قوله: سبيل اللَّه، قراءة القرآن. وذكر اللَّه، إذا ذكره وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية (4).
(1) راجع الطبرى، (جامع البيان) 21/ 60، وأبو حيان "البحر المحيط": 7/ 183 وما بعدها.
(2)
انظر: الرازى، (مفاتيح الغيب): 6/ 490.
(3)
انظر: الطبرى، (جامع البيان): 21/ 61.
(4)
المرجع السابق.
ويقول أبو حيان فى سبب النزول: ولما ذكر من صفات القرآن الحكمة وأنه هدى ورحمة، وأن متتبعه فائز، ذكر حال من يطلب من بدل الحكمة باللهو، وذكر مبالغته فى ارتكابه حتى جعله مشتريًا له، وباذلًا فيه رأس عقله، وذكر علته وأنه الإضلال عن طريق اللَّه، وقد نزلت هذه الآية فى النضر بن الحارث كان يتجر إلى فارس، ويشترى كتب الأعاجم، فيحدث قريشًا بحديث رستم وأسفنديار، ويقول: أنا أحسن حديثًا.
وقيل نزلت فى ابن أخطل، اشترى جارية تغنى بالسب، وبهذا فسر لهو الحديث بالمعازف والغناء.
يقول أبو حيان: والظاهر أن الشراء هنا مجاز عن اختيار الشئ وصرف عقله بكليته إليه.
ويقول ابن عطية: والذى يترجح أن الآية نزلت فى لهو الحديث مضافًا إلى الكفر، فلذلك اشتدت ألفاظ الآية بقوله:{لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} إلى آخره (1).
وقال صاحب التحرير: "ويظهر لى أنه أراد بلهو الحديث، ما كان يظهرونه من الأحاديث فى تقوية دينهم، والأمر بالدوام عليه، وتفسير صفة الرسول، وأن التوراة تدل على أنه من ولد إسحاق، يقصدون صد أتباعهم عن الإيمان، وأطلق اسم الشراء لكونهم يأخذون على ذلك الرشا والجعائل من ملوكهم، ويؤيده {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} أى: عن دينه"(2).
ويذكر الإمام الرازى فى تفسيره عن قوله -تعالى-: {لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} : إن اللهو قد يقصد به الإحماض. فقد نقل عن ابن عباس أنه قال: أحمضوا. ونقل عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "روحوا القلوب ساعة فساعة"(3) ويشهد له ما فى مسلم: يا حنظلة ساعة وساعة. هذا من ناحية.
(1) انظر: أبو حيان، (البحر المحيط): 7/ 183 وما بعدها.
(2)
المرجع السابق.
(3)
الحديث ذكره الرازى وقال: رواه الديلمى عن أنس مرفوعًا. وانظر: مفاتيح الغيب: 6/ 490.
ومن ناحية أخرى قد يكون التحريم المراد فى حديث الجارية بالنظر إلى الذات، لأن فى بيعها إهانة لها وتحقيرًا للآدمية التى كرمها اللَّه فى قوله -تعالى-:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَم} (1). وحث على تحريرها بمختلف الطرق. وفى بيعها وتداولها بقصد الغناء احتراف للتجارة فيها وفتح لهذا الباب على مصراعيه. وقد يجرهم ذلك إلى الإبتعاد عما هو أفضل لهم وأكرم، وهو إطلاق سراحها وتحريرها من رق العبودية. ويمكن أن يقوى هذا الإتجاه ما جاء فى حديث أبى أمامة من بعض طرقه بلفظ التجارة.
أما الأحاديث التى وردت من روايات أخرى مختلفة بلفظ القينة والنهى عن بيعها وشرائها، فإنها ضعيفة، وعلى فرض صحتها فإنها قد لا تخرج عما ذكرناه فى الحديث السابق؛ لأن القينة هى الجارية المغنية.
وبذلك يترجح ما ذهبنا إليه بلا تعارض، والجمع بين الأدلة إن أمكن أولى من إعمال البعض وإهمال البعض الآخر. واللَّه هو الموفق والهادى إلى سواء السبيل.
واللَّه أعلى وأعلم. .
* * *
(1) الإسراء: الآية 70.