الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولذلك أصدر أبو سفيان إلى قائد سلاح الفرسان في الجيش القرشي (خالد بن الوليد ومساعده عمرو بن العاص) أمره بأن يتوليا الإشراف على تنظيم هذا الإنسحاب، ويقوما بحماية مؤخرة الجيوش المنسحبة من أن يقوم المسلمون بضربها ساعة الإنسحاب.
فامتثل عمرو، وخالد، أمر القائد العام وسارعا، إلى انتخاب مائتين من الخيالة، ثم تمركز هؤلاء الخيالة في المنطقة الواقعة بين مؤخرة معسكر الأحزاب وبين المسلمين، وصاروا يضربون بخيلهم في تلك المنطقة، ويماشون الجيش المنسحب وهو على تعبئة واستعداد، لحمايته من أية غارة يقوم بها عسكر الإسلام، وظلت كتيبة الفرسان القرشية هكذا حتى اكتمل انسحاب جيوش الأحزاب من مواقعها أمام الخندق (تماما) وابتعدت عن منطقة الخطر (1).
أبو سفيان يكتب إلى النبي عند الإنسحاب
ويقول المؤرخون: إن قائد عام جيوش الأحزاب (أبا سفيان) قبل انسحابه، كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطابًا يعيب فيه عليه الاحتماء بالخندق، ويذكر له أنه لولا مكيدة الخندق لما بقى للمسلمين من وجود، وقد بعث أبو سفيان هذا الخطاب مع أبي سلمة الخشني.
فلما أتى به دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب (2) فدخل معه قبته فقرأه عليه، فإذا فيه:
(1) انظر السيرة الحلبية ج 2 ص 116.
(2)
انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
"باسمك اللهم، فإني أحلف باللاة والعزى وأساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك في جمعنا وإنا نريد ألا نعود إليك أبدًا حتى نستأصلكم فرأيتك قد كرهت لقاءنا وجعلت مضائق وخنادق، واعتصمت بالخندق فاعتصمت بمكيدة ما كانت العرب تعرفها، وإنما تعرف ظل رماحها وشبا سيوفها، وما فعلت هذا إلا فرارًا من سيوفنا ولقائنا، فليت شعرى من علمك هذا، فإن نرجع عنكم، فلكم منا يوم كيوم أحد ننصر فيه النساء".
وبعد أن عرف النبي صلى الله عليه وسلم محتوى خطاب أبي سفيان كتب إليه جوابًا يقول فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب أما بعد فقد أتاني كتابك وقديمًا غرك يا أحمق بني غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل الله لنا العاقبة، وأما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم وأنك لا تريد لنا العاقبة، حتى تستأصلنا فذلك أمر الله يحول بينك وبينه ويجعل لنا العاقبة وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وأسافًا ونائلة وهبل حتى أذكرك بذلك - يا سفيه بني غالب - وأما قولك "من علمك" الذي صنعنا من الخندق فإن الله تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك (1).
وهكذا (وبعد حصار خانق شديد دام حوالي شهر بلغت فيه حالة المسلمين من الضيق والتعب والإرهاق حد الإعياء والزلزال) هزم الله
(1) الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة ص 9 وما بعدها، والسيرة الحلبية ج 2 ص 113 وما بعدها.