الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخواء العقائدي عند الأحزاب
وإذا كان موقف سعد بن معاذ وقادة الأنصار قد أوضح لنا الصورة الجلية الواضحة عن فعالية سلاح العقيدة في جيش الإسلام الصغير، ومتانة هذه العقيدة وصلابتها إلى الحد الذي جعل المؤمنين بها يقفون ذلك الموقف الرائع، فإن مجئ قادة غطفان (وهم العمود الفقرى لجيوش الأحزاب) إلى مقر القيادة النبوية (سرًّا) ومد يدهم - من وراء ظهر قريش - لعقد صلح منفرد مع المسلمين مقابل ثلث ثمار المدينة، يعطينا الدليل القاطع على الخواء العقائدى الكامل داخل جيوش الأحزاب العظيمة، وأن هذه الآلاف المؤلفة، قد جاءت يسودها التفكك لأنها ليست لها رابطة موحدة تجمعها على عقيدة راسخة صادقة تصلها بالله، فتستعذب الموت في سبيلها، كما هو الحال عند المسلمين.
وإنما جاءت هذه الآلاف المؤلفة تحدوها أهداف رخيصة محدودة ضيقة، أهداف لا يمكن أن تكون أساسًا لنضال أو قاعدة لكفاح أهداف لحمتها وسداها الحصول على ما يمكن الحصول عليه من المغانم المادية بأية طريقة كانت، ثم العودة (بسرعة) إلى خيامها ومسارحها.
مقارنة بين الأحزاب والمسلمين
وبالمقارنة بين هذه الأهداف الرخيصة المحدودة التي جاءت الأحزاب تقاتل في سبيلها، وبين تلك العقيدة الشماء التي يقاتل المسلمون في سبيلها، والتي وقفت (في ظل رايتها) تلك القلة المؤمنة لتواجه تلك الحشود الهائلة، يتضح الفارق العظيم، ويتضح أي سلاح فعال سلاح العقيدة هو، عندما تكون عقيدة بناءة سليمة.
إنه لولا العقيدة التي تسلح به المسلمون في تلك الظروف الرهيبة المزلزلة، ما استطاعوا أن يثبتوا أمام للك الحشود الهائلة التي بلغت عشرة أضعاف المسلمين، ذلك الثبات الذي ظل (على مر العصور) مضرب الأمثال.
لقد كان باستطاعة جيوش الأحزاب الجرارة (لولا الخواء العقائدى الذي يسيطر عليها) أن تسجل على جيش المدينة الصغير، نصرًا حاسمًا حتى مع وجود الخندق، لأن الخندق لا يمكن أن يحول بينها وبين اقتحام المدينة على أية صورة من الصور، لا سيما وأنها تمتاز على المسلمين بذلك التفوق الساحق في العدد.
حقيق، أن اقتحام الخندق لاحتلال المدينة يتطلب تضحيات لا يستهان بها، وما كانت جيوش الأحزاب لتبخل بمئات من القتلى لاقتحام المدينة، لو كان باعث غزوها على مستوى الباعث العقائدى الذي وقف المسلمون (في ظله) يدافعون عن المدينة ذلك الدفاع الرائع.
ولكن لما كان الباعث الحقيقي لحشد هذه الجيوش حول المدينة هو ذلك الباعث المادى الضحل الرخيص، المتمثل في التمكن من السلب والنهب فحسب، فإنه من البديهى أن تحجم هذه الجيوش عن الإقدام على مثل هذا العمل الذي يتطلب الإقدام عليه بذل المهج والأرواح بسخاء كبير.
ولو كان الأمر على العكس، وكان المسلمون هم الذين جاءوا يقودون تلك الجيوش الجرارة التي جاء بها الأحزاب، لما وقف الخندق حائلًا بينهم