الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موقفه من المبتدعة:
- جاء في التمهيد: مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مثل هذا، إلا مثلا بمثل، فقال له معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرني عن رأيه لا أساكنك أرضا أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر فذكر ذلك له، فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن. (1)
ثم ساق أبو عمر بسنده أن عبادة أنكر على معاوية شيئا فقال: لا أساكنك بأرض أنت بها ورحل إلى المدينة فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره فقال: ارجع إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمارة لك عليه.
قال أبو عمر: فقول عبادة: لا أساكنك بأرض أنت بها، وقول أبي الدرداء، على ما في حديث زيد بن أسلم يحتمل أن يكون القائل ذلك قد خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في العلم قول خلاف الحق عنده، وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه، وقد تضيق صدور العلماء عند مثل هذا، وهو عندهم عظيم: رد السنن بالرأي.
وجائز للمرء أن يهجر من خاف الضلال عليه، ولم يسمع منه، ولم
(1) تقدم تخريجه ضمن مواقف أبي الدرداء سنة (32هـ).
يطعه، وخاف أن يضل غيره، وليس هذا من الهجرة المكروهة؛ ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين أحدث في تخلفه عن تبوك ما أحدث، حتى تاب الله عليه (1)، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام معه. وقد حلف ابن مسعود أن لا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة:
أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن بحر، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي، عن رجل من عبس، أن ابن مسعود رأى رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة؟ والله لا أكلمك أبدا.
وغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء وعبادة؛ فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم. (2)
- وقال رحمه الله عقب إيراده لحديث: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال» (3): وفيه الحض على الاعتصام والتمسك بحبل الله في حال اجتماع وائتلاف، وحبل الله في هذا الموضع
(1) أحمد (3/ 456 - 459) والبخاري (8/ 436/4677) ومسلم (4/ 2120 - 2128/ 2769) وأخرجه أبو داود (2/ 652/2202) والترمذي (5/ 263 - 264/ 3102) والنسائي (6/ 464 - 465/ 3423) مختصرا.
(2)
فتح البر (1/ 178 - 179).
(3)
أحمد (2/ 327) ومسلم (3/ 1340/1715) عن أبي هريرة.
فيه قولان: أحدهما: كتاب الله، والآخر: الجماعة -ولا جماعة إلا بإمام. وهو -عندي- معنى متداخل متقارب، لأن كتاب الله يأمر بالألفة، وينهى عن الفرقة، قال الله -عزوجل-:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} (1) الآية. وقال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (2).اهـ (3)
- قال أبو عمر: ليس أحد من خلق الله إلا وهو يوخذ من قوله، ويترك، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لا يترك من قوله، إلا ما تركه هو ونسخه، قولا أو عملا، والحجة فيما قال صلى الله عليه وسلم، وليس في قول غيره حجة
…
(4)
- قال أبو عمر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدت لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه، فإن قال:"قلدته لأني أعلم أنه على صواب". قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: "نعم" أبطل
(1) آل عمران الآية (105).
(2)
آل عمران الآية (103).
(3)
فتح البر (1/ 120).
(4)
فتح البر (9/ 336).
التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال:"قلدته لأنه أعلم مني" قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا، ولا تخص من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك، فإن قال:"قلدته لأنه أعلم الناس" قيل له: فإنه إذا أعلم من الصحابة، وكفى بقول مثل هذا قبحا. فإن قال:"أنا أقلد بعض الصحابة" قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.
وقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار قال: عن القاسم عن مالك قال: ليس كلما قال رجل قولا وإن كان له فضل يتبع عليه، لقول الله عز وجل:{الذين يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (1) فإن قال: "قصري وقلة علمي يحملني على التقليد" قيل له: أما من قلد فيما ينزل به من أحكام شريعته عالما يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور، لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله لإجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة، لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، ولكن من كانت هذه حاله هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير ما كانت في يديه بقول لا يعرف صحته ولا قام الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في
(1) الزمر الآية (18).