الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا شهرا وثمانية أيام ولم يبلغ أحد من الخلفاء قبله هذا العمر، ولا قام في الخلافة هذه المدة توفي ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة.
موقفه من المبتدعة:
لقد كان هذا الخليفة من خيرة خلفاء بني العباس إذ حمى العقيدة حماية يشكره عليها رب العالمين ويثيبه بجنته إن شاء الله تعالى. فقد طرد الرافضة أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وسلم، ونبذ المعتزلة والجهمية والأشاعرة وجميع أهل البدع. ولم يكتف بفعله وأمره، بل كتب اعتقادا قرأه على العلماء والفقهاء، وأخذ عليهم خطوطهم بالموافقة على الاعتقاد حتى يكون رسميا متفقا عليه. وهاك الاعتقاد من المنتظم؛ قال ابن الجوزي رحمه الله: (أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد الفراء قال: أخرج الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين أبو جعفر بن القادر بالله في سنة نيف وثلاثين وأربعمائة الاعتقاد القادري، الذي ذكره القادر، فقرئ في الديوان وحضر الزهاد والعلماء، وممن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه أن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر، وهو: يجب على الإنسان أن يعلم أن الله عز وجل وحده لا شريك له لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن له شريك في الملك، وهو أول لم يزل وآخر لا يزال، قادر على كل شيء غير عاجز عن شيء، إذا أراد شيئا قال له كن فيكون، غني غير محتاج إلى شيء، لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة
ولا نوم، يطعم ولا يطعم، لا يستوحش من وحدة ولا يأنس بشيء، وهو الغني عن كل شيء، لا تخلفه الدهور والأزمان وكيف تغيره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان والليل والنهار والضوء والظلمة والسماوات والأرض وما فيها من أنواع الخلق والبر والبحر وما فيهما وكل شيء حي أو موات أو جماد.
كان ربنا وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه فخلق كل شيء بقدرته، وخلق العرش لا لحاجته إليه فاستوى عليه كيف شاء وأراد لا استقرار راحة كما يستريح الخلق. وهو مدبر السموات والأرضين ومدبر ما فيهما ومن في البر والبحر ولا مدبر غيره ولا حافظ سواه، يرزقهم ويمرضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم، والخلق كلهم عاجزون والملائكة والنبيون والمرسلون والخلق كلهم أجمعون، وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع والمبصر ببصر يعرف صفتهما من نفسه لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين. لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه عليه السلام، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم فهي صفة حقيقية لا مجازية. ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق تكلم به تكليما، وأنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلاه جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة. ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقا لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به فهو غير مخلوق، فبكل حال متلوا ومحفوظا ومكتوبا ومسموعا؛ ومن قال إنه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم
بعد الاستتابة منه.
ويعلم أن الإيمان قول وعمل ونية، وقول باللسان وعمل بالأركان والجوارح وتصديق به، يزيد وينقص: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو ذو أجزاء وشعب؛ فأرفع أجزائه لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله ولا بماذا يختم له، فلذلك يقول: مؤمن إن شاء الله، وأرجو أن أكون مؤمنا، ولا يضره الاستثناء والرجاء، ولا يكون بهما شاكا ولا مرتابا؛ لأنه يريد بذلك ما هو مغيب عنه عن أمر آخرته وخاتمته. وكل شيء يتقرب به إلى الله تعالى ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسننه وفضائله فهو كله من الإيمان، منسوب إليه. ولا يكون للإيمان نهاية أبدا؛ لأنه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع في الفرائض أبدا.
ويجب أن يحب الصحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم ونعلم أنهم خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن خيرهم كلهم وأفضلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ويشهد للعشرة بالجنة، ويترحم على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سب سيدتنا عائشة رضي الله عنها فلا حظ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية رضي الله عنه إلا خيرا، ولا يدخل في شيء شجر بينهم، ويترحم على جماعتهم، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا
غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10)} (1). وقال فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)} (2).
ولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها؛ فإنه من تركها من غير عذر وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأخرى فهو كافر، وإن لم يجحدها لقوله صلى الله عليه وسلم:«بين العبد والكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر» (3)، ولا يزال كافرا حتى يندم ويعيدها؛ فإن مات قبل أن يندم ويعيد أو يضمر أن يعيد لم يصل عليه، وحشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، وسائر الأعمال لا يكفر بتركها وإن كان يفسق حتى يجحدها.
ثم قال: هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين وعلى منهاج الدين والطريق المستقيم، ورجي به النجاة من النار ودخول الجنة إن شاء الله تعالى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم» (4)، وقال عليه السلام: «أيما عبد جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبلها يشكر، وإلا كانت حجة عليه من الله يزداد بها إثما
(1) الحشر الآية (10).
(2)
الحجر الآية (47).
(3)
مسلم (1/ 88/82) وأبو داود (5/ 58 - 59/ 4678) والترمذي (5/ 14 - 15/ 2620) والنسائي (1/ 251/463) وابن ماجه (1/ 342/1078) من حديث جابر.
(4)
تقدم تخريجه ص ضمن مواقف محمد بن نصر المروزي سنة (294هـ).
ويزاد بها من الله سخطا» (1). جعلنا الله لآلائه من الشاكرين ولنعمائه ذاكرين وبالسنة معتصمين وغفر لنا ولجميع المسلمين. (2)
التعليق:
من قرأ هذا الاعتقاد علم ما كان عليه هؤلاء الخلفاء في الجمع بين العلم والحكم، ومن أمعن فيه النظر يجده يرد على جميع المبتدعة، بما فيهم المعتزلة والشيعة وغيرهم. ومن أمعن النظر يرى شدة اهتمام هؤلاء الخلفاء بالعقيدة السلفية ولم يكن همهم هو الاشتغال بملذات الحياة وشهواتها، ويرى على الاعتقاد نفس الصالحين العالمين بما يجري في رعاياهم من الدخل. ومن قارن بين الأمس واليوم ومخاطبة الحكام لرعاياهم يجد همهم اليوم هو السعي في تثبيت الحاكم نفسه في نفوس رعيته. وأما الأمس فترى الحاكم يثبت عقيدته في نفس رعيته، لا كلام في معيشة ولا في غيرها مما يعد إغراء فقط للرعية، إلا من شاء الله، فليكن البصير بهذا على بينة.
استتابته لأهل البدع:
جاء في أصول الاعتقاد: قال الشيخ أبو القاسم الطبري الحافظ رحمه الله: واستتاب أمير المؤمنين القادر بالله -حرس الله مهجته وأمد بالتوفيق أموره ووفقه من القول والعمل بما يرضي مليكه- فقهاء المعتزلة الحنفية في
(1) أبو نعيم في الحلية (6/ 136) والبيهقي في الشعب (6/ 29/7410) من حديث عطية بن بشر وقال العراقي في تخريج الأحياء (3/ 1368): "رواه ابن أبي الدنيا في مواعظ الخلفاء وفيه أحمد بن عبيد بن ناصح"، وعزاه الألباني لابن عساكر عن عطية بن قيس وقال:"ضعيف". ضعيف الجامع (2245).
(2)
المنتظم (15/ 279 - 282).
سنة ثمان وأربعمائة فأظهروا الرجوع وتبرؤوا من الاعتزال.
ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام والسنة، وأخذ خطوطهم بذلك وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم.
وامتثل يمين الدولة وأمين الملة: أبو القاسم محمود أعز الله نصرته أمر أمير المؤمنين القادر بالله، واستن بسنته في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفيهم، والأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم.
وصار ذلك سنة في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين في الآفاق. وجرى ذلك على يدي الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد رحمه الله، في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة تمم الله ذلك وثبته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. (1)
التعليق:
إن قراءة مثل هذه المواقف تسلي السلفي وتفرج ما به من غموم وحزن على ما نحن فيه من بدع ومبتدعة ملئت بهم الأرض. فلعل الله ييسر للمسلمين مثل هذا الخليفة العادل يزيل عنهم الضيم ويرجع المسلمين إلى صدرهم الأول عقيدة نقية وعبادة سنية، وسلوكا نبويا يجلب الراحة والاطمئنان.
(1) أصول الاعتقاد (4/ 799 - 800/ 1333).