الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مغفرتك، والغنيمة من كلّ برّ والسّلامة من كلّ إثم، أسألك ألّا تدع لي ذنبا إلّا غفرته، ولا همّا إلّا فرّجته، ولا حاجة هي لك رضا إلّا قضيتها لي، ثمّ يسأل الله من أمر الدّنيا والآخرة ما شاء فإنّه يقدّر» ) * «1» .
الأحاديث الواردة في (العزم العزيمة) معنى
7-
* (عن زيد بن ثابت- رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلّم له كتاب يهود.
قال: «إنّي والله ما آمن يهود على كتاب» قال: فما مرّ بي نصف شهر حتّى تعلّمته له. قال: «فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم» ) * «2» .
8-
* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السّمع والطّاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكارهنا، وعلى ألاننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالعدل أين كنّا لا نخاف في الله لومة لائم) * «3» .
9-
* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:
يا رسول الله، ذهب الرّجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يوما نأتيك فيه تعلّمنا ممّا علّمك الله.
فقال: «اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا وكذا» ، فاجتمعن. فأتاهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلّمهنّ ممّا علّمه الله. ثمّ قال:«ما منكنّ امرأة تقدّم بين يديها من ولدها ثلاثة إلّا كان لها حجابا من النّار» فقالت امرأة منهم: يا رسول الله، اثنين؟ قال: فأعادتها مرّتين. ثمّ قال: «واثنين واثنين واثنين» ) * «4» .
10-
* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة يحبّهم الله، وثلاثة يبغضهم الله، فأمّا الّذين يحبّهم الله: فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلّف رجل بأعقابهم فأعطاه سرّا لا يعلم بعطيّته إلّا الله، والّذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم، فقام أحدهم يتملّقني ويتلو آياتي. ورجل كان في سريّة فلقي العدوّ فهزموا، وأقبل بصدره حتّى يقتل أو يفتح له. والثّلاثة الّذين يبغضهم الله: الشّيخ الزّاني، والفقير المختال، والغنيّ الظّلوم» ) * «5» .
11-
* (عن بريدة الأسلميّ- رضي الله عنه أنّه قال: جاء ما عز بن مالك إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم
(1) ابن ماجة فى الإمامة حديث رقم (1384) .
(2)
الترمذي (2715) واللفظ له، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال محقق «جامع الأصول» (8/ 30) : وهو كما قال، وأبو داود (3645) .
(3)
البخاري- الفتح (7199) و (7200) ، ومسلم (1709) ، والنسائي (7/ 139) واللفظ له، وصحيح النسائي للألباني (3872) . وابن ماجة (3866) بلفظ: وعلى أن نقول بالحق بدل العدل.
(4)
البخاري- الفتح 13 (7310) .
(5)
الترمذى (2568) واللفظ له، وقال: هذا حديث صحيح. والنسائى (5/ 84) . وأحمد (5/ 153) . وهو في المشكاة حديث (1922) . وقال محقق «جامع الأصول» (9/ 564) : وهو حديث حسن.
فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال:«ويحك «1» ارجع فاستغفر الله وتب إليه» . قال: فرجع غير بعيد ثمّ جاء فقال: يا رسول الله، طهّرني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه» . قال: فرجع غير بعيد. ثمّ جاء فقال: يا رسول الله! طهّرني. فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. حتّى إذا كانت الرّابعة، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فيم أطهّرك؟» . فقال: من الزّنى. فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبه جنون؟» . فأخبر أنّه ليس بمجنون. فقال: «أشرب خمرا؟» . فقام رجل فاستنكهه «2» فلم يجد منه ريح خمر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أزنيت؟» . فقال: نعم. فأمر به فرجم. فكان النّاس فيه فرقتين. قائل يقول: لقد هلك. لقد أحاطت به خطيئته. وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز. إنّه جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فوضع يده في يده.
ثمّ قال: اقتلني بالحجارة. قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة. ثمّ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم جلوس فسلّم ثمّ جلس. فقال: «استغفروا لماعز بن مالك» . قال:
فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمّة لوسعتهم» .
قال ثمّ جاءته امرأة من غامد «3» من الأزد.
فقالت: يا رسول الله! طهّرني. فقال: «ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه» . فقالت: أراك تريد أن تردّدني كما ردّدت ماعز بن مالك. قال: «وما ذاك؟» .
قالت: إنّها حبلى من الزّنى. فقال: «آنت؟» قالت: نعم.
فقال لها: «حتّى تضعي ما في بطنك» قال: فكفلها رجل من الأنصار حتّى وضعت. قال: فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامديّة. فقال «إذا لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه» . فقام رجل من الأنصار فقال إليّ رضاعه يا نبيّ الله. قال:
فرجمها) * «4» .
12-
* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما أنّه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النّار، وقالها محمّد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) * «5» .
13-
* (قال أنس- رضي الله عنه: عمّي الّذي سمّيت به «6» لم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا.
قال: فشقّ عليه. قال: أوّل مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غيّبت عنه. وإن أراني الله مشهدا، فيما بعد، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليراني الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها. قال: فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ. فقال له أنس: يا أبا عمرو! أين؟ فقال: واها لريح الجنّة «7» . أجده دون أحد. قال: فقاتلهم حتّى قتل. قال: فوجد في جسده
(1) ويحك: كلمة ترحم تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها.
(2)
فاستنكهه: شم رائحته.
(3)
غامد: بطن من قبيلة جهينة.
(4)
مسلم (1695) .
(5)
البخاري- الفتح 8 (4563) .
(6)
الذي سميت به: أي باسمه، وهو أنس بن النضر.
(7)
واها لريح الجنة: قال العلماء واها كلمة تحنّن وتلهّف. والقائل هو أنس- رضي الله عنه.
بضع وثمانون. من بين ضربة وطعنة ورمية. قال:
فقالت أخته عمّتي الرّبيّع بنت النّضر: فما عرفت أخي إلّا ببنانه. ونزلت هذه الاية: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب/ 23) قال:
فكانوا يرون أنّها نزلت فيه وفي أصحابه) * «1» .
14-
* (عن سلمان- رضي الله عنه قال:
كنت رجلا فارسيّا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها جيّ وكان أبي دهقان «2» قريته وكنت أحبّ خلق الله إليه، فلم يزل به حبّه إيّاي حتّى حبسني في بيته، أي ملازم النّار، كما تحبس الجارية، وأجهدت في المجوسيّة حتّى كنت قطن النّار «3» الّذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة، قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة. قال: فشغل في بنيان له ليوما. فقال: لي: يا بنيّ إنّي قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطّلعها «4» ، وأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النّصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون، كنت لا أدري ما أمر النّاس لحبس أبي إيّاي في بيته. فلمّا مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، قال: فلمّا رأيتهم أعجبني صلاتهم ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدّين الّذي نحن عليه، فو الله ما تركتهم حتّى غربت الشّمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدّين؟ قالوا: بالشّام، قال ثمّ رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كلّه، قال: فلمّا جئته، قال: أي بنيّ، أين كنت؟
ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت، مررت بناس يصلّون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، فو الله ما زلت عندهم حتّى غربت الشّمس. قال: أي بنيّ، ليس في ذلك الدّين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت: كلّا والله، إنّه خير من ديننا، قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدا، ثمّ حبسني في بيته، قال: وبعثت إلى النّصارى، فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشّام تجّار من النّصارى، فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشّام تجّار من النّصارى. قال: فأخبروني بهم.
قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم. قال: فلمّا أرادوا الرّجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثمّ خرجت معهم حتّى قدمت الشّام، فلمّا قدمتها، قلت: من أفضل أهل هذا الدّين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إنّي قد رغبت في هذا الدّين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلّم منك وأصلّي معك، قال: فادخل، فدخلت معه، قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصّدقة ويرغّبهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتّى جمع سبع قلال من ذهب وورق «5» . قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثمّ مات فاجتمعت إليه النّصارى ليدفنوه،
(1) البخاري- الفتح 6 (2805) . ومسلم (1903) واللفظ له.
(2)
الدهقان: بكسر الدال وضمها: التاجر فارسي معرب، والجمع دهاقنة ودهاقين.
(3)
قطن النار: أي خازنها وخادمها.
(4)
فاطّلعها: قوّمها.
(5)
الورق- بفتح الواو وكسر الراء- الدراهم خاصة وربما سميت الفضة ورقا.
فقلت لهم: إنّ هذا كان رجل سوء يأمركم بالصّدقة ويرغّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال:
قلت: أنا أدلّكم على كنزه، قالوا: فدلّنا عليه. قال:
فأريتهم موضعه. قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا. قال: فلمّا رأوها، قالوا: والله لا ندفنه أبدا، فصلبوه، ثمّ رجموه بالحجارة، ثمّ جاؤا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال: يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلّي الخمس أرى أنّه أفضل منه، أزهد في الدّنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلا ونهارا منه. قال: فأحببته حبّا لم أحبّه من قبله، وأقمت معه زمانا ثمّ حضرته الوفاة؛ فقلت له: يا فلان! إنّي كنت معك وأحببتك حبّا لم أحبّه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله! فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه، لقد هلك النّاس وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلّا رجلا بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. قال: فلمّا مات وغيّب، لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إنّ فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنّك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات، فلمّا حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إنّ فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللّحوق بك، وقد حضرك من الله- عز وجل ما ترى، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنّا عليه إلّا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به.
قال: فلمّا مات وغيّب لحقت بصاحب نصيبين فجئته، فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبي، قال:
فأقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فو الله! ما لبث أن نزل به الموت، فلمّا حضر «1» ، قلت له: يا فلان، إنّ فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثمّ أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ! والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلّا رجلا بعمّوريّة، فإنّه بمثل ما نحن عليه، فإن أحببت فأته. قال: فإنّه على أمرنا. قال: فلمّا مات وغيّب لحقت بصاحب عمّوريّة وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه، وأمرهم. قال:
واكتسبت حتّى كان لي بقرات وغنيمة، قال: ثمّ نزل به أمر الله فلمّا حضر، قلت له: يا فلان، إنّي كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثمّ أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟. قال: أي بنيّ! والله ما أعلمه أصبح على ما كنّا عليه أحد من النّاس، آمرك أن تأتيه، ولكنّه قد أظلّك زمان نبيّ هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرا إلى أرض بين حرّتين بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهديّة، ولا يأكل الصّدقة، بين كتفيه خاتم النّبوّة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثمّ مات وغيّب
(1) حضر: أي دنا موته.
فمكثت بعمّوريّة ما شاء الله أن أمكث، ثمّ مرّ بي نفر من كلب «1» تجّارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟: قالوا نعم، فأعطيتهموها وحملوني حتّى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني، فباعوني من رجل من يهود عبدا، فكنت عنده، ورأيت النّخل ورجوت أن تكون البلد الّذي وصف لي صاحبي، ولم يحقّ لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عمّ له من المدينة من بني قريظة فابتاعني «2» منه، فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلّا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكّة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرّقّ، ثمّ هاجر إلى المدينة، فو الله إنّي لفي رأس عذق لسيّدي أعمل فيه بعض العمل، وسيّدي جالس، إذ أقبل ابن عمّ له حتّى وقف عليه.
فقال فلان: قاتل الله بني قيلة، والله إنّهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكّة اليوم يزعمون أنّه نبيّ، قال: فلمّا سمعتها أخذتني العرواء «3» حتّى ظننت سأسقط على سيّدي، قال: ونزلت عن النّخلة فجعلت أقول لابن عمّه ذلك: ماذا تقول، ماذا تقول؟ قال: فغضب سيّدي فلكمني لكمة شديدة، ثمّ قال: مالك ولهذا؟! أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء، إنّما أردت أن أستثبت عمّا قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته فلمّا أمسيت أخذته، ثمّ ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: قد بلغني أنّك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصّدقة فرأيتكم أحقّ به من غيركم، قال: فقرّبته إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: كلوا، وأمسك يده فلم يأكل، قال:
فقلت في نفسي: هذه واحدة. ثمّ انصرفت عنه، فجمعت شيئا، وتحوّل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثمّ جئت به، فقلت: إنّي رأيتك لا تأكل الصّدقة، وهذه هديّة أكرمتك بها. قال: فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثمّ جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه، فسلّمت عليه، ثمّ استدرت أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الّذي وصف لي صاحبي؟
فلمّا رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدرته عرف أنّي أستثبت في شيء وصف لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فانكببت عليه أقبّله وأبكي. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: تحوّل. فتحوّلت، فقصصت عليه حديثي. كما حدّثتك يا ابن عبّاس، قال: فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه، ثمّ شغل سلمان الرّقّ حتّى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد، قال: ثمّ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كاتب يا سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أجيبها له بالفقير «4» وبأربعين أوقيّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:«أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنّخل، الرّجل بثلاثين وديّة «5» ، والرّجل بعشرين. والرّجل بخمس عشرة، والرّجل بعشر، يعني الرّجل بقدر ما عنده،
(1) كلب: قبيلة من قبائل العرب.
(2)
ابتاعني: أي اشتراني.
(3)
العرواء: الرّعدة. يقال: أخذته الحمى بعروائها.
(4)
وكذا في نسخة «مسند الإمام أحمد» : بالفقير، وفي «مجمع الزوائد» : بالعفير.
(5)
الوديّ: بتشديد الياء صغار النخل الواحدة ودية.
حتّى اجتمعت لي ثلاثمائة وديّة. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «اذهب يا سلمان ففقّر لها «1» ، فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي» . ففقّرت لها وأعانني أصحابي، حتّى إذا فرغت منها جئته، فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها، فجعلنا نقرّب له الوديّ، ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فو الّذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها وديّة واحدة، فأدّيت النّخل، وبقي عليّ المال، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدّجاجة من ذهب من بعض المغازي فقال:
«ما فعل الفارسيّ المكاتب؟» . قال: فدعيت له، فقال:«خذ هذه فأدّ بها ما عليك يا سلمان» . فقلت:
وأين تقع هذه يا رسول الله ممّا عليّ؟ قال: «خذها فإنّ الله- عز وجل سيؤدّي بها عنك» . قال: فأخذتها فوزنت لهم منها، والّذي نفس سلمان بيده! أربعين أوقيّة فأوفيتهم حقّهم، وعتقت، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، ثمّ لم يفتني معه مشهد) * «2» .
15-
* (عن عائشة أمّ المؤمنين- رضي الله عنها أنّها قالت: أوّل ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق
الصّبح. ثمّ حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه- وهو التّعبّد- اللّيالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال:
اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» . قال: فأخذني فغطّني «3» حتّى بلغ منّي الجهد «4» ، ثمّ أرسلني فقال:
اقرأ. قلت: «ما أنا بقارئ» . فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: «ما أنا بقارئ» . فأخذني فغطّني الثّالثة، ثمّ أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (العلق/ 1- 3) ، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها فقال: زمّلوني، زمّلوني. فزمّلوه «5» حتّى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلّا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزّى- ابن عمّ خديجة- وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا
(1) فقر لها: أي احفر لها موضعا تغرس فيه.
(2)
أحمد (5/ 441- 444) واللفظ له. والبزار (3/ 268) حديث (2726) من حديث بريدة. وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد، كله والطبراني بنحوه في الكبير بأسانيد وإسناد احداها رجالها رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع، والرواية الثانية انفرد بها (9/ 332- 336) .
(3)
غطني: أي ضمني وعصرني.
(4)
الجهد: روي بالنصب أي بلغ الغط مني غاية وسعي، وروي بالرفع أي بلغ مني الجهد مبلغه.
(5)
زملوه: أي لفّوه وغطوه.
ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا النّاموس الّذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا «1» ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أو مخرجيّ هم؟» ، قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك، أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب «2» ورقة أن توفّي، وفتر الوحي) * «3» .
16-
* (عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة
…
الحديث، وفيه: ثمّ إنّ المشركين راسلونا الصّلح. حتّى مشى بعضنا في بعض.
واصطلحنا. قال: وكنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله.
أسقي فرسه، وأحسّه وأخدمه. وآكل من طعامه.
وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قال فلمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكّة. فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبغضتهم.
فتحوّلت إلى شجرة أخرى. وعلّقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم. قال:
فاخترطت سيفي «4» ثمّ شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا «5» في يدي. قال: ثمّ قلت: والّذي كرّم وجه محمّد، لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي فيه عيناه. قال: ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وجاء عمّي عامر برجل من العبلات «6» يقال له مكرز.
يقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. على فرس مجفّف «7» في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه «8» » . فعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح/ 24) الاية كلّها. قال: ثمّ خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون. فاستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن رقي هذا الجبل اللّيلة. كأنّه طليعة للنّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك اللّيلة مرّتين أو ثلاثا. ثمّ قدمنا المدينة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) يا ليتني فيها جذعا: أي شابّا قويّا حتى أتمكن من نصرك، والجذع: الصغير من البهائم. ونصب «جذع» على أنه خبر كان المقدرة، وقيل: النصب على الحال و «فيها خبر ليت» ، ورواية الأصيلي «يا ليتني فيها جذع» بالرفع خبر ليت وعليه فلا إشكال.
(2)
لم ينشب: أي لم يلبث.
(3)
البخاري- الفتح 1 (3) .
(4)
فاخترطت سيفي: أي سللته.
(5)
ضغثا: الضغث الحزمة. يريد أنه أخذ سلاحهم وجمع بعضه إلى بعض حتى جعله فى يده حزمة.
(6)
العبلات: العبلات من قريش، هم أمية الصغرى. والنسبة اليهم عبلي. ترده الى الواحد.
(7)
مجفف: أي عليه تجفاف. وهو ثوب كالجل يلبسه الفرس ليقيه السلاح. وجمعه تجافيف.
(8)
يكن لهم بدء الفجور وثناه: البدء هو الابتداء. وأما ثناه فمعناه عودة ثانية. قال في النهاية: أي أوله وآخره والثني الأمر يعاد مرتين.
بظهره «1» مع رباح غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه.
وخرجت معه بفرس طلحة. أندّيه «2» مع الظّهر.
فلمّا أصبحنا إذا عبد الرّحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستاقه أجمع. وقتل راعيه.
قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنّبل. وأرتجز أقول:
أنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرّضّع
فألحق رجلا منهم. فأصكّ سهما في رحله «3» . حتّى خلص نصل السّهم إلى كتفه. قال قلت: خذها:
وأنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرّضّع
قال: فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم «4» . فإذا رجع إليّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثمّ رميته، فعقرت به. حتّى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه، علوت الجبل. فجعلت أردّيهم بالحجارة.
قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا خلّفته وراء ظهري.
وخلّوا بيني وبينه. ثمّ اتّبعتهم أرميهم. حتّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا. يستخفّون. ولا يطرحون شيئا إلّا جعلت عليه آراما «5» من الحجارة.
يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. حتّى أتوا متضايقا من ثنيّة فإذا هم قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاريّ.
فجلسوا يتضحّون (يعني يتغدّون) . وجلست على رأس قرن. قال الفزاريّ: ما هذا الّذي أرى؟ قالوا:
لقينا من هذا البرح. والله ما فارقنا منذ غلس. يرمينا حتّى انتزع كلّ شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل.
قال: فلمّا أمكنوني من الكلام، قال: قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة ابن الأكوع، والّذي كرّم وجه محمّد صلى الله عليه وسلم لا أطلب رجلا منكم إلّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظنّ. قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتّى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلّلون الشّجر. قال: فإذا أوّلهم الاخرم الأسديّ.
على إثره أبو قتادة الأنصاريّ. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكنديّ. قال: فأخذت بعنان الاخرم قال:
فولّوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الاخر،
(1) بظهره: الظهر الإبل تعد للركوب وحمل الأثقال.
(2)
أنديه: معناه أن يورد الماشية الماء فتسقى قليلا ثم ترسل في المرعى، ثم ترد الماء فترد قليلا ثم ترد إلى المرعى.
(3)
فأصك سهما في رحله: أي أضرب.
(4)
أرميهم وأعقر بهم: أي أرميهم بالنبل وأعقر خيلهم. وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف. ثم اتسع حتى استعمل في القتل كما وقع هنا. وحتى صار يقال: عقرت البعير أي نحرته.
(5)
آراما من الحجارة: الارام هي الأعلام. وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة ليهتدي بها. واحده إرم كعنب وأعناب.
وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ، فلا تحل بيني وبين الشّهادة. قال: فخلّيته. فالتقى هو وعبد الرّحمن.
قال: فعقر بعبد الرّحمن فرسه. وطعنه عبد الرّحمن فقتله. وتحوّل على فرسه. ولحق أبو قتادة- فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرّحمن. فطعنه فقتله. فو الّذي كرّم وجه محمّد صلى الله عليه وسلم لتبعتهم أعدو على رجليّ. حتّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم، شيئا. حتّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد ليشربوا منه وهم عطاش قال:
فنظروا إليّ أعدو وراءهم. فخلّيتهم عنه «1» (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدّون في ثنيّة. قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكّه بسهم في نغض «2» كتفه. قال قلت: خذها:
وأنا ابن الأكوع
…
واليوم يوم الرّضّع
قال: يا ثكلته أمّه، أكوعه بكرة «3» . قال قلت:
نعم. يا عدوّ نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنيّة. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء. فتوضّأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الّذي حلّأتهم عنه. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل وكلّ شيء استنقذته من المشركين وكلّ رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الّذي استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها. قال قلت: يا رسول الله! خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتّبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلّا قتلته.
قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتّى بدت نواجذه في ضوء النّار. فقال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟» .
قلت: نعم. والّذي أكرمك، فقال:«إنّهم الان ليقرون في أرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورا. فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجّالتنا سلمة» . قال: ثمّ أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين:
سهم الفارس وسهم الرّاجل. فجمعهما لي جميعا. ثمّ أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه على العضباء. راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلّا أن يكون
(1) فخليتهم عنه: أي طردتهم عنه. وقد فسرها في الحديث بقوله: يعني أجليتهم عنه. قال القاضي: كذا روايتنا فيه هنا غير مهموز. قال وأصله الهمز، فسهله. وقد جاء مهموزا بعد هذا في الحديث.
(2)
نغض: هو العظم الرقيق على طرف الكتف. سمي بذلك لكثرة تحركه. وهو الناغض أيضا.
(3)
قال: يا ثكلته أمه أكوعه بكرة: معنى ثكلته أمه، فقدته. وقوله: أكوعه، هو برفع العين، أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار؟ ولهذا قال: نعم. وبكرة منصوب غير منون. قال أهل العربية: يقال أتيته بكرة بالتنوين، إذا أردت أنك لقيته باكرا في يوم غير معين. قالوا: وإن أردت بكرة يوم بعينه، قلت أتيته بكرة، غير مصروف. لأنها من الظروف المتمكنة.
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمّي، ذرني فلأسابق الرّجل، قال:«إن شئت» ، قال: قلت:
اذهب إليك. وثنيت رجلي فطفرت «1» فعدوت. قال:
فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «2» ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «3» . قال فأصكّه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت. والله! قال: أنا أظنّ «4» قال:
فسبقته إلى المدينة
…
الحديث) * «5»
17-
* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه قال: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحسن النّاس وأشجع النّاس، ولقد فزع أهل المدينة ليلة فخرجوا نحو الصّوت، فاستقبلهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد استبرأ الخبر وهو على فرس لأبي طلحة عري وفي عنقه السّيف وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا» ، ثمّ قال: «وجدناه بحرا «6» » أو قال: «إنّه لبحر» ) * «7» .
18-
* (عن عائشة- رضي الله عنها زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين، ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النّهار بكرة وعشيّة. فلمّا ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتّى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدّغنة، وهو سيّد القارّة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربّي، قال ابن الدّغنة: إنّ مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنّك تكسب المعدوم، وتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ، وأنا لك جار. فارجع فاعبد ربّك ببلادك. فارتحل ابن الدّغنة، فرجع مع أبي بكر فطاف في أشراف كفّار قريش فقال لهم: إنّ أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرّحم، ويحمل الكلّ، ويقري الضّيف، ويعين على نوائب الحقّ؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدّغنة، وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدّغنة: مر أبا بكر فليعبد ربّه في داره، فليصلّ وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به. فإنّا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قال ذلك ابن الدّغنة لأبي بكر. فطفق أبو بكر يعبد ربّه في داره ولا يستعلن بالصّلاة ولا القراءة في غير داره. ثمّ بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز، فكان يصلّي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين «8» وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدّغنة فقدم عليهم فقالوا له: إنّا كنّا
(1) فطفرت: أي وثبت وقفزت.
(2)
فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي: معنى ربطت حبست نفسي عن الجري الشديد. والشرف ما ارتفع من الأرض. وقوله: أستبقي نفسي، أى لئلا يقطعني البهر.
(3)
رفعت حتى ألحقه: أي أسرعت. قوله: حتى ألحقه. حتى، هنا، للتعليل بمعنى كي. وألحق منصوب بأن مضمرة بعدها.
(4)
أظن: أي أظن ذلك. حذف مفعوله للعلم به.
(5)
مسلم (1807) .
(6)
وجدناه بحرا: أي وجدنا الفرس كالبحر في عدوه وسرعة جريه.
(7)
البخاري- الفتح 6 (2908) .
(8)
يتقصّف عليه نساء المشركين: أي يزدحمن.