الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبدع في البحث عن الأفضل، ولعلّ أوضح الأمثلة الّتي تحثّ على ذلك ما حدث قبل غزوة بدر عندما أخبر الرّسول صلى الله عليه وسلم أنّ الله وعده إحدى الطّائفتين:
العير أو النّفير، وقد مال الاتّجاه العامّ أوّل الأمر إلى الحلّ الأقلّ خطرا، والأكثر فائدة، ولكنّ الله عز وجل كان يريد أكثر الحلول تأثيرا وأعظمها شرفا، وأقدرها على حسم النّزاع بين الشّرّ والباطل، وقد كان، وهكذا فقد دعا الإسلام أتباعه إلى أن يبتغوا في سلّم الأعمال أسماها وأقواها تأثيرا «1» ، ثمّ خلص إلى القول إلى: أنّ العناصر الّتي يتكوّن منها الجهد المبدع هي: الاختيار الإراديّ، والاختيار الصّالح، والاختيار الأفضل، فالعنصر الأوّل هو روح الأخلاق بعامّة، والثّاني يقدّم إلى كلّ نوع من الأخلاق الخاصّة نوعيّتها المختلفة، وأمّا الثّالث فهو الّذي يتمّ عمل الاثنين ويكمله «2» .
إنّ كلمة «الأفضل» (ومن ثمّ وصف عمل ما بهذا الوصف وإطلاق لقب الفاضل على صاحبه) لا ينبغي أن تؤخذ على أساس أنّها صيغة الحدّ الأعلى، بل على أساس المقارنة، لأنّ المستوى الّذي يندب جهد كلّ إنسان إلى أن يبلغه (ليكون فاضلا) ليس هو الدّرجة الحدّيّة الّتي تقع فوق التّكليف، وإنّما في هذا الامتداد المتراحب الّذي يتّسع لتنافس كلّ النّاس، حيث يدعى كلّ واحد منهم إلى أن يرتقي بالتّدريج، من نقطة لاخرى، بحسب قدراته، ومع مراعاة ما بقي من تكاليفه «3» .
لفظ الفضل في القرآن الكريم:
قال ابن الجوزيّ: الأصل في الفضل: الزّيادة، ويستعار في مواضع تدلّ عليها القرينة، وقد ذكر أهل التّفسير أنّ الفضل في القرآن الكريم على ثمانية أوجه:
الأوّل: الإنعام بالإسلام كما في قوله تعالى:
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ (آل عمران/ 73) .
الثّاني: الإنعام بالنّبوّة، ومنه قوله عز وجل وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً
(النساء/ 113) .
الثّالث: الرّزق في الدّنيا، ومنه قوله سبحانه:
وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (الجمعة/ 10) .
الرّابع: الرّزق في الجنّة، ومنه قول الله عز وجل يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ (آل عمران/ 171) .
الخامس: الجنّة ومنه قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (الأحزاب/ 47) .
السّادس: المنّة والنّعمة، ومن ذلك قول الله عز وجل ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ (يوسف/ 38) .
السّابع: الخلف (ممّا ينفق في سبيل الله)«4» ،
(1) انظر صفة: علو الهمة.
(2)
باختصار وتصرف عن دستور الأخلاق في القرآن ص 613- 622.
(3)
المرجع السابق، ص 622.
(4)
في الأصل: الحلف بالحاء ولا معنى له، وقد زاد محقق الكتاب الطين بلة فقال وفي نسخة الخلق (بالخاء) ، والصواب ما أثبتناه لأن الاية الكريمة جاءت في سياق الحث على الإنفاق وبيان أن الشيطان يخوف أولياءه من الفقر ويأمرهم بالفحشاء-
ومن ذلك قول الله تعالى وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا (البقرة/ 268) .
الثّامن: التّجاوز (بالعفو عن السّيّئات) ومنه قوله سبحانه إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ (البقرة/ 243)«1» .
وقد زاد الفيروز اباديّ إلى ذلك معاني أخر منها:
التّاسع: المعجزة والكرامة، كما في قوله تعالى:
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا (سبأ/ 10) .
العاشر: تأخير العذاب، وذلك كما في قوله تعالى وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (النور/ 14) .
الحادي عشر: الظّفر والغنيمة، وذلك كما في قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ (آل عمران/ 174) .
الثّاني عشر: قبول التّوبة والإنابة، وذلك كما في قوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (النور/ 20) .
الثّالث عشر: زيادة الثّواب والكرامة، ومنه قول الله تعالى: وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ (الحديد/ 29) .
ويمكن أن نضيف إلى ذلك المعاني الاتية «2» :
الرّابع عشر: المعروف والإحسان كما في قوله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى (النور/ 22) .
الخامس عشر: الشّفاعة في الآخرة، ومن ذلك قوله سبحانه: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ (فاطر/ 30) .
السّادس عشر: الخير والنّعمة، كما في قوله تعالى: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ (يونس/ 107) .
السّابع عشر: التّميّز في الخلق أو الرّزق، وذلك كما في قوله سبحانه: وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ (هود/ 27) .
وسوف نحاول فيما يلي تصنيف الآيات الكريمة الواردة في الفضل وفقا لهذه المعاني.
[للاستزادة: انظر صفات: الاعتراف بالفضل- الإحسان- الشفاعة- الصفح- الجود- الكرم- السماحة- الإيثار- الإنصاف- البر- بر الوالدين- الشكر- الحمد.
وفي ضد ذلك: انظر صفات: انكار الجميل- الإعراض- الإساءة- الغافلة- التعسير- الانتقام- الشماتة- النقمة- الأثرة- البخل- الشح- عقوق الوالدين] .
- أي البخل، والله عز وجل يعد أولياءه بالمغفرة وأن يعطيهم فضلا أي خلفا عما أنفقوه في سبيله ويكون ذلك بالرزق في الدنيا والنعيم في الآخرة، انظر في تفسير الاية: القرطبي 3/ 329، والتفسير القيم ص 168.
(1)
ذكر الفيروز ابادي معاني أخرى تتعلق بالتفضيل وليس لذلك علاقة بما نحن بصدده، ولذلك لم نذكرها.
(2)
اعتمدنا في إثبات المعاني التي لم يذكرها الفيروز ابادي وابن الجوزي على كتب التفسير وخاصة تفسير الطبري وابن كثير وتفسير أبي حيان (البحر المحيط) .