الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تصدير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فكان من فضل الله عز وجل أن وفّق لإصدار نشرة علمية لكتاب «الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» المعروف بنونية ابن القيم رحمه الله. وقد اعتُمد في تحقيق الكتاب على سبع نسخ خطية منها نسخة نفيسة نقلت عن نسخة سمعها الحافظ ابن رجب الحنبلي بقراءة والده على الناظم رحمه الله قبل وفاته بستة أشهر. وقد جاء هذا العمل مع الشروح والتعليقات والمقدمة والفهارس في ثلاثة مجلدات استغرقت نحو 1450 صفحة.
أما هذا المجلد الذي يحتوي على متن الكتاب فقط دون الشروح والتعليقات وغيرها، فقد توخينا به تقريب النونية على وجه آخر، فإن من قرائها من يرغب في حفظها واستظهارها، فيحتاج إلى استصحابها في حله وترحاله، ومنهم من يحب قراءة الأبيات قراءة متصلة، ومنهم من يريد تصفحها ومراجعتها على عجل. فمن أجلهم رأَينا أن نشر المتن وحده كاملًا في مجلد واحد يخف حمله ويسهل تناولُه.
والمأمول من القاريء الكريم - إذا خفي عليه معنى النص، أو استشكل شيئا من ضبطه وتحريره، أو رآه مخالفة لما في الطبعات الأخرى
من الكتاب - أن يرجع إلى النشرة المطوَّلة التي هي أصل هذه النشرة المجرَّدة.
نسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يتقبل سعي العاملين في هذا المشروع المبارك - إن شاء الله - والقائمين عليه، إنه قريب مجيب.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شهدتْ له بالربوبيةِ جميعُ مخلوقاته. وأقرَّتْ له بالعبوديةِ جميعُ مصنوعاتِه. وأدّت له الشهادةَ جميعُ الكائنات أنّه الله الذي لا إله إلّا هو بما أودعها مِن لطيفِ صُنْعِه وبديع آياته. وسبحان الله وبحمده عددَ خلقِه، ورضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومِدادَ كلماتِه. ولا إله إلَّا الله، الأحد
الصمد، الذي لا شريك له في ربوبيته، ولا شبيه له في أفعالِه ولا في صفاتِه، ولا في ذاته. والله أكبر، عددَ ما أحاط به علمُه، وجرى به قلمُه، ونفذ فيه حكمُه من جميع بريّاته. ولا حول ولا قوة إلا بالله، تفويضَ عبدٍ لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا، ولا حياةً، ولا نشورًا، بل هو بالله وإلى الله في مبادئِ أمره ونهاياتِه. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا كفؤ له، الذي هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه أحدٌ مِن جميع بريّاتِه.
وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأمينُه على وحيه، وخِيرتُه من بريّته، وسفيرُه بينه وبين عباده، وحجّتُه على خلقِه. أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أرسله على حينِ فَترةٍ من الرّسُل، وطُموسٍ من السّبُل، ودُروسٍ من الكتب. والكفرُ قد اضْطَرَمت نارُه، وتطايرَ في الآفاق شرارُه. وقد استوجبَ أهلُ الأرضِ أن يَحِلَّ بهم العقابُ، وقد نظر الجبّارُ تبارك وتعالى إليهم فمَقَتَهم عربَهم وعجمَهم إلّا بقايا من أهل الكتاب. وقد استند كلُّ قوم إلى ظُلَم آرائِهم، وحكموا على اللهِ سبحانه بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم. وليلُ الكفرِ مُدْلَهِمٌّ
ظلامُه، شديدٌ قتامُه. وسبيلُ الحقِّ عافيةٌ آثارُه، مطموسةٌ أعلامُه. ففلَقَ اللهُ سبحانه بمحمّد صلى الله عليه وسلم صبحَ الإيمان، فأضاء حتى ملأ الآفاقَ نورًا، وأطلع به شمسَ الرسالة في حَنادِسِ الظُّلَمِ سراجًا منيرًا، فهدَى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وبصَّرَ به من العمَى، وأرشدَ به من الغيّ، وكثَّرَ به بعد القلّة، وأعزَّ به بعد الذلّة، وأغنَى به بعد العَيْلة، واستنقذ به من الهَلَكة، وفتح به أعيُنًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفا.
فبلّغَ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصَحَ الأمّة وجاهدَ في الله حقَّ جهاده، وعَبَد اللهَ حتى أتاه اليقين من ربّه. وشرح الله له صدرَه، ورفع له ذكرَه، ووضع عنه وِزرَه، وجعل الذلّةَ والصَّغارَ على من خالف أمرَه.
وأقسم بحياته في كتابه المبين. وقرَنَ اسمَه باسمِه، فإذا ذُكِر ذُكِر معه، كما في الخطب والتشهد والتأذين. فلا يصحّ لأحد خطبةٌ ولا تشهدٌ ولا أذانٌ ولا صلاةٌ، حتى يشهد أنه عبده ورسوله شهادة اليقين. فصلّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وجميعُ خلقِه عليه، كما
عرّفنا بالله وهدانا إليه، وسلّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه إذا أراد أن يكرم عبده بمعرفته، ويجمع قلبه على محبته، شرح صدره لقبول صفاته العلا، وتلقيها من مِشكاة الوحي. فإذا ورد عليه شيء منها قابله بالقبول، وتلقّاه بالرضا والتسليم، وأذعن له بالانقياد. فاستنار به قلبه، واتسع له صدره، وامتلأ به سرورًا ومحبة. وعَلِم أنه تعريف من تعريفات الله تعالى، تعرَّفَ به إليه على لسان رسوله، فأنزل تلك الصفة من قلبه منزلةَ الغذاء أعظمَ ما كان إليه فاقة، ومنزلةَ الشفاء أشدَّ ما كان إليه حاجة. فاشتدّ بها فرحُه، وعظم بها غناه، وقويت بها معرفته، واطمأنّت إليها نفسه، وسكن إليها قلبه. فجال من المعرفة في ميادينها، وأسام عينَ
بصيرتِه بين رياضها وبساتينها، لِتيقّنه بأنّ شرفَ العلم تابعٌ لِشرفِ معلومِه، ولا معلومَ أعظمُ وأجلُّ ممّن هذه صفتُه، وهو ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا؛ وأنَّ شرَفه أيضًا بحسب الحاجة
إليه، وليست حاجةُ الأرواح قطُّ إلى شيء أعظمَ منها إلى معرفة بارئها وفاطرها، ومحبته، وذكره، والابتهاج به، وطلب الوسيلة إليه، والزلْفى عنده. ولا سبيل إلى هذا إلّا بمعرفةَ أوصافه وأسمائه، فكلّما كان العبد بها أعلَم كان بالله أعرَف، وله أطلَب، وإليه أقرَب. وكلّما كان لها أنكَر كان بالله أجهَل، وإليه أكرَه، ومنه أبعَد. والله تعالى يُنْزِل العبد من نفسه حيث يُنزِله العبدُ من نفسه.
فمن كان لذكر أسمائه وصفاته مبغضًا، وعنها مُعرضًا نافرًا ومنفِّرًا، فالله له أشدُّ بغضًا، وعنه أعظمُ إعراضًا، وله أكبرُ مقتًا، حتى تعود القلوب على قلبين:
قلبٌ ذكرُ الأسماءِ والصفاتِ قوتُه وحياتُه، ونعيمُه وقُرّةُ عينِه، لو فارقه ذكرُها ومحبّتُها ساعةً لاستغاث: يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك. فلسان حاله يقول:
يُرادُ مِن القلبِ نسيانُكم
…
وتأبَى الطباعُ على الناقل
ويقول:
وإذا تقاضيتُ الفؤادَ تناسِيًا
…
ألفيتُ أحشائي بذاك شِحاحًا
ويقول:
إذا مرِضنا تداوَينا بذكركم
…
فنتركُ الذكرَ أحيانًا فننتكِسُ
ومن المحال أن يذكر القلب مَن هو محاربٌ لصفاته، نافرٌ من سماعها، معرضٌ بكلّيته عنها، زاعمٌ أنّ السلامة في ذلك. كلّا والله، إنْ هو إلّا الجهالة والخِذْلان، والإعراض عن العزيز الرحيم، فليس القلب الصحيح قطُّ إلى شيء أشوقَ منه إلى معرفة ربه تعالى، وصفاته وأفعاله وأسمائه، ولا أفرحَ بشيء قطُّ كفرحه بذلك. وكفى بالعبد خِذلانًا أن يُضرَبَ على قلبه سُرادِقُ الإعراضِ عنها والنَّفرةِ والتنفيرِ، والاشتغالِ بما لو كان حقًّا لم ينفع إلا بعد معرفة الله تعالى والإيمان به وبصفاته وأسمائه.
والقلب الثاني: قلبٌ مضروبٌ بسِياط الجهالة، فهو عن معرفة ربه ومحبّته مصدود، وطريقُ معرفةِ أسمائه وصفاته كما أُنزِلتْ عليه مسدود، قد قَمَشَ شُبَهًا من الكلام الباطل، وارتوَى من ماءٍ آجن غير طائل، تَعُجُّ منه آياتُ الصّفاتِ وأحاديثُها إلى الله عجيجًا، وتضِجُّ منه إلى مُنْزِلها ضجيجًا، مما يسومها تحريفًا وتعطيلًا، ويُولي معانيها تغييرًا وتبديلًا. قد أعدّ لدفعها أنواعًا من العُدَد، وهيّأ لردّها ضروبًا من القوانين، وإذا دُعي إلى تحكيمها أبى واستكبر، وقال: تلك أدلّة لفظية لا تفيد شيئًا من اليقين. قد اتّخذ التأويلَ جُنّةً يَتترَّسُ بها من مواقع سهام السنّة والقرآن، وجعل إثباتَ صفاتِ ذي الجلال تجسيمًا وتشبيهًا يَصُدُّ به القلوبَ عن طريق العلم والإيمان. مزْجَى البضاعة من العلم النافع الموروث عن خاتمِ الرسل والأنبياء، لكنه مليء بالشكوك والشُّبَه والجدال والمِراء. خلع عليه الكلامُ الباطلُ خِلعةَ الجهلِ والتجهيل، فهو يتعثرّ في أذيالِ التكفير لأهل الحديث والتبديع لهم والتضليل. قد طاف على أبواب الآراء والمذاهب، يتكفّفُ أربابَها، فانثنى بأخسِّ المواهِب والمطالِب. عَدَلَ عن الأبواب العالية الكفيلة بنهاية المراد وغاية الإحسان، فابتلي بالوقوف على الأبواب السافلة المليئة بالخيبة والحرمان. قد لبس حُلّةً منسوجةً من الجهل والتقليد والشبه والعناد، فإذا بُذِلت له النصيحةُ، ودُعِيَ إلى الحقّ، أخذته العزّة بالإثم، فحسبه جهنم ولبئس المهاد.
فما أعظم المصيبةَ بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشدَّ الجنايةَ به على السنّة والقرآن! وما أحبَّ جهادَه بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقلَ أجرَ ذلك الجهاد في الميزان!
والجهاد، بالحجّة والبيان مقدّم على الجهاد بالسيف والسنان. ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد إنذارًا وتعذيرًا. فقال تعالى:{فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)} [الفرقان: 52]. وأمر تعالى بجهاد المنافقين والغلظة عليهم مع كونهم بينَ أظهُرِ المسلمين في
المقام والمسير، فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73)} [التوبة: 73]. فالجهادُ بالعلم والحجّة جهادُ أنبياءِ الله ورسله وخاصّته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والاتفاق، ومن مات ولم يغزُ، ولم يحدِّثْ نفسَه بغزو مات على شعبة من النفاق.
وكفى بالعبد عَمًى وخِذلانًا أن يرى عساكرَ الإيمان، وجنودَ السنّة والقرآن، قد لبِسُوا للحرب لأمتَه، وأعدُّوا له عُدّتَه، وأخذوا مصافَّهم، ووقفوَا مواقفَهم، وقد حمِي الوطيسُ، ودارت رحى الحرب، واشتدّ القتال، وتنادت الأقرانُ نَزَالِ نَزَالِ، وهو في المَلْجأ والمغارات والمُدَّخَل مع الخوالف كمين. وإذا ساعد القدرُ وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جَهدَ أيمانه: إنّي كنتُ معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين.
فحقيق بمن لنفسه عنده قَدْر وقيمة أن لا يبيعَها بأَخسِّ الأثمان، وأن لا يعرضها غدًا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبِّت قدمَه في صفوف أهل العلم والإيمان، وأن لا يتحيّزَ إلى مقالةٍ سوى ما جاء في السنّة والقرآن.
فكأنْ قد كُشِف الغِطَاء، وانجلى الغبار، وأبان عن وجوه أهل السنة مسفرة ضاحكة مستبشرة، وعن وجوه أهل البدعة عليها غَبَرة، ترهقها قَتَرة، يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبيضُّ وجوهُ أهل السنة والجماعة، وتسودُّ وجوهُ أهل البدعة والفرقة.
فوالله لَمُفَارَقةُ أهلِ الأهواءِ والبدع في هذه الدار أسهلُ مِن مرافقتهم إذا قيل: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22]. قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبعده الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أزواجهم: أشباههم ونظراؤهم. وقد قال تعالى:
{وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)} [التكوير: 7]، فجُعِل صاحبُ الحق مع نظيره في درجته، وصاحبُ الباطل مع نظيره في