الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِأحد فقرر السُّلْطَان وَلَده عز الدّين مسعوداً على مَا كَانَ لِأَبِيهِ من الْأَعْمَال وَهِي الْموصل وديار الجزيرة وحلب وحماة وجزيرة ابْن عمر وَغَيرهَا
وَكَانَ شَابًّا عَاقِلا فضبط الْبِلَاد وَلم تطل ايامه وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَولي الْأَمر بعده أَخُوهُ الصَّغِير وَقَامَ بتدبير دولتيهما الْأَمِير جاولي وَهُوَ مَمْلُوك تركي من مماليك أَبِيهِمَا فجرت الْأُمُور على أحسن نظام
فصل فِي ولَايَة زنكي الْموصل وَغَيرهَا من الْبِلَاد الَّتِي كَانَت بيد البرسقي
وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان من سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسبب ذَلِك أَن عز الدّين بن البرسقي لما توفّي وَقَامَ بالبلاد بعده أَخُوهُ الصَّغِير وَتَوَلَّى أمره جاولى أرسل إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود يطْلب أَن يقر الْبِلَاد عَلَيْهِ وَكَانَ الْمُرْسل بذلك القَاضِي بهاء الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن الشهرزوي وَصَلَاح الدّين مُحَمَّد الياغبساني
فحضرا بَغْدَاد ليخاطبا السُّلْطَان فِي ذَلِك وَكَانَا يخافان جاولى وَلَا يرضيان بِطَاعَتِهِ وَالتَّصَرُّف بِحكمِهِ
وَكَانَ بَين
الصّلاح وَبَين نصير الدّين جقر مصاهرة فَأَشَارَ عَلَيْهِمَا أَن يطلبا الْبِلَاد لعماد الدّين زنكي ففعلا وَقَالا للوزير قد علمت أَنْت وَالسُّلْطَان أَن بِلَاد الجزيرة وَالشَّام قد استولى الإفرنج على أَكْثَرهَا وتمكنوا مِنْهَا وقويت شوكتهم وَكَانَ البرسقي يكف بعض عاديتهم فمنذ قتل ازْدَادَ طمعهم وَهَذَا وَلَده طِفْل صَغِير وَلَا بُد للبلاد من شهم شُجَاع يذب عَنْهَا ويحمي حوزتها وَقد أنهينا الْحَال إِلَيْكُم لِئَلَّا يجْرِي خلل أَو وَهن على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين فنحصل نَحن بالإثم من الله تَعَالَى واللوم من السُّلْطَان
فأنهى الْوَزير ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فأعجبه وَقَالَ من تريان يصلح لهَذِهِ الْبِلَاد فذكرا جمَاعَة فيهم عماد الدّين زنكي وعظما مَحَله أَكثر من غَيره
فَأجَاب السُّلْطَان إِلَى تَوليته لما علم من شهامته وكفايته فولي الْبِلَاد جَمِيعهَا وَكتب منشوره بهَا وَسَار من بَغْدَاد إِلَى البوازيج ليملكها ويتقوى بهَا ويجعلها ظَهره إِن مَنعه جاولى عَن الْبِلَاد
فَلَمَّا استولى عَلَيْهَا سَار عَنْهَا إِلَى الْموصل فَخرج جاولى إِلَى لِقَائِه وَعَاد فِي خدمته إِلَى الْموصل فسيره إِلَى الرحبة وأعمالها وَأقَام هُوَ بالموصل يصلح أمورها ويقرر قواعدها
فولى نصير الدّين دزدارية قلعة الْموصل وفوض إِلَيْهِ أَمر الْولَايَة جَمِيعهَا وَجعل الدزدارية فِي الْبِلَاد جَمِيعهَا لَهُ وَجعل الصّلاح مُحَمَّد الياغبساني أَمِير حَاجِب الدولة وَجعل بهاء الدّين قَاضِي قُضَاة بِلَاده جَمِيعهَا وَمَا يَفْتَحهُ من الْبِلَاد ووفي لَهُم بِمَا وعدهم
وَكَانَ بهاء الدّين أعظم النَّاس عِنْده منزلَة وَأكْرمهمْ عَلَيْهِ وَأَكْثَرهم انبساطا مَعَه وقربا مِنْهُ ورتب الْأُمُور على أحسن نظام وَأحكم قَاعِدَة
وَكَانَ الفرنج قد اتسعت بِلَادهمْ وَكَثُرت أجنادهم وعظمت هيبتهم وزادت صولتهم وامتدت إِلَى بِلَاد الْمُسلمين أَيْديهم وَضعف أَهلهَا عَن كف عاديهم وَتَتَابَعَتْ غزواتهم وساموا الْمُسلمين سوء الْعَذَاب واستطار فِي الْبِلَاد شرر شرهم وامتدت مملكتهم من نَاحيَة ماردين وشبختان إِلَى عَرِيش مصر لم يتخلله من ولَايَة الْمُسلمين غير حلب وحماة وحمص ودمشق
وَكَانَت سراياهم تبلغ من ديار بكر إِلَى آمد وَمن ديار الجزيرة إِلَى نَصِيبين وَرَأس عين
أما أهل الرقة وحران فقد كَانُوا مَعَهم فِي ذل وهوان وانقطعت الطّرق إِلَى دمشق إِلَّا على الرحبة وَالْبر
ثمَّ زَاد الْأَمر وَعظم الشَّرّ حَتَّى جعلُوا على أهل كل بلد جاورهم خراجا وإتاوة يأخذونها مِنْهُم ليكفوا أذيتهم عَنْهُم
ثمَّ لم يقنعوا بذلك حَتَّى أرْسلُوا إِلَى مَدِينَة دمشق واستعرضوا الرَّقِيق مِمَّن أَخذ من الرّوم والأرمن وَسَائِر بِلَاد النَّصْرَانِيَّة وخيروهم بَين الْمقَام عِنْد أربابهم وَالْعود إِلَى أوطانهم فَمن اخْتَار الْمقَام تَرَكُوهُ وَمن آثر الْعود إِلَى أَهله أَخَذُوهُ وناهيك بِهَذِهِ الْحَالة ذلة للْمُسلمين وصغارا
وَأما أهل حلب فَإِن الفرنج أخذُوا مِنْهَا مُنَاصَفَة أَعمالهَا حَتَّى فِي الرحا الَّتِي على بَاب الْجنان وَبَينهَا وَبَين الْمَدِينَة عشرُون خطْوَة
وَأما بَاقِي بِلَاد الشَّام فَكَانَ حَال أَهلهَا أَشد من حَال هذَيْن البلدين
فَلَمَّا نظر الله سُبْحَانَهُ إِلَى بِلَاد الْمُسلمين ولاها عماد الدّين زنكي فغزا الفرنج فِي عقر دِيَارهمْ وَأخذ للموحدين مِنْهُم بثارهم واستنقذ مِنْهُم حصونا