الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ وَلما ملك نور الدّين دمشق خافه الفرنج كَافَّة وَعَلمُوا أَنه لَا يقْعد عَن غَزْو بِلَادهمْ والمبادرة إِلَى قِتَالهمْ فراسله كل كند وقمص وتقربوا إِلَيْهِ
ثمَّ إِن من بتل بَاشر راسلوه وبذلوا لَهُ تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ فَأرْسل إِلَى الْأَمِير حسان المنبجي وَهُوَ من أكَابِر أُمَرَاء نور الدّين وإقطاعه منبج فَأمره أَن يتسلمها مِنْهُم
فَسَار إِلَيْهَا وتسلمها وحصنها وَرفع إِلَيْهَا ذخائر كَثِيرَة
فصل
قَالَ الرئيس ابو يعلى وَقد كَانَ مُجَاهِد الدّين بزان أطلق يَوْم الْفَتْح من الاعتقال وأعيد إِلَى دَاره
وَوصل الرئيس مؤيد الدّين المسّيب إِلَى دمشق مَعَ وَلَده النَّائِب عَنهُ فِي صرخد إِلَى دَاره معولا على لُزُومهَا وَترك التَّعَرُّض لشَيْء من التَّصَرُّفَات والأعمال
فَبَدَا مِنْهُ من الْأَسْبَاب المعربة عَن إِضْمَار الْفساد والعدول إِلَى خلاف مناهج السداد والرشاد مَا كَانَ دَاعيا إِلَى فَسَاد النِّيَّة فِيهِ
وَكَانَ فِي إِحْدَى رجلَيْهِ فتح قد طَال بِهِ ونسيه ثمَّ لحقه مرض وانطلاق متدارك أفرط عَلَيْهِ واسقط قوته مَعَ فهاق مُتَّصِل وقلاع فِي فِيهِ زَائِد فَقضى نحبه فِي رَابِع ربيع الأول وَدفن فِي دَاره واستبشر النَّاس بهلاكه والراحة من سوء أَفعاله
قَالَ ووردت الْأَخْبَار بقتل خَليفَة مصر الملقب بالظافر بن الْحَافِظ وأقيم وَلَده عِيسَى مقَامه وَهُوَ صَغِير يناهز ثَلَاث سِنِين ولقبوه بالفائز وعباس الْوَزير
ثمَّ ورد الْخَبَر بِأَن الْأَمِير فَارس الْمُسلمين طلائع بن رزيك وَهُوَ من أكَابِر الْأُمَرَاء المقدمين والشجعان الْمَذْكُورين لما انْتهى إِلَيْهِ الْخَبَر وَهُوَ غَائِب عَن مصر قلق لذَلِك وامتعض وَجمع واحتشد وَقصد الْعود إِلَى مصر
فَلَمَّا عرف عَبَّاس بِمَا جمع خَافَ الْغَلَبَة فتأهب للهرب فِي خواصه واسبابه وَحرمه وَمَا تهَيَّأ من مَاله وَسَار مغذا فَلَمَّا قرب من أَعمال عسقلان وغزة خرج إِلَيْهِ جمَاعَة من خيالة الإفرنج فاغتر بِكَثْرَة من مَعَه وَقلة من قَصده فَلَمَّا حملُوا عَلَيْهِ فشل أَصْحَابه وأعانوا عَلَيْهِ وانهزموا اقبح هزيمَة هُوَ وَابْنه الصَّغِير وَأسر ابْنه الْكَبِير الَّذِي قتل الْعَادِل بن السلار مَعَ وَلَده وَحرمه وَمَاله وكراعه وحصلوا فِي أَيدي الفرنج وَمن هرب لَقِي من الْجُوع والعطش شدَّة وَمَات الْعدَد الْكثير من النَّاس وَالدَّوَاب وَوصل فِي أثر هروبهم فَارس الْمُسلمين وَوضع السَّيْف فِيمَن ظفر بِهِ من أَصْحَاب عَبَّاس وانتصب فِي الوزارة وتدبير الْأُمُور مَوْضِعه وَوصل إِلَى دمشق مِنْهُم من نجاه الْهَرَب على أشنع صفة من الْعَدَم والعري فِي آخر ربيع الآخر
قلت وَفِي ذَلِك يَقُول عمَارَة الْيُمْنَى من قصيدة لَهُ
(لكم يَا بني رزيك لَا زَالَ ظلكم
…
مَوَاطِن سحب الْمَوْت فِيهَا مواطر)
(سللتم على عَبَّاس بيض صوارم
…
قهرتم بهَا سُلْطَانه وَهُوَ قاهر)
وَذكر الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ فِي = كتاب الِاعْتِبَار = أَن نصر بن عَبَّاس لما قتل ابْن السلار وتوزر أَبوهُ عَبَّاس كَانَ نصر يعاشر الْخَلِيفَة الظافر ويخالطه وعباس كَارِه لذَلِك مستوحش من ابْنه لعلمه بِمذهب الْقَوْم وَضرب بعض النَّاس بِبَعْض حَتَّى يفنوهم
وَشرع الظافر مَعَ ابْن عَبَّاس فِي حمله على أَبِيه ومواصلته بالعطايا الْكَثِيرَة ففاتحني فِي ذَلِك فنهيته فَأطلع وَالِده على الْأَمر فاستماله أَبوهُ ولطف بِهِ وَقرر مَعَه قتل الظافر وَكَانَا يخرجَانِ متنكرين وهما تربان سنهما وَاحِد
فَدَعَاهُ إِلَى دَاره ورتب من أَصْحَابه مَعَه فِي جَانب الدَّار نَفرا ثمَّ لما اسْتَقر بِهِ الْمجْلس خَرجُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَذَلِكَ سلخ محرم سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة ورماه فِي جب الدَّار
واصبح عَبَّاس جَاءَ إِلَى الْقصر ضحوة نَهَار للسلام فَجَلَسَ فِي مجْلِس الوزارة ينْتَظر جُلُوس الظافر فَلَمَّا تجَاوز وَقت جُلُوسه استدعى زِمَام الْقصر
وَقَالَ مَا لمولانا مَا جلس للسلام فتلبد الْأُسْتَاذ فِي الْجَواب فصاح عَلَيْهِ وَقَالَ مَالك لَا تجاوبني قَالَ يَا مولَايَ مَوْلَانَا مَا نَدْرِي أَيْن هُوَ
قَالَ مثل مَوْلَانَا يضيع ارْجع واكشف الْحَال
فَمضى وَرجع فَقَالَ مَا وجدنَا مَوْلَانَا
فَقَالَ يبْقى النَّاس بِلَا خَليفَة ادخل إِلَى الموَالِي إخْوَته يخرج مِنْهُم وَاحِد لنبايعه
فَمضى وَعَاد وَقَالَ الموَالِي يَقُولُونَ لَك مَا لنا فِي الْأَمر شَيْء والدنا عَزله عَنَّا وَجعله فِي الظافر وَالْأَمر لوَلَده بعده
قَالَ أَخْرجُوهُ حَتَّى نُبَايِعهُ
قَالَ وعباس قد قتل الظافر وعزم على أَن يَقُول لإخوته أَنْتُم قَتَلْتُمُوهُ ويقتلهم
فَخرج ولد الظافر وَلَعَلَّ عمره خمس سِنِين يحملهُ الْأُسْتَاذ فَأَخذه عَبَّاس فَحَمله وَبكى النَّاس ثمَّ دخل بِهِ إِلَى مجْلِس أَبِيه وَهُوَ حامله وَفِيه أَوْلَاد الْحَافِظ
قَالَ ابْن منقذ وَنحن فِي الرواق جُلُوس وَفِي الْقصر أَكثر من ألف رجل من المصريين فَمَا رَاعنا إِلَّا قوم قد خَرجُوا من الْمجْلس مُجْتَمعين إِلَى القاعة فَإِذا السيوف تخْتَلف على إِنْسَان فَقلت لغلام لي أرمني ابصر من هَذَا الْمَقْتُول
فَمضى وَعَاد وَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ مُسلمين هَذَا مولَايَ أَبُو
الْأَمَانَة جِبْرِيل بن الْحَافِظ قد قَتَلُوهُ وَوَاحِد قد شقّ بَطْنه يجذب مصارينه
ثمَّ خرج عَبَّاس وَهُوَ آخذ بِرَأْس الْأَمِير يُوسُف تَحت إبطه وَفِي رَأسه ضَرْبَة سيف وَالدَّم يفور مِنْهَا وَأَبُو الْبَقَاء ابْن أخيهم مَعَ ابْنه نصر ثمَّ أدخلوهما خزانَة فِي الْقصر فَقَتَلُوهُمَا وَفِي الْقصر ألف سيف مُجَرّد قَالَ وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم من أَشد الْأَيَّام الَّتِي جرت عَليّ لِأَنِّي رَأَيْت من الْفساد وَالْبَغي مَا يُنكره الله سُبْحَانَهُ وَجَمِيع خلقه
وَذكر الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ فِي = ديوانه = قَالَ كَانَ لعباس أَربع مئة جمل تحمل أثقاله ومئتا بغل ومئتا جنيب فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوج من مصر يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشر ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين وَخمْس مئة وَقد قَامَ عَلَيْهِ أهل مصر وعسكريتها فارسهم وراجلهم تقدم بشد خيله وبغاله وجماله ليتحمل وَيخرج فَلَمَّا صَار الْجَمِيع على بَاب دَاره وَقد مَلَأت ذَلِك الفضاء إِلَى قصر السُّلْطَان إِلَى الايوان خرج غُلَام يُقَال لَهُ عنبر كَانَ على أشغاله وغلمانه كلهم تَحت يَده فَقَالَ للجمالين والخربندية والركابية روحوا إِلَى بُيُوتكُمْ وسيبوا الدَّوَابّ
فَفَعَلُوا ذَلِك وانحاز هُوَ إِلَى المصريين
يقاتله مَعَهم
وَكَانَ مَا جرى من تهميل الدَّوَابّ لطفا من الله تَعَالَى بِهِ فَإِنَّهَا سدت الطَّرِيق بَينه وَبَين المصريين ومنعتهم من الْوُصُول إِلَيْهِ وهم فِي خلق كثير وَنحن فِي قلَّة مَا نبلغ خمسين رجلا وغلمان عَبَّاس مماليكه فِي ألف ومئتي غُلَام بالخيول الْجِيَاد وَالسِّلَاح التَّام وثماني مئة فَارس من الأتراك خَرجُوا كلهم من بَاب النَّصْر ووقفوا فِي الفضاء الَّذِي بَينه وَبَين رَأس الطابية فِرَارًا من الْقِتَال
فشرع المصريون فِي نهب الْخَيل وَالْجمال وَالْبِغَال فَلَمَّا فتحُوا طريقهم إِلَيْهِ خرج عَبَّاس من بَاب النَّصْر وجاؤوا فِي إثره حَتَّى أقفلوا الْبَاب وعادوا إِلَى نهب دوره
وَكَانَ عَبَّاس قد أحضر من الْعَرَب نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف فَارس يتقوى بهم على المصريين واستحلفهم ووهبهم هبات عَظِيمَة
فَلَمَّا خرج من بَاب مصر غدروا بِهِ وقاتلوه أَشد قتال سِتَّة أَيَّام يقاتلهم من الْفجْر إِلَى اللَّيْل فَإِذا نزل أمهلوه إِلَى نصف اللَّيْل ثمَّ يركبون ويهدون خيلهم على جَانب النَّاس ويصيحون صَيْحَة وَاحِدَة فتجفل الْخَيل وتقطع وَيخرج إِلَيْهِم مِنْهَا مَا فِيهِ منَّة وَقُوَّة فيأخذونه فَكَانَ ذَلِك سَبَب هَلَاك خيله وَتمكن الإفرنج مِنْهُ واشتغاله عَن سلوك طَرِيق لَا يقْصد الفرنج إِلَيْهِ
قَالَ ودامت الْحَرْب بَينه وَبينهمْ من يَوْم الْجُمُعَة ضحى نَهَار إِلَى آخر يَوْم الْخَمِيس ثمَّ جاؤوا إِلَيْهِ وَأخذُوا مِنْهُ حسبا على أَمْوَالهم وأنفسهم
وَبُيُوتهمْ ظنا مِنْهُم أَن لَهُ عودة إِلَيْهِم وَانْصَرفُوا عَنهُ وهم أَكثر من ثَلَاثَة آلَاف فَارس
وَيَوْم الْأَحَد صبحهمْ الإفرنج وَقد هلك النَّاس من الْجُوع والعطش وَمَاتَتْ خيلهم فَقتلُوا عباسا وَابْنه الْأَوْسَط واسروا ابْنه لأكبر وَقتلُوا خلقا كثيرا وَأخذُوا نسَاء عَبَّاس وخزائنه وأسروا أَوْلَادًا لَهُ صغَارًا وَانْصَرفُوا
قلت عَبَّاس هَذَا هُوَ عَبَّاس بن أَبى الْفتُوح بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس الْحِمْيَرِي ويلقب بالأفضل ركن الدّين ويكنى بأبى الْفضل وَرَأَيْت علامته فِي الْكتب أَيَّام وزارته الْحَمد لله وَبِه أَثِق وَفِيه يَقُول أُسَامَة بن منقذ
(لقد عَم جود الْأَفْضَل السَّيِّد الورى
…
وأغنى غناء الْغَيْث حَيْثُ يصوب)
وَمن أَبْيَات لِابْنِ أسعد فِيهِ لما قتل الظافر
(وَأنْفق من إنعامهم فِي هلاكهم
…
وَأظْهر مَا قد كَانَ عَنهُ ينافق)
(وَمد يدا هم طولوها إِلَيْهِم
…
وحلت بِأَهْل الْقصر مِنْهُ البوائق)
(سقى ربه كاس المنايا وَمَا انْقَضى
…
لَهُ الشَّهْر إِلَّا وَهُوَ للكأس ذائق)
وَكَانَ عَبَّاس قد تخيل من أُسَامَة عِنْد خُرُوجه من مصر لما يُعلمهُ بَينه وَبَين الْملك الصَّالح من الْمَوَدَّة والمصافاة فَأحْضرهُ واستحلفه أَنه لَا ينْفَصل عَنهُ ثمَّ لم يقنعه ذَلِك حَتَّى نفذ من أستاذى دَاره من يدْخل على حرمه إِلَى دَاره فَأخذ أَهله وَأَوْلَاده فتركهم عِنْد أَهله وَأَوْلَاده وَقَالَ لَهُ قد حملت ثقلهم عَنْك لَهُم أُسْوَة بوالدة نَاصِر الدّين يَعْنِي وَلَده نَاصِر الدّين وبإخوانه
فَلَمَّا خَرجُوا ونهبت دُورهمْ ودوابهم عجز عَن حمل من يَخُصُّهُ فأعادهم أُسَامَة من بلبيس وَنفذ إِلَى الْملك الصَّالح يَقُول لَهُ قد نفذت أَهلِي وأولادي إِلَيْك وَأَنت ولى مَا ترَاهُ فيهم
فأنزلهم فِي دَار وأجرى عَلَيْهِم الْجَارِي الْوَاسِع واحسن إِلَيْهِم غَايَة الْإِحْسَان
وَكَانَ يكاتبه فِي الرُّجُوع إِلَى مصر وَهُوَ يتلطف الْأَمر مَعَه قصدا لخلاص أَهله وَأَوْلَاده فَلَمَّا عرف ذَلِك مِنْهُ نسبه إِلَى وَحْشَة قلبه من الْقُصُور ونفوره من المصريين
فنفذ إِلَيْهِ يَقُول لَهُ تصل إِلَى مَكَّة فِي الْمَوْسِم ويلقاك رَسُولي إِلَيْهَا يسلم إِلَيْك مَدِينَة أسوان وأنفذ إِلَيْك أهلك وأمدك بالأموال وَهِي كَمَا علمت الثغر بَيْننَا وَبَين السودَان وَمَا يسد ذَلِك الثغر مثلك
وَأكْثر من الْوَعْد وَذكر رغبته فِي قربه ورعايته مَا بَينه وَبَينه من قديم الصُّحْبَة
فَاسْتَأْذن أُسَامَة فِي ذَلِك الْملك الْعَادِل نور الدّين وَكَانَ فِي خدمته
فَقَالَ يَا فلَان مَا تَسَاوِي الْحَيَاة الشتات وَالرُّجُوع إِلَى الأخطار والبعد عَن الأوطان
وَمنعه من ذَلِك بإحسانه ووعده أَن يستخلص أَهله
فَكتب أُسَامَة إِلَى الْملك الصَّالح يعْتَذر ويسأله تسيير أَهله
وترددت بَينهمَا مكاتبات وأشعار متصلات إِلَى أَن سيرهم وهم نَيف وَخَمْسُونَ نسمَة فِي الْإِكْرَام والاحترام إِلَى آخر ولَايَته
وَذكر أَن أهل الْقُصُور والأمراء أَنْكَرُوا تسييرهم وَقَالُوا يكون أَهله رهائن عندنَا لنأمن مَا يكون مِنْهُ
وَوَصله بعض أَصْحَابه من دمشق وَهُوَ بالعسكر النوري بحلب فَأخْبرهُ أَن من كَانَ لَهُ بِمصْر من الْأَهْل وَالْأَوْلَاد وَالْأَصْحَاب وصلوا وَأَن الْمركب انْكَسَرَ بهم فِي سَاحل عكا وَنهب الفرنج كل مَا فِيهِ وَلم يصلوا إِلَى دمشق إِلَّا