الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلم تزل أخبارهم تتواصل بهلاكهم وفناء أعدادهم إِلَى أَوَاخِر سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين بِحَيْثُ سكنت النُّفُوس بعض السّكُون
وَدخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين
وتواترت الْأَخْبَار بوصول مراكب الفرنج وحصولهم على سواحل الثغور الساحلية صور وعكا واجتماعهم مَعَ من بهَا من الفرنج
وَيُقَال إِنَّهُم بعد مَا فني مِنْهُم بِالْقَتْلِ وَالْمَرَض والجوع وصل تَقْدِير من مئة ألف وقصدوا الْبَيْت الْمُقَدّس فقضوا حجهم وَعَاد من عَاد مِنْهُم إِلَى بِلَادهمْ فِي الْبَحْر وَقد هلك مِنْهُم بِالْمَوْتِ وَالْمَرَض الْخلق الْعَظِيم وَهلك من مُلُوكهمْ من هلك وَبَقِي الألمان أكبر مُلُوكهمْ وَمن هُوَ دونه
وَاخْتلفت الآراء بَينهم فِيمَا يقصدون منازلته من الْبِلَاد الإسلامية إِلَى أَن اسْتَقَرَّتْ الْحَال على منازلتهم دمشق وَبلغ ذَلِك معِين الدّين فاستعد لحربهم فجاؤوا فِي تَقْدِير خمسين ألفا ودنوا من الْبَلَد وقصدوا المنزله الْمَعْرُوفَة بنزول العساكر فِيهَا فصادفوا المَاء مَقْطُوعًا فقصدوا نَاحيَة المزة فخيموا عَلَيْهَا لقربها من المَاء وزحفوا إِلَى الْبَلَد بخيلهم ورجلهم ووقف الْمُسلمُونَ بازائهم فِي يَوْم السبت سادس ربيع الأول ونشبت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ وَاجْتمعَ عَلَيْهِم من الْأَعْمَال والأجناد والأتراك والفتاك وأحداث الْبَلَد والمطوعة والغزاة الجم
الْغَفِير وَاسْتظْهر الْكفَّار على الْمُسلمين بِكَثْرَة الْأَعْدَاد وغلبوا على المَاء وانتشروا فِي الْبَسَاتِين وخيموا فِيهَا وقربوا من الْبَلَد وحصلوا مِنْهُ بمَكَان لم يتَمَكَّن أحد من العساكر قَدِيما وحديثا مِنْهُ وَاسْتشْهدَ فِي هَذَا الْيَوْم الْفَقِيه الإِمَام يُوسُف الفندلاوي الْمَالِكِي رحمه الله قريب الربوة على المَاء لوقوفه فِي وُجُوههم وَترك الرُّجُوع عَنْهُم اتبع أوَامِر الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْكَرِيم وَقَالَ بعنا وَاشْترى وَكَذَلِكَ عبد الرَّحْمَن الحلحولي الزَّاهِد رحمه الله جرى أمره هَذَا المجرى
قلت وَذكر الْأَمِير أُسَامَة بن منقذ فِي = كتاب الِاعْتِبَار = أَن ملك الألمان الفرنجي لما وصل إِلَى الشَّام اجْتمع إِلَيْهِ كل من بِالشَّام من الإفرنج وَقصد
دمشق فَخرج عسكرها وَأَهْلهَا لقتالهم وَفِي جُمْلَتهمْ الْفَقِيه الفندلاوي الْمَالِكِي وَالشَّيْخ الزَّاهِد عبد الرَّحْمَن الحلحولي رحمهمَا الله وَكَانَا من خِيَار الْمُسلمين فَلَمَّا قاربوهم قَالَ الْفَقِيه يَا عبد الرَّحْمَن أما هَؤُلَاءِ الرّوم قَالَ بلَى قَالَ فَإلَى مَتى نَحن وقُوف قَالَ سر على اسْم الله فَتَقَدما فَقَاتلا حَتَّى قتلا فِي مَكَان وَاحِد رحمهمَا الله تَعَالَى
ثمَّ قَالَ أَبُو يعلى وشرعوا فِي قطع الْأَشْجَار والتحصن بهَا وهدوا الفطائر وَبَاتُوا تِلْكَ اللَّيْلَة على هَذِه الْحَال وَقد لحق النَّاس من الارتياع لهول مَا شاهدوه والروع بِمَا عاينوه مَا ضعفت بِهِ الْقُلُوب وحرجت مَعَه الصُّدُور وباكروا الظُّهُور إِلَيْهِم فِي غَد ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ الْأَحَد تاليه وزحفوا إِلَيْهِم وَوَقع الطراد بَينهم وَاسْتظْهر الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم وَأَكْثرُوا الْقَتْل والجراح فيهم وأبلى الْأَمِير معِين الدّين فِي حربهم بلَاء حسنا وَظهر من شجاعته وَصَبره وبسالته مَا لم يُشَاهد فِي غَيره بِحَيْثُ لَا يني فِي جهادهم
وَلَا ينثني عَن ذيادهم
وَلم تزل رَحا الْحَرْب دَائِرَة بَينهم وخيل الْكفَّار محجمة عَن الحملة الْمَعْرُوفَة لَهُم حَتَّى تتهيأ الفرصة لَهُم إِلَى أَن مَالَتْ الشَّمْس إِلَى الْغُرُوب وَأَقْبل اللَّيْل وَطلبت النُّفُوس الرَّاحَة وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى مَكَانَهُ وأبت الْجند بإزائهم وَأهل الْبَلَد على أسوارهم للحرس وَالِاحْتِيَاط وهم يشاهدون أعداءهم بِالْقربِ مِنْهُم
وَكَانَت المكاتبات قد نفذت إِلَى وُلَاة الْأَطْرَاف بالاستصراخ والاستنجاد وَجعلت خيل التركمان تتواصل ورجالة الْأَطْرَاف تتتابع
وباكرهم الْمُسلمُونَ وَقد قويت نُفُوسهم وَزَالَ عَنْهُم روعهم وثبتوا بإزائهم وأطلقوا فيهم السِّهَام ونبل الجرخ بِحَيْثُ يَقع فِي مخّيمهم فِي راجل أَو فَارس أَو فرس أَو جمل
وَوصل فِي هَذَا الْيَوْم من نَاحيَة الْبِقَاع وَغَيرهَا رجالة كَثِيرَة من الرُّمَاة فزادت بهم الْعدة وتضاعفت الْعدة وانفصل كل فريق إِلَى مستقره فِي هَذَا الْيَوْم وباكروهم من غده يَوْم الثُّلَاثَاء وَأَحَاطُوا بهم فِي مخيمهم وَقد تحَصَّنُوا بأشجار الْبَسَاتِين وأفسدوها رشقا بالنشاب وحذفا بالأحجار وَقد أحجموا عَن البروز وخافوا وفشلوا وَلم يظْهر مِنْهُم أحد وَظن أَنهم يعْملُونَ مكيدة أَو يدبرون حِيلَة وَلم يظْهر مِنْهُم إِلَّا النَّفر الْيَسِير من الْخَيل وَالرجل على سَبِيل المطاردة والمناوشة خوفًا من المهاجمة إِلَى أَن يَجدوا لحملتهم مجالا
وَلَيْسَ يدنو مِنْهُم أحد إِلَّا صُرع برشقة أَو طعنة
وطمع فيهم نفر كثير من رجالة الْأَحْدَاث والضياع وَجعلُوا يقصدونهم فِي المسالك وَقد أمنُوا فيقتلون من ظفروا بِهِ ويحضرون رؤوسهم لطلب الجوائز عَنْهَا
وَحصل من رؤوسهم الْعدَد الْكثير
وتواترت إِلَيْهِم أَخْبَار العساكر الإسلامية بالمسارعة إِلَى جهادهم واستئصال
شأفتهم فَأَيْقنُوا بِالْهَلَاكِ والبوار وحلول الدمار وأعملوا الآراء بَينهم فَلم يَجدوا لنفوسهم خلاصا من الشبكة الَّتِي حصلوا فِيهَا غير الرحيل فرحلوا سحر يَوْم الْأَرْبَعَاء التَّالِي مفلولين
وَحين عرف الْمُسلمُونَ ذَلِك برزوا إِلَيْهِم فِي بكرَة هَذَا الْيَوْم وسارعوا فِي آثَارهم بِالسِّهَامِ بِحَيْثُ قتلوا فِي أَعْقَابهم من الرِّجَال والخيول وَالدَّوَاب الْعدَد الْكثير
ووجدوا فِي آثَار مَنَازِلهمْ وطرقاتهم من دفائن قتلاهم وخيولهم مَا لَا عدد لَهُ وَلَا حصر يلْحقهُ بِحَيْثُ لَهَا أراييح من جيفتهم تكَاد تصرع فِي الجو
وَكَانُوا قد أحرقوا الربوة والقبة الممدودية فِي تِلْكَ اللَّيْلَة
واستبشر النَّاس بِهَذِهِ النِّعْمَة الَّتِي أسبغها الله عَلَيْهِم وَأَكْثرُوا من الشُّكْر لَهُ تَعَالَى على مَا أولاهم من إِجَابَة دُعَائِهِمْ الَّذِي واصلوه فِي أَيَّام هَذِه الشدَّة
فَللَّه الْحَمد على ذَلِك وَالشُّكْر
وَاتفقَ عقيب هَذِه الرَّحْمَة اجْتِمَاع معِين الدّين مَعَ نور الدّين عِنْد قربه من دمشق للإنجاد لَهَا
وَقَالَ ابْن الْأَثِير خرج ملك الألمان من بِلَاد الفرنج فِي جيوش كَبِيرَة عَظِيمَة لَا تحصى كَثْرَة من الفرنج إِلَى بِلَاد الشَّام فاتفق هُوَ وَمن بساحل الشَّام من الفرنج فَاجْتمعُوا وقصدوا مَدِينَة دمشق ونازلوها وَلَا يشك ملك الألمان إِلَّا أَنه يملكهَا وَغَيرهَا لِكَثْرَة جموعه وعساكره
قَالَ وَهَذَا النَّوْع من الفرنج هُوَ أَكْثَرهم عددا وأوسعهم بلادا وملكهم أَكثر عددا وعددا وَإِن كَانَ غير ملكهم أشرف مِنْهُ عِنْدهم وَأعظم محلا
فَلَمَّا حاصروا دمشق وَبهَا صَاحبهَا مجير الدّين آبق بن مُحَمَّد بن بورى بن طغتكين وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمر إِلَى مَمْلُوك جده طغتكين وَهُوَ معِين الدّين أنر فَهُوَ كَانَ الْحَاكِم وَالْمُدبر للبلد والعسكر وَكَانَ عَاقِلا دينا خيرا حسن السِّيرَة
فَجمع الْعَسْكَر وَحفظ الْبَلَد وحصرهم الفرنج وزحفوا إِلَيْهِم سادس ربيع الأول فَخرج الْعَسْكَر وَأهل الْبَلَد لمنعهم
وَكَانَ فِيمَن خرج الشَّيْخ الْفَقِيه حجَّة الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن ذوناس المغربي الفندلاوي شيخ الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق وَكَانَ شَيخا كَبِيرا زاهدا عابدا خرج رَاجِلا فَرَآهُ معِين الدّين فقصده وَسلم عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا شيخ أَنْت مَعْذُور وَنحن نكفيك وَلَيْسَ بك قُوَّة على الْقِتَال فَقَالَ قد بِعْت وَاشْترى فَلَا نُقيله وَلَا نَسْتَقِيلهُ
يعْنى قَول الله تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة} الْآيَة
وَتقدم فقاتل الفرنج حَتَّى قتل رحمه الله عِنْد النيرب شَهِيدا
وَقَوي أَمر الفرنج وتقدموا فنزلوا بالميدان الْأَخْضَر وَضعف أهل الْبَلَد عَن ردهم عَنهُ
وَكَانَ معِين الدّين قد أرسل إِلَى سيف الدّين يستغيث بِهِ ويستنجده ويسأله الْقدوم عَلَيْهِ ويعلمه شدَّة الْأَمر
فَجمع سيف الدّين عساكره وَسَار مجدا إِلَى مَدِينَة حمص وَأرْسل إِلَى معِين الدّين يَقُول لَهُ قد حضرت وَمَعِي كل من يُطيق حمل السِّلَاح من بلادي فَإِن أَنا جِئْت إِلَيْك ولقينا الفرنج وَلَيْسَت دمشق بيد نوابي وأصحابي وَكَانَت الْهَزِيمَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه علينا لَا يسلم منا أحد لبعد بِلَادنَا عَنَّا وَحِينَئِذٍ يملك الفرنج دمشق وَغَيرهَا فَإِن أردتم أَن ألقاهم وأقاتلهم فتسلم الْبَلَد إِلَى من أَثِق إِلَيْهِ وَأَنا أَحْلف لَك إِن كَانَت النُّصْرَة لنا على الفرنج أنني لَا آخذ دمشق وَلَا أقيم لَهَا إِلَّا مِقْدَار مَا يرحل الْعَدو عَنْهَا وأعود إِلَى بلادي
فماطله معِين الدّين لينْظر مَا يكون من الفرنج
فَأرْسل سيف الدّين إِلَى الفرنج
الغرباء يتهددهم وَيُعلمهُم أَنه على قصدهم إِن لم يرحلوا
وَأرْسل معِين الدّين إِلَيْهِم أَيْضا يَقُول لَهُم قد حضر ملك الشرق وَمَعَهُ من العساكر مَا لَا طَاقَة لكم بِهِ فَإِن أَنْتُم رحلتم عنّا وَإِلَّا سلمت الْبَلَد إِلَيْهِ وَحِينَئِذٍ لَا تطمعون فِي السَّلامَة مِنْهُ
وَأرْسل إِلَى فرنج الشَّام يخوفهم من أُولَئِكَ الفرنج الخارجين إِلَى بِلَادهمْ وَيَقُول لَهُم أَنْتُم بَين أَمريْن مذمومين إِن ملك هَؤُلَاءِ الفرنج الغرباء دمشق لَا يبقون عَلَيْكُم مَا بِأَيْدِيكُمْ من الْبِلَاد وَإِن سلمت أَنا دمشق إِلَى سيف الدّين فَأنْتم تعلمُونَ أَنكُمْ لَا تقدرون على مَنعه من الْبَيْت الْمُقَدّس
وبذل لَهُم أَن يسلم إِلَيْهِم بانياًس أَن رحلوا ملك الألمان عَن دمشق فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك وَعَلمُوا صدقه واجتمعوا بِملك الألمان وخوفوه من سيف الدّين وَكَثْرَة عساكره وتتابع أمداده وَأَنه رُبمَا ملك دمشق فَلَا يبْقى لَهُم مَعَه مقَام بالسَّاحل
فأجابهم إِلَى الرحيل عَن دمشق فَرَحل ورحل فرنج السَّاحِل وتسلموا حصن بانياس من معِين الدّين وَبَقِي مَعَهم حَتَّى فَتحه نور الدّين مَحْمُود رحمه الله كَمَا سَنذكرُهُ
قلت وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر رَحْمَة الله فِي تَارِيخه أَن الْفَقِيه الفندلاوي رُؤِيَ فِي الْمَنَام فَقيل لَهُ أَيْن انت قَالَ فِي جنَّات عدن على سُرُرٍ مُتَقَابلين
وقبره الْآن يزار بمقابر الْبَاب الصَّغِير من نَاحيَة حَائِط الْمصلى وَعَلِيهِ بلاطة كَبِيرَة منقورة فِيهَا شرح حَاله
وَأما عبد الرَّحْمَن الحلحولي فقبره فِي بُسْتَان الشَّعْبَانِي فِي جِهَة شرقه وَهُوَ الْبُسْتَان المحاذي لمَسْجِد شعْبَان الْمَعْرُوف الْآن بِمَسْجِد طالوت
وَكَانَ مقَامه فِي حَيَاته فِي ذَلِك الْمَكَان رَحْمَة الله
وقرأت قصيدة فِي شعر أَبى الحكم الأندلسي شرح فِيهَا هَذِه الْقِصَّة مِنْهَا
(بشطى نهر داريا
…
أُمُور مَا تواتينا)
(وأقوام رَأَوْا سفك الدَّم
…
مَا فِي جلق دينا)
(أَتَانَا مئتا ألف
…
عديدا أَو يزيدونا)
(فبعضهم من أندلس
…
وَبَعض من فلسطينا)
(وَمن عكا وَمن صور
…
وَمن صيدا وتبنينا)
(إِذا أبصرتهم أَبْصرت
…
أَقْوَامًا مجانينا)
(وَلَكِن حرقوا فِي عَاجل
…
الْحَال البساتينا)
(وجازوا المرج وَالتَّعْدِيل
…
أَيْضا والميادينا)
(تخالهم وَقد ركبُوا
…
فطائرها حراذينا)
(وَبَين خيامهم ضمُّوا الخنازر
…
والقرابينا)
(ورايات وصلبانا
…
على مَسْجِد خاتونا)
(وَقُلْنَا إِذْ رأيناهم
…
لَعَلَّ الله يكفينا)
(سَمَا لَهُم معِين قد
…
أعَان الْخلق والدينا)
(وفتيان تخالهم
…
لَدَى الهيجا شياطينا)
(فَوَلوا يطْلبُونَ المرج
…
من شَرْقي جسرينا)
(وَلَكِن غادروا إلْيَاس
…
تَحت الترب مَدْفُونا)
(وشيخا فندلاويا
…
فَقِيها يعضد الدِّينَا)
(وفتيانا تفانوا من
…
دمشق نَحْو سبعينا)
(وَمِنْهُم مئتا علج
…
وخيل نَحْو تسعينا)
(وباقيهم إِلَى الْآن
…
من الْقَتْل يفرونا)
وللعرقلة حسان فِي مدح مجير الدّين صَاحب دمشق حِينَئِذٍ قصيدة ذكر فِيهَا هَؤُلَاءِ الفرنج أَولهَا
(عرّج على نجد لَعَلَّك منجدى
…
بنسيمها وبذكر سعدي مسعدى)
يَقُول فِيهَا
(من قَاتل الأفرنج دينا غَيره
…
وَالْخَيْل مثلُ السّيل عِنْد المشهد)
(رد الْأمان بِكُل ندب باسل
…
وَمن الْجِيَاد بِكُل نهد أجرد)
(وَمن السيوف بِكُل عضب أَبيض
…
وَمن العجاج بِكُل نقع أسود)
(حَتَّى لوى الْإِسْلَام تَحت لوائه
…
وَغدا بِحَمْد من شَرِيعَة أَحْمد)
وقرأت فِي ديوَان مُحَمَّد بن نصر القيسراني قصيدة فِي مدح تَاج الْمُلُوك بورى جد مجير الدّين أنْشدهُ إِيَّاهَا عِنْد كسرة الفرنج على دمشق فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَخمْس مئة وَهِي وَاقعَة تشبه الْوَاقِعَة فِي زمن مجير الدّين
أول القصيدة
(الْحق مبتهج وَالسيف مبتسم
…
وَمَال أَعدَاء فَخر الدّين مقتسم)
يَقُول فِيهَا
(قدت الْجِيَاد وحصنت الْبِلَاد وَأمنت
…
الْعباد فَأَنت الْحل وَالْحرم)
(وَجئْت بِالْخَيْلِ من أقْصَى مرابطها
…
معاقد الحزم فِي أوساًطها الحُزُم)
(حَتَّى إِذا مَا أحَاط الْمُشْركُونَ بِنَا
…
كالليل يلتهم الدُّنْيَا لَهُ ظلم)
(واقبلوا لَا من الإقبال فِي عدد
…
يؤود حَاسبه الإعياء والسأم)
(أجريت بحرا من الماذي معتكرا
…
أمواجه بأواسى الْبَأْس تلتطم)
(وسست جندك والرحمن يكلؤه
…
سياسة مَا يُعْفَى إثْرهَا نَدم)
(وقفت فِي الْجَيْش والأعلام خافقة
…
بالنصر كل قناة فَوْقهَا علم)
(يحوطك الله صونا عَن عيونهم
…
وَالله يعْصم من بِاللَّه بعتصم)
(حَتَّى إِذا بَدَت الآراء ضاحكة
…
وَأَقْبَلت أوجه الإقبال تبتسم)
(أتبعت جن سراياهم مضمرة
…
فِيهَا نُجُوم إِذا وجد الوغى رجموا)