الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَدخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخمْس مئة
فَتوجه نور الدّين نَحْو صرخد وَلم يُشَاهد أحسن من عسكره وهيئته وعدته ووفور عدته
وَاجْتمعَ العسكران وَأرْسل من بصرخد إِلَيْهِمَا يَلْتَمِسُونَ الْأمان والمهلة أَيَّامًا وتسلم الْمَكَان وَكَانَ ذَلِك مِنْهُم على سَبِيل المغالطة والمخاتلة إِلَى أَن يصل عَسْكَر الإفرنج لترحيلهم
وَقضى الله تَعَالَى وُصُول من أخبر بتجمع الفرنج واحتشادهم ونهوضهم فِي فارسهم وراجلهم مجدين السّير إِلَى نَاحيَة بصرى وَعَلَيْهَا فرقة وافرة من الْعَسْكَر محاصرة لَهَا
فَنَهَضَ الْعَسْكَر فِي الْحَال إِلَى نَاحيَة بصرى فسبقوا الفرنج إِلَيْهَا فحالوا بَينهم وَبَينهَا
وَوَقعت الْعين على الْعين فَانْهَزَمَ الْكفَّار وولوا الأدبار وتسلم معِين الدّين بصرى وَعَاد إِلَى صرخد فتسلمها وَعَاد العسكران إِلَى دمشق فوصلاها يَوْم الْأَحَد السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم
وَفِي هَذَا الْوَقْت وصل ألتونتاش الَّذِي خرج من صرخد إِلَى الفرنج بجهله وسخافة عقله إِلَى دمشق من بِلَاد الفرنج من غير أَمَان وَلَا تَقْرِير واستئذان توهما مِنْهُ أَنه يكرم ويصطنع بعد الْإِسَاءَة القبيحة والارتداد عَن الْإِسْلَام فاعتقل فِي الْحَال وطالبه أَخُوهُ خطلخ بِمَا جناه عَلَيْهِ من سمل عَيْنَيْهِ وَعقد لَهما مجْلِس حَضَره الْفُقَهَاء والقضاة وأوجبوا عَلَيْهِ الْقصاص فسمل كَمَا سمل أَخَاهُ وَأطلق إِلَى دَار لَهُ بِدِمَشْق فَأَقَامَ بهَا
قلت وَقد ذكر ابْن مُنِير وقْعَة بصرى هَذِه وَغَيرهَا من الوقعات الَّتِي يَأْتِي ذكرهَا فِي قصيدة قد تقدم بَعْضهَا مِنْهَا
(أَي شأو أدْركْت يَا نور دين الله
…
أعيا على الْمُلُوك لحاقه)
(نطق الحاسدون بِالْعَجزِ عَن ملك
…
محلى بالنيرات نطاقه)
(غض أَبْصَارهم لحاق جواد
…
لَيْسَ إِلَّا إِلَى الْمَعَالِي سباقه)
(سل بَصيرًا كم أعتقت يَوْم بصرى
…
من أسار الْمَوْت الزؤام عتاقه)
(كم عرام على العريمة شبت
…
ضَاقَ مِنْهُ على الصَّلِيب خناقه)
(وَلكم هبوة بهاب وأختيها
…
لَهَا صكت الْأُسَارَى رباقه)
(بسط الذل فَوق بسطة باسوطا
…
وَلَكِن طواه عَنهُ ارتفاقه)
وَفِي هَذِه السّنة ولد ببعلبك الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر بن أَيُّوب وَقيل فِي سنة فتح زنكي الرها
قَالَ أَبُو يعلى وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة الثَّالِث من ربيع الأول توفى الْفَقِيه شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْفَتْح نصر الله بن مُحَمَّد بن عبد الْقوي المصِّيصِي بِدِمَشْق وَكَانَ بَقِيَّة الْأَئِمَّة الْفُقَهَاء الْمُفْتِينَ على مَذْهَب الشَّافِعِي وَلم يخلف بعده مثله
قَالَ وَفِي جُمَادَى الْآخِرَة تقررت ولَايَة حصن صرخد للأمير مُجَاهِد الدّين بزان بن مامين على مبلغ من المَال وَالْغلَّة وشروط وأيمان دخل فِيهَا وَقَامَ بهَا واستبشر أهل تِلْكَ النَّاحِيَة بِهِ لما هُوَ عَلَيْهِ من حب الْخَيْر وَالصَّلَاح والتدين والعفاف
قَالَ وَفِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من شَوَّال وَهُوَ مستهل نيسان أظلم الجو وَنزل غيث سَاكن ثمَّ أظلمت الأَرْض فِي وَقت الْعَصْر ظلاما شَدِيدا بِحَيْثُ كَانَ ذَلِك كالغدرة بَين العشاءين وَبقيت السَّمَاء فِي عين النَّاظر إِلَيْهَا كصفرة الورس وَكَذَلِكَ الْجبَال وأشجار الغوطة وكل مَا ينظر إِلَيْهِ من حَيَوَان وجماد ونبات
ثمَّ جَاءَ فِي أثر ذَلِك من الرَّعْد القاصف والبرق الخاطف والهدات المزعجة والرجفات المفزعة مَا ارتاع لَهَا الشيب والشبان فَكيف الْولدَان والنسوان وقلقت لذَلِك الْخُيُول فِي مرابطها وَبَقِي الْأَمر على هَذِه الْحَال إِلَى وَقت الْعشَاء الْآخِرَة ثمَّ سكن بقدرة الله تَعَالَى واصبح على الأَرْض وَالْأَشْجَار وَسَائِر النَّبَات غُبَار فِي رقة الْهَوَاء بَين الْبيَاض والغبرة
قَالَ ابْن الْأَثِير وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فتح نور الدّين أرتاح بِالسَّيْفِ وحصن باراة وبصرفوث وكفرلاثا وَكَانَ الفرنج قد طمعوا وظنوا أَنهم بعد قتل الشَّهِيد يستردون مَا أَخذ مِنْهُم فَلَمَّا رَأَوْا من نور الدّين هَذَا الْجد علمُوا أَن مَا أَملوهُ بعيد