الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رجل يدرس العلم ويفتي الناس ويسكن بقرب السماط أكان يعرفني؟ قال نعم. قال له والأول ما كان يعرفني؟ قال لا، قال: فكذلك الكافر الذي يقول إن للمعبود صاحبة وولداً وإنه جسم من الأجسام، فانفصلوا عن رأيه.
مناظرة الخروبي والليسيثني والهبطي
وما عقب به اليوسي عليها
كتب أبو عبد الله الخروبي الطرابلسي رسالة إلى أهل فاس يتكلم فيها على القواعد الخمس فجاء فيها قوله أثناء الكلام على القاعدة الأولى وهي لا إله إلا الله: «ومن الأدب أن لا يتناول نفيك عند النطق بحرف النفي إلا ما ادعاه المشركون من الآلهة سوى الله تعالى وليكن الحق جل جلاله ثابتاً عندك في حالة النفي والإثبات. والى هذا أشار بعض العلماء حيث قال: النفي لما يستحيل كونه والإثبات لما يستحيل عدمه، فنقم الناس عليه هذه العبارة لما يلزم عليها من الكذب في الخبر الإلهي. وكان اليسيثني مفتي الحضرة يومئذ فكتب عليه يقول: أن ذلك لا يصح من أوجه، الأول أنه يخالف ما اتفق عليه النحاة والمتكلمون من أن الاله المراد به الجنس والحقيقة ولا يبني مع لا إلا إذا كان كذلك فهو كلي ولا شيء مما ادعاه المشركون بكلي، إذ ما يدعونه ويعبدونه جزئيات خارجية متشخصة، الثاني أنه لو كان كذلك لكان الاستثناء منقطعاً ولا قائل به والأصل في الاستثناء الاتصال. الثالث أنه ليس فيها ادعاه
كبير أدب بل الأدب أن يكون النفي شاملاً لوجود كل إله يقد سوى الحق سبحانه على ما قاله النحاة أو للماهية لا بقيد على ما قاله المتكلمون كما هو معروف في بحثهم مع النحاة حيث يقيدون بالوجود. الرابع أن في كلامه تناقضاً حيث نقل عن بعض العلماء أن النفي لمن يستحيل كونه والإثبات لمن يستحيل عدمه فإن من يستحيل كونه مفهومه كلي لا يحضر فيما ادعاه المشركون فإن سلم هذا الكلام لزمه التناقض. وما قاله هذا العالم هو الحق الذي لا شك فيه، وقد اعترض الهبطي كلامهما معاً فقال في بيان وجه المواخذة على الخروبي: إنه سلط النفي على ما ادعاه المشركون، وما ادعاه المشركون ثابت موجود لا يتناوله النفي بالكلية. وقال في وجه المواخذة على اليسيثني مخاطباً له: أنكم تعقبتم على الخروبي قصر النفي على ما ادعاه المشركون فقط حتى إنه لو ادخله في جنس الالاه ليعم لكان مسلماً عندكم. والحق أن جنس الإله المعبود بحق، غير جنس الإله المعبود بالباطل. إذ كل واحد مميز بحده محتو على أفراده.
ولما قال الهبطي ما ذكر رد عليه اليسيثني وشنع عليه الناس تشنيعاً عظيماً في قوله إن معبودات الكفار لا دخل لها في النفي ثم وصلت المسألة إلى السلطان وهو محمد الشيخ السعدي فبعث إلى الهبطي وعقد بفاس مجلساً للمناظرة لكن الهبطي لم يشأ أن يدخل فيها فانفصلوا على غير طائل ولم تزل المسألة مثار نزاع شديد بين الطلبة والمؤلفين في التوحيد
حتى تادت إلى العصر العلوي فتصدى لها أبو علي اليوسي وبسطها بما لا مزيد عليه من البيان في كتابه القيم «مناهج الخلاص من كلمة الإخلاص» . ونحن نقتضب من كلامه جملاً نقرر بها معنى ما تقدم، فإنه قال بعد هذا الكلام: وإذ قد تعرضنا لكلام هؤلاء الأئمة فلا بد أن نتصفحه بعض التصفح ونشير إلى ما عند كل واحد في كلامه ما لا بد من الإشارة إليه والتنبيه عليه معطياً إن شاء الله كل ذي حق حقه، ومعطياً أيضاً الحق حقه، فإن لحوم العلماء مسمومة، والصدع بالحق سنة معلومة. ثم قال:
أما كلام الخروبي فموضع الاعتراض منه هو قوله إن النفي لا يتناول إلا ما ادعاه المشركون من آلهة سوى الله تعالى فإنه يظهر إنه أراد الآلهة الخارجية عند المشركين من حجر وشجر وفلك ونحو ذلك فاعترض عليه اليسيثني بأن هذه الخارجية جزئيات ومدخول لا يجب أن يكون كلياً إلى آخر كلامه. واعترض عليه الهبطي بأن تلك الآلهة الخارجية موجودة فلم يصح نفيها فإن نفي الموجود كذب. وهذا مبني على أن المراد من قوله ما ادعاه المشركون مصدوقه الخارجي وليس هذا بواجب أن يراد، ولا بد أن تعلم أنه من الأشياء الضرورية أن كل لفظ واقع على كلي كالإنسان والفرس والشجر ونحو ذلك لا بد له من اعتبارين أحدهما مفهومه وهو ما يتصور منه كالحيوان الناطق من الإنسان والحيوان الصاهل من الفرس مثلاً الثاني مصدوقه وهو ما يقع عليه من الأفراد باعتبار وجود معناه فيه كزيد وعمرو وزينب وهند للإنسان، فأما
الأول وهو المفهوم فهو كلي أبداً في نحو هذا وهو متصور في الذهن سواء كان له وجود في الخارج أم لا. وأما الثاني وهو المصدوق فقد يوجد للكلي منه واحد وقد يوجد كثير وقد لا يوجد شيء أصلاً كالشريك وبحر من زئبق.
إذا تقرر هذا فنقول قول الخروبي ما ادعاه المشركون يحتمل أن يريد به مصدوقه الخارجي كالشجر والحجر وهذا موضع الاعتراض ويحتمل أن يريد به مفهومه وهو مفهوم الشريك الكلي أو الشركاء فإن المشركين على اختلاف نحلهم وتباين مللهم من وثني وفلكي وثنوي ومثلث وغير هؤلاء متفقون على أمر واحد هو القدر المشترك بينهم وهو تجويز أن يكون مع الله جل اسمه وتعالت كلمته من يشاركه في استحقاق العبادة ثم لم يقتصروا على هذا التجويز بل حكموا بوجود ذلك غير إنهم اختلفوا بعد ذلك فمنهم من يثبت شريكاً واحداً هو فاعل الشر كالثنوي، ومنهم من يثبت اثنين كالنصراني المثلث. وهؤلاء غلاء المشركين القائلون بالشركة في الألوهية الحقيقية. ومنهم من لا تنضبط حاله بل يثبت ما اتفق له ما قام له عليه داع إلى الشركة وباعث إلى العبادة كغيرهم من الوثنيين والفلكيين ونحوهم فقد اجتمعوا على إثبات الشريك المستحق العبادة في الجملة. وهذ مفهوم كلي من غير التفات إلى مصدوقاته الخارجية في زعمهم. ولا شك أن هذا المفهوم الكلي قد ادعوه كلهم ولا أشكال أنه هو المنفي في الكلمة المشرفة فيجب أن يكون هو
المعنى في قول ما ادعاه المشركون فلا يبقى على الخروبي اعتراض لا من قبل اليسيثني لأن هذا كلي لا جزئي ولا من قبل الهبطي لأن هذا منفي ليس بموجود ولا يصح وجوده. ثم قال:
وقول المعترض إن في كلام الخروبي تناقضاً حيث أتى بكلام ذلك العالم فإن من يستحيل كونه مفهومه كلي إلى آخره يقال لهذا المعترض من يستحيل كونه مفهومه كلي وله مصدوق جزئي وهو معبود الكافر بحسب وصفه المدعى باطلاً فإن كونه مستحقاً لأن يعبد مستحيل وهكذا كلام الخروبي له مفهوم كلي ومصدوق جزئي فلم غلبت في كلام هذا العالم رعاية المفهوم حتى صح كلامه وفي كلام الخروبي رعاية المصدوق حتى بطل كلامه؟ » ثم قال:
وأما كلام اليسيثني فموقع الاعتراض منه قوله ليس فيما ادعاه، يعني الخروبي، كبير أدب بل الأدب أن يكون النفي شاملاً لكل إله يقدر سوى الحق سبحانه الخ فالظاهر منه أنه يقول ينبغي للخروبي أن لا يقتصر بالنفي على ما ادعاه المشركون من الآلهة الباطلة بل يجعل النفي متوجهاً إليها وإلى غيرها من كل ما يقدر سوى الله تعالى، ومبنى الاعتراض عليه أنه أراد أن يضم ما وقع عند الخروبي من الجزئيات الخارجية إلى كل ما يقدر ليعم النفي فيقع الاعتراض من جهتين. إحداهما أن تلك الجزئيات الخارجية موجودة فلا يصح نفيها. الثانية أن في هذا تهافتاً لأنه قال أولاً في اعتراضه على الخروبي أن الجزئيات لا يصح
أن تكون مدخولة للا؛ لإن مدخول لا إنما يكون جنساً كلياً فكيف استباح هنا أن تدخل هي وغيرها؟ ولا يصيرها انضمام غيرها إليها كلية بعد إذ كانت جزئية والجواب عن اليسيثني أنه ما أراد إدخال المعبودات الجزئية في النفي من حيث هي كذلك وإنما مراده أن الأدب هو الخروج عن هذا المسلك وترك الالتفات إلى ذوات المعبودات الخارجية وذلك بأن يجعل النفي متسلطاً على كل إله يقدر في الذهن مستحقاً للعبادة غير مولانا جل وعز كما صرح به من غير التفات إلى ما ادعي في الخارج وما لم يدع. ثم قال:
وأما كلام الهبطي فموقع الاعتراض منه هو قوله إن معبودات الكفار لا دخل لها في النفي، فإن القول بذلك يقتضي إنها مسلمة متروكة لم يتعرض لأبطالها وإن الكفار لم يقع الرد عليهم فهم مقرون على عبادتها واعتقاد ألوهيتها مع أن مدلول هذه الكلمة من إبطال كل إله سوى الله تعالى وإثبات الألوهية الله تعالى مما علم من الدين ضرورة. ومحمل كلامه عندنا وجهان. أحدهما إنها من حيث ذواتها أي الحجر والشجر والفلك والنار وغير ذلك لا تنفى، وهذا لا أشكال فيه ويوافق الخصوم عليه إذ لا إشكال أن الأجرام وكذا الأعراض لا دخل لها في مستحق العبادة المنفي في كلمة الإخلاص. الثاني إنها من حيث وصفها أي كونها آلهة باطلة لا تستحق أن تعبد ولا أن يتقرب إليها ولا بها لا تنفي أيضاً. وهذا أيضاً صحيح لا شك فيه لأن هذا الوصف أعني كونها آلهة باطلة لا