المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المقامات مقامة الافتخار (1) ببن العشر الجوار لعبد المهيمن الحضرمي برزت يوماً لخارج بلد - النبوغ المغربي في الأدب العربي - جـ ٢

[عبد الله كنون]

فهرس الكتاب

- ‌رسالة من المستشرق بروكلمان

- ‌المنتخبات الأدبيةقسم المنثور

- ‌قسم المنثور

- ‌التحميد والصلاة

- ‌تحميد القاضي عياضجمع فيه بين توحيد الجلالة وتمجيد صاحب الرسالة

- ‌تسبيح للمهدي بن تومرت

- ‌دعاء ومناجاة لأبي العباس السبتي

- ‌صلاة لعبد السلام بن مشيشوهي المعروفة بالصلاة المشيشية

- ‌صلاة لمحمد بن سليمان الجزوليمن كتابه دلائل الخيرات

- ‌صلاة لإبراهيم التازيوتعرف بالصلاة التازية

- ‌تحميد لمحمد ميارةيذكر فيه هداية الإسلام وجهاد النبي عليه السلام

- ‌صلاة لمحمد بن ناصرمن كتابه الغنيمة، (حرف الهمزة)

- ‌صلاة للمعطي بن الصالحمن كتابه الذخيرة، يذكر فيها شرف الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم

- ‌تحميد لخالد العمريمن خطبة له إثر عزل أحد ولاة الجوار بمدينة طنجة عام 1243 ه

- ‌صلاة للمختار الكنتيمن كتابه نفح الطيب، ضمنها عمود النسب الكريم

- ‌الخُطب

- ‌خُطبةلطارق بن زياد

- ‌خطبة إدريس الأزهرقالها بإثر مبايعته وهو ابن إحدى عشرة سنة

- ‌خطبة أخرى له

- ‌خطبة لعبدالله بن ياسينخطبها في شيوخ المرابطين وقد طعن في حروبهمع «برغواطة»

- ‌خطبة للقاضي عياضفي الحض على

- ‌خطبة للمهدي بن تومرتخطبها في شيوخ المصامدة عاهداً إلى عبد المومن

- ‌خطبة للقاضي أبي حفص بن عمريحذر فيها من مذهب الفلاسفة ويحض على اتباع السنةوهو متأثر في ذلك، ولا شك، بحملة المنصور الموحدي على الفلسفة

- ‌خطبة للمنصور المرينيكان له بإسبانيا غزوات عظيمة ومن بعض خطبه فيهايحض جيشه على القتال قوله:

- ‌خطبة لابن رشيدقام ابن رشيد للخطبة يوم الجمعة بعد فراغ المؤذن الثانيظنه الثالث فكثر لغط الناس فقال بديهة

- ‌خطبة وعظية لأبي مدين الفاسي

- ‌خطبة في التذكير والترغيبلأبي عبدالله الرهوني

- ‌خطبة للسلطان مولاي سليمان العلويفي التحذير من بدع المواسم والطوائف الضالة

- ‌خطبة وعظية للعربي الزرهونيعلى حسب أطوار الإنسان وسنيه

- ‌المناظرات

- ‌أ- في الدين

- ‌مناظرة أبي عمران الفاسي الفقهاء القيروان

- ‌مناظرة الخروبي والليسيثني والهبطيوما عقب به اليوسي عليها

- ‌ب- في الأدب

- ‌مناظرة مالك بن المرحللابن أبي الربيع النحوي، في كان ماذا

- ‌ج- في السياسة

- ‌مناظرة المهدي بن تومرت لعلماء مراكشبحضرة علي بن يوسف بن تاشفين

- ‌مناظرة السلطان زيدان بن المنصور الذهبيللشيخ يحيى بن عبدالله بن سعيد الحاحي

- ‌الرسائل

- ‌أ- السلطانيات

- ‌توقيع يوسف بن تاشفينعلى كتاب الفونش

- ‌كتابه بالفتح في واقعة الزلاقة إلى العدوة

- ‌كتاب عبد المؤمن إلى الشيخ محمد بن سعدالمعروف بابن مردنيش صاحب شرق الأندلسيدعوه إلى الدخول في دعوتهم ويظن أنه من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية

- ‌رسالة من عبد المومن أيضاً إلى أهل تلمسانوهي من إنشاء الكاتب أبي عقيل بن عطية

- ‌توقيعه على رسالة أبي جعفر بن عطية

- ‌رسالة أبي حفص الهنتاتي إلى عبد المؤمن بالفتحفي ثورة أبن هود، وهي من إنشاء الوزير أبي جعفر بن عطية

- ‌ومنها في ذكر الثائر المذكور

- ‌توقيع المنصور الموحدي على كتاب الفونش

- ‌توقيع آخر له

- ‌رسالة للمأمون الموحدي من إنشائهفي الإعلان بإبطال دعوى المهدي وعصمته

- ‌توقيع له

- ‌رسالة للأمير سلمان الموحدي من إنشائهإلى ملك السودان ينكر عليه تعويق التجار

- ‌توقيع له

- ‌كتاب السلمان أبي الحسن المريني إلى الملك الناصر محمد بن قلاوونصاحب مصر، في شأن ركب الحاج المغربي والمصحف الذيخطه بيده ووقفه على الحرم النبوي الشريف

- ‌كتاب منه إلى الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل بن محمد بن قلاوونفي التعزية بوالده وأغراض أخرى

- ‌كتاب السلطان أبي سعيد المريني الأصغر إلى الملك الناصر فَرَج بن برقوقيعلمه باستعداده لمناصرته على العدو المهاجم

- ‌بيعة صاحب مملكة بُرْنُو من أقطار السودانللمنصور الذهبي. أنشأها له كاتب المنصورعبد العزيز الفشتالي

- ‌كتاب المنصور الذهبي إلى الشيخين البدر القرافي والزين البكريفي إعلامهما ببعض الفتوح وتشوُّفه للأندلس

- ‌توقيعه على كتاب جُؤْذر

- ‌كتابٌ للسلطان مولاي الحسن العَلوي

- ‌توقيعات له

- ‌(ب) الاخوانيات

- ‌رسالة للقاضي عياض إلى الفتح ابن خاقانحمله فيها تحية للرئيس أبي عبد الرحمان بن طاهر

- ‌رسالة لأبي الحسن بن مروان الرباطي الكاتبإلى ابن الربيب المؤرخ وقد استعار منه نسخة من تاريخ غريب

- ‌رسالة لابن هانئ السبتي أجاب بها أبا القاسم الشريفوكان بعث له بقصيدة همزية فرد عليه بقصيدة مثليها وهذا النثر

- ‌رسالة لابي جعفر الجنان المكناسي بعث بها لابن الخطيبوقد فاتحه بنظيرتها محركاً قريحته

- ‌رسالة للقاضي أبي عبد الله الفشتالي إلى ابن الخطيبجواباً عن مخاطبة مدح وثناء بعث بها إليه

- ‌رسالة لعبد العزيز الفشتالي بعث بها إلى المقريصاحب نفح الطيب جواباً عن كتاب كتبه له قبيل تشريقه

- ‌رسالة للأديب محمد ابن إبراهيم الفاسي إلى الشهاب محمود الخفاجيجواباً عن كتاب بعث به إليه

- ‌(ج) (المتفرقات)

- ‌رسالة للقاضي أبي موسى بن عمرانالمتوفي سنة 578 إلى ولد له بفاس قد ناهز الحلم

- ‌رسالة أبي جعفر بن عطية إلى عبد المؤمن يستعطفه بها

- ‌رسالة أبي الخطاب بن دحيةإلى والي بجاية يسأله تسريح خديم له أخذ في غزاة البحروقد ارتكب فيها غريب اللغة على عادته

- ‌رسالة إلى عبد الواحد المراكشيمن صديق له صبي لم يبلغ الاحتلام، يخبره ببعض الفتوح

- ‌عقد توبة لميمون الخطابي

- ‌إهداء أبي القاسم الشريف ديوان شعره إلى ابن الخطيب

- ‌كتاب الأستاذ ابن حكم السلوي إلى المقري الجدوكان بعث له بمحرر للبيع فسأله إبداله بإحرام تونسي

- ‌رسالة لأبي بكر بن شبرينإلى أبي الحكم بن مسعود وهو شاهد بالمواريث يداعبه فيها

- ‌المقامات

- ‌المقامة الزهريةفي منح المكارم البكرية لمحمد المكلاتي

- ‌مقامة الحجاملابن الطيب العلمي

- ‌المقامة النطوانيةله

- ‌مقامةللوزير ابن إدريس

- ‌المحاضرات

- ‌خير العلم ما حوضر بهشجاعة إدريس الأزهر

- ‌الحسن الحجام

- ‌محاسن الزهد والورع

- ‌تحري القاضي ابن محسود للعدالة

- ‌ملح أهل التصوف

- ‌وكل ناطقة في الكون تطربني

- ‌همة عالم

- ‌عالم ابن دلأل

- ‌حسن الجواب

- ‌بين عبد المؤمن ووزيره

- ‌أعاقبه بالحلم

- ‌المنصور الموحدي والفيل

- ‌سوء الفال

- ‌وقف على الشعراء

- ‌بين أمرين

- ‌مُلح نحوية

- ‌من محاسن التصحيف

- ‌حديث اللظافة)

- ‌نجابة الأولاد

- ‌بديهة الجراوي

- ‌الأصيل في فاس

- ‌بين ابن عبدوس وابن الجهم

- ‌الوجد مع الوجد

- ‌حسن الاعتذار

- ‌حسن التعليل

- ‌من اللطائف في التشميت

- ‌شاعر بليد الطبع

- ‌المودة في القربى

- ‌إنك لبحر

- ‌حلم المنصور الموحدي وعلمه

- ‌من إكرام أبي العلاء الموحدي للعلماء

- ‌هي الشمس

- ‌حيوانات معلمة

- ‌أحب سلا

- ‌نتيجة العلم

- ‌تظليل صحن القرويين

- ‌تحت ثريا القرويين

- ‌قاض حضرمي

- ‌فتحت لنجلك باب الفتوح

- ‌بين ابن المرحل وابن رشيق

- ‌زكانة ابن البناء

- ‌شعر للشريف المومنانييغنيه ابن الطراحة

- ‌محتسب وشاعر

- ‌حلف لا يمشي شاعره لداره إلا على الذهب

- ‌من حكاياتهم في العفاف

- ‌من محاسن الكناية

- ‌غريبة رابغ

- ‌آخر ما نسمع منهم

- ‌كلم نوابغللكاتب محمد بن سلمان من رجال الأنيس

- ‌المقالات

- ‌البلاغة النبوية للقاضي عياض

- ‌الألقاب والنعوتلابن الحاج الفاسي

- ‌النارجيللابن بطوطة

- ‌أطول الطريقللشيخ زروق

- ‌التاريخوالألفاظ المستعملة فيهلأحمد بن عرضون

- ‌التوشيح والوشاحونللإفراني

- ‌تقسيمُ العُلومُإلى فلسفيّة ومِلِّيَّةوبيان ما تواطأت عليهالمِلَّة والفلسفة مِنْهَالأبي علي اليوسي

- ‌القلم في اللغةلأكنْسُوس

الفصل: ‌ ‌المقامات مقامة الافتخار (1) ببن العشر الجوار لعبد المهيمن الحضرمي برزت يوماً لخارج بلد

‌المقامات

مقامة الافتخار (1)

ببن العشر الجوار

لعبد المهيمن الحضرمي

برزت يوماً لخارج بلد فاس الأشهر، وانتهيت إلى واديها المعروف بوادي الجوهر، فلم يكن غير بعيد، وإذا بمحفل يرتج بالغيد، وقد دار بينهن عتاب، بألفاظ تعجز عنها ألسنة الكتاب، بيضاء وسمرا، في مفاتنة كبرى، وكاملة وقصيرة في معاطاة كثيرة، وسمينة ورقيقة، في معاتبة حقيقة، وعربية وحضرية، في مجادلة قوية، وعجوز وصبية، في مخاصمة بذية، فبينما أنا أنظر في تلك الوجوه المشرقة والقدود المرونقة، واذا بجارية يغلب ضياء وجهها ضياء الشمس، فوقفت بين الصفوف وسلمت ببنانها الخمس، ثم تقدمت وقالت:

الحمد لله الذي جعل البياض طراز كل جمال، وشرف أهله بالحياء والكمال وأعطاهم عزة لا تبيد، وصير السمر لهم عبيد، ألا

(1) لم نظفر بنسخة صحيحة لهذه المقامة إلا نسختين شديدتي التصحيف وقد بذلنا جهدنا في تصحيحها وسبكها بما يقربها من صنع كاتبها البليغ.

ص: 491

وإن على قلبي جمرة، من معاتبتك يا ذات السمرة أعندك يا سمراء ما عندي، وليس قدك كقدي ولا خدك كخدي، جبيني ذو ابتهاج، ودواني كقطع الزاج (1)، ورشح عرفي كمسك اذفر، يرشح من تحت البرد والمغفر، وتغري أقحوان، وديباج وجهي أرجوان، وإن أسبلت شعري المضفور فظلام ليل على بياض كافور، ثم أنشدت:

قل للذي أزرى بأهل البياض. . . ما أنت إلا باطل الاعتراض

فورد خدي أبداً زاهر. . . في كل فصل فوق خدي رياض

يا حاسدي مت كمداً إنما. . . تجني المنى من الحدود الغضاض

ثم سلمت بالبنان، وأمسكت العنان، فتقدمت السمراء وحطت اللثام، عن وجه شهي الإلتثام، وأبلغت في السلام، وأقبلت تواضعه على رؤوس الأقدام، فوقفت كالغلام وأفصحت في الكلام، وقالت:

الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وجعله أفضل الحيوان، وفرق بين الصور والألسنة والألوان، وزين الأبيض بشعر كالغسق، وامتداد الحاجبين وسواد الحدق، وأجل ما يقف له العاشقون إجلالاً، ويرتجلون فيه الأشعار ارتجالاً، مسكة الخال، وعقرب الدلال ثم

(1) الزاج عقار يصنع منه المداد.

ص: 492

التفتت إلى البيضاء وقالت: يا أشبه شيء بجبن الروم، أخرقت حجاب الأشروم (1)، ما زال طعامك قليل الملح، وجفنك كثير الرشح، ولبنك أذى، وعسلي أنا غذا، ولوني لون الخمر، وطعمي طعم التمر، ثم أنشدت:

الحمد لله ليس التبر كالورق. . . قد أحسن الله في خلقي وفي خُلقي

فالجسم مني ضار صيغ منظره. . . بمسكة فغدا طيباً لمنتشق

يا من يعيرنا باللون إن لكم. . . جهلاً يقود إلى الطغيان والحمق

كم أسمر قلبه كافورة وله. . . من العادة نجم لاح في الأفق

فلما فرغت من كلامها، وما أبدعته من حسن نظامها، تبرقعت بنقابها، وسلمت على الصفين، وقبلت أسارير الكفين، وإذا بجارية تتخطى الرقاب، بعد أن حطت النقاب عن ديباج صقيل، ورنت بطرف كحيل، ومالت بقد قويم وردف ثقيل، فسمعتها تقول: إليكم يا ذوي العقول، فلعلكم تحكمون بيني وبين هذه القصيرة، فإنها عمية البصيرة، تعيب الكمال، وهي الطبقة الثانية من الجمال، ثم قالت في الثناء على ذي الجلال وأجادت في المقال:

الحمد لله فالق الأصباح من بعد الغيوم، لا إله إلا هو الحي القيوم،

(1) لعله يعني الفرج فإن من أسمائه الشريم ولم نقف على الأشروم.

ص: 493

وصلى الله وسلم على محمد نبيه الذي ارتضاه لنفسه حبيباً وخليلاً، وأرسله لجميع خلقه نبياً ورسولاً، ثم قالت: أين هذه التي تعيب ما لا يعاب، وتدخل نفسها في الأمور الصعاب، لا تحجب عين الشمس بالغربال، والثعلب لا يقابل بالأشبال، يا هذه خطابك إلي من غير الواجب، ألم تسمعي أن العين ولو علت فوقها الحاجب، فإلى كم يا زريعة يأجوج ومأجوج، يكون فرسك معي للشر مسروج، ثم صالت وما اعتدت فأنشدت:

نحن قوم لنا بهاء البنود. . . ولدينا تفاخر بالقدود

كل زين أزينه بكمالي. . . وجمالي وغنج لحظي وجيدي

وإذا ما القصار قلدن حلياً. . . صار كالدر في نحور القرود

فلما أتمت كلامها، وأنهت نظامها، إذا بالقصيرة قد أقبلت تجر أذيالها وتواتر أقوالها، فولولت وصاحت، وأعلنت بما في ضميرها وباحت، ثم قعدت على أعلى مكان، وتكلمت بأفصح لسان، فقالت تخاطب الطويلة: يا شقيقة الزرافة، إلى كم تطيلين هذه الخرافة، يا ناقة العشير (1)، وقصبة النشير (2)، ويا كاملة الصاد (3)، وقليلة القصاد، نحن

(1) العشير الزوج والمقصود تشبيهها بالناقة في الطول.

(2)

لعله يريد القصبة التي يرفع بها حبل الغسيل حين ينشر وبالنشير يعرف في لسان العامة.

(3)

الصاد داء يصيب الإبل فتسيل أنوفها فتسمو برؤوسها.

ص: 494

أهل المعاني الرقاق وفتنة العشاق، وعلى منظرنا طلاوة، ورونق وحلاوة، فأرى لك من الرأي والتدبير أن تأخذي معي في التقصير، فإن الله تعالى خلق الكامل والمتوسط والقصير، على أن القصر والكمال، إنما هو في الأفعال، ثم قعدت على أعلى مكان، وتكلمت بأفصح لسان، فقالت:

الحمد لله الملك الكبير، الذي ليس له حاجب ولا وزير، وصلى الله وسلم على محمد نبيه وعلى أله ما هب نسيم وفاح عبير. ثم أنشدت:

غزلان الأنس ذوو القصر. . . وشفاء النفس مع البصر

فيعيش القلب بمنظرنا. . . وتقر العين من النظر

وإذا ما الروض أتيت فلذ. . . بقصار القد من الشجر

إياك النخل فإن لها. . . طولاً يهديك إلى الغرر

وبينما هما في طويل من الكلام وعريض، يتنازعان أبيات القريض، إذا بضجيج، كضجيج الناس في الحجيج، والناس قد تطاولت أعناقهم، وشخصت أحداقهم وإذا أنا بقلاع، يسوق مركباً موسوقاً بالسلاع، فقلت ما هذه السفينة، فقيل لي هذه الجارية السمينة، فدار المحفل عليها كالحلقة، فقلت سبحان من لا يمل من خلقة، فحطت من القلق رداءها، وغاظت بأعكانها حسادها وأعداءها، وقد تكلل العرق على جبينها

ص: 495

كدر الحباب، وفتنت بروض خدها ذوي الألباب ثم قالت:

الحمد الله باسط الرزق وسابغ النعم المنفرد في ديموميته بالقدم، والصلاة على خيرته من خلقه سيد العرب والعجم، صلاة تنجي العبد يوم المزدحم، ثم اعتمدت بكفها على عطفها، ومالت كالبحر الزاخر، فقدمت المقادم وأخرت المواخر وقالت: أين هذه المسفولة الصوت، الواقفة بين ميدان الحياة وميدان الموت المنفوضة اللحم، التي حرم عليها كما حرم على بني إسرائيل الشحم، المنغصة العيش، الكثيرة الطيش، الضعيفة المخاخ، الشديدة الفخاخ، النحيلة من غير علة، الهزيلة من غير قلة، كفي يا مسقومة عني هذه الغرارة، وأعلمي أن على جسمي من الزينة نضارة، أقتنص بها القلوب من غير حيلة ولا إدارة، ونهدي وأعكاني، يغنياني عن الشورة (1) في أركاني، ثم أنشدت:

الحمد لله في سر وفي علن. . . حمداً يخلصني من ظلمة المحن

قد نلت ما أشتهي في الدهر من أرب. . . في العقل والقلب مني ثم في البدن

أن البهاء يزين الخلق منظره. . . كما تزان حلى الأشجار بالدمن

أرحت قلبي من هم ومن سهر. . . وساعد السعد بالأفراح في زمني

يا من تعود بالتوبيخ كف فما. . . يشبه العجف في الأنعام بالسمن

(1) الشورة زينة العروس وثيابها وحليها وما تصحبه معها من متاع لبيت الزوج.

ص: 496

وذهبت لتجلس، فما استقر بها القعود، إلا وجارية وقفت كأنها كوكب السعود، تبتهج باللطف والابتسام، وتضطرب كما يضطرب الحسام، وتبسم عن ثغر كاللئال، ريقه كالعذب البارد الزلال، ثم قالت: إلي إلى يا معشر العشاق فعلى مثلي تندب الأطلال ويجري الدم المراق، وحمدت الله عز وجل بقولها:

الحمد لله الذي أودع الحكمة في النفوس الرقاق، باعث الخلق وناشرهم يوم التلاق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بالحوض والشفاعة واللواء والبراق، ما حدا حاد وساق الركب إليه مشتاق، يا من حضر في مجلسنا، ولاذ بأنسنا، أسمعت مقالة هذه العاهة، وما ظهر منها من قلة النزاهة، هذه التي تفتح فمها مثل التمساح، وتبلغ القرع وتخرجها صحاح، وإن قرب منها الرجل لمقصد أو سول، غرق في بحر بسول، قلبها بالعلف هائم، كما تفعل البهائم. ثم أبرقت وأرعدت، وقالت فأنشدت:

يا عاهة ليس لها من خلاق. . . هواك قد أنساك يوم التلاق

والحشر والنشر وأهواله. . . وخجلة العبد وخوف المساق

لو كان للقلب به فكرة. . . لكان للجسم ضنى واحتراق

نحن رقاق في النفوس ولا. . . يرق قلب الصب الأوراق

ثم قالت: وما حيلك أيتها العاهة إذا جاوزت الأربعين،

ص: 497

وأتتك العلل بجيش ظاهر غير كمين، وقد تدلت منك الحواصل، وهجرك الصديق المواصل، وتكمشت منك الحلاقم، وتفرقت على أعضائك البلاغم، وتعطلت منك القوائم، فلا تتحركين إلا بعجلة ودعائم وأنشدت:

إذا رق الحسام قضى وأمضى. . . وخط بحده جيد النفاق

وإن رق الزجاج وراق فيه. . . رقيق الخمر لذ لكل راق

فتبصره نحيلاً في نحيل. . . ويعظم فعله عند المذاق

ثم إني سمعت صوتاً يصيح، ويقول بلسان فصيح:

مهلاً رويداً يا جميع من حضر. . . حتى أقول بين بدو وحضر

من هن ربات الخدود الناضرة. . . ذات الخيام أو نساء الحاضرة

نحن جوار من بنات البادية. . . ملامح الحسن علينا بادية

فإن بدت منكن لي مكلمة. . . أنا التي أردها مكلمة

ثم حطت اللثام، عن وجه يشبه البدر ليلة التمام وقالت:

الحمد لله الذي أمره بين الكاف والنون، الحاضر الناظر القاهر الذي بيده ملكوت كل شيء واليه ترجعون، وصلى الله على النبي الذي نور الأفئدة فأبصرت البصائر وقرت العيون، وأنشدت:

ص: 498

قد مال الحسن إلى العرب. . . نحن الأقمار بلا كذب

فلا أرج ولنا غنج. . . ولنا دعج بالسحر حبي

ولنا كرم ولنا همم. . . ولنا ذمم للمكتئب

ولقاصدنا فينا أرب. . . فيما يرجوه من الأرب

قد شرف محتدنا وكفي. . . أن المختار من العرب

صل ما دمت عليه تفز. . . يوم الأهوال من الكرب

ثم قالت: نحن ربات القلوب، ومنتهى غاية كل مطلوب، جمالنا أبدع جمال ولساننا أفصح لسان، فالعربية بهذا البيان قمر في شكل إنسان. وسكتت فإذا بجارية حضرية، ذات جمال فائق وهمة سنية، نادتها: كفي عن الجدال، ودعي هذا الاحتيال، فإن من بالمعاطاة يلوذ، كمن يدخل بجهله في زقاق غير منفوذ، إياك أن تذكري في هذا المحفل نسباً أو قبيل، وإن أردت أن تفتحي للحرب باباً فأنا على السبيل، وأعلمي أن رعيان الجمال، لا يفتخرون بحسن ولا بجمال، ثم قالت:

الحمد لله الذي فضل على البادية الحاضرة، وأعطانا الراحة في الدنيا وأعاننا على طريق الآخرة، وخصنا بأحسن الملابس وأيمن المواطن، وأثمن قلوبنا في الظاهر والباطن، ووشحنا بالحلى والحلل، وأسكننا في القصور والدور في ظل الحجب والكلل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له عدة للقائه يوم تكون النفوس حاضرة، والوجوه

ص: 499

الناضرة إلى ربها ناظرة، وصلى الله على محمد وعلى أله وأصحابه وأصهاره، وأزواجه وحزبه وأنصاره، وقالت: ما أعطيت الهمة السنية، إلا للجارية الحضرية، خدي مورد، ونحرني مفند، ولا يرى صدري العابد الزاهد إلا تنهد، ثم أنشدت:

ألا إنما الحسن حسن الحضر. . . علينا ومنا وفينا ظهر

فإن كنت يا هذه نجمة. . . بأعلى السماء فإني قمر

بسحر الجفون وغنج العيون. . . أسل القلوب كسل الشعر

ومن ليل شعري ظلام المسا. . . ومن وجنتي الصباح الأغر

فلما أتمت الحضرية الأبيات، وقد أفصحت في المبادئ والغايات، إذا بهزة عظيمة في المحفل، كاد يرجع أعلاه منها أسفل، فأتت عجوز قد اشتبكت مع صبية، وبينهما معاطاة ومجادلة قوية، والصبية تنادي وتقول: كثر الحمق وقلت العقول، يا قوم اعدلوا بيني وبين هذه العجوز، بكلام يتعقل ويجوز، فقالت العجوز: يا هذه الزمي الوقار، وكفي النقار، فأنا أفصح منك وأعلم، وأسبق وأقدم، ولا أحق بالتعظيم، ممن له الحق القديم، ثم قالت:

الحمد لله راحم الشيب، وساتر العيب، وجامع الناس ليوم لا شك فيه ولا ريب. أنا من ذوات العهود والمواثق، أجمع بين المعشوق والعاشق، وأزوج العرائس، وأقبل النفائس، وأشرف المجالس، ولا

ص: 500

تجري السفينة إلا بمحاولة الرانس، ألجم الرجل بالشكيمة، وأرده في الأركان يدور كالبهيمة، على أنني أقضي له المئارب والأوطار ويجد عندي كل سلعة لا توجد عند العطار، وأرفع المؤن والوظائف، ولا أطالبه بشيء من التكالف، وأقنع منه بالزبيبة، وأكون له تارة محدثة وتارة طبيبة، فانظري أيتها الصبية من يكون لك عون، ولا تمشي على أثري فتغرقي كما غرق فرعون، فإني أكثر منك بحثاً عن المناسب، ولي معرفة وذهن ثاقب، وإن شئت مناظرتي ومناضلتي ففكري في العواقب ثم أنشدت:

أمنت الدهر يا بنت الزواني. . . وصار لك إليها نصب العيان

فكم طفل قضى في خفض عيش. . . وأخلف ظنه بعد الأمان

إله العرش عمرني وأبقي. . . سعودي ثم ساعدني زماني

جررت الذيل في زمن افتخاري. . . ونزهت الجفون بمهرجان

وإني اليوم من ستين عاماً. . . ولكني أعد من الحسان

فيوم في المجالس باتعاظ. . . ويوم في المحافل والمغاني

(قال الكاتب) وكانت العجوز مخطوبة البنان، مسوكة الفم وليس لها أسنان، مصبوغة الحاجب والسالف، تندب على ما فاتها في الزمن السالف، ثم أنشدت، فأجادت فيما قصدت:

ص: 501

إذا جف لين التين يحلو مذاقه. . . وأحلى مذاقاً في الثمار العجائز

عجزت وليس القلب مني عاجزاً. . . وإني لمن قد رام حربي مبارز

فطعمي ذكي طيب النشر عاطر. . . وإنسان عيني للمحبين غامز

ثم قالت: وإن أردت يا هذه المجون والرقاعة، فأنا والله ربة الصناعة وأستاذة الجماعة، وإذا بالصبية قد أتت تدرج درج القطا على الأقدام، وتبدت فأقبلت إقبال العام، ووردت ورود الغني على أهل الإعدام، وهي تزعم بنفسها كما يزعم البطل المقدام، إذا ساعدته الأيام، ترمق بلحظ نائم وتفعل بأشفارها في قلوب العاشقين ما تفعله الصوارم، ثم نادت: أيتها العجوز الشمصا، يا من كشفت بعيبها عن نفسها الغطا، أما قنعت يا عجوز، يا نشوز، أما كفاك، سد الله بالشوك فاك، هيهات هيهات يا عجوز، يا بنت الدروز، أن يكون لك بعد الهرم طلق، أو يكون الجديد مثل الخلق، أما رأيت شعري الفاحم، وتغري الباسم وغصني الناعم. ثم حطت النقاب، فأخرجت الشمس من تحت السحاب، وقد سلمت على القوم فأفصحت، وقالت فأوضحت:

الحمد لله الذي غرس ريحانة الشباب، في قلوب ذوي الألباب، ثم قالت، وللعجوز أشارت: ويحك لو كنت تبكين على ما مضى، لكان لك أقرب إلى الرضى وأنشدت:

نور الشباب له عز وسلطان. . . وللسعادة أرجاء وأوطان

وللمحاسن أوصاف تقوم بها. . . وللحقائق آيات وبرهان

ص: 502

روض الشباب تبدت فيه أربعة. . . ورد وزهر ونسرين وريحان

من قال إن زمان الشيب يشبهه. . . عهد الشباب فذاك القول بهتان

يأتي العجوز اندبي ما قد مضى أسفاً. . . ترحلت عنك أوقات وأزمان

وأنتم يا أهيل الحسن كلكم. . . بيني وبينكم في الحرب ميدان

فلما فرغت الصبية من النظام، أقبلت الجواري والعجوز عليهن من أمام، فقالت لها: بورك فيك من صبية، وفي ألفاظك الزكية، وسأقول بينكن مقاله أنصاف يقتضيها الحق وجميل الأوصاف، أما البيضاء وذات السمرة، فتلك فانيدة وهذه تمرة، وزينة الدنيا ذهب ونقرة، ثم قالت للكاملة والقصيرة، مسألتكما عندي يسيرة، إذا كانت الصورة الحسناء كاملة، فهي من النعم الشاملة، وعلى هذا فالقصيرة الذراع، لا يمتد لها في مجال الفخر باع، فإن القصر مذلة، بسبب هذه العلة، فتأدبي مع ذات الكمال، فإنها أبهى منك وأمتع للرجال، ولو كنت بالسوية معها في الجمال، ثم قالت للسمينة والرقيقة، تالله لا أخفي عنكما من معاني الحسن حقيقة، فالسمينة رياض وجنان، والرقيقة روح وريحان، ثم قالت للبدوية والحضرية، سأفصل بينكما بحكم الإنصاف في هذه القضية، أما القول الصحيح فكل واحدة منكما في زيها أملح مليح، فالعربية تصلح للحضر والسفر، والحضرية لا تصلح إلا للحضر، وأما أنا والصبية، فحجتها واضحة وحجتي غير جلية، لأنها أبرع مني في الجمال، وأنفع للرجال، وأما العجوز مثلي فقد هرمت بمضايقة الآجال، فما لأحد فيها مجال. ثم انصرف القوم، وارتفع العتاب واللوم.

ص: 503